Prev 3. Surah l-'Imrn سورة آل عمران Next



تفسير البغوي - عمران - Al-i-Imran -
 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم
الأية
1
 
{ بسم الله الرحمن الرحيم ، { ، قوله تعالى ، { الم * الله ، { قال الكلبي و الربيع بن أنس وغيرهما: نزلت هذه الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب : أمير القوم وصاحب مشورتهم ، الذي لايصدرون إلا عن رأيه ، واسمه عبد المسيح ، والسيد: ثمالهم وصاحب رحلهم ، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم. دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات - جبب وأردية في (جمال) رجال الحارث بن كعب، يقول من رآهم : ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : '' دعوهم } ، فصلوا إلى المشرق ،(فسلم) السيد و العاقب فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم { أسلما ، { قالا أسلمنا قبلك قال ، { كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير ، { ، قالا :إن لم يكن عيسى ولداً لله فمن يكون أبوه ؟ وخاصموه جميعاً في عيسى ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :'' ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ ، { قالوا بلى قال:'' ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شئ يحفظه ويرزقه ، { قالوا: بلى ، قال ، { فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً'' ؟ قالوا: لا ، قال:'' ألستم تعلمون أن الله لايخفي عليه شئ بفي الأرض ولا في السماء؟ ، { قالوا: بلى ، قال :'' فهل يعلم عيسى عن ذلك شيئاً إلا ما علم ؟ ، { قالوا : لا، قال :'' فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء (وربنا ليس بذي صورة وليس له مثل) وربنا لا يأكل ولا يشرب } ، قالوا: بلى، قال } : ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأه ثم وضعته كما تضع المرأه ولدها ، ثم غذى كما يغذي الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ ، { ، قالوا: بلى ، قال ، { فكيف يكون هذا كما زعمتم؟'' ،فسكتوا ، فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فال عز من قائل : { الم * الله ، { مفتوح الميم ، موصول عند العامة ، وانما فتح الميم لالتقاء الساكنين ، حرك إلى اخف الحركات ، وقرأ أبو يوسف ويعقوب بن خليفة الأعشى عن أبي بكر: { الم * الله ، { مقطوعاً سكن الميم على نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء وأجراه على لغة من يقطع ألف الوصل.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
الأية
2
 
{ قوله تعالى { الله ، { ابتداء وما بعده خبر، والحي القيوم نعت له.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ
الأية
3
 
{ نزل عليك الكتاب } ، أي القرآن { بالحق ، { بالصدق'' مصدقاً لما بين يديه ، { لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع ، { وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل ، { وإنما قال: وأنزل التوراة والأنجيل ، لأن التوراة وافنجيل أنزلا جملة واحدة ، وقال في القرآن { نزل ، { لأنه نزل مفصلاً ، والتنزيل للتكثير ، والتوراة قال البصريون : أصلها وورية على وزن فوعلة ، مثل :دوحلة وحوقلة، فحولت الواو الأولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفاً فصارت توراة ، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة ، وقال الكوفيون : أصلها تفعلة مثل توصية وتوفية فقلبت الياء ألفاً على لغة ط ئ فإنهم يقولون للجارية جاراة ، وللتوصية توصاة ، وأصلها من قولهم: ورى الزند إذا خرجت ناره، وأوريته أنا ، قال الله تعاليى:'' أفرأيتم النار التي تورون } (الواقعة-71) فسمي التوراة لأنها نور وضياء قال الله تعالى: { وضياء وذكرا للمتقين } (الانبياء-48) وقيل هي من التوراة وهي كتمان (السر) والتعريض بفيره ، وكان أكثر التوراة ،معاريض من غير تصريح. والإنجيل:إفعيل من النجل وهو الخروج ومنه سمي الولد نجلاً لخروجه،فسمي الإنجيل به لأن الله تعالى اخرج به دارساً من الحق عافياً ، ويقال:نهو من النجل وهو سعة العين، سمي به لأنه أنزل سعة لهم ونوراً،وقيل: التوراة بالعبرانية تور، وتور معناه الشريعة والإنجيل بالسريانية أنقليون ومعناه الإكليل.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
الأية
4
 
{ قوله تعالى:'' هدى للناس'' هادياً لمن تبعه ولم يثنه لأنه مصدر { وأنزل الفرقان ، { المفرق بين الحق والباطل ، وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس. قوله تعالى:'' إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
الأية
5
 
{ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الأية
6
 
{ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، { ذكراً أو أنثى، أبيض أو أسود، حسناً أو قبيحاً، تاماً أو ناقصاً،'' لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، { وهذا في الرد على وفد نجران من النصارى ، حيث قالوا : عيسى ولد الله ، فكأنه يقول: كيف يكون لله ولد وقد صوره الله تعالى في الرحم. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن احمد بن محمد الأنصاري ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي،أناعلي بن الجعد ، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية عن الأعمش ، عند زيد بن وهب ،قال:سمعت عبد الله بن مسعود يقول :حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق'' إن خلق أحدكم يجمع في بطن امه أربعين يوماً نظفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك/ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله اليه الملك ، { أو قال:'' يبعث اليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزفه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ، { قال:'' وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها }. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي، أنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا سفيان بن عيينه، عن عمرو بن دينار،عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم باربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يارب أشقي أو سعيد؟ فيكتب ذلك ، فيقول : يارب أذكر ام أنثى؟ فيكتبان ، ويكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها و لاينقص.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
الأية
7
 
{ قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ، { مبينات مفصلات، سميت محكمات من الاحكام ، كأنه أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها'' هن أم الكتاب } ، أي أصله الذي يعمل عليه في الاحكام ، وإنما قال:'' هن أم الكتاب ، { ولم يقل امهات الكتاب ان الايات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام الله واحد وقيل: معناه كل آية منهن ام الكتاب كما قال } : وجعلنا ابن مريم وأمه آية } (50-المؤمنون) أي كل واحد منهما آية { وأخر ، { جمع أخرى ولم يصرفه لأنه معدول عن الآخر ، مثل: عمرو و زفر { متشابهات ، { فإن قيل كيف فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكماً في موضع أخر ؟ . فقال: { الر كتاب أحكمت آياته }(1-هود) وجعله كله متشابهاً في موضع آخر فقال : { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها } {23-الزمر). قيل: حيث جعل الكل محكماً ، أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعل الكل متشابهاً اراد بعضه يشبه بعضاً في الحق والصدق وفي الحسن، وجعل هاهنا بعضه محكماً وبعضه متشابهاً. واختلف العلماء فيها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات هن الآيات الثلاث في صورة الأنعام ، { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } (151) ونظيرها في بني اسرائيل ، { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } (23-الإسراء) الآيات ، وعنه أنه قال: المتشابهات حروف التهجي في أوائل السور. وقال مجاهدو عكرمه : المحكم ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه يشبه بعضه بعضاً في الحق ويصدق بعضه بعضاً، كقوله تعالى: { وما يضل به إلا الفاسقين } (26-البقرة) { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } (100-يونس). وقال قتاده والضحاك والسدى : المحكم الناسخ الذي يعمل به ، والمتشابه المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به . وروى علي بن أبي طلحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولايعمل به ، وقيل : المحكمات ما أوقف الله الخلق على معناه والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه لاسبيل لاحد الى علمه ، نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها ، وقيام الساعة، وفناء الدنيا. وقال محمد بن جعفر بن الزبير : تلمحكم مالا يحتمل من التاويل غير وجه واحد ، والمتشابه ما احتمل وقيل: المحكم مايعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلالها لائحة لا تشتبه ، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر ، ولايعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل . وقال بعضهم: المحكم مايستقل بنفسه في المعنى ، والمتشابه مالا يستقل بنفسه إلا برده الى غيره. قال ابن عباسرضي الله عنهما في رواية (باذان): المتشابه حروف التهجي في أوائل السور ، وذلك أن رهطاً من اليهود منهم حيي بن اخطب و كعب بن الاشرف ونظراؤهما ، أتو النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له حيي: بلغنا أنه أنزل عليك (الم) فننشدك الله انزلت عليك ؟ قال: نعم قال: فإن كان ذلك حقاً فإني أعلم مدة ملك أمتك ، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ قال: نعم(المص) قال: فهذه اكثر هي إحدى وستون ومائة سنة، قال : فهل غيرها؟. قال : نعم(الر.قال: هذه أكثر هي مائتا وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ ام بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا فأنزل الله تعالى:'' هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابها }. '' فأما الذين في قلوبهم زيغ } ، أي ميل عن الحق وقيل شك ، { فيتبعون ما تشابه منه ، { واختلفوا في المعني بهذه الآية .قال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام ، وقالوا له : ألست تزعم انه كلمة الله وروح منه؟ قال:بلى قالوا: حسبنا ، فأنزل الله هذه الآية. وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمل . وقال ابن جريح: هم المنافقون، وقال الحسن : هم الخوارج، وكان قتادة اذا قرأ هذه الآية:'' فأما الذين في قلوبهم زيغ ، { قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبأية فلا أدري من هم ، وقيل: هم جميع المبتدعة. أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد ابن اسماعيل، أنا عبد الله بن مسلمة، أنا يزيد بن ابراهيم التستري ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنهما قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات }- إلى قوله اولو الألباب قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيت الذي يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. قوله تعالى:'' ابتغاء الفتنة ، { طلب الشرك قاله الربيع والسدي ، وقال مجاهد : ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم'' وابتغاء تأويله ، { تفسيره وعلماه، ودليله قوله تعالى: { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } (78-الكهف) وقيل: ابتغاؤه عاقبته، وهو طلب أجل هذه الأمة من حساب الجمل ، دليله قوله تعالى'' ذلك خير وأحسن تأويلا }(350-الإسراء) أي عاقبة. قوله تعالى :'' وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، { اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم:الواو في قوله والرساخون واو العطف يعني: أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم'' يقولون آمنا به ، { وهذا قول مجاهد والربيع ، وعلى هذا يكون قوله ، { يقولون ، { حالا معناه: والراسخون في العلم قائلين آمنا به ، هذا كقوله تعالى:/'' ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى }(7-الحشر)ثم قال: '' للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم } (8-الحشر) إلى أن قال } : والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم }(9- الحشر) ثم قال ، { والذين جاؤوا من بعدهم }(10-الحشر) وهذا عطف على ماسبق، ثم قال:'' يقولون ربنا اغفر لنا }(10-الحشر) يعني هم مع استحقاقهم الفئ يقولون ربنا اغفر لنا، أي قائلين على الحال. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما انه كان يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العم ، وروي عن مجاهد :أنا ممن يعلم تاويله . وذهب الأكثرون الى ان الواو في قوله { والراسخون ، { واو الاستئناف ، وتم الكلام عند قوله:'' وما يعلم تأويله إلا الله ، { وهو قول ابي بن كعب و عائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم و راوية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائيوالفراءوالأخفش ، وقالوا: لا يعلم تأويل المتشابه الا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحداً من خلقه ، كما استاثر بعلم الساعة ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، ونحوها، والخلق متعبدون في المتشابه بالايمان به، وفي المحكم بالإيمان به والعمل، ومما يصدق ذلك قراءة عبد الله ان تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، وفي حرف أبي : ويقول الراسخون في العم آمنابه. وقال عمر بن عبد العزيز : في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتاويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ربنا. وهذا قو قيس في العربية وأشبه بظاهر الآية. قوله تعالى: { والراسخون في العلم } ، أي الداخلون في العم، هم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شكن وأصله من رسوخ الشئ في الشئ وهو ثبوته يقال: رسخ الايمان في قلب فلان يرسخ رسخاً ورسوخاً، وقيل: الراسخون في العلم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام واصحابه ، دليله قوله تعالى:'' لكن الراسخون في العلم منهم }(162- النساء) يعني(المدارسين) علم التوراة وسئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن الراسخين في العلم قال: العالم العامل بما علم المتبع له ، وقيل: الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله ، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما و مجاهد والسدي : بقولهمآمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم:آمنا به،أي بالمتشابه { كل من عند ربنا ، { المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا وما لم نعلم'' وما يذكر'' وما يتعظ بما في القرآن ، { إلا أولو الألباب ، { ذوو العقول.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
الأية
8
 
{ قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا } ، أي ويقول الراسخون : ربنا لاتزغ قلوبنا أي لاتملها عن الحق والهدى كما ازغت قلوب الذي في قلوبهم زيغ ، { بعد إذ هديتنا ، { وفقتنا لدينك والايمان بالمحكم والمتشابه من كتابك'' وهب لنا من لدنك ، { أعطنا من عندك'' رحمة ، { توفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من الإيمان والهدى، وقال الضحاك: تجاوزاً ومغفرة ، { إنك أنت الوهاب }. اخبرنا أبو الفرج المظفر بن أسماعيل التميمي ، أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهميأنا أبو احمد ابن عدي الحافظ،أناأبو بكر بن عبد الرحمن بن القاسم القرشي يعرف بإبن الرواس الكبير بدمشق ،انا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ،أنا صدقة ،أنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر ،حدثني بشر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثنيالنواس بن سمعان الكلابي قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم :'' ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء ان يزيغه أزاغه ، { ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، { اللهم يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، والميزان بيد الرحمن يرفع قوماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة }. أخبرنا احمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو بكر احمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، انا عبد الرحيم بن منيب، أنا يزيد بن هارون ، أنا سعيد بن إياس الجريري عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
الأية
9
 
{ قوله تعالى:'' ربنا إنك جامع الناس ليوم } ، أي لقضاء يوم ، وقيل: اللام بمعنى في ، أي في يوم ، { لا ريب فيه } ، أي لاشك فيه، وهو يوم القيامة ، { إن الله لا يخلف الميعاد ، { وهو مفعال من الوعد.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
الأية
10
 
{ قوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني ، { لن تنفع ولن تدفع'' عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ، { قال الكلبي : من عذاب الله وقال أبو عبيدة : من بمعنى عند،أي عند الله ، { شيئا وأولئك هم وقود النار * كدأب آل فرعون }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الأية
11
 
{ كدأب آل فرعون ، { قال ابن عباس رضي الله عنهما و عكرمه ومجاهد : كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب ، وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة : كسنة آل فرعون ، وقالالاخفش: كامر آل فرعون وشانهم ، وقال النضر بن شميل : كادة لآل فرعون ، يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول وجحود الحق كعادة آل فرعون،'' والذين من قبلهم ، { كفار الأمم الماضية ، مثل عادو ثمود وغيرهم'' كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ، { فعاقبهم الله { بذنوبهم ، { وقيل نظم الآية :'' إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ، { عند حلول النقمة والعقوبة مثل ىل فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم { والله شديد العقاب.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
الأية
12
 
{ قوله تعالى:'' قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ، { قرأ حمزةو الكسائي بالياء فيهما ، أي انهم يغلبون ويحشرون ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما ، على الخطاب، أي :قل لهم:أنكم ستغلبون وتحشرون . قال مقاتل:أراد مشركي مكة، معناه:قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة ، فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، { إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم }. وقال بعضهم: المراد بهذه الآية: اليهود، وقال الكلبي عن أبي صالح عنابن عباس رضي الله عنهما: إن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر: هذا- والله - النبي الذي بشرنا به موسى لاترد له راية ، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لاتعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له اخرى، فلما كان يوم احد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا فغلب عليهم الشقاء،/فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهدد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً الى مكة ليستفزهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقال محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً: أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر ورجع الى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يامعشر اليهود احذروا من الله مثل مانزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل أن ينزل بكم مثل مانزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكمفقالوا:يامحمد لايغرنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة ، وإنا والله لو قاتلناك لعرفت انا نحن الناس، فأنزل الله تعالى'' قل للذين كفروا ستغلبون'' تهزمون'' وتحشرون'' في الآخرة { إلى جهنم } '' وبئس المهاد ، { الفراش، أي بئس مامهد ، يعنىالنار.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ
الأية
13
 
