Prev

5. Surah Al-M'idah سورة المائدة

Next



تفسير القرطبي - المائدة - Al-Ma`ida -
 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
الأية
1
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ سورة المائدة وهي مدنية بإجماع , وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية . وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : ( يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة )  . قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده ; أما إنا نقول : سورة { المائدة , ونعمت الفائدة { فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن . وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب )  . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع , ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } [ المائدة : 2 ] الآية . وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني , سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار , وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . وقال أبو ميسرة : " المائدة { من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ , وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ; وهي : { المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } [ المائدة : 3 ] , { وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام } , { وما علمتم من الجوارح مكلبين } [ المائدة : 4 ] , { وطعام الذين أوتوا الكتاب } [ المائدة : 5 ] { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [ المائدة : 5 ] , وتمام الطهور { إذا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] , { والسارق والسارقة } [ المائدة : 38 ] , { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] إلى قوله : { عزيز ذو انتقام } [ المائدة : 95 ] و { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } [ المائدة : 103 ] , وقوله تعالى : { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } [ المائدة : 106 ] الآية . قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : { وإذا ناديتم إلى الصلاة } [ المائدة : 58 ] ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة , أما ما جاء في سورة { الجمعة } فمخصوص بالجمعة , وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة { المائدة { في حجة الوداع وقال : ( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها )  ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا ; قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة } المائدة { ؟ فقلت : نعم , فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله , فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه , وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : { ولا الشهر الحرام ولا الهدي } [ المائدة : 2 ] الآية , وقال بعضهم : نسخ منها { أو آخران من غيركم } [ المائدة : 106 ] . قال علقمة : كل ما في القرآن } يا أيها الذين آمنوا { فهو مدني و { يا أيها الناس } [ النساء : 1 ] فهو مكي ; وهذا خرج على الأكثر , وقد تقدم , وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ; فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود ; الثاني : تحليل بهيمة الأنعام ; الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك ; الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد ; الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم , وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه ; فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ; إني فتحت المصحف فخرجت سورة { المائدة { فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث , وحلل تحليلا عاما , ثم استثنى استثناء بعد استثناء , ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين , ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد . آمَنُوا يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى : { ومن أوفى بعهده من الله } [ التوبة : 111 ] , وقال تعالى : { وإبراهيم الذي وفى } [ النجم : 37 ] وقال الشاعر : أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها فجمع بين اللغتين . أَوْفُوا العقود الربوط , واحدها عقد ; يقال : عقدت العهد والحبل , وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام ; قال الحطيئة : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود ; قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ; من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور , ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ; وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات , كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام , وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة ; قاله ابن العربي . ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب ; لقوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه " [ آل عمران : 187 ] . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت , وقيل : هي عامة وهو الصحيح ; فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ; لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ; فإنهم مأمورون بذلك في قوله : { أوفوا بالعقود { وغير موضع . قال ابن عباس : { أوفوا بالعقود { معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ; وكذلك قال مجاهد وغيره , وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : ( هذا بيان للناس من الله ورسوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود { فكتب الآيات فيها إلى قوله : { إن الله سريع الحساب } [ المائدة : 4 ] ) . وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض , وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب ; قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم )  وقال : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط )  فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله ; فإن ظهر فيها ما يخالف رد ; كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )  . ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ; فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول , وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعي به في الإسلام لأجبت )  , وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : ( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة )  لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ; فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله . قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد ; فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا ; وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ; وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك ; فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه . بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ; وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام , يأتي بيانها ; فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية , والآراء الفاسدة الباطلية , واختلف في معنى { بهيمة الأنعام { والبهيمة اسم لكل ذي أربع ; سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ; ومنه باب مبهم أي مغلق , وليل بهيم , وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له . و { الأنعام } : الإبل والبقر والغنم , سميت بذلك للين مشيها ; قال الله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع } [ النحل : 5 ] إلى قوله : { وتحمل أثقالكم } [ النحل : 7 ] , وقال تعالى : { ومن الأنعام حمولة وفرشا } [ الأنعام : 142 ] يعني كبارا وصغارا ; ثم بينها فقال : " ثمانية أزواج } [ الزمر : 6 ] إلى قوله : { أم كنتم شهداء } [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها } [ النحل : 80 ] يعني الغنم { وأوبارها { يعني الإبل { وأشعارها { يعني المعز ; فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس ; الإبل والبقر والغنم ; وهو قول ابن عباس والحسن . قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة , وقال الطبري : وقال قوم { بهيمة الأنعام { وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك , وذكره غير الطبري والربيع وقتادة والضحاك , كأنه قال : أحلت لكم الأنعام , فأضيف الجنس إلى أخص منه . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ; وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج , وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها , وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ; فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ; لأن الله تعالى قال : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع } [ النحل : 5 ] ثم عطف عليها قوله : { والخيل والبغال والحمير } [ النحل : 8 ] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها ; والله أعلم , وقيل : { بهيمة الأنعام } ما لم يكن صيدا ; لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة , وهذا راجع إلى القول الأول . وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال : { بهيمة الأنعام { الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ; فهي تؤكل دون ذكاة , وقاله ابن عباس وفيه بعد ; لأن الله تعالى قال : { إلا ما يتلى عليكم { وليس في الأجنة ما يستثنى ; قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه ; فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى , وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه , فقيل : هو ذكي , وقيل : ليس بذكي ; وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى : الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة } [ المائدة : 3 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : ( وكل ذي ناب من السباع حرام )  . فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة ; قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله ; والدليل عليه أمران : أحدهما : حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله )  والرجم ليس منصوصا في كتاب الله . الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ; الحديث , وسيأتي في سورة { الحشر } . ويحتمل { إلا ما يتلى عليكم { الآن أو } ما يتلى عليكم { فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة . عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام , وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين . واختلف النحاة في { إلا ما يتلى { هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون : هو استثناء من { بهيمة الأنعام { و } غير محلي الصيد } استثناء آخر أيضا منه ; فالاستثناءان جميعا من قوله : { بهيمة الأنعام { وهي المستثنى منها ; التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ; بخلاف قوله : { إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط } [ الحجر : 58 - 59 ] على ما يأتي , وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء ; فيصير بمنزلة قوله عز وجل : { إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين { ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ; لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : { إلا ما يتلى عليكم { مستثنى من الإباحة ; وهذا وجه ساقط ; فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد , ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم , وأجاز الفراء أن يكون { إلا ما يتلى عليكم } في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ; ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد , والنصب عنده بأن } غير محلي الصيد { نصب على الحال مما في { أوفوا } ; قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد , وقال غيره : حال من الكاف والميم في { لكم } والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد . ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس , أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام , ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام ; كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة . فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : غير محلين الصيد , فحذفت النون تخفيفا . الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ يعني الإحرام بالحج والعمرة ; يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ; ومنه قول الشاعر : فقلت لها فيئي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب أي ملب , وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما , ويقال : أحرم دخل في الحرم ; فيحرم صيد الحرم أيضا , وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب { حرم { بسكون الراء ; وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه . حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب ; أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه , فإن الذي هو مالك الكل { يحكم ما يريد } { لا معقب لحكمه } [ الرعد : 41 ] يشرع ما يشاء كما يشاء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الأية
2
 
وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما ; كقوله : " وألقي السحرة ساجدين } [ الأعراف : 120 ] ولا سحر مع السجود , فكذلك لا يتم مع البلوغ . وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : { يتيم أبي طالب { استصحابا لما كان .{ وآتوا { أي أعطوا . والإيتاء الإعطاء . ولفلان أتو , أي عطاء . أبو زيد : أتوت الرجل آتوه إتاوة , وهي الرشوة . واليتيم من لم يبلغ الحلم , وقد تقدم في { البقرة } مستوفى . وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء . نزلت - في قول مقاتل والكلبي - في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم , فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه ; فنزلت , فقال العم : نعوذ بالله من الحوب الكبير ! ورد المال . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره )  يعني جنته . فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله , فقال عليه السلام : ( ثبت الأجر وبقي الوزر )  . فقيل : كيف يا رسول الله ؟ فقال : ( ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده )  لأنه كان مشركا . وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين : أحدهما - إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية ; إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير . الثاني - الإيتاء بالتمكن وإسلام المال إليه , وذلك عند الابتلاء والإرشاد , وتكون تسميته مجازا , المعنى : الذي كان يتيما , وهو استصحاب الاسم ; كقوله تعالى : { وألقي السحرة ساجدين } [ الأعراف : 120 ] أي الذين كانوا سحرة . وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : { يتيم أبي طالب } . فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا . وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله كله على كل حال , لأنه يصير جدا . قلت : لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد وذكره في قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } [ النساء : 6 ] . قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن : لما لم يقيد الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما , فأقول : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد , وجب دفع المال إليه , وإن كان دون ذلك لم يجب , عملا بالآيتين . وقال أبو حنيفة : لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتيم ؟ ! وهل ذلك إلا في غاية البعد ؟ . قال ابن العربي : وهذا باطل لا وجه له ; لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا تثبت قياسا وإنما تؤخذ من جهة النص , وليس في هذه المسألة . وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى . وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة , ولا الدرهم الطيب بالزيف . وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى , فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم ; ويقولون : اسم باسم ورأس برأس ; فنهاهم الله عن ذلك . هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية . وقيل : المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم . وقال مجاهد وأبو صالح وباذان : لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله . وقال ابن زيد : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث . عطاء : لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غر صغير . وهذان القولان خارجان عن ظاهر الآية ; فإنه يقال : تبدل الشيء بالشيء أي أخذه مكانه . ومنه البدل . وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ قال مجاهد : وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق ; فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك , ثم نسخ بقوله } وإن تخالطوهم فإخوانكم } [ البقرة : 220 ] . وقال ابن فورك عن الحسن : تأول الناس في هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم , فخفف عنهم في آية البقرة . وقالت طائفة من المتأخرين : إن { إلى { بمعنى مع , كقوله تعالى : { من أنصاري إلى الله } [ الصف : 14 ] . وأنشد القتبي : يسدون أبواب القباب بضمر إلى عنن مستوثقات الأواصر وليس بجيد . وقال الحذاق : { إلى { على بابها وهي تتضمن الإضافة , أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل . فنهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع . إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا { إنه { أي الأكل { كان حوبا كبيرا { أي إثما كبيرا ; عن ابن عباس والحسن وغيرهما . يقال : حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم . وأصله الزجر للإبل ; فسمي الإثم حوبا ; لأنه يزجر عنه وبه . ويقال في الدعاء : اللهم اغفر حوبتي ; أي إثمي . والحوبة أيضا الحاجة . ومنه في الدعاء : إليك أرفع حوبتي ; أي حاجتي . والحوب الوحشة ; ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب : ( إن طلاق أم أيوب لحوب )  . وفيه ثلاث لغات { حوبا { بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز . وقرأ الحسن { حوبا { بفتح الحاء . وقال الأخفش : وهي لغة تميم . مقاتل : لغه الحبش . والحوب المصدر , وكذلك الحيابة . والحوب الاسم . وقرأ أبي بن كعب { حابا { على المصدر مثل القال . ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد . والحوأب ( بهمزة بعد الواو )  . المكان الواسع . والحوأب ماء أيضا . ويقال : ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة ; ومنه قولهم : بات بحيبة سوء . وأصل الياء الواو . وتحوب فلان أي تعبد وألقى الحوب عن نفسه . والتحوب أيضا التحزن . وهو أيضا الصياح الشديد ; كالزجر , وفلان يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل : فذوقوا كما ذقنا غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
3
 
