این مطلب بدون برچسب می باشد
يُعدّ السادس من جدّي 1358هـ ش (25 ديسمبر/كانون الأول عام 1979) واحدًا من أحلك الأيام في تاريخ أفغانستان؛ يومٌ واجه فيه هذا البلد أحد أخطر وأكبر أشكال العدوان في التاريخ المعاصر.
ففي ذلك اليوم لم يكن الهجوم السوفيتي على أفغانستان مجرّد اجتياحٍ عسكري، بل كان اعتداءً شاملًا استهدف ثقافة الشعب الأفغاني، وعقيدته، وقيمه الدينية، وهي جراح ما تزال آثارها ماثلة في وجدان هذا الشعب حتى اليوم بعد نحو 5 عقود من الزمان.
في السادس من جدّي عام 1358هـ ش (1979م)، اقتحمت قوات الجيش السوفيتي أراضي أفغانستان بأكثر من خمسةٍ وعشرين ألف جندي، ولم يكن يخطر ببال الأفغان آنذاك أن هذا الهجوم سيكون بداية حربٍ شرسة تستهدف كل ما هو عزيز عليهم: الأرض، والدين، والهوية، والكرامة.
كان هذا الغزو الشرارة الأولى لاشتباكاتٍ دموية وعنيفة بين الجيش الأحمر والمجاهدين الأفغان، اشتباكات ألحقت دمارًا واسعًا بالبُنى الاجتماعية والثقافية للبلاد، وخلّفت جراحًا عميقة في جسد المجتمع الأفغاني.
ولم يتوقف العدوان السوفيتي عند حدود الاحتلال الجغرافي، بل تحوّل إلى هجومٍ مباشر على هوية الشعب الأفغاني الدينية والثقافية، فقد استخدم الجيش الأحمر أحدث ما لديه من طائراتٍ حربية، ودبابات، ومعدّات عسكرية متطورة، ليقصف المدن والقرى، وبيوت المدنيين، ولم تُبدِ القوات الغازية أيّ رحمة، فدمّرت كل ما وقع في طريقها بلا تمييز بهدف كسرة إرادة الشعب الأفغاني.
وفي تلك الحقبة السوداء، ارتُكبت جرائم مروّعة؛ قصفٌ وحشي، ومجازر جماعية، وتعذيبٌ همجي، وتشريدُ ملايين الأبرياء من ديارهم، ودفن آلاف الأحياء وهم لا زالوا على قيد الحياة، وسقوط ملايين الشهداء، فيما أُجبر ملايين آخرون على الهجرة القسرية واللجوء إلى دول الجوار.
ومع كل هذا الألم والدمار، لم يخضع الشعب الأفغاني يومًا لهذا الظلم، بل نهض الأفغان بشجاعةٍ نادرة، وإرادةٍ صلبة، وواجهوا الاحتلال مقاومةً تلو الأخرى، وانطلقت حركات الجهاد والمقاومة، يقودها في الغالب شبابٌ بسطاء من عامة الشعب، مسلّحين بالإيمان، وحبّ الوطن، والعقيدة الإسلامية.
وبرغم تواضع الإمكانات، اعتمد المجاهدون الأفغان على أساليب حرب العصابات والتكتيكات غير النظامية، وتمكنوا بأسلحةٍ بسيطة من مواجهة واحدةٍ من أقوى الجيوش في العالم آنذاك، ومع مرور السنوات، تحوّلت هذه الحرب غير المتكافئة إلى استنزافٍ قاسٍ للاتحاد السوفيتي، انتهى بهزيمته بعد نحو تسع سنوات من القتال والوحشية.
ولم تكن هزيمة السوفيت في أفغانستان حدثًا محليًا فحسب، بل زلزالًا سياسيًا غيّر موازين القوى العالمية، فقد أسهمت هذه الهزيمة بشكلٍ كبير في تسريع نهاية الحرب الباردة، وكانت من العوامل الرئيسة التي مهّدت لانهيار الاتحاد السوفيتي في السنوات اللاحقة.
لقد أثّرت تلك الهزيمة مباشرة في التوازن الدولي، وأجبرت القوى الكبرى، وعلى رأسها الدول الغربية، على إعادة النظر في حساباتها ورؤيتها للنظام العالمي.
ويبقى السادس من جدّي 1358(1979م) شاهدًا خالدًا على مقاومة الشعب الأفغاني الأسطورية ضد الاحتلال الأجنبي، ورمزًا للشجاعة، والصمود، ورفض الخضوع للظلم والطغيان.
وفي تلك الحرب، وجّه الأفغان رسالةً واضحة إلى العالم مفادها أنه: مهما بلغت قوة السلاح، ومهما اشتدت الضغوط، فلن تستطيع أي قوةٍ كسر إرادة أمةٍ حيّة، ولقد أثبتت وحدة الشعب الأفغاني، وشجاعته، وثباته وإيمانه قبل كل شيء، أن الإيمان بالله ثم حب الحرية واستقلال الأرض قادر على هزيمة أعظم الجيوش، لتبقى أفغانستان، كما كانت دائمًا، أرضًا عصيّة على الغزو ونقطةً فارقة في تاريخ العالم المعاصر.