{ قوله تعالى:'' قد كان لكم آية ، { ولم يقل قد كانت لكم ، ولآية مؤنثة لأنه ردها إلى البيان أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى. وقال الفراء: إنما ذكر لآنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث، فذكر الفعل، وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه ، فمعنى الآية : قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول أنكم ستغلبون .'' في فئتين ، { فرقتين وأصلها فئ الحرب ،لأن بعضهم يفئ الى بعض'' التقتا ، { يوم بدر'' فئة تقاتل في سبيل الله ، { طاعة الله ، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين ، ومائتان وستة وثلاثون من الآنصار ، وصاحب راية المهارجين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة ، وكان فيهم سبعون بعيراً وفرسان ، فرس للمقداد بن عمرو،وفرس لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجاله ، وكان معهم من السلاح ستة ادرع وثمانية سيوف. قوله تعالى:'' وأخرى كافرة } ، أي فرقة اخرى كافة ، وهم مشركو مكة ، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً من المقاتلة ، رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وفيهم مائة فرس، وكانت حرب بدر اول مشهد شهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم { يرونهم مثليهم ، { قرأ أهل المدينة ويعقوببالتاء، يعني ترون يامعشر اليهود اهل مكة مثلي المسلمين، وذلك أن جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا النصرة مع ذلك للمسلمين فكان ذلك معجزة وآية ، وقرأ الآخرون بالياء واختلفوا في وجهه: فجعل بعضهم الرية للمسلمين ، ثم له تأويلان، أحدهما يى المسلمون المشركين مثليهم كما هم ، فإن قيل: كيف قال: مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟ قيل: هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا احتاج الى مثلي هذا الدرهم يعني الى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم ، والتأويل الثاني- وهو الأصح- كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد انفسهم، قللهم الله تعالى في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين ، ثم قللهم الله في اعينهم في حالة أخرى حتى رأوهم مثل عدد انفسهم . قال ابن مسعود رضي الله عنه: نظرنا الى الشمركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا اليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. ثم قللهم الله تعالى ايضاً في أعينهم في حالة اخرى حتى رأوهم مثل عدد أنفسهم (قال ابن مسعود رضي الله عنه): حتى قل لرجل الى جنبي: تراهم سبعين؟ قال :أراهم مائة، قال بعضهم: الرؤية رادعة الى المشركين يعني يرى المشركون المسلمين مثليهم، قللهم الله قبل القتال في أعين المشركين ليجترئ المشركون عليهم ولا ينصرفوا فلما اخذوا في القتال كثرهم الله فيأعين المشركين ليجبنوا وقللهم في أعين المؤمنين ليجترؤوا ، فذلك قوله تعالى ، { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم }(44-الأنفال). قوله تعالى:'' رأي العين } ، أي في رأي العين نصب بنزع حرف الصنعة'' والله يؤيد بنصره من يشاء ، إن في ذلك ، { الذي ذكرت'' لعبرة لأولي الأبصار ، { لذوي العقول ، وقيل لمن أبصر الجمعين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
الأية
14
 
{ قوله تعالى:'' زين للناس حب الشهوات ، { نجمع شهوة وهي ما تدعو النفس اليه { من النساء ، { بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان'' والبنين والقناطير ، { جمع قنطار واختلفوا فيه قالالربيع بن انس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: القنطار ألف ومائتا أوقية ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما (والضحاك): ألف ومائتا مثقال . وعنهما رواية اخرى اثنا عشر الف درهم والف(دينار) دية أحدكم ، وعنالحسن القنطار دية احدكم ، وقال سعيد بن جبير وعكرمة هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم ، ولقد جاء الاسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا ، وقال سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفاً ، وقالمجاهد سبعون ألفاً ، وعنالسدي قال : أربعة الاف مثقال، وقالالحكم: القنطار مابين السماء والارض من مال، وقال ابو نضرة : ملء مسك ثور ذهباً أو فضة. وسمي قنطاراً من الإحكام ، يقال: قنطرت الشئ اذا احكمته ، ومنه سميت القنطرة. قوله تعالى:'' المقنطرة ، { قال الضحاك: المحصنة المحكمة ، وقال قتادة: هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض، وقال يمان: (المدفونة)، وقال السدي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير ، وقال (الفراء.المضعفة، فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة'' من الذهب والفضة ، { وقيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى ، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق'' والخيل المسومة ، { الخيل جمع لا واحد له من لفظة ، واحدها فرس، كالقوم والنساء ونحوهما المسومه ، قال مجاهد: هي المطهمة الحسان، وقالعكرمة:تسويمها حسنها،وقالسعيد بن جبير: هي الراعية ، يقال : أسام الخيل وسومها ، قالالحسن وابو عبيده : هي المعلمة من السيماء والسيماء العلامة، ثم منهم من قال: سيماها الشبة واللون وهو قول قتادة وقيل: الكي. '' والأنعام ، { جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه { والحرث } ، يعني الزرع { ذلك ، { الذي ذكرنا { متاع الحياة الدنيا ، { يشير الى انها متاع يفني ، { والله عنده حسن المآب } ، أي المرجع ، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الاخرة.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
الأية
15
 
{ قوله تعالى ، { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ، { قرأه العامة/ بكسر الراء، وروي ابو بكر عن عاصم بضم الراء وهما لفتان كالعدوان والعدوانه. أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي، انا احمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف،أنا محمد ابن اسماعيل،انا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب ، حدثني مالك عن زيد بن أسلمعن عطاء بن يسار عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا مالم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يارب وأي شئ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
الأية
16
 
{ قوله تعالى: { والله بصير بالعباد * الذين يقولون ، { إن شئت جعلت محل الذين خفضاً رداً على قوله { للذين اتقوا ، { وإن شئت جعلته رفعاً على الابتداء ، ويحتمل ان يكون نصباً تقديره أعني الذي يقولون { ربنا إننا آمنا ، { صدقنا ، { فاغفر لنا ذنوبنا ، { استرها علينا وتجاوز عنا ، { وقنا عذاب النار }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ
الأية
17
 
{ الصابرين والصادقين ، { ان شئت نصبتها على المدح، وان شئت خفضتها على النعت، يعنى الصابرين في أداء الأمر وعن ارتكاب النهي، وعلى البأساء والضراء وحين البأس ، والصادقين في إيمانهم ، قال قتادة : هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية { والقانتين ، { المطيعين المصلين { والمنفقين ، { اموالهم في طاعة الله { والمستغفرين بالأسحار ، { قال مجاهد وقتادة والكلبي : يعني المصلين بالأسحار وعن زيد بن اسلم انه قال: هم الذين يصلون الصبح ، في الجماعة وقيل السحر لقربه من الصبح، وقال الحسن : مدوا الصلاة الى السحر ثم استغفروا ، وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنه يحي الليل ثم يقول: يا نافع اسحرنا؟ فأقول لا: فيعاود الصلاة فإذا قلت: نعم نعم قد يستغفر الله ويدعو، حتى يصبح. اخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي، اخبرنا ابو محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي ، حدثنا ابو العباس محمد بن إسحاق السراج ، انا قتيبة، (بن سعيد) أنا يعقوب بن عبد الرحمنعنسهيل بن ابي صالح ، عن ابيه ، عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:'' ينزل الله الى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول :أنا الملك أنا الملك ، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له }. وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه : يابني لاتكن أعجز من هذا الديك يصوت من الاسحار وأنت نائم على فراشك.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الأية
18
 
{ قوله تعالى:'' شهد الله أنه لا إله إلا هو { قيل: هذه الآية في نصارى نجران. وقالالكلبي : '' قدم حبران من أحبار الشام على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال :أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة ، فقالا له : أنت محمد، قال : نعم، قالا له : وأنت أحمد ؟ قال :أنا محمد وأحمد قالا له : فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك ، فقال ،:اسألا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، { ، فأسلم الرجلان. قوله { شهد الله } ، أي بين الله لأن الشهادة تبين ، وقال مجاهد : حكم الله ( وقيل : علم الله) وقيل: أعلم الله انه لا إله إلا هو. قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال:'' شهد الله أنه لا إله إلا هو }. وقوله:'' والملائكة } ، أي وشهدت الملائكة ، قيل: معنى شهادة الله الإخبار ولإعلام ، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار. قوله تعالى ، { وأولو العلم } ، يعني الأنبياء عليهم السلام . وقال ابن كيسان يعني: المهاجرين والأنصار ، وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام واصحابه . قال السدي والكلبي : يعني جميع علماء المؤمنين.'' قائماً بالقسط } ، أي بالعدل . ونظم هذه الآية شهد الله قائماً بالقسط ، نصب على الحال، وقيل: نصب على القطع، ومعنى قوله ، { قائماً بالقسط } ، أي قائماً بتدبير الخلق كما يقال: فلان قائم بامر فلان، أي مدبر له ومتعهد لأسبابه وقائم بحق فلان أي مجاز له فالله جل جلاله مدبر رازق مجاز بالأعمال. '' لا إله إلا هو العزيز الحكيم }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الأية
19
 
{ إن الدين عند الله الإسلام } ، يعني الدين المرضي الصحيح ، كما قال تعالى :'' ورضيت لكم الإسلام دينا }(3- المائدة) وقال ، { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } (85-آل عمران) وفتح الكسائي الألف من ان الدين رداً على ان الأولي تقديره شهد الله انه لا إله إلا هو وشهد ان الذين عند الله الإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة ، يقال : أسلم أي دخل في السلم واستسلم ، قال قتادة في قوله تعالى ، { إن الدين عند الله الإسلام ، { قال: شهادة ان لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه (ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به). أخبرنا ابو عسيد الشريحي ، أنا ابو اسحق الثلبي، أنا ابو عمروا الفراتي ، انا موسى عمران بن موسى،أنا الحسن بن سفينان،أنا عمار بن عمر بن المختار ، حدثني أبي عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الاعمش وكنت اختلف اليه فلما كنت ذات ليلة اردت ان أتنحدر إلى البصرة ، فإذا الاعمش قائم من الليل يتهجد ، فمر بهذه الآية ، { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، { ثم قال الاعمش:وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة'' إن الدين عند الله الإسلام ، { قالها مراراً، قلت لقد سمع فيها شيئاً ، فصليت معه وودعته ، ثم قلت: إني سمعتك تقرأ آية ترددها فما بلغك فيها؟ (قال لي : أوما بلغك مافيها؟قلت: أنا عند منذ سنتين لم تحدثني) قال: والله لا احدثك بها الى سنة ، فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة ، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة قال : حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله :إن لعبدي هذا عندي عهداً ، وأنا أحق من وفي بالعهد ، أدخلوا عبدي الجنة } . قوله تعالى :'' وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ، { قال الكلبي : نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام ، أي وما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ماجاءهم العلم ، يعني بيان نعته في كتبهم ، وقال الربيع : إن موسى عليه السلام لما حضره الموت ، دعا سبعين رجلاً من احبار بني إسرائيل فاستودعهم/ التوراة واستخلف يوشع بن نون ، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء اولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء ، ووقع الشر والاختلاف ، وذلك من بعد ماجاءهم العلم يعني بيان مافي التوراة { بغياً بينهم } ، أي طلباً للملك والرياسة ، فسلط الله عليهم الجبابرة وقال محمد بن جعفر بن الزبير : نزلت في نصارى نجران ومعناها { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } ، يعني الإنجيل في أمر عيسى عليه السلام ، وفرقوا القول فيه إلا من بعد ماجاءهم العلم بإن الله واجد وأن عيسى عبده ورسوله { بغياً بينهم } ، أي للمعاداة والمخالفة ، { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
الأية
20
 
{ قوله تعالى:'' فإن حاجوك } ، أي خاصموك يا محمد في الدين ، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا لسنا على ماسميتنا به يامحمد إنما اليهودية والنصرانية نسب ن والدين هو الاسلام ونحن عليه فقال الله تعالى ، { فقل أسلمت وجهي لله } ، أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، وإنما خص الوجه لأنه اكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه ، فإذا خضع وجهه للشئ خضع له جميع جوارحه ، وقال الفراء: معناه أخلصت عملي لله ، { ومن اتبعن } ، أي ومن اتبعني أسلم كما اسلمت ، واثبت نافع وأبو عمرو الياء في قوله تعالى (اتبعني) على الأصل وحذفها الخرون على الخط لأنها في المصحف بغير ياء. وقوله :'' وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين } ، يعني العرب'' أأسلمتم ، { لفظه استفهام ومعناه امر ، أي أسلموا كما قال ، { فهل أنتم منتهون }(91-المائدة ) أي انتهوا ،'' فإن أسلموا فقد اهتدوا ، { فقراً رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال اهل الكتاب: اسلمنا ، فقال الليهود : اتشهدون ان عيسى كلمة الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله وقال للنصارى : أتشهدون ان عيسى عبد الله وروسله ؟ قالوا : معاذ الله ان يكون عيسى عبداً فقال الله عزو وجل ، { وإن تولوا فإنما عليك البلاغ } ، أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية ، { والله بصير بالعباد ، { علام بمن يؤمن وبمن لا يؤمن.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
الأية
21
 
{ قوله تعالى:'' إن الذين يكفرون بآيات الله ، { يجحدون بآيات الله يعني القرآن ، وهم اليهود والنصارى ، { ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، { قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون ، قال ابن جريح : كان الوحي يأتي على (انبياء) بني اسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكرون قومهم فيقتلون ، فيقولم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيقتلون أيضاً ، فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. أخبرنا أبو سعيد الشريحي،أنا اسحاق الثعلبي ،أناابو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري،اناابو نصر منصور بن جعفر النهاوندي،أنا أحمد بن يحيى بن الجارود،أنامحمد بن عمرو بن حيان،أنا محمد بن (حمير) ، اناابو الحسن مولى بني أسد عنمكحول عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: '' قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة ؟ قال : رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، { إلى أن انتهى إلى قوله ، { وما لهم من ناصرين ، { ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل أمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوهم جميعاً في آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله كتابه وأنزل الآية فيهم } { فبشرهم ، { اخبرهم'' بعذاب أليم ، { وجيع، وإنما أدخل الفاء على خبر إن وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم ، لأنه لا يقال : أن زيداً فقائم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
الأية
22
 
{ أولئك الذين حبطت'' بطلت ، { أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ، { وبطلان العمل في الدنيا أن لايقبل وفي الآخرة ألا يجازى عليه.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
الأية
23
 
{ قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ، يعني اليهود ، { يدعون إلى كتاب الله ، { اختلفوا في هذا الكتاب ، فقال قتادة: هم اليهود دعوا الى حكم القرآن فاعرضوا عنه. وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية :إن الله تعالى جعل القرآن حكماً فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فاعرضوا عنه، وقال الاخرون : هو التوراة. روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:'' دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المراس على جماعة من اليهود ، فدعاهم إلى الله عز وجل.فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يامحمد؟فقال : على ملة إبراهيم، قالا :إن إبراهيم كان يهودياً ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية } . وروىالكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم ، فرفعوا امرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوا أن يكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم فقال له النعمان بن اوفى وبحري بن عمرو : جرت عليهما يامحمد ليس عليهما الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { بيني وبينكم التوراة قالوا: قد أنصفتنا ، قال فمن أعلمكم بالتوارة قالوا رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا ، فأرسلوا إليه فقدم المدينة وكان جبريل قد وصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ابن صوريا؟ قال : نعم ، قال أنت اعلم اليهود؟قال:كذلك يزعمون قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ من التوارة ، فيها الرجم مكتوب ، فقال له : أقرأ فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ مابعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .فقال عبد الله ابن سلام يارسول الله قد جاوزها فقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما ، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع مافي بطنها ،فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما ، فغضب اليهود لذلك وانصرفوا فانزل الله عز وجل'' ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله }".

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
الأية
24
 
{ ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون * ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ، { والغرور هو الإطماع فيما لايحصل منه شئ { ما كانوا يفترون ، { والافتراء اختلاق الكذب.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الأية
25
 
{ قوله تعالى:'' فكيف إذا جمعناهم } ، أي فكيف حالهم او كيف يصنعون إذا جمعناهم { ليوم لا ريب فيه } (وهو يوم القيامة) '' ووفيت } (وفرت) { كل نفس ما كسبت } ، أي جزاء ماكسبت من خير او شر ، { وهم لا يظلمون } ، أي لاينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
26
 
{ قوله تعالى:'' قل اللهم مالك الملك ، { قال قتادة ذكر أن النبيى صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في امته فانزل الله تعالى هذه الاية . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وانس بن مالك رضي الله عنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد امته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود : هيهات هيهات من اين لمحمد صلى الله عليه وسلم ملك فارس والروم ؟ وهم اعز وامنع من ذلك ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم ؟ فأنزل الله هذه الآية { قل اللهم ، { قيل: معناه يالله فلما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره ، وقال قوم : للميم فيه معنى ، ومعناها ياالله أمنا بخير أي : اقصدنا ، حذف منه حرف النداء كقولهم : هلم الينا ، كان أصله هل ام الينا ، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة استخفافاً وربما خففوا أيضاً فقالوا: لاهم ، قوله { مالك الملك } (يعنى يامالك الملك) أي مالك العباد وما ملكوا ، وقيل يا مالك السموات والأرض ، وقال الله تعالى في بعض الكتب: أنا الله ملك الملوك ، ومالك الملوك وقلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد اطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. قوله تعالى: { تؤتي الملك من تشاء ، { قال مجاهد و سعيد بن جبير يعني ملك النبوة ، وقال الكلبي : تؤتي الملك من تشاء محمداً وأصحابه ، { وتنزع الملك ممن تشاء ، { أبي جهل وصناديد قريش وقيل : تؤتي الملك من تشاء : العربي وتنزع الملك ممن تشاء : فارس والروم ، وقال السدي ، تؤتي الملك من تشاء ، آتى الله الأنبياء عليهم السلام وأمر العباد بطاعتهم { وتنزع الملك ممن تشاء ، { نزعه من الجبارين وأمر العباد بخلافهم ، وقيل تؤتي من تشاء: آدم وولده وتنزل الملك ممن تشاء إبليس وجنوده. وقوله تعالى:'' وتعز من تشاء وتذل من تشاء ، { قال عطاء تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار وتذل من تشاء : فارس والروم ، وقيل تعز من تشاء محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها ، وتذل من تشاء : أبا جهل وأصحابه حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب ، وقيل تعز من تشاء بالإيمان والهداية ، وتذل من تشاء بالكفر والضلالة ، وقيل تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية ، وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء بالقهر، وقيل تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر ، وقيل تعز من تشاء بالقناعة والرضى وتذل من تشاء بالحرض والطمع ، { بيدك الخير } ، أي بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر احدهما قال تعالى : { سرابيل تقيكم الحر }(81-النحل) أي الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما ، { إنك على كل شيء قدير }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الأية
27
 
{ قوله تعالى : { تولج الليل في النهار } ، أي تدخل الليل في النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات { وتولج النهار في الليل ، { حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات ، فما نقص من احدهما زاد في الاخر ، { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ، { قرأ اهل المدينة و حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، { الميت ، { بتشديد الياء هاهنا وفي الأنعام ويونس والروم في الأعراف ، { لبلد ميت ، { وفي فاطر ، { إلى بلد ميت ، { زاد نافع { أو من كان ميتاً فأحييناه } (122-النعام) و ، { لحم أخيه ميتا } (12-الحجرات) و ، { الأرض الميتة أحييناها }(33-يس) فشددها ، والآخرون يخففونها ، وشدد يعقوب ، { يخرج الحي من الميت ، { و لحم اخيه ميتاً، قال ابن مسعود و سعيد بن جبير ومجاهد وقتاده : معنى الآية : يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة ، ويخرج النطفة من الحيوان وقال عكرمة والكلبي : يخرج الحي من الميت أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير ، وقال الحسن وعطاء . يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن ، فالمؤمن حي الفؤاد والكفار ميت الفؤاد ، قال الله تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه }(122-النعام) وقال الزجاج : يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس ، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي ، { وترزق من تشاء بغير حساب ، { من غير تضييق (ولا تقتير). اخبرنا ابو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي ، أنا ابو بكر احمد بن الحسن الحيري،أنا ابو جعفر عبد الله بن اسماعيل بن ابراهيم الهاشمي ،أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ،أنا محمد بن أبي الأزهر أنا الحارث بن عمير،أنا جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { إن فاتحة الكتاب و آية الكرسي والآيتين من آل عمران { شهد الله } - إلى قوله - '' إن الدين عند الله الإسلام } - و- '' قل اللهم مالك الملك } - إلى قوله - { بغير حساب ، { معلقات ، ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب /، قلن : يارب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك ؟ قال الله عز وجل : بي حلفت لايقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه ولأسكنته في حظيرة القدس ولنظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعذته من كل عدو وحاسد ونصرته منهم ، { رواه الحارث عن عمرو وهو ضعيف.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
الأية
28
 
{ قوله عز وجل: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، { قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الحجاج بن عمرو بن ابي الحقيق وقيس بن زيد (يظنون) بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر و عبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لإولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم ، فأبى اولئك النفر إلا مباطنتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في حاطب بن ابي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن ابي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل (فعلهم). قوله تعالى:'' ومن يفعل ذلك } ، أي موالاة الكفار في نقل الأخبار اليهم واظهارهم على عورة المسلمين { فليس من الله في شيء } (أي ليس من دين الله في شئ) ثم استثنى فقال'' إلا أن تتقوا منهم تقاة } ، يعني: إلا ان تخافوا منهم مخافة ، قرمجاهد ويعقوب تقية على وزن بقية لانهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف ، مثل حصاة ونواةو وهي مصدر يقال تقيته / تقاة وتقى تقية وتقوى فإذا قلت اتقيت كان المصدر الاتقاء ، وانما قال تتقوا من الاتقاء ثم قال : تقاة ولم يقل اتقاء لأن معنى اللفظين اذا كان واحداً يجوز اخراج مصدر احدهما على لفظ الآخر كقوله تعالى :'' وتبتل إليه تبتيلا }(8-المزمل). ومعنى الآية :ان الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم الا ان يكون الكفار غالبين ظاهرين ، او يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالايمان دفعاً عن نفسه من غير ان يستحل دماً حراماً او مالاً حراماً ، او يظهر الكفار على عورة المسلمين ، والتقية لا تكون الا مع خوف القتل وسلامة النية ، قال الله تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } (106-النحل) ثم هذا رخصة ، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم ، وانكر قوم التقية (اليوم) قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في (بدو ) افسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين ، وأما اليوم فقد أعز الله الاسلام فليس ينبغي لأهل الاسلام ان يتقوا من عدوهم ، وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج :إن الحسن كان يقول لكم التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ؟ فقال سعيد: ليس في الاسلام تقية انما التقية في اهل الحرب'' ويحذركم الله نفسه } ، أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار وارتكاب المنهي عنه ومخالفة المامور'' وإلى الله المصير.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
29
 
{ قل إن تخفوا ما في صدوركم } ، أي قلوبكم من مودة الكفار'' أو تبدوه ، { من موالاتهم قولاً وفعلاً ، { يعلمه الله ، { وقال الكلبي :إن تسروا مافي قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب او تظهروه ، بحرية وقتاله ، يعلمه الله ويحفظه عليكم ، حتى يجازيكم ، به ثم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال :'' ويعلم ، { رفع على الاستئناف ، { ما في السماوات وما في الأرض } ، يعني اذا كان لايخفي عليه شئ في السموات ولا في الارض فكيف تخفي عليه موالاتكم الكفار وميلكم الكيهم بالقلب؟ ، { والله على كل شيء قدير }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
الأية
30
 
{ قوله تعالى'' يوم تجد كل نفس ، { نصب يوماً بنزع حرف الصفة أي في يوم ، وقيل: بإضماء فعل أي : اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس ، { ما عملت من خير محضرا ، { لم يبخص منه شئ ، كما قال الله تعالى :'' ووجدوا ما عملوا حاضراً }(49-الكهف) '' وما عملت من سوء ، { جعله بعضهم خبراً في موضع النصب،أي تجد محضراً ماعملت من الخير(والشر فتسر بما عملت من الخير) وجعله بعضهم خبراً مستانفاً ، دليل هذا التاويل : قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً. قوله تعالى ، { تود لو أن بينها } ، أي بين النفس ، { وبينه } ، يعني وبين السوء'' أمداً بعيداً ، { قال السدي : مكاناً بعيداً، وقال مقاتل : كما بين المشرق والمغرب ، والأمد الأجل والغاية التي ينتهي إليها ، وقال الحسن : يسر أحدهم أن لا يلقي عمله أبداً ، وقيل يود أنه لم يعمله { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
31
 
{ قوله تعالى:'' قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، { نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وإحباؤه.وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنها : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش ، وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها (الشنوف) وهم يسجدون لها ، فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم ابرهيم واسماعيل فقالت له قريش انما نعبدها حباً لله ليقربونا الى الله زلفى ، فقال الله تعالى : قل يامحمد أن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام ليقربوكم إليه فاتبعوني يحببكم الله ،فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم ، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله ، فحب المؤمنين لله اتباعهم امره وإايثار طاعته وابتغاء مرضاته ، وحب الله المؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى :'' ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }. وقيل لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه أن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
الأية
32
 
{ فنزل قوله تعالى:'' قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا ، { اعرضوا عن طاعتهما ، { فإن الله لا يحب الكافرين ، { لايرضى فعلهم ولا يغفر لهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا احمد بن عبد الله النعيمي،أنا محمد بن يوسف،أنامحمد بن إسماعي،أنامحمد بن سنان،أنا فليح،أنا هلال بن علي عنعطاء بن يسار عن ابي هريره رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:'' كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى وقالوا ومن يأبى ؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى }. أخبرنا عبد الواحد المليحي،أنااحمد بن عبد الله النعيمي،أنامحمد بن يوسف،أنا محمد اسماعيل أنا محمد بن عبادة ، أنايزيد،أنا سليم بن حيان (واثنى عليه )، أنا سعيد بن ميناء قال: حدثنا او سمعت جابر بن عبد الله يقول: '' جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم .فقال بعضهم : إنه نائم وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً ، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ،فقالوا: أولوها له يفقهها ، فقالوا: أما الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ومن عصى محمداً فقد عصى الله ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ
الأية
33
 
{ وقوله تعالى:'' إن الله اصطفى آدم ونوحاً ، { الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت اليهود نحن من أبناء ابراهيم واسحق ويعقوب ، ونحن على دينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .يعني: ان الله اصطفى هؤلاء بالاسلام وانت على غير دين الاسلام { اصطفى ، { اختار، افتعل من الصفوة وهي الخالص من كل شئ'' آدم ، { ابو البشر'' ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران ، { قيل: أراد بآل ابراهيم وآل عمران ابراهيم عليه السلام وعمران انفسهما ، كقوله تعالى ، { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون }(248-البقرة) يعني موسىو هارون. وقال آخرون :آل ابراهيم :إسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل ابراهيم عليه السلام ، وأما آل عمران فقال مقاتل : هو عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام (والد) موسى وهارون . وقال الحسن ووهب : هو عمران بن اشهم بن امون من ولدسليمان بن داود عليهما السلام (والد) مريم وعيسى . وقيل : عمران بن ماثان وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن النبياء والرسل كلهم من نسلهم ، { على العالمين * ذرية }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الأية
34
 
{ ذرية ، { اشتقاقها من ذرأ بمعنى خلق ، وقيل: من الذر لأنه استخرجهم من صلب آدم/ كالذر ، ويسمى الأولاد والآباء ذرية ، فالأبناء ذرية لأنه ذراهم ، والأباء ذرية لأنه ذرأ الأبناء منهم ، قال الله تعالى وآية لهم انا حملنا ذريتهم(41-يس) أي آباءهم (ذرية ) نصب على معنى واصطفى ذرية { بعضها من بعض } ، أي بعضها من ولد بعض ، (وقيل بعضها من بعض في التناصر) وقيل : بعضها على دين بعض { والله سميع عليم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
الأية
35
 
{ قوله تعالى:'' إذ قالت امرأة عمران ، { وهي حنة بنت قافوذا أم مريم 4عمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام ، وبينهما ألف وثمانون سنة ، وكان بنو ماثان رؤوس بني اسرائيل وأحبارهم وملوكهم وقيل: عمران بن أشهم. قوله تعالى: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } ، أي جعلت الذي في بطني محرراً نذراً مني لك ، { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ، { والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه { محرراً } ، أي عتيقاً خالصاً لله مفرغاً لعباده الله ولخدمة الكنيسة ، لا أشغله بشئ من الدنيا، وكل ما اخلص فهو محرر، يقال : حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق. قال الكلبي محمد بن إسحاق وغيرهما : كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير أن احب أقام ، وإن احب ذهب حيث شاء ، وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك ، ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محرراً لبيت المقدس، ولم يكن محرراً إلا الغلمان ، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى ، فحررت أم مريم ما في بطنها ، وكانت القصة في ذلك ، أن زكريا وعمران تزوجا اختين ، وكانت إشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا ، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم عند عمران، وكان قد امسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله بمكان ، فبينما هي في ظل شجرة بصرف بطائر يطعم فرخاً فتحركت بذلك نفسها للولد فدعت الله أن يهب بها ولداً وقالت : اللهم لك علي إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته ، فحملت بمريم فحررت ما في بطنها ، ولم تعلم ما هو فقال لها زوجها : ويحك ما صنعت ، رأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك ؟ فوقعاً جميعاً في هم من ذلك ، فهلك عمران ، وحنة حامل بمريم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
الأية
36
 
{ فلما وضعتها } ، أي ولدتها إذا هي جارية ، والهاء في قوله | وضعتها راجعة إلى النذير إلى ما ولد لذلك أنث { قالت ، { حنة وكانت ترجو أن يكون غلاماً'' رب إني وضعتها أنثى ، { اعتذاراً إلى الله عز وجل'' والله أعلم بما وضعت ، { بجزم التاء إخباراً عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ويعقوب وضعت برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم { وليس الذكر كالأنثى ، { في خدمة الكنيسة والعباد الذي فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس ، { وإني سميتها مريم ، { ومريم بلغتهم العابدة والخادمة ، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهم ، { وإني أعيذها ، { امنعها وأجيرها { بك وذريتها ، { أولادها { من الشيطان الرجيم ، { فالشيطان الطريد اللعين ، والرجيم المرمي بالشهب. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا احمد بن عبد الله النعيمي ،أنامحمد بن يوسف،أنامحمد بن إسماعيل،أنا أبو اليمان،أنا شعيب عنالزهري ، حدثني سعيد بن المسيب ، قال : قال ابو هريرة رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، { ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد ، فيستهل الصبي صارخاً من الشيطان ، غير مريم وابنها ، { ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه :'' وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم }. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا احمد بن عبد الله النعيمي ،أنامحمد بن يوسف،أنامحمد بن إسماعيل،أنا ابو اليمان،أنا شعيب عنابي الزناد عن الاعرجعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كل بنى آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الأية
37
 
{ قوله ، { فتقبلها ربها بقبول حسن } ، أي تقبل الله مريم من حنة مكان المحرر، وتقبل بمعنى قبل ورضي ، والقبول مصدر قبل يقبل قبولاً مثل الولوع والوزوع ، ولم يأت غير هذه الثلاثة . وقيل: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها ، { وأنبتها نباتاً حسناً } ، معناه: وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً، وقيل هذا مصدر على غير (اللفظ) وكذلك قوله ، { فتقبلها ربها بقبول حسن } (ومثله شائع كقولك تكلمت كلاماً، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { فتقبلها ربها بقبول حسن } )أي سلك بها طريق السعداء { وأنبتها نباتاً حسناً } ، يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام { وكفلها زكريا ، { قال أهل الأخبار :أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار ، بناء هارون ، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة ، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة ، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت غمامهم وصاحب قرربانهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ، عندي خالتها ، فقالت له الأحبار: لانفعل ذلك ، فإنها لو تركت لأحق الناس لتركت لأمها التي ولدتها ، لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه ، فانطلقوا وكانوا (تسعة وعشرين) رجلاً إلى نهر جار، قال السدي : هو نهر الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على ان من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو إولى بها. وقيل: كان على كل قلم اسم واحد منهم. وقيل: كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء (فارتز) قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر ، قاله محمد بن إسحاق وجماعة. وقيل: جرى قلم زكريا مصعداً إلى أعلى الماء وجرت أقلامهم بجري الماء. وقال السدى وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين ، وجرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء ، فسهمهم وقرعهم زكريا ، و كان زكريا راس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى ، { وكفلها زكريا ، { قرأ حمزة و الكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها اليه بالقرعة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا الى نفسه وقام بأمرها ، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام. وقرأحمزة و الكسائي و حفص عن عاصم : زكريا مقصوراً ، والآخرون يمدونه. فما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتاً واسترضع لها ، وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى ، إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد ، وجعل ابه في وسطها لا يرقى أإليها إلا بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم ، { كلما دخل عليها زكريا المحراب ، { وأراد بالمحراب الغرفة ، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها ، وكذلك هو من المسجد ، ويقال للمسجد أيضاً محراب ، قال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة ، وقال الربيع ابن انس : كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة إبواب فإذا دخل عليها غرفتها { وجد عندها رزقاً'' أي فاكهة في غير حينها ، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف'' قال يا مريم أنى لك هذا ، { قال أبو عبيدة : معناه من اين لك هذا ؟وأنكر بعضهم عليه ، وقال : معناه من أي جهة لك هذا ؟لأن أنى للسؤال عن الجهة وأين لسؤوال عن المكان ، { قالت هو من عند الله } ، أي من قطف الجنة ، قال الحسن : حين ولدت مريم لم تلقم ثداً قط، كان يأتيها رزقها من الجنة ، فيقول لها زكريا :أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة ، { والله يرزق من يشاء بغير حساب }. وقال محمد بن اسحاق: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل : تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي؟ قالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى ، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بداً ، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بنى إسرائيل يقال له : يوسف بن يعقوب ، وكان ابن عم مريم فحملها ، فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه ، فقالت له : يايوسف احسن بالله الظن فغن الله سيرزقنا ، فجعل يوسف يزرق بمكانها منه ، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله ، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلاً من الرزق ، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف ، فيقول : يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. قال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال:إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولداً في غير حينه على الكبر فطمع في الولد ، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وآيس من الولد.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ
الأية
38
 
{ قال الله تعالى :'' هنالك } ، أي عند ذلك { دعا زكريا ربه ، { فدخل المحراب (واغلق الباب) وناجى ربه'' قال رب } ، أي يا رب'' هب لي ، { اعطني'' من لدنك } ، أي من عندك { ذرية طيبة } ، أي ولداً مباركاً تقياً صالحاً رضياً، والذرية تكون واحداً وجمعاً ، ذكراً وأنثى وهو ها هنا واحد ، بدليل قوله عز وجل ، { فهب لي من لدنك ولياً }(5-مريم) وانما قال : طيبة لتانيث لفظ الذرية ، { إنك سميع الدعاء'' أي سامعه ، وقيل مجيبه ، كقوله تعالى :'' إني آمنت بربكم فاسمعون } (25-يس )أي فأجيبوني.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
الأية
39
 
{ فنادته الملائكة ، { قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء ، والآخرون بالتاء ، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيها احسن كقوله تعالى :'' قالت الأعراب } (14-الحجرات) وعن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر الملائكة في القرآن قال :أبو عبيدة: انما نرى عبد الله اختار ذلك خلافاً للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى ، وروى الشعبي إن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا القرآن. وأراد الملائكة ها هنا: جبريل عليه السلام وحده ، كقوله تعالى في سورة النحل ، { ينزل الملائكة } ، يعني جبريل { بالروح ، { بالوحي، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم : سمعت هذا الخبر من لأناس ، وإنما سمع من واحد ، نظيره قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس }(173- آل عمران) يعني نعيم بن مسعود'' إن الناس } ، يعني أبا سفيان بن حرب وقال الفضل بن سلمة : إذا كان القاتل رئيساً يجوز الأخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة وقل ما يبعث إلا ومعه جمع ، فجرى على ذلك. قوله تعالى:'' وهو قائم يصلي في المحراب } ، أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان ، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى بأذن لهم في الدخول ، فبينما هو قائم يصلي في المحراب ، يعني في المسجد عنه المذبح يصلي، والناس ينتظرون إن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه ، وهو جبريل عليه السلام ، يا زكريا'' إن الله يبشرك'' قرأ ابن عامر وحمة (إن الله) بكسر الألف على إضمار القول تقديره : فنادته الملائكة فقالت ، { إن الله يبشرك ، { وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عليه ، كأنه قال : فنادته الملائكة بان الله يبشرك قرأ حمزة يبشرك وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله : { فبم تبشرون } (54-الحجر) فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقة الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان والكهف وعسق ووافق ابن كثير وأبو عمرو في { عسق ، { والباقون بالتشديد ، فمن قرا بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيراً ، وهو أعرب اللغات وأفصحها . دليل التشديد قوله تعالى ، { فبشر عباد } (الزمر -17)'' وبشرناه بإسحاق } (112-الصافات) قالوا { بشرناك بالحق }(55-الحجر) وغيرها من الآيات ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة ، وقرأه ابن مسعود رضي الله عنه { بيحيى ، { هو اسم لايجر لمعرفته وللزائد في اوله مثل يزيد ويعمر، وجمعه يحيون مثل موسون وعيسون ، واختلفوا في أنه لم سمي يحيى ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن الله احيا به عقر أمه ، قال قتادة :لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية { مصدقاً ، { نصب على الحال { بكلمة من الله } ، يعني عيسى عليه السلام سمي عيسىكلمة الله لن الله تعالى قال له : كن من غير أب فكان ، فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان ، وقيل: سمي كلمة لأنه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى اخبر الأنبياء بكلامه في كتبه انه يخلق نبياً بلا أب ، فمساه كلمة لحصوله بذلك الوعد . وكان يحيى عليه السلام اول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه ، وكان يحيى عليه السلام اكبر من عيسى بستة اشهر وكانا ابني الخالة ، ثم قتل يحيى قبل ان يرفع عيسى عليه السلام ، وقال ابو عبيدة { بكلمة من الله } ، أي بكتاب من الله وآياته ، تقو العرب: انشدني كلمة فلان أي قصيدته. قوله تعالى:'' وسيداً ، { هو فعيل من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهي الى قوله قال المفضل : أراد سيداً في الدين قال الضحاك : السيد / الحسن الخلق. قال سعيد بن جبير : السيد الذي يطيع ربه عز وجل .وقال سعيد بن المسيب : السيد الفقية العالم ، وقال قتادة سيد في العلم والعبادة والورع ، وقيل : الحليم الذي لا يغضه شئ . قال مجاهد: الكريم على الله تعالى ، وقال الضحاك : السيد التقي، قال سفيان الثوري : الذي لايحسد وقيل: الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير ،وقيل: هو القانع بما قسم الله له وقيل: السخي ، { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سيدكم يابني سلمة ؟ قالوا: جد بن قيس على أنا نبخله قال: وأي داء أدوأ من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح }. قوله تعالى :'' وحصوراً ونبياً من الصالحين ، { الحصور أصله من لا حصر وهو الحبس و الحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن : الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل يعني انه يحصر نفسه عن الشهوات (وقيل: هو الفقير الذي لا مال) له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء قال سعيد بن المسيب:كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره .وفيه قول آخر:أن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول لوجهين (أحدهما): لأن الكلام خرج مخرج الثناء ، وهذا أقرب إلى أستحقا الثناء، و(الثاني) :أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
الأية
40
 
{ قوله تعالى:'' قال رب } ، أي يا سيدي،قال لجبريل عليه السلام ، هذا قول الكلبي وجماعة وقيل: قال لله عز وجل ، { أنى يكون ، { من أين يكون'' لي غلام } ، أي ابن ، { وقد بلغني الكبر ، { هذا من المقلوب أي وقد بلغت الكبر وشخت كما يقال بلغني الجهد وقيل: معناه وقد نالني الكبر و أدركني وأضعفني . قال الكلبي : كان زكريا يوم بشر بشر بالولد إبن ثنتين وتسعين سنة ، وقيل :ابن تسع وتسعين سنة . وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان ابن عشرين ومائة نسة ، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى :'' وامرأتي عاقر } ، أي عقيم لا تلد يقال : رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقراً وعقارة قال : { ويفعل الله ما يشاء ، { فإن قيل لم قال زكريا بعدما وعده الله تعالى (أنى يكون لي غلام) أكان شاكاً في وعد الله وفي قدرته ؟قيل:إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا ان الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي عليك في سائر الأمور ، فقال ذلك دفعاً للوسوسة ، قاله عكرمه والسدي وجواب آخر: وهو انه لم يشك في وعد الله إنما شك في كيفيته ، أي كيف ذلك؟

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ
الأية
41
 
{ قوله تعالى:'' قال : رب اجعل لي آية } ، أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكراً لك ، { قال آيتك أن لا تكلم الناس ، { تكف عن الكلام'' ثلاثة أيام ، { وتقبل بكليتك على عبادتي، لا أنه حبس لسانه عن الكلام ، ولكنه نهي عن الكلام وهو صحيح سوي ، كما قال في سورة مريم الآية (10) { أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، { يدل عليه قوله تعالى : { وسبح بالعشي والإبكار ، { فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس. وقال أكثر المفسرين: عقل لسانه عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام ، وقال قتادة : أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام ، وقوله { إلا رمزاً } ، أي إشارة والإشارة قد تكون باللسان وبالعين وباليد ، وكانت إشارته بالإصبع المسبحة وقال الفراء: قد يكون الرمز باللسان من غير أن يبين وهو الصوت الخفي أشبه الهمس ، وقال عطاء:أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا اذا صاموا لم يتكلموا الا رمزاً ، { واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار ، { قيل: المراد بالتسبيح الصلاة، والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سمى صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي ، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ
الأية
42
 
{ قوله تعالى:'' وإذ قالت الملائكة } ، يعني جبريل'' يا مريم إن الله اصطفاك ، { اختارك ، { وطهرك ، { قيل من مسيس الرجال وقيل من الحيض والنفاس ، قال السدي : كانت مريم لا تحيض ، و قيل : من الذنوب { واصطفاك على نساء العالمين'' قيل: على عالمي زمانها وقيل: على جميع نساء العالمين في إنها ولدت بلا أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء، وقيل: بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنااحمد بن عبد الله النعيمي، اخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنامحمد بن إسماعيل ،أخبرنااحمد بن رجاء ،أخبرنا النضر عن هشام ، أخبرنا ابي قال : سمعت عبد الله بن جعفر، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة رضي الله عنهما ، { ورواه وكيع وابو معاوية عن هشام بن عروة وأشار وكيع إلى السماء والأرض. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا احمد بن عبد الله النعيمي ،،أخبرنامحمد بن يوسف ،أخبرنا محمد بن إسماعيل ،أخبرنا آدم ،أنا شعبة عنعمرو بن مرة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :'' كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام }. أخبرنا ابو سعيد عبد الله بن احمد الطاهري ، أخبرنا جدي عبد الرحمن بن عبد الصمد البزار،أخبرنا محمد بن زكريا العذافري،أخبرنا إسحاق الديري ،أخبرنا عبد الرزاق ،أخبرنامعمر، عنقتادة عن انس رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :'' حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآسية امرأة فرعون.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
الأية
43
 
{ قوله تعالى :'' يا مريم اقنتي لربك ، { قالت لها الملائكة شفاها أي أطيعي ربك ، وقال مجاهد أطيلي القيام في الصلاة لربك ،(والقنوت الطاعة) وقيل: القنوت طول القيام قال الأوزاعي : لما قالت لها الملائكة ذلك ، قامت الصلات حتى ورمت قدماها وسالت دماً وقيحاً'' واسجدي واركعي ، { قيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم ، وقيل: بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها ، وليس الواو للترتيب بل للجمع ، ويجوز أن يقول الرجل: رأيت زيداً وعمراً ، وان كان قد رأى عمراً قبل زيد ، { مع الراكعين ، { ولم يقل/ مع الراكعات ليكون اعم واشمل فإنه يدخل فيه الرجال والنساء ، وقيل : معناه مع المصلين في الجماعة.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
الأية
44
 
{ قوله تعالى:'' ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، { يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم (ذلك) الذي ذكرت من حديث زكرياويحيى ومريم وعيسى( من أنباء الغيب) أي من أخبار الغيب (نوحيه إليك) رد الكناية إلى ذلك فلذلك ذكره { وما كنت ، { يا محمد ، { لديهم إذ يلقون أقلامهم ، { سهامهم في الماء للاقتراع } ، أيهم يكفل مريم ، { يحضنها ويربيها'' وما كنت لديهم إذ يختصمون ، { في كفالتها.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
الأية
45
 
{ قوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، { إنما قال: إسمه رد الكناية إلى عيسى ، واختلفوا في أنه لم يسمي مسيحاً ، منهم من قال: هو فعيل بمعنى المفعول يعني أنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب ، وقيل : لأنه مسح بالبركة، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، وقيل: لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له ، وسمى الدجال مسيحاً لأنه كان ممسوح إحدى العينين ، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل ، مثل عليم وعالم . قال ابن عباس رضي الله عنهما سمي مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ، وقيل : سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان ، وعلى هذا القول تكون الميم فيه زائدة. وقال ابراهيم النخعي: المسيح الصديق ويكون المسيح بمعنى الذاب وبه سمي الدجال والحرف من الأضداد { وجيهاً } ، أي شريفاً رفيعاً ذا جاه وقدر ، { في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، { عند الله

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
الأية
46
 
{ ويكلم الناس في المهد ، { صغيراً قبل أوان الكلام كما ذكره في سورة مريم قال : { إني عبد الله آتاني الكتاب } (الآية-30) وحكى عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته ، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع قوله ، { وكهلاً ، { قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع الى السماء وقال الحسين بن الفضل (وكهلاً) بعد نزوله من السماء وقيل: اخبرنا أنه يبقى حتى يكتهل ، وكلامه بعد الكهولة أخباره عن الأشياء المعجزة ، وقيل : '' وكهلاً ، { نبياً بشرها بنبوة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة . وقال مجاهد:'' وكهلاً } ، أي حليماً . والعرب تمدح الكهولة وكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة . وقال مجاهد: '' وكهلاً } ، أي حليماً . والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة الوسطى في إحتناك السن واستحكام العقل وجحودة الرأي والتجربة { ومن الصالحين } ، أي : هو من العباد الصالحين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
الأية
47
 
{ قالت :رب ، { ياسيدي تقوله لجبريل . وقيل :تقول لله عز وجل'' أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ، { ولم يصبني رجل، وقالت ذلك تعجباً إذ لم تكن جرت العادة بان يولد ولد لا أب له ، { قال كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمراً } ، أي كون الشئ'' فإنما يقول له كن فيكون ، { كما يريد.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ
الأية
48
 
{ قوله تعالى :'' ويعلمه الكتاب ، { قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب بالياء لقوله تعالى { كذلك الله يخلق ما يشاء } ، و قيل: ردة على قوله { إن الله يبشرك }'' ويعلمه ، { وقرأ الآخرون بالنون على التعظيم كقوله تعالى { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، { قوله: '' الكتاب } ، أي الكتابة والخط'' والحكمة ، { العلم والفقه ، { والتوراة والإنجيل ، { علمه الله التوراة والإنجيل.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الأية
49
 
{ ورسولا } ، أي ونجعله رسولاً ، { إلى بني إسرائيل ، { قيل: كان رسولاً في حال الصبا، وقيل:إنما كان رسولاً بعد البلوغ ، وكان أول أنبياء بني اسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام فلما بعث قال :'' أني ، { قال الكسائي : إنما فتح لأنه أوقع الرسالة عليه ، وقيل : معناه بأني { قد جئتكم بآية ، { علامة'' من ربكم ، { تصدق قولي وإنما قال: بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شئ واحد وهو صدقة في الرسالة ، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل ، قالوا :وما هي ، قال:'' أني ، { قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالفتح على معنى بأني { أخلق } ، أي أصور وأقدر { لكم من الطين كهيئة الطير ، { قرأ أبو جعفر كهيئة الطائر ها هنا وفي المائدة ، والهيئة الصورة المهيأة من قولهم : هيأت الشئ الذ ا قدرته وأصلحته ، { فأنفخ فيه } ، أي في الطير ، { فيكون طيراً بإذن الله ، { قراءة الأكثرين بالجمع لأنه خلق طيراً كثيراً، وقرأ أهل المدينة ويعقوب فيكون طائراً على الواحد ها هنا . وفي سورة المائدة ذهبوا إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يخلق غير الخفاش، وإنما خص الخفاش لأنه أكمل الطير خلقاً لأن لها ثدياً وأسناناً وهي تحيض. قال وهب: كان يطير مادام الناس ينظرون اليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، وليعلم أن الكمال لله عز وجل ، { وأبرئ الأكمه والأبرص } ، أي أشفيهما واصححهما ، واختلفوا في الكمة ، قال ابن عباس و قتادة هو الذي ولد أعمى ، وقال الحسن و السدي : هو الأعمى . وقال عكرمة : هو الأعمش . وقال مجاهد هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، { والأبرص ، { الذي به وضح ، وانما خص هذين لأنهما داءان عياءان ، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب ، فأراهم المعجزة من جنس ذلك . قال وهب: ربما اجتمع عند عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق مشى إليه عيسى عليه السلام وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. قوله تعالى :'' وأحيي الموتى بإذن الله ، { قال ابن عباس رضي الله عنهما : قد أحيا أربعة انفس، عاز وابن العجوز ، وابنة العاشر ، وسام بن نوح ، فأما عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام :أن أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة ايام ، فقال لأخته : انطلقي بنا الى قبره ، فإنطلقت معهم الى قبره ، فدعا الله تعالى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له . وأما ابن العجوز مر به ميتاً على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره ، ونزل على أعناق الرجال، ولبس ثيابه ، وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له . وأما ابنة العاشر كان (أبوها) رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس ، فدعا الله عز وجل (باسمه العظم) فاحياها (الله تعالى) وبقيت(بعد ذلك زمناً) وولد لها . وأما سام بن نوح عليه السلام ، فإن عيسى عليه السلام جاء الى قبره فدعا بإسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة ، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكن دعوتك بإسم الله الأعظم ، ثم قال له : مت قال: بشرط ان يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل. قوله تعالى { وأنبئكم ، { وأخبركم ، { بما تأكلون ، { مما لم أعاينه'' وما تدخرون ، { ترفعونه ، { في بيوتكم ، { حتى تأكلوه وقيل : كان يخبر/ الرجل بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء. وقال السدي : كان عيسى عليه السلام في الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام : انطلق فقد أكل اهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا ، فينطلق الصبي الى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشئ فيقولون من اخبرك بهذا ؟ فيقول : عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لاتلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا : ليسوا هاهنا ، فقال : فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير ، قال عيسى ، كذلك يكونون ، ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير ففشى ذلك في بني إسرائيل ، فهمت به بنو اسرائيل فلما خاف عليه امه حملته على (حمير) لها، وخرجت (هاوية منهم) الى اهل مصر، وقال قتادة : إنما هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى ، وأمروا ان لا يخونوا ولا يخبئوا لغد فخانوا و خبؤا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وبما ادخروا منها فمسخهم الله خنازير. قوله تعالى : '' إن في ذلك ، { الذي ذكرت ، { لآية لكم إن كنتم مؤمنين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
الأية
50
 
{ ومصدقاً ، { عطف على قوله ورسولاً'' لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، { من اللحوم والشحوم ، وقال أبو عبيدة : أراد بالبعض الكل يعني : كل الذي حرم عليكم وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد تراك أمكنة إذا لم أرضهاأو ترتبط بعض النفوس حمامها يعني: كل النفوس. قوله تعالى :'' وجئتكم بآية من ربكم } ، يعني ما ذكر من الآيات وإنما وحدها أنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته ، { فاتقوا الله وأطيعون.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
الأية
51
 
{ إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
الأية
52
 
{ قوله تعالى { فلما أحس عيسى منهم الكفر } ، أي و جد قال الفراء ، وقال أبو عبيدة : عرف ، وقال مقاتل: رأى { منهم الكفر ، { وأرادوا قتله استنصر عليهم وقال ، { قال من أنصاري إلى الله ، { قال السدي : كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة ، نفته بنو إسرائيل وأخرجوه ، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض ، فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوماً مهتماً حزيناً ، فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم : ما شان زوجك أراه كئيباً،قالت: لا تسأليني ، قالت : اخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يوماً أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه ، واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة ، قالت: فقول ي له لا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفي ذلك ، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك ، فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر ، قالت: فلا تبال فإنه قد احسن إلينا وأكرمنا ، قال عيسى عليه السلام ، فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ذلك ، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام ، فتحول ماء القدور مرقاً ولحماً ، وماء الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر، قال: من أين هذا الخمر، قال: من أرض كذا، قال (الملك) :فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه ، قال: هي من أرض أخرى ، فلما خلط على الملك واشتد عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمراً، وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام ، وكان احب الخلق إليه ، فقال: أن رجلاً دعا الله حتى جعل الماء خمراً (ليستجاب له ) حتى يحيي ابني ، فدعا عيسى عليه السلام فكلمه في ذلك فقال عيسى : لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر ، فقال الملك : لا أبالي أليس أراه ، قال عيسى : أن أحييته تتركون وأمي نذهب حيث نشاء ، قال: نعم ، فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح ، و قالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف عليها ابنه فيأكل كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهو يصطادون السمك ، فقال: ما تصنعون ؟ فقالوا : نصطاد السمك قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس، قالوا : ومن أنت ، قال : انا عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله من أنصاري إلى الله فآمنوا وانطلقوا معه. قوله تعالى:'' من أنصاري إلى الله ، { قال السدي وابن جريج : مع الله تعالى تقول العرب : الذود إلى الذود إبل أي مع الذوذ ، وكما قال الله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم }(2-النساء) ظاي مع أموالكم . وقال الحسن وأبو عبيدة : الى بمعنى في أي من أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله ، وقيل الى في موضعه معناه من يضم نصرته الى نصرة الله لي ، واختلفوا في الحواريين قال مجاهد والسدي : كانوا صيادين يصطادون السمك سمواً حواريين لبيضا ثيابهم ، وقيل: كانوا ملاحين . وقال الحسن : كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها . وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته الى الحواريين ، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عند ثياب وعرض له سفر، فقال لعيسى : إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان ، وقد أعلمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به ، فيجب ان تكون فارغاً منها وقت قدومي، وخرج فطبخ عيسى جباً واحداً على لون واحد وأدخل جميع الثياب وقال: كوني بإذن اله على ما أريد منك ، فقدم الحواري والثياب كلها في الجب ، فقال: ما فعلت؟فقال: فرغت منها ، قال: اين هي؟ قال: في الجب ،قال: كلها، قال: قال:لقد أفسدت تلك الثباب ، فقال: قم فانظر ، فأخرج عيسى ثوباً أحمر، وثوباً اصفر وثوباً أخضر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها ، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ذلك من الله ، فقال للناس : تعالوا فانظروا فلآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون وقال الضحاك: سموا حواريين لصفاء (قلوبهم) وقال ابن المبارك : سموا به لما عليهم من اثر العبادة ونورها ، اصل الحور عند العرب شدة البياض ، يقال: رجل احور وامرأة حوراء أي شديدة بياض العين ، وقال الكلبي وعكرمة : الحواريون هم الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى عليه السلام ، وكانوا اثنى عشر رجلاً ، قال روح بن القاسم :سألت قتادة عن الحواريين قال: هم الذي يصلح لهم الخلافة ، وعنه انه قال: الحواريون هم الوزراء ، وقال الحسن: الحواريون الأنصار والحواري الناصر ، والحواري في كلام العرب خاصة الرجل الذي يستعين به / فيما ينوبه. أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي،أخبرنااحمد بن عبد الله النعيمي ،اخبرنا محمد بن يوسف،اخبرنامحمد بن إسماعيل ،أخبرناالحميدي،أخبرناسفيان ، أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما يقول: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، { أن لكل نبي حوارياً وحواريي الزبير }. قال سفيان: الحواري الناصر، قال المعمر: قال قتادة : أن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظفون وعبد الرحمن وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين. '' قال الحواريون :نحن أنصار الله ، { أعوان دين الله ورسوله { آمنا بالله واشهد ، { يا عيسى ، { بأنا مسلمون.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ
الأية
53
 
{ ربنا آمنا بما أنزلت ، { من كتابك { واتبعنا الرسول ، { عيسى { فاكتبنا مع الشاهدين ، { الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق . وقال عطاء: مع النبيين لأن كل نبي شاهد أمته . قال ابن عباس رضي الله عنهما مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
الأية
54
 
{ قوله تعالى:'' ومكروا } ، يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام ، وذلك إن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم ، قال الله تعالى :'' ومكر الله والله خير الماكرين ، { فالمكر من المخلوقين : الخبث والخديعة والحيلة ، والمكر من الله : استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال : { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } (182-الأعراف) وقال الزجاج : مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى : { الله يستهزئ بهم }(15-البقرة) { وهو خادعهم } (142-النساء) ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية ، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل. قال الكلبي عن أبي صالح عنابن عباس رضي الله عنهما : أن عيسى استقبل رهطاً من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة ، والفاعل ابن الفاعلة ، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير . فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام ، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فادخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعة الله إلى السماء من تلك الروزنة ،فأمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابة يقال له : ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله ، فلما دخل لم ير عيسى ، فأبطأ عليهم فظنوا انه يقاتله فيها فألقي الله عليه شبه عيسى عليه السلام ، فلما دخل لم ير عيسى ، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها ، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام ، فلما خرج ظنوا انه عيسى عليه السلام فقتلوه وصلبوه ، قال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل ، ونصبوا خشبة ليصلبوه ، فأظلمت الأرض ، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه ، فجمع عيسى الحواريين تلك الليلة واوصاهم ثم قال : ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة ، فخرجوا له ثلاثين درهماً فأخذا ودلهم عليه . ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه عيسى ، فرفع عيسى واخذ الذي دلهم عليه فقال: أنا الذي دللتكم عليه ، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه ، وهم يظنون أنه عيسى ، فلما صلب شبه عيسى ، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال ، لهما : علام تبكيان ؟ أن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير ، وان هذا شئ شبة لهم ، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام : أهبط على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها ، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل ، فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، فجمعت له والحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخل فيها النصارى ، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى:'' ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين }. وقال السدي :عن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم رجل منهم فألقى الله عليه شبهه ، وقال قتاده ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول ، فقال رجل من القوم : أنا يا نبي الله ، فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه وكساه الله الريش والبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرض ، وكان انسياً ملكياً سمائياً أرضياً ، قال أهل التواريخ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة ، وولدت عيسى ببيت لحم من ارض اوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل فأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين ، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
الأية
55
 
{ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ، { اختلفوا في معنى التوفي ها هنا ، قال الحسن و الكلبي ،وابن جريح : أني قابضك ورافعك من الدنيا إلى من غير موت ، يدل عليه قوله تعالى :'' فلما توفيتني }(117-المائدة) أي قبضتني إلى السماء وأنا حي ، لأن قومه انما تنصروا بعد رفعه `إلى السماء لا بعد موته ، فعلى هذا للتوفي تأويلان ، أحدهما :إني رافعك إلى وافياً لم ينالوا منك شيئاً، من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا أخذته تاماً ، والآخر : أني (متسلمك) من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته ، وقال الربيع بن انس : المراد بالتوفي النوم (وكل ذي عين نائم) وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائماً إلى السماء، معناه: أنى منوم ورافعك إلى كما قال الله تعالى : { وهو الذي يتوفاكم بالليل } (60-الأنعام ) أي ينيمكم. وقال بعضهم : المراد بالتوفى الموت،روى (عن) علي بن طلحه عن إبن عباس رضي الله عنهما أن معناه : أني مميتك يدل عليه قوله تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت } (11-السجدة) فعلى هذا له تاويلان : أحدهما ما قاله وهب : توفى / الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه الله إليه ، وقال محمد بن اسحاق : ان النصارى يزعمون ان الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه ، والآخر ما قاله الضحاك وجماعة : إن في هذه الآية تقديماً وتأخيراً معناه اني رافعك الي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي أخبرناعبد الرحمن بن أبي شريح،اخبرنا ابو القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي ،أخبرنا علي بن الجعد ،أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشونعن ابن شهاب ، عنسعيد بن المسيب ،عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال } : والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عادلاً يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد }. ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال:'' وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون }. وقيل للحسين بن الفضل هل تجد نزول عيسى في القرآن ؟ قال نعم (وكهلاً) ولم يكتهل ف الدنيا وإنما معناه وكهلاً بعد نزوله من السماء. قوله تعالى:'' ومطهرك من الذين كفروا } ، أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم ، { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ، { قال قتادة والربيع والشعبي و مقاتل والكلبي : هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمه محمد صلى الله عليه وسلم فهم فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والمنعة والحدجة ، و قال الضحاك: يعني الحواريين فوق الذين كفروا ، وقيل: هم أهل الروم ، وقيل :أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود الى يوم القيامة ، فغن اليهود قد ذهب ملكهم ن وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة ، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا إتباع الذين { ثم إلي مرجعكم ، { في الآخرة { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ، { من أمر الدين وأمر عيسى.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
الأية
56
 
{ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ، { بالقتل والسبي والجزية والذلة ، { والآخرة } ، أي وفي الآخرة بالنار'' وما لهم من ناصرين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
الأية
57
 
{ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ، { قرأ الحسن وحفص بالياء، والباقون بالنون أي نوفي أجور أعمالهم ، { والله لا يحب الظالمين } ، أي لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
الأية
58
 
{ قوله تعالى: '' ذلك } ، أي هذا الذي ذكرته لك من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين ، { نتلوه عليك } (نخبرك به بتلاوة جبريل عليك) '' من الآيات والذكر الحكيم } ، يعني القرآن والذكر ذي الحكمة ، وقال مقاتل: الذكر الحكيم أي المحكم الممنوع من الباطل وقيل: الذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ، وهو معلق بالعرض من درة بيضاء. وقيل من الآيات أي العلامات الدالة على نبوتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحي إليه وأنت أمي لا تقرأ.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
الأية
59
 
{ قوله تعالى:'' إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } '' الآية نزلت في وفد نجران وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا ؟ قال : وما أقول ، قالوا : تقول إنه عبد الله قال : أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فأنزل الله تعالى { إن مثل عيسى عند الله } '' في كونه خلقاً من غير أب وأم { خلقه من تراب ثم قال له } ، يعني لعيسى عليه السلام ، { كن فيكون } ، يعني فكان، فإن قيل مامعنى قوله (خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) ولا تكوين بعد الخلق؟قيل معناه خلقه ثم اخبركم اني قلت له : كن فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة وهو مثل قول الرجل: أعطيتك اليوم درهماً ثم أعطيتك امس درهماً ، أي ثم اخبرك أني اعطيتك امس درهماً . وفيما سبق من التمثيل دليل على جواز القياس ، لأن القياس هو رد فرع الى اصل بنوع شبه ، وقد رد الله تعالى خلق عيسى الى آدم عليهم السلام بنوع شبه.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
الأية
60
 
{ قوله تعالى:'' الحق من ربك } ، أي هو الحق وقيل جاءك الحق من ربك ، { فلا تكن من الممترين ، { الشاكين ، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
الأية
61
 
{ قوله عز وجل: { فمن حاجك فيه } ، أي جادلك في عيسى أو في الحق ، { من بعد ما جاءك من العلم ، { بأن عيسى عبد الله ورسوله ، { فقل تعالوا ، { وأصله تعالوا تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت ، قال الفراء: بمعنى تعال كأنه يقول: ارتفع . قوله ، { ندع ، { جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم سقوط الواد ، { أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ، { قيل: أبناءنا اراد الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة . وانفسنا عنى نفسه وعلياً رضي الله عنه والعرب تسمى ابن عم الرجل نفسه، كما قال الله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم }(11- الحجرات) يريد اخوانكم وقيل هو على العموم الجماعة أهل الدين { ثم نبتهل ، { قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي نتضرع في الدعاء ، وقال الكلبي : نجتهد ونبالغ في الدعاء وقال الكسائي وابو عبيدة :نلتعن والابتهال، الالتعان يقال: عليه بهلة الله أي لعنته: '' فنجعل لعنة الله على الكاذبين ، { منا ومنكم في امر عيسى ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم الى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غداً، فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : ياعبد المسيح ماترى ؟ قال: والله لقد عرفتكم يامعشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، والله مالا عن قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم :إذا أنا دعوت فآمنوا فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله ان يزيل جبلاً من مكانه لزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض منكم نصراني الى يوم القيامة ، فقالوا يا أبا القاسم : قد رأينا أن لا نلاعنك وان نتركك على دينك ونثبت على ديننا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أبيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فأبوا فقال: فإني أنابذكم فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة ، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ، ألفاً في صفر وألفاً في رجب ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال : والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الأية
62
 
{ قال الله تعالى:'' إن هذا لهو القصص الحق { النبأ الحق'' وما من إله إلا الله ، { و من صلة تقديره وما إله إلا الله { وإن الله لهو العزيز الحكيم }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
الأية
63
 
{ فإن تولوا ، { أعرضوا عن الإيمان { فإن الله عليم بالمفسدين ، { الذين يعبدون غير الله ، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
الأية
64
 
{ قوله تعالى :'' قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، { الآية قال المفسرون : '' قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم عليه السلام ، فزعمت النصارى أنه كان نصرانياً وهم على دينه وأولى الناس به ، وقالت اليهود : بل كان يهودياً وهم على دينه وأولى الناس به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفاً مسلماً وأنا على دينه فاتبعوا دينه دين الإسلام ، فقالت اليهود: يامحمد ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى رباً ، وقالت النصارى : يامحمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى: { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة } { والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة { سواء ، { عدل بيننا وبينكم مستوية ، أي أمر مستو يقال: دعا فلان الى السواء ، أي الى النصفة ، وسواء كل شئ وسطه ، ومنه قوله تعالى : { فرآه في سواء الجحيم } (55-الصافات) وإنما قيل لنصف سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها وسواء نعت لكلمة إلا انه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث ، فإذا فتحت السين مددت ، وإذا كسرت او ضممت قصرت كقوله تعالى : { مكاناً سوى } (58-طه) ثم فسر الكلمة فقال ، { أن لا نعبد إلا الله ، { ومحل ان رفع على إضمار هي ، وقال الزجاج:رفع بالابتداء ، وقيل : محله نصب بنزع حرف الصفة معناه بان لا نعبد إلا الله وقيل: محله خفض بدلاً من الكلمة أي تعالوا الى ان لا نعبد الا الله ، { ولا نشرك به شيئاً و لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، { كما فعلت اليهود والنصارى ، قال الله تعاىلى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } (31-التوبة) وقال عكرمة : هو سجود بعضهم لبعض ، أي لا تسجدوا لغير الله ، وقيل : معناه لا نطيع احداً في معصية الله ، { فإن تولوا فقولوا اشهدوا ، { فقولوا انتم لهم اشهدوا ، { بأنا مسلمون ، { مخلصون بالتوحيد . أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي،أخبرنااحمد بن عبد الله النعيمي،أخبرنا محمد بن يوسف ،أخبرنا محمد بن اسماعيل،أخبرنا ابو اليمان الحكم بن نافع،أخبرنا شعيب عن الزهري،أخبرناعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما اخبره أن ابا سفيان بن حرب أخبره ان هرقل أرسل اليه في ركب من قريش، وكانواتجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسة وحوله عظماء الروم ، ودعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية بن خليفة الكلبي الى عظيم بصرى فدفعه الى هرقل فرأه فإذا هو: بسم الهه الرحمن الرحيم . من محمد عبد الله ورسوله ، الى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى اما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك إثم الإريسيين يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولا اشهدوا بانا مسلمون.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
65
 
{ قوله تعالى: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ، { تزعمون انه كان على دينكم ، وإنما دينكم اليهودية والنصرانية ، وقدحدثت اليهودية بعد نزول التوراة ، والنصرانية بعد نزول الإنجيل ن وإنما أنزلت التوراة والYنجيل من بعد إبراهيم بزمان طويل ، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفاً سنة ، { أفلا تعقلون ، { بطلان قولكم؟

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
الأية
66
 
قوله تعالى : { ها أنتم ، { بتليين الهمزة حيث كان مدني، وأبو عمرو والباقون بالهمز، واختلفوا في أصلة فقال بعضهم : أصله : أنتم وها تنبيه ، وقال الأخفش: أصلة أأنتم ، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقولهم هرقت الماء وارقت { هؤلاء ، { أصله أولاء دخلت عليه هاء التنبيه وهي في موضع النداء، يعني يا هؤلاء انتم { حاججتم ، { جادلتم'' فيما لكم به علم } ، يعني في امر موسى وعيسى وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت التوراة والانجيل عليكم ، { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ، { وليس في كتابكم انه كان يهودياً او نصرانياً ، وقيل حاججتم فيما كلم به علم يعني في امر محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا نعته في كتابهم ، فجادلوا فيه بالباطل ، فلم تحاجون في إبراهيم ، وليس في كتابكم ن ولا علم لكم به ؟ ، { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأية
67
 
{ ثم برأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا : فقال: '' ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ، { والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم ن وقيل: الحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة . وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله عز وجل.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
الأية
68
 
{ قوله تعالى:'' إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } ، أي : من اتبعه في زمانه ، ، { وهذا النبي } ، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا ، { معه ، يعني من هذه الأمة { والله ولي المؤمنين }. روى الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن اسحاق عن ابن شهاب باسناده ، حديث هجرة الحبشة ، لما هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة / وكان من امر بدر ما كان فاجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا :إن لنا في الذين عند النجاشي من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثاراً ممن قتل منكم ببدر، فاجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم ، فبعثوا عمروبن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا الأدم وغيره ، فركبا البحر ، وأتيا الحبشه فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك ، لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا ، يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه احد منا إلا السفها وانا كنا قد شيقنا عليهم الامر والجانهاهم الى شعب بارضنا لا يدخل عليهم احد ولا يخرج منهم أحد ، قد قتلهم الجوع والعطش فلما شتد عليهم الامر بعث اليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحرهم وادفعهم الينا لنكفيكهم ، قالا : وآية ذلك انهم اذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك ، قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا، صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله ، فقال النجاشي : مروا هذا الصائح فليعد كلامه ، ففعل جعفر، فقال النجاشي : نعم فليدخلوا بامان الله وذمته ، فنظر عمرو بن العاص الى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي ، فساءهما ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له ، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك ، فقال لهم النجاشي : مامنعكم ان تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من اتاني من الافاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك وانما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان ، فبعث الله فينا نبياً صادقاً فامرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية اهل الجنة ، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل ، قال: أيكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله ؟ قال جعفر: أنا ، قال : فتكلم ، قال: انك ملك من ملوك اهل الارض ومن اهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وأنا أحب أن أجيب عن اصحابي فمر هذين الرجلين فيتلكلم احدهما ولينصت الاخر فتسمع محاورتنا فقال عمرو لجعفر: تكلم، فقال جعفر النجاشي :أعبيد هم ام احرار؟ فقال: عمرو: بل احرار كرام ، فقال النجاشي : إن كان قنطاراً فعلى قضاؤه ، فقال عمرو: لا ولا قيراطاً ، قال النجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال عمرو : كنا وهم على =دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتغوا غيره فبعثنا اليك قومهم لتدفعهم الينا ، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه ، اصدقني ، قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة ، وأما الدين الذي تحولنا اليه فدين الله الاسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب عيسى بن مريم موافقاً له ، فقال النجاشي: ياجعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك ، ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع اليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي : أنشدكم الله الذي أنزل الانجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً ، فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي، فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يامركم به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله وبأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ويأمرنا بان نعبد الله وحده لا شريك له ، فقال: اقرأ علي مما يقرأ عليكم ، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عيناً النجاشي واصحابه من الدمع وقالوا: ردنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فأراد عمرو أن يغضب النجاشي ، فقال: انهم يشتمون عيسى وأمه ، فقال النجاشي : ماتقولون في عيسى وامه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى جعفر على ذكر مريم وعيسى عليهما السلام رفع النجاشي نفثه من سواكة قدر ماتفذى العين فقال : والله ما زاد المسيح على ما تقولون ها ، ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال : إذهبوا فانتم سيوم بأرضي( يقول): آمنون من سبكم او آذاكم غرم ، ثم قال : أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب ابراهيم ، قال عمرو : يانجاشي ومن حزب ابراهيم ؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن تبعهم . فأنكر ذلك المشركون وادعوا في دين ابراهيم ، ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم لي رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة قال جعفر: فانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار ، وأنزل الله تعالى ذلك اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو بالمدينة قوله عز وجل { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
الأية
69
 
{ قوله عز وجل:'' ودت طائفة من أهل الكتاب ، { نزلت في معاذ بن جبل و حذيفة بن اليمان وعمار ابن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم ، فنزلت (ودت طائفة ) (تمنت) جماعة من أهل الكتاب) يعني اليهود'' لو يضلونكم ، { عن دينكم ويردونكم إلى الكفر ، { وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون }

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
الأية
70
 
{ يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } ، يعني القرآن وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، { وأنتم تشهدون ، { أن نعته في التوراة والإنجيل مذكور.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الأية
71
 
{ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ، { تخلطون الإسلام باليهودية والنصرانية التي أنزلت على موسى بالباطل الذي حرفتموه وكتبتموه بأيديكم ، { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ، { أن محمداً صلى الله عليه وسلم ودينه حق.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
الأية
72
 
{ قوله تعالى ، { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ، { الآية: قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عيينه وقال / بعضهم لبعض ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد ثم اكفروا آخر النهار وقولوا : إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك ، وظهر لنا كذبه ، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم واتهموه وقالوا :غنهم اهل الكتاب وهم اعلم منا به فيرجعون عن دينهم . وقال مجاهد ومقاتل والكلبي : هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود ، فقال كعب بن الأشرف لأصحابة : آمنوا بالذي انزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم اعلم فيرجعون إلى قبلتنا ، فأطلع الله تعالى رسوله على سرهم وأنزل ، { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا } { بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، { أوله سمي وجهاً لأنه أحسنه وأول ما يواجه الناظر فيراه ، { واكفروا آخره لعلهم يرجعون ، { فيشكون ويرجعون عن دينهم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
الأية
73
 
{ قوله تعالى : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، { هذا متصل بالأول من قول اليهود بعضهم لبعض ، { ولا تؤمنوا } ، أي لا تصدقوا ، { إلا لمن تبع دينكم ، { وافق ملتكم ، واللام في لمن صلة ، أي لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى : { قل عسى أن يكون ردف لكم }(72-النحل) أي : ردفكم .'' قل إن الهدى هدى الله ، { هذا خبر من الله عز وجل أن البيان بيانه ، ثم اختلفوا: فمنهم من قال : كلام معترض بين كلامين ، وما بعده متصل بالكلام الأول / إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض ، ومعناه : و تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، و لا تؤمنوا إن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المن والسلوى وفلق البحر ، وغيرها من الكرامات . ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم اصح ديناً منهم . وهذا معنى قول مجاهد. وقيل: أن اليهود قالت لسفلتهم ، { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } '' أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، { العلم ، أي: لئلا يؤتى أحد ، ولا فيه مضمرة ، كقوله تعالى ، { يبين الله لكم أن تضلوا } (النساء-176) أي: لئلا تضلوا ، يقول : لا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم ، ولئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا : عرفتم إن ديننا حق ، وهذا معنى قول ابن جريح. وقرأ الحسن والأعمش (إن يؤتى) بكسر الألف ، فيكون قول اليهود تاماً عند قوله ، { إلا لمن تبع دينكم ، { وما بعد من قول الله تعالى يقول : قل يا محمد( إن الهدى هدى الله إن يؤتى ) إن بمعنى الجحد ، أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، { أو يحاجوكم عند ربكم } ، يعني : إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا : نحن أفضل منكم ، فقوله عز وجل ( عند ربكم ) أي عند فضل ربكم بكم ذلك ، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل . وقال الفراء : ويجوز أن يكون أو بمعنى حتى كما يقال : تعلق به أو يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك ، ومعنى الآية : ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم . وقرأ ابن كثير (آن يؤتى) بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ولا تؤمنون به ، هذا قول قتادة والربيع وقالا: هذا من قول الله تعالى يقول: قل لهم يا محمد ( إن الهدى هدى الله) بان انزل كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً حسدتموه وكفرتم به. '' قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ، { ، قوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاء المؤمنين وتكون أو بمعنى إن لأنهما حرفاً شرط وجزاء يوضح أحدهما موضع الآخر ، أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم فقل يا محمد: إن الهدى هدى الله ونحن عليه ، ويجوز أن يكون الجميع خطاباً للمؤمنين ، ويكون نظم الآية :أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين حسدوكم فقل( إن الفضل بيد الله) وإن حاجوكم (فقل إن الهدى هدى الله). ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله (لعلهم يرجعون ) ، وقوله تعالى: ( ولا تؤمنوا) من كلام الله يثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم ، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم ، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم و يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله و( إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
الأية
74
 
{ قوله تعالى:( { يختص برحمته } ، أي بنبوته ، { من يشاء والله ذو الفضل العظيم } . وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
الأية
75
 
قوله تعالى : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، { الآية ، نزلت في اليهود اخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة والقنطار عبارة عن المال الكثير ، والدينار عبارة عن المال القليل ، يقول : منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت ، ومنهم من لا يؤديها وغن قلت ، قال مقاتل( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) هم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه ، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ، يعني: كفار اليهود ، ككعب بن الأشرف وأصحابه ، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عزوجل ، { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } ، يعني: عبد الله بن سلام ، أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه ، { و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ، يعني: فنحاص بن عازوراء ، إستودعه رجل من قريش ديناراً فخانه ، قوله ، { يؤده إليك ، { قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة (يؤده) و (لا يؤده) و (نصله) و (نؤته) و(نوله) ساكنة الهاء، قرأ أبو جعفر وقالون ويعقوب بالاختلاس كسراً ، والباقون بالإشباع كسراً، فمن سكن الهاء قال لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة، ومن إختلس فاكتفى بالكسرة عن الياء، ومن أشبع فعلى الأصل،لأن الأصل في الهاء الإشباع،'' إلا ما دمت عليه قائما ، { ، قال ابن عباسملحاً ،يريد يقوم عليه يطالبه بالالحاح ، وقال الضحاك : مواظباً أي تواظب عليه بالاقتضاء ، وقيل : أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على راسه ولم تفارقه رده إليك ، فإن فارقته وأخرته أنكره ولم يؤده ، { ذلك } ، أي : ذلك الاستحلال والخيانة ،'' بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } ، أي: في مال العربي إثم وحرج كقوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل ، { وذلك ان اليهود قالوا :أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة / لهم في كتابنا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. وقال الكلبي : قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب منها فهو لنا ، وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم. وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالاً من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا : ليس لكم علينا حق ، ولا عندنا قضاء أنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم ، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم ، فكذبهم الله عز وجل ، وقال عز من قائل: { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ، { ثم قال رداً عليهم:

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
الأية
76
 
{ بلى } ، أي : ليس كما قالوا بل عليهم سبيل ، ثم ابتدأ فقال ، { من أوفى } ، أي : ولكن من أو في ، { بعهده } ، أي : بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة ، وقيل : الهاء في عهده راجعة إلى الموفى ، { واتقى ، { الكفر والخيانة ونقض العهد ، ، { فإن الله يحب المتقين } . أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قبيصة بن عقبة انا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الأية
77
 
{ قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ، { قال عكرمه :نزلت في رؤوس اليهود كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل والرشا التي كانت لهم من أتباعهم. اخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ،أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو عوانةعن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان فأنزل الله تعالى تصديق لذلك ، { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلا }) إلى آخر الآية ، فدخل الأشعث بن قيس ، فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ؟ فقالوا : كذا وكذا ، فقال : في أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته ، فقال: هات بينتك أو يمينه قلت : اذا يحلف عليها يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف علي يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان }. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاجأنا قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر ، عن أبية قال : '' جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ، فقال الحضرمي : يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرض في يدي أزرعها ، ليس له فيها حق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ألك بينة ؟ قال : لا ، قال :فلك يمينه قال :يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما يحلف عليه ، قال :ليس لك منه إلا ذلك ، فانطلق ليحلف له ، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض ، { ورواه عبد الملك بن حمير عن علقمة ، و قال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان. وروي لما هم إن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف ، وأقر لخصمه بحقه ودفعه اليه أخبرناأبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن احمد السرخسي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن سعيد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله ؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك قالها ثلاث مرات } . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن محمد أنا هشيم بن محمد أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين ، فنزلت { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً }. قوله تعالى: { إن الذين يشترون { أي يستبدلون ، { بعهد الله ، { وأراد الأمانة ، { وأيمانهم ، { الكاذبة ، { ثمناً قليلاً } ، أي : شيئاً قليلاً من حطام الدنيا ، { أولئك لا خلاق لهم ، { لا نصيب لهم ، { في الآخرة ، { ،ونعيمها ،'' ولا يكلمهم الله ، { كلاماً ينفعهم ويسرهم، وقيل هو بمعنى الغضب ، كما يقول الرجل:إني لا أكلم فلاناً إذا كان غضب عليه ، ، { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } ، أي لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيراً،'' ولا يزكيهم } ، أي: لا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب ، { ولهم عذاب أليم }. أخبرنا اسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجالودي أنا ابراهيم بن محمد أنا سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا محمد بن جعفر عن شعبة عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، { قال قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث مرات فقال أبوذر خابوا وخسروا، من هم يارسول الله ؟قال } : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، { في رواية { المسبل إزاره } . أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أسيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر : خابوا وخسروا من هم يا رسول الله ؟ قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، { في رواية ، { المسبل إزاره ، { أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أسيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أبو نصر محمد بن حمزويه المروزي أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل حلف يميناً على مال مسلم فاقتطعه ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماله، فإن الله تعالى يقول : اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
الأية
78
 
{ قوله تعالى : { وإن منهم لفريقاً } ، يعني: من أهل الكتاب لفريقاً أي : طائفة ، وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن اخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمر الشاعر ، { يلوون ألسنتهم بالكتاب } ، أي : يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير ـ، وهو ما غيروا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك ، يقال : لو لسانه على كذا أي : غيره ، { لتحسبوه } ، أي: لتظنوا / ما حرفوا ، { من الكتاب ، { ، الذي أنزله الله تعالى ، ، { وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ، { عمداً ، { وهم يعلمون ، { ، انهم كاذبون ، وقال الضحاك عن ابن عباس : إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك انهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
الأية
79
 
قوله تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ، { الآية ، قال مقاتل والضحاك: ما كان لبشر يعني: عيسى عليه السلام ن وذلك أن نصارى نجران كانوا يقولون : إن عيسى أمرهم أن يتخذوه رباً فقال تعالى : { ما كان لبشر } ، يعني : عيسى ، { أن يؤتيه الله الكتاب ، { الإنجيل. وقال ابن عباس وعطاء ( ما كان لبشر) يعني محمداً ( أن يؤتيه الله الكتاب) أي القرآن ، وذلك ان أبا رافع القرظي من اليهود، والرئيس من نصارى أهل نجران قالا : يا محمد تريد ان نعبدك ونتخذك رباً فقال : معاذ الله أن نأمر بعباده غير الله ، ما بذلك أمرني الله ، ولا بذلك أمرني ، فانزل الله تعالى هذه الآية ( ما كان لبشر) أي ما ينبغي لبشر، كقوله تعالى : { ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } (سورة النور الآية : 16) أي ماينبغي لنا ، والبشر : جميع بني آدم لا واحد له من لفظه ، كالقوم والجيش ، ويوضع موضع الواحد والجمع ، ، { أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ، { ، الفهم والعلم ، وقيل : إمضاء الحكم عن الله عز وجل ، { والنبوة ، { ، المنزلة الرفيعة بالأنبياء / { ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا } ، أي: ولكن يقول كونوا ، { ربانيين }. واختلفوا فيه ، قال علي وابن عباس والحسن : كونوا فقهاء علماء وقال قتادة : تحكماء وعلماء وقال سعيد بن جبير : العالم الذي يعمل بعلمه ، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس : فقهاء معلمين . وقيل : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ، و قال عطاء : علماء حكماء نصحاء لله في خلقه ، قال ابو عبيدة : سمعت رجلاً عالماً يقول : الرباني العالم باحلال والحرام والمر والنهي ، العالم بأنباء المة ما كان وما يكون ، وقيل : الربانيون فوق الأحبار ، والأحبار : العلماء والربانيون : الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرج : كونوا ربانيين تدينون لربكم ، من الربوبية ، كان في الأصل ربي فأدخلت الألف للتفخيم ، ثم ادخلت النون لسكون الألف ، كما قيل: صنعاني وبهراني. وقال المبرد: هم أرباب العلم سموا به لأنهم يربون العلم ، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها ، و كل من قام بإصلاح شئ وإتمامه فقد ربه يربه ، وأحدها : ربان ( كما قالوا: ربان) وعطشان وشبعان وعريان ، ثم ضمت اليه ياء النسبة ، كما قالوا: لحياني ورقباني. وحكي عن علي رضي الله عنه أنه قال : هو الذي يرب علمه بعمله ، قال محمد بن الحنفية لما مات ابن عباس : اليوم مات رباني هذه الأمة. { بما كنتم } ، أي : بما أنتم ، كقوله تعالى:'' من كان في المهد صبياً } (سورة مريم الآية 29) ، أي : من هو في المهد ، { تعلمون الكتاب ، { قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة و الكسائي ( تعلمون ) بالتشديد من التعليم ، وقرأ الآخرون ( تعلمون) بالتخفيف من العلم ، كقوله : { بما كنتم تدرسون } ، أي : تقرؤن.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
الأية
80
 
{ قوله : { ولا يأمركم ، { ، قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بنصب الراء عطفاً على قوله : ثم يقول ، فيكون مردوداً على البشر ، أي : ولا يأمر ذلك البشر، وقيل : علي إضمار إن أي: ولا أن يأمركم ذلك البشر ، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف ، معناه: ولا يأمركم الله وقال ابن جريج وجماعة : ولا يأمركم محمد ، { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ، { كفعل قريش والصابئين حيث آلوا: الملائكة بنات الله ، واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح و عزير ما قالوا } ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ، { ، قاله على طريق التعجب والإنكار، يعني : لا يقول هذا.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
الأية
81
 
قوله عز وجل : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، { قرأ حمزة ، { لما ، { بكسر اللازم ، وقرا الآخرون بفتحها ، فمن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما ، ومعناه الذي يريد للذي آتيتكم ، أي: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتاهم من الكتاب والحكمة يعني، أنهم أصحاب الشرائع ، ومن فتح اللام فمعناه : للذي آتيتكم ، بمعنى الخبر، وقيل : بمعنى الجزاء ، أي : لئن آتيتكم ومهما آتيتكم . وجواب الجزاء قوله ، { لتؤمنن }. قوله :'' لما آتيتكم ، { قرأ نافع وأهل المدينة ( آتيناكم ) على التعظيم كما قال : { وآتينا داود زبورا } (النساء- 163) { وآتيناه الحكم صبياً } (سورة مريم 12) وقرأ الاخرون بالتاء لموافقة الخط ، ولقوله : { وأنا معكم }. واختلفوا في المعني بهذه الآية : فذهب قوم الى أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصة أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته الى عباده ، وأن يصدق بعضهم بعضاً وأخذ العهد على كل نبي ان يؤمن بمن ياتى بعده من الأنبياء ، وينصره إن أدركه ، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن ادركوه ، فإخذ الميثاق من موسى ان يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . ( وقال الاخرون : بما اخذ الله الميثاق منهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ) ، فعلى هذا اختلفوا : منهم من قال : غنما أخذ الميثاق على أ هل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين ، وهذا قولمجاهد والربيع ، ألا ترى الى قوله ، { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ، { ، وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى اهل الكتاب دون النبيين ، يدل عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ، { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ، { ، وأما القراءة المعروفة ( وإذ اخذ الله ميثاق النبيين ) فأراد : أن الله اخذ ميثاق النبيين ان ياخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه، إن أدركوه. وقال بعضهم : أراد اخذ الله الميثاق على النبيين ، وأممهم جميعاً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فاكتفى بذكر النبياء لأن العهد مع المتبوع عهد على الأتباع ، وهذا معنى قول ابن عباس ، وقال علي بن أبي طالب : لم يبعث الله نبياً، آدم ومن بعده ، إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد ، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ، ولئن بعث وهم احياء لينصرنه. قوله : { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ، { ، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم ، ، { لتؤمنن به ولتنصرنه ، { ، يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام والأنبياء فيهم كالمصابيح ولاسرج ، وأخذ عليهم الميثاق في امر محمد صلى الله عليه وسلم ، قال ، { أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري } ، أي : قبلتم على ذلكم عهدي ، والإصر: العهد الثقيل ، { قالوا أقررنا قال ، { ، الله تعالى : { فاشهدوا } ، أي : فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم ، ، { وأنا معكم من الشاهدين ، { عليكم وعليهم ، وقال ابن عباس : فاشهدوا، أي : فاعلموا ، وقال سعيد بن المسيب/ قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم ، كناية عن غير مذكور.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
الأية
82
 
{ فمن تولى بعد ذلك ، { ، الإقرار ، ، { فأولئك هم الفاسقون ، { أن العاصون الخارجون عن الإيمان.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
الأية
83
 
{ قوله عز وجل: { أفغير دين الله يبغون ، { وذلك { أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم عليه السلام ، فغضبوا وقالوا : لانرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ، فأنزل الله تعالى : { أفغير دين الله يبغون } '' ، قرأ أ بو جعفر وأهل البصرة وحفص عن عاصم ، { يبغون ، { بالياء لقوله تعالى ، { وأولئك هم الفاسقون ، { ، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى ، { لما آتيتكم ، { ، { وله أسلم ، { ،خضع وانقاد ، ، { من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً ، { ، فالطوع : الانقياد والاتباع بسهولة ، والكره: ما كان بمشقة وإباء من النفس. واختلفوا في قوله ، { طوعاً وكرها ، { قال الحسن : أسلم اهل السموات طوعاً وأسلم من في الأرض بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً ، خوفاً من السيف والسبي ، وقال مجاهد : طوعاً المؤمن ، وكرهاً ذلك الكافر، بدليل :'' ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال } (الرعد-15) وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال لهم : { ألست بربكم قالوا بلى }( الاعراف-172) ، فقال بعضهم : طوعاً وبعضهم : كرهاً ، وقال قتادة : المؤمن أسلم طوعاً فنفعه ، الكافر أسلم كرهاً في وقت البأس فلم ينفعه ، قال الله تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } (غافر -85) وقال الشعبي : هو استعاذتهم به عند اضطرارهم ، كما قال الله تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين } ( العنكبوت -65). وقال الكلبي : طوعاً الذي ( ولد) في الإسلام ، وكرهاً الذي اجبوا على الإسلام ممن يسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل ، { وإليه يرجعون ، { ، قرا بالياء حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ ، { يبغون ، { بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما إلا ابا عمرو فغنه قرأ ، { يبغون ، { بالياء و ، { ترجعون ، { بالتاء ، وقال: لأن الأول خاص والثاني عام، لأن مرجع جميع الخلق الى الله عز وجل.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
الأية
84
 
{ قوله تعالى : { قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون }.ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها ن ثم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ، { آمنا بالله ، { الآية.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الأية
85
 
{ قوله :'' ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ، { ، نزلت في اثنى عشر رجلاً ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً ، منهم الحارث بن سويد النصاري ، فنزل فيهم ، { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
الأية
86
 
{ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ، { لفظه استفهام ومعناه جحد أي : لا يهدي الكله ، وقبل معناه: كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب ، { وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
الأية
87
 
{ أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ
الأية
88
 
{ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ، { وذلك : أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم ن فأرسل الى قومه : أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك ، فأنزل الله تعالى

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
89
 
{ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ، { ، لما كان منه ، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه فقال الحارث: إنك - والله ما علمت لصدوق وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
الأية
90
 
{ قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ، { قال قتادة والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم محمد صلى الله عليه وسلموالقرآن. وقال أبو العالية : نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إقرارهم بان الله خالقهم ، ثم ازدادوا كفراً أي : أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. قال الحسن : ازدادوا كفراً كلما نزلت آية كفروا بها ، فازدادوا كفراً وقيل : إزدادوا كفراً بقولهم : نتربص بمحمد ريب المنون. قال الكلبي : نزلت في الأحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد ، لما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا هم على الكفر بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا مانزل في الحارث ، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإسلام قبلت توبته ، ونزل فيمن مات منهم كافراً

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
الأية
91
 
{ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ، { الآية. فإن قيل: قد وعد الله قبول توبة من تاب ، فما معنى قوله : { لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ، { ؟ قيل : لن تقبل توبتهم إذا ( رجعوا في حال المعاينة) ، كما قال: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ، { سورة النساء الآية (18). وقيل: هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أمسكوا عن الإسلام ، وقالوا : نتربص بمحمد فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه ، فلن يقبل منهم ذلك لأنهم متربصون غير محققين ، فأولئك هم الضالون . قوله عز وجل: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض } ، أي : قدر مايملأ الأرض من شرقها إلى غربها ، ، { ذهباً ، { نصب على التفسير ن كقولهم : عشرون درهماً . { ولو افتدى به ، { ، قيل : معناه لو افتدى به ، والواو زائدة مقحمة ، ، { أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين }. أخبرنا عبد الواحد بن المليحي انا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل انا محمد بن بشار أخبرنا غندر أخبرنا شعبة عن أبي عمران قال: سمعت أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة : لو أن لك مافي الأرض من شئ اكنت تفدي به ؟ فيقول : نعم ، فيقول : أردت منك اهون من ذلك وانت في صلب آدم ان لاتشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
الأية
92
 
{ قوله تعالى : { لن تنالوا البر } ، يعني : الجنة ، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، وقال مقاتل بن حيان : التقوى ، وقيل : الطاعة وقيل: الخير : وقال الحسن : أن تكونوا أبراراً. أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد قال : أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال/ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً }. قوله تعالى : { حتى تنفقوا مما تحبون } ، أي : من أحب أموالكم إليكم ، روى الضحاك عن ابن عباس : ان المراد منه اداء الزكاة. وقال مجاهد والكلبي : هذه الآية نسختها آية الزكاة، وقال الحسن : كل إنفاق يبتغي به المسلم وجه الله حتى الثمرة ينال به هذا البر ، وقال عطاء : لن تنالوا البر أي : شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحا أشحاء. أخبرنا ابو الحسن السرخسي انا زاهر بن أحمد أنا أبو اسحق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع انس بن مالك يقول كان أبو طلحة الأنصاري أكثر أنصاري بالمدينة مالاً وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال انس : فلما نزلت هذه الآية ، { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، { قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { يارسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه :'' لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، { وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يارسول الله حيث شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ بخ ذلك مال رابح . أو قال : ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أبو طلحة أفعل يارسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه }. وروي عن مجاهد قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى أبي موسى الأشعري ان يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فدعا بها فأعجبته ، فقال: إن الله عز وجل يقول } : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، { فأعتقها عمر. وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال : خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه الآية ، { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، { قال ابن عمر: فذكرت ما أعطاني الله عز وجل ، فما كان شئ اعجب إلي من فلانة ، هي حرة لوجه الله تعالى ، قال : لولا أنني لا أعود في شئ جعلته لله لنكحتها. { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ، { ، أي : يعلمه ويجازي به.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الأية
93
 
{ قوله تعالى : { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، { سبب نزول هذه االآية :'' أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تزعم أنك على ملة إبراهيم ؟ وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها ، فلست على ملته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان ذلك حلالاً لإبراهيم عليه السلام ، فقالوا :كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } { يريد : سوى الميتة والدم ، فإنه لم يكن حلالاً قط . '' إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ، { وهو يعقوب عليه السلام ، { من قبل أن تنزل التوراة ، { ن يعني: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم ، بل كان الكل حلالاً له ولبني اسرائيل وإنما حرمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة ن يعني : ليست في التوراة حرمتها . واختلفوا في الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه وفي سببه ، قال ابو العالية وعطاء ومقاتل و الكلبي : كان الطعام : لحمان الإبل والبانها وروي أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن احب الطعام والشراب اليه ، وكان احب الطعام اليه لحمان الأبل واحب الشراب إليه ألبانها ، فحرمها. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك : هي العروق. وكان السبب في ذلك انه اشتكى عرق النسا وكان أصل وجعه ، فيما روى جويبر ومقاتل عن الضحاك: أن يعقوب كان نذر إن وهبه الله اثنى عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم ، فتلقاه ملك (من الملائكة) ، فقال : يايعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع ، فعالجة فلم يصرع واحد منهما صاحبه، فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ، ثم قال له : أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبتحت آخر ولدك ، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجاً ، فلما قدمها يعقوب اراد ذبح ولده ونسي قول الملك ، فأتاه الملك وقال: إنما غمزتك للمخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ولدك. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة و السدي : أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من اخيه عيصو: وكان رجلاً بطيشاً قوياً فلقيه ملك فظن يعقوب انه لص فعالجه أن يصرعه ، فغمز الملك فخذ يعقوب ، ثم صعد إلى السماء ويعقوب عليه السلام ينظر إليه ، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاء وشدجة ، وكان لاينام بالليل من الوجع ، ويبيت وله زقاء ، أي : صياتح ، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقاً و طعاماً فيه عرق، فحرمه على نفسه ، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروض ، يخرجونها من اللحم . وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه. ونال الحسن : حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبداً لله تعالى : فسأل ربه ان يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده. ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة ، وقال السدي : حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها ، وقال عطية : إنما كان محرماً عليهم بتحريم إسرائيل فإنه كان قد قال : لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد ، ولم يكن محرماً عليهم في التوراة وقال الكلبي : لم يحرمه الله (عليهم) في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم ، كما قال الله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } (سورة النساء الآية 160) وقال الله تعالى : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ، إلى أن قال : { ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون }( سورة النعام ، الآية (146) ، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنباص عظيماً حرم الله عليهم طعاماً طيباً أو صب عليهم رجزاً وهو الموت. وقال الضحاك: لم يكن شئ من ذلك حراماً عليهم ولا حرمه الله في التوراة ، وإنما حرموه على أنفسهم اتباعاً لأبيهم ، ثم أضافوا تحريمه الى الله ، فكذبهم الله عز وجل ، فقال: '' قل ، { يا محمد ، { فاتوا بالتوراة فاتلوها ، { ، حتى يتبين أنه كما قلتم ، ، { إن كنتم صادقين ، { ، فلم ياتوا / فقال الله عز وجل

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الأية
94
 
{ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون }.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأية
95
 
{ قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، { وإنما دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم لأن في إتباع ملة إبراهيم إتباعه صلى الله عليه وسلم.

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ
الأية
96
 
{ قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ، { سبب (نزول هذه الآية) أن اليهود قالوا للمسلمين : بيت المقدس قبلتنا ، وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء ،ب وقال المسلمون بل الكعبة أفضل ، فانزل الله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين }. { فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمناً ، { ، وليس شئ من هذه الفضائل لبيت المقدس. واختلف العلماء في قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ، { ، فقال بعضهم : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عد خلق ( السماء) والأرض، خلقه الله قبل الأرض بألفي عام ، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته ، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقال بعضهم : هو أول بيت بني في الأرض ، روي عن علي بن الحسين : أن الله تعالى وضع تحت العرض بيتاً وهو البيت المعمور ، وأمر الملائكة ان يطوفوا به ، ثم امر الملائكة الذين هم سكان الارض ان بينوا في الارض بيتاً على مثاله وقدرة ، فبنوا واسمه الضراح ن وأمر من في الارض ان يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وروي أن الملائكة بنوه قب لخلق آم بألفي عام، وكانوا يحجونه ، فلما حجه آدم قالت الملائكة : بر حجك يا آدم ، حججنا هذا البيت قبلك بألف عام ، ويروى عن ابن عباس رضي اله عنه انه قال: أراد به أنه أول عن علي بن أبي طالب ، قال الضحاك : أول بيت وضع فيه البركة ، وقيل: أول بيت وضع للناس يحج اليه . وقيل: أول بيت جعل قبلة للناس . وقال الحسن والكلبي : معناه : أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى : ( في بيوت إذن الله أن ترفع ) يعني المساجد. اخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل اخبرنا موسى بن إسماعيل اخبرنا عبد الواحد أنا الأعمش أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذر يقول : '' قلت يارسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً ؟ قال:المسجد الحرام ، قلت ثم أي ؟ قال: المسجد الأقصى ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : أربعون سنة ، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه }. قوله تعالى :'' للذي ببكة ، { قال جماعة : هي مكة نفسها ، وهو قول الضحاك ، والعرب تعاقب بين الباء والميم ، فتقول : سبد رأسه وسمده ، وضربه لازب ولازم ، وقال الآخرون : بكة موضع البيت ومكة اسم البلد كله. وقيل : بكة موضع البيت والمطاق ، سميت بكة : لأن الناس يتباكون فيها ، أي يزدحمون يبك بعضهم بعضاظً ويصلي بعضهم بين يدي بعض ويمر بعضهم بين يدي بعض. وقال عبد الله بن الزبير سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة ، أي تدقها فل يقصدها جبار بسور الا قصمه الله. وأما مكة سميت بذلك لقلة مائها ، من قول العرب : مك الفصيل ضرع أمه وأمتكه إذا امتص كل مافيه من اللبن ، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بهاز { مباركاً ، { نصب على الحال ، أي : ذا بركة ، { وهدى للعالمين ، { لأنه قبلة المؤمنين ، { فيه آيات بينات ، { قرأ ابن عباس ، { آية بينة ، { على الوحدان ، وأراد مقام إبراهيم وحده ، وقرأ الاخرون ، { آيات بينات ، { بالجمع، فذكر منها مقام إبراهيم (وهو الحجر) الذي قام عليه إبراهيم ، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ، ومن تلك الآيات : الحجر السود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها ، وقيل: مقام إبراهيم جميع الحرم ، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه ، وأن الجارحة إذا قصدت صيداً فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه ، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار ، وإن الطاعة والصدقة فيها تضاعف بمائة الف. أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو محمد الحسن بن احمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحق السراج ن أخبرنا أبو مصعب احمد بن أبي بكر الزهري انا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الأغر عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ، فيما سواه إلا المسجد الحرام }. قوله عز وجل: { ومن دخله كان آمناً ، { من ان يحاج فيه ن وذلك بدعاء ابراهيم عليه السلام حيث قال : رب اجعل هذا بداً آمناً ، وكانت العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم امن من القتل والغارة وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى : { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم ، { سورة العنكبون الآية 67)، وقيل : المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمناً ، كما قال تعالى ، { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين } (سورة الفتح، الآية 27) وقيل: هو خبر بمعنى الأمر تقديره : ومن دخله فأمنوه ، كقوله تعالى ، { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، { البقرة -197) ، أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا ، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه القتل قصاصاً او حداً فالتجأ إلى الحرم فلا يستوفى منه فيه ولكنه ( لا يطعم ) ولا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه ، فيقتل ، قاله ابن عباس ، وبه قال أبو حنيفه ، وذهب قوم الى أن القتل الواجب بالشرع يستوفى فيه أما اذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفي فيه عقوبته بالانفاق. وقيل: معناه ومن دخله معظماً له متقرباً إلى الله عز وجل كان آمناً يوم القيامة من العذاب قوله عز وجل

 
Tafseer Al-Baghawiy  تفسير البغوي
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
الأية
97
 
{ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ، أي: ولله فرض واجب على الناس حج البيت ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص ، { حج البيت ، { بكسرالحاء في هذا الحرف خاصة ، وقرأ الآخرون بفتح الحاء ، وهي لغة اهل الحجاز ، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد . والحج احد أركان الإسلام ، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن موسى أنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة/ والحج ، وصوم رمضان }. قال اهل العلم : ولوجوب الحج خمس شرائط : الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة ، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون ، ولو حجا بانفسهما لا يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم (لفعل) المجنون ، ولا يجب على الصبي ولا على العبد ، ولو حج صبي يعقل ، أو عبد يصح حجمها تطوعاً لا يسقط به فرض الإسلام عنهما فلو بلغ الصبي، أو عتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه شرائط ( وجوب) الحج ، وجب عليه أن يحج ثانياً ، ولا يجب على غير المستطيع ، لقوله تعالى : { من استطاع إليه سبيلاً ، { غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض الإسلام. والاستطاعة نوعان ، احدهما : أن يكون مستطيعاً(بنفسه) ، والآخر : أن يكون مستطيعاً بفيره ، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادراً بنفسه على الذهاب ووجد الزاد والراحلة ، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب ثنا عبد العزيز بن احمد الخلال ثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال: فعدنا الى عبد الله ابن عمر فسمعته يقول : '' سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماالحاج ؟ قال :الشعث التفل، فقام رجل آخر فقال : يارسول الله : أي الحج أفضل ؟ قال : العج والثج فقام رجل آخر فقال : يارسول الله ما السبيل؟ قال: زاد وراحلة }. وتفصيله : أن يجد راحلة تصلح لمثله ووجد الزاد للذهاب والرجوع ، فاضلاً عن نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه ، وعن دين يكون عليه ، ووجد رفقة يخرجون فيث وقت جرت عادة أهل بلدة بالخروج في ذلك ال&#