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ { وإن خفتم { شرط , وجوابه { فانكحوا } . أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن { فانكحوا ما طاب لكم { أي غيرهن . وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع { قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره , فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن . وذكر الحديث . وقال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه , ويبيع من نفسه من غير محاباة . وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها . وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك . فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ ; وقد مضى في { البقرة { القول في هذا . وقال الضحاك والحسن وغيرهما : إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام ; من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء , فقصرتهن الآية على أربع . وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما : المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ; لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و { خفتم { من الأضداد ; فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع , وقد يكون مظنونا ; فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف . فقال أبو عبيدة : { خفتم { بمعنى أيقنتم . وقال آخرون : { خفتم { ظننتم . قال ابن عطية : وهذا الذي اختاره الحذاق , وأنه على بابه من الظن لا من اليقين . التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها . و { تقسطوا { معناه تعدلوا . يقال : أقسط الرجل إذا عدل . وقسط إذا جار وظلم صاحبه . قال الله تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } [ الجن : 15 ] يعني الجائرون . وقال عليه السلام : ( المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة )  يعني العادلين . وقرأ ابن وثاب والنخعي { تقسطوا { بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة { لا { كأنه قال : وإن خفتم أن تجوروا . قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء { إن قيل : كيف جاءت { ما { للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ; فعنه أجوبة خمسة : الأول - أن { من { و } ما { قد يتعاقبان ; قال الله تعالى : " والسماء وما بناها } [ الشمس : 5 ] أي ومن بناها . وقال { فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع } [ النور : 45 ] . فما هاهنا لمن يعقل وهن النساء ; لقوله بعد ذلك { من النساء { مبينا لمبهم . وقرأ ابن أبي عبلة } من طاب { على ذكر من يعقل . الثاني : قال البصريون : { ما { تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال : ما عندك ؟ فيقال : ظريف وكريم . فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء ; أي الحلال , وما حرمه الله فليس بطيب . وفي التنزيل { وما رب العالمين { فأجابه موسى على وفق ما سأل ; وسيأتي . الثالث : حكى بعض الناس أن { ما { في هذه الآية ظرفية , أي ما دمتم تستحسنون النكاح قال ابن عطية : وفي هذا المنزع ضعف . جواب رابع : قال الفراء { ما { هاهنا مصدر . وقال النحاس : وهذا بعيد جدا ; لا يصح فانكحوا الطيبة . قال الجوهري : طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا . قال علقمة : كأن تطيابها في الأنف مشموم جواب خامس : وهو أن المراد بما هنا العقد ; أي فانكحوا نكاحا طيبا . وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة . وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا : سبحان ما سبح له الرعد . أي سبحان من سبح له الرعد . ومثله قولهم : سبحان ما سخركن لنا . أي من سخركن . واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى { ليس له مفهوم ; إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة : اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف . فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك , وأن حكمها أعم من ذلك . تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ . وقال : إنما تكون يتيمة قبل البلوغ , وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة ; بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهي عن حطها عن صداق مثلها ; لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا . وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر ; لقوله تعالى : " ويستفتونك في النساء } [ النساء : 127 ] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور , واسم الرجل لا يتناول الصغير ; فكذلك اسم النساء , والمرأة لا يتناول الصغيرة . وقد قال : { في يتامى النساء } [ النساء : 127 ] والمراد به هناك اليتامى هنا ; كما قالت عائشة رضي الله عنها . فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها , ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها , فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها . كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون , فدخل المغيرة بن شعبة على أمها , فأرغبها في المال وخطبها إليها , فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة : يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها , زوجتها من قد علمت فضله وقرابته . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها )  فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة . قال الدارقطني : لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع , وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه . ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله بن عمر : أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال : فذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي تكره ذلك . فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها . وقال : ( ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها )  . فتزوجها بعد عبد الله المغيرة بن شعبة . فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي , بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح . وقد مضى في { البقرة { ذكره ; فلا معنى لقولهم : إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله ( إلا بإذنها )  فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى والله أعلم . وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل , والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره ; لقولها : ( بأدنى من سنة صداقها )  . فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم . وقد قال مالك : للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها . أي صدقات وأكفاء . وسئل مالك عن رجل زوج ابنته من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال : إني لأرى لها في ذلك متكلما . فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الأم عليه . وروي { لا أرى { بزيادة الألف والأول أصح . وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها ; لأن الآية إنما خرجت في اليتامى . هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها . فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها , ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة . وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور , وقاله من التابعين الحسن وربيعة , وهو قول الليث . وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان , أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه ; أو مثله في القعدد ; وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا . واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل )  . فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب ; فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين . وفي المسألة قول ثالث , وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه . روي هذا عن المغيرة بن شعبة , وبه قال أحمد , ذكره ابن المنذر . قوله تعالى : { ما طاب لكم من النساء { معناه ما حل لكم ; عن الحسن وابن جبير وغيرهما . واكتفى بذكر من يجوز نكاحه ; لأن المحرمات من النساء كثير . وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة { طاب } { بالإمالة { وفي مصحف أبي { طيب { بالياء ; فهذا دليل الإمالة .{ من النساء { دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم . وواحد النساء نسوة , ولا واحد لنسوة من لفظه , ولكن يقال امرأة . مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وموضعها من الإعراب نصب على البدل من { ما { وهي نكرة لا تنصرف ; لأنها معدولة وصفة ; كذا قال أبو علي . وقال الطبري : هي معارف ; لأنها لا يدخلها الألف واللام , وهي بمنزلة عمر في التعريف ; قاله الكوفي . وخطأ الزجاج هذا القول . وقيل : لم ينصرف ; لأنه معدول عن لفظه ومعناه , فأحاد معدول عن واحد واحد , ومثنى معدولة عن اثنين اثنين , وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة , ورباع عن أربعة أربعة . وفي كل واحد منها لغتان : فعال ومفعل ; يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع , وكذلك إلى معشر وعشار . وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة : أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر . وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية . وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب { ثلاث وربع { بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا ; كما قال : أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغله قال الثعلبي : ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت : فلم يستثيروك حتى رمي ت فوق الرجال خصالا عشارا يعني طعنت عشرة . وقال ابن الدهان : وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه . وقال أبو عمرو بن الحاجب : ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع . وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال ؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت . وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك . وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة ; تقول : جاءني اثنان وثلاثة , ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع , مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار . وهي في موضع الحال هنا وفي الآية , وتكون صفة ; ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله تعالى : { أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع } [ فاطر : 1 ] فهي صفة للأجنحة وهي نكرة . وقال ساعدة بن جؤية : ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد وأنشد الفراء : قتلنا به من بين مثنى وموحد بأربعة منكم وآخر خامس فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد , وكذلك بيت الفراء ; أي قتلنا به ناسا , فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة . وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة . وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة ; لأنه قد زال عنه العدل . اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع , كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة , وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة , وزعم أن الواو جامعة ; وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا , وجمع بينهن في عصمته . والذي صار إلى هذه الجهالة , وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ; فجعلوا مثنى مثل اثنين , وكذلك ثلاث ورباع . وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها , فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة ; تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع ; فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع . وهذا كله جهل باللسان والسنة , ومخالفة لإجماع الأمة , إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع . وأخرج مالك في موطئه , والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة : ( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن )  . في كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اختر منهن أربعا )  . وقال مقاتل : إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر ; فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا . كذا قال : { قيس بن الحارث } , والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود . وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : أن ذلك كان حارث بن قيس , وهو المعروف عند الفقهاء . وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته ; على ما يأتي بيانه في { الأحزاب } . وأما قولهم : إن الواو جامعة ; فقد قيل ذلك , لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة . وكذلك تستقبح ممن يقول : أعط فلانا أربعة ستة ثمانية , ولا يقول ثمانية عشر . وإنما الواو في هذا الموضع بدل ; أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى , ورباع بدلا من ثلاث ; ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث , ولا لصاحب الثلاث رباع . وأما قولهم : إن مثنى تقتضي اثنين , وثلاث ثلاثة , ورباع أربعة , فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه , وجهالة منهم . وكذلك جهل الآخرين , بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين , وثلاث ثلاثة ثلاثة , ورباع أربعة أربعة , ولم يعلموا أن اثنين اثنين , وثلاثا ثلاثا , وأربعا أربعا , حصر للعدد . ومثنى وثلاث ورباع بخلافها . ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل ; وذلك أنها إذا قالت : جاءت الخيل مثنى , إنما تعني بذلك اثنين اثنين ; أي جاءت مزدوجة . قال الجوهري : وكذلك معدول العدد . وقال غيره : إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار , فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا , أو اثنين اثنين , أو ثلاثة ثلاثة , أو عشرة عشرة , وليس هذا المعنى في الأصل ; لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة , أو قوم عشرة عشرة , فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة . فإذا قلت جاءوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم . وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين . وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب , فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم . وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهي : فقال مالك والشافعي : عليه الحد إن كان عالما . وبه قال أبو ثور . وقال الزهري : يرجم إذا كان عالما , وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد , ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا . وقالت طائفة : لا حد عليه في شيء من ذلك . هذا قول النعمان . وقال يعقوب ومحمد : يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك من النكاح . وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة في عقدة أو تزوج متعة أو تزوج بغير شهود , أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها . وقال أبو ثور : إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود . وفيه قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه : جلد مائة ولا ينفى . فهذه فتيا علمائنا في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها . ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال : أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ; فقالت : يا أمير المؤمنين , إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه , وهو يعمل بطاعة الله عز وجل . فقال لها : نعم الزوج زوجك : فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب . فقال له كعب الأسدي : يا أمير المؤمنين , هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه . فقال عمر : كما فهمت كلامها فاقض بينهما . فقال كعب : علي بزوجها , فأتي به فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك . قال : أفي طعام أم شراب ؟ قال لا . فقالت المرأة : يا أيها القاضي الحكيم رشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي تعبده فاقض القضا كعب ولا تردده نهاره وليله ما يرقده فلست في أمر النساء أحمده فقال زوجها : زهدني في فرشها وفي الحجل أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب : إن لها عليك حقا يا رجل نصيبها في أربع لمن عقل فأعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال : إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع , فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك . فقال عمر : والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما ؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة . وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تستعدي زوجها , فقالت : ليس لي ما للنساء ; زوجي يصوم الدهر . قال : ( لك يوم وله يوم , للعبادة يوم وللمرأة يوم )  . فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا قال الضحاك وغيره : في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين فَوَاحِدَةً فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة . وذلك دليل على وجوب ذلك , والله أعلم . وقرئت بالرفع , أي فواحدة فيها كفاية أو كافية . وقال الكسائي : فواحدة تقنع . وقرئت بالنصب بإضمار فعل , أي فانكحوا واحدة . أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يريد الإماء . وهو عطف على { فواحدة { أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه . وفي هذا دليل على ألا حق لملك اليمين في الوطء ولا القسم ; لأن المعنى { فإن خفتم ألا تعدلوا { في القسم { فواحدة أو ما ملكت أيمانكم { فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة , فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم . إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق . وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح , واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها . ألا ترى أنها المنفقة ؟ كما قال عليه السلام : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )  وهي المعاهدة المبايعة , وبها سميت الألية يمينا , وهي المتلقية لرايات المجد ; كما قال : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا ; عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . يقال : عال الرجل يعول إذا جار ومال . ومنه قولهم : عال السهم عن الهدف مال عنه . قال ابن عمر : إنه لعائل الكيل والوزن ; قال الشاعر : قالوا اتبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين أي جاروا . وقال أبو طالب : بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل يريد غير مائل . وقال آخر : ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي أي جار ومال . وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة . ومنه قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة } [ التوبة : 38 ] . ومنه قول الشاعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وهو عائل وقوم عيلة , والعيلة والعالة الفاقة , وعالني الشيء يعولني إذا غلبني وثقل علي , وعال الأمر اشتد وتفاقم . وقال الشافعي : { ألا تعولوا } [ النساء : 3 ] ألا تكثر عيالكم . قال الثعلبي : وما قال هذا غيره , وإنما يقال : أعال يعيل إذا كثر عياله . وزعم ابن العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها , يقال : عال مال , الثاني زاد , الثالث جار , الرابع افتقر , الخامس أثقل , حكاه ابن دريد . قالت الخنساء : ويكفي العشيرة ما عالها السادس عال قام بمئونة العيال ; ومنه قوله عليه السلام : ( وابدأ بمن تعول )  . السابع عال غلب ; ومنه عيل صبره . أي غلب . ويقال : أعال الرجل كثر عياله . وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح . قلت : أما قول الثعلبي { ما قاله غيره { فقد أسنده الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم , وهو قول جابر بن زيد ; فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي إليه . وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح . وقد ذكرنا : عال الأمر اشتد وتفاقم , حكاه الجوهري . وقال الهروي في غريبيه : { وقال أبو بكر : يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها أي ضرب فيها . وقال الأحمر : يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك } . وأما عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي . قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة : العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله . وقال أبو حاتم : كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا , ولعله لغة . قال الثعلبي المفسر : قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب : سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال : هي لغة حمير ; وأنشد : وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشى وعالا يعني وإن كثرت ماشيته وعياله . وقال أبو عمرو بن العلاء : لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحنا . وقرأ طلحة بن مصرف { ألا تعيلوا { وهي حجة الشافعي رضي الله عنه . قال ابن عطية : وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال : إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال , فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال . وهذا القدح غير صحيح ; لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع , وإنما العيال القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة . وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول : عال الرجل إذا كثر عياله . تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا , لأن الله تعالى قال : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } يعني ما حل { مثنى وثلاث ورباع { ولم يخص عبدا من حر . وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئه , وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب . وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ; قال وهو قول الليث . قال أبو عمر : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد : لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ; وبه قال أحمد وإسحاق . وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ; ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة . وهو قول الشعبي وعطاء وابن سيرين والحكم وإبراهيم وحماد . والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه وحده . وكل من قال حده نصف حد الحر , وطلاقه تطليقتان , وإيلاؤه شهران , ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال : تناقض في قوله { ينكح أربعا { والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الأية
4
 
وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ الصدقات جمع , الواحدة صدقة . قال الأخفش : وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات , وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت . قال المازني : يقال صداق المرأة بالكسر , ولا يقال بالفتح . وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس . والخطاب في هذه الآية للأزواج ; قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج . أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم . وقيل : الخطاب للأولياء ; قاله أبو صالح . وكان الولي يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا , فنهوا عن ذلك وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهن . قال في رواية الكلبي : أن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معه في العشرة لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا , وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير ; فنزل : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } . وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه : زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى , فأمروا أن يضربوا المهور . والأول أظهر ; فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد ; لأنه قال : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى { إلى قوله : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } . وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأول فيها هو الآخر . هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة , وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض أهل العلم من أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق ; وليس بشيء ; لقوله تعالى { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة { فعم . وقال : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف } [ النساء : 25 ] . وأجمع العلماء أيضا أنه لا حد لكثيره , واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله : { وآتيتم إحداهن قنطارا } [ النساء : 20 ] . وقرأ الجمهور } صدقاتهن { بفتح الصاد وضم الدال . وقرأ قتادة { صدقاتهن { بضم الصاد وسكون الدال . وقرأ النخعي وابن وثاب بضمهما والتوحيد { صدقتهن { نِحْلَةً النحلة والنحلة , بكسر النون وضمها لغتان . وأصلها من العطاء ; نحلت فلانا شيئا أعطيته . فالصداق عطية من الله تعالى للمرأة . وقيل : { نحلة { أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع . وقال قتادة : معنى { نحلة { فريضة واجبة . ابن جريج وابن زيد : فريضة مسماة . قال أبو عبيد : ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة . وقال الزجاج : { نحلة { تدينا . والنحلة الديانة والملة . يقال . هذا نحلته أي دينه . وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية , حتى قال بعض النساء في زوجها : لا يأخذ الحلوان من بناتنا تقول : لا يفعل ما يفعله غيره . فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء . و { نحلة { منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها تقديره انحلوهن نحلة . وقيل : هي نصب وقيل على التفسير . وقيل : هي مصدر على غير الصدر في موضع الحال . فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ مخاطبة للأزواج , ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة ; وبه قال جمهور الفقهاء . ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن الملك لها . وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء ; لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا , فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة . والقول الأول أصح ; لأنه لم يتقدم للأولياء ذكر , والضمير في { منه { عائد على الصداق . وكذلك قال عكرمة وغيره . وسبب الآية فيما ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت { فإن طبن لكم } . واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها , ولا رجوع لها فيه . إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه , واحتج بقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا { وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا . قال ابن العربي : وهذا باطل ; لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها ; إذ ليس المراد صورة الأكل , وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال , وهذا بين . فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها , وحطت عنه لذلك شيئا من صداقها , ثم تزوج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن القاسم ; لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه . كما اشترط أهل بريرة أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها , فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط . كذلك ههنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة . قال ابن عبد الحكم : إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع عليه بشيء , وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها ; لأنه شرط على نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه , فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام : ( المؤمنون عند شروطهم )  . وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا ; لأنه ليس بمال ; إذ لا يمكن للمرأة هبته ولا الزوج أكله . وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد والشافعي . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب : يكون صداقا ولا مهر لها غير العتق ; على حديث صفية - رواه الأئمة - أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها . وروي عن أنس أنه فعله , وهو راوي حديث صفية . وأجاب الأولون بأن قالوا : لا حجة في حديث صفية ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا في النكاح بأن يتزوج بغير صداق , وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا صداق . فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا ; والله أعلم . نَفْسًا قيل : هو منصوب على البيان . ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان , وأجاز ذلك المازني وأبو العباس المبرد إذا كان العامل فعلا . وأنشد : وما كان نفسا بالفراق تطيب وفي التنزيل { خشعا أبصارهم يخرجون } [ القمر : 7 ] فعلى هذا يجوز { شحما تفقأت . ووجها حسنت } . وقال أصحاب سيبويه : إن { نفسا { منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا , وليست منصوبة على التمييز ; وإذا كان هذا فلا حجة فيه . وقال الزجاج . الرواية : وما كان نفسي .. . واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرف كعشرين درهما . فَكُلُوهُ ليس المقصود صورة الأكل , وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان , وهو المعني بقوله في الآية التي بعدها { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء : 10 ] . وليس المراد نفس الأكل ; إلا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل . ونظيره قوله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } [ الجمعة : 9 ] يعلم أن صورة البيع غير مقصودة , وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره ; ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى . هَنِيئًا مَرِيئًا منصوب على الحال من الهاء في { كلوه { وقيل : نعت لمصدر محذوف , أي أكلا هنيئا بطيب الأنفس . هنأه الطعام والشراب يهنؤه , وما كان هنيئا ; ولقد هنؤ , والمصدر الهنء . وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيء . وهنيء اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف . وهنئ يهنأ فهو هنئ على فعل كزمن . وهنأني الطعام ومرأني على الإتباع ; فإذا لم يذكر { هنأني { قلت : أمرأني الطعام بالألف , أي انهضم . قال أبو علي : وهذا كما جاء في الحديث ( ارجعن مأزورات غير مأجورات )  . فقلبوا الواو من { موزورات { ألفا إتباعا للفظ مأجورات . وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي : يقال هنيء وهنأني ومرأني وأمرأني ولا يقال مرئني ; حكاه الهروي . وحكى القشيري أنه يقال : هنئني ومرئني بالكسر يهنأني ويمرأني , وهو قليل . وقيل : { هنيئا { لا إثم فيه , و { مريئا { لا داء فيه . قال كثير : هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت ودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له : كل من الهنيء المريء . وقيل : الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء , والمريء المحمود العاقبة , التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي . يقول : لا تخافون في الدنيا به مطالبة , ولا في الآخرة تبعة . يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه { فقال : ( إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان , ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة )  وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته درهما من صداقها ثم ليشتر به عسلا فليشربه بماء السماء ; فيجمع الله عز وجل له الهنيء والمريء والماء المبارك )  . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الأية
5
 
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم { وإيصال الصدقات إلى الزوجات , بين أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه . فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام . وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة . واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة ; فقال عوام أهل العلم : الوصية لها جائزة . واحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة . وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قال : لا تكون المرأة وصيا ; فإن فعل حولت إلى رجل من قومه . واختلفوا في الوصية إلى العبد ; فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب . وأجازه مالك والأوزاعي وابن عبد الحكم . وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده . وقد مضى القول في هذا في { البقرة { مستوفى . { السفهاء { قد مضى في { البقرة { معنى السفه لغة . واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء , من هم ؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم . قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية . وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال : هم الأولاد الصغار , لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء . وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : هم النساء . قال النحاس وغيره : وهذا القول لا يصح ; إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات ; لأنه الأكثر في جمع فعيلة . ويقال : لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة . وروي عن عمر أنه قال : من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا ; فذلك قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم { يعني الجهال بالأحكام . ويقال : لا تدفع إلى الكفار ; ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع , أو يدفع إليه مضاربة . وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : ( السفهاء هنا كل من يستحق الحجر )  . وهذا جامع . وقال ابن خويز منداد : وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال : حال يحجر عليه لصغره , وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره , وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله . فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر عليه لسرعة زوال ما به . والحجر يكون مرة في حق الإنسان ومرة في حق غيره ; فأما المحجور عليه في حق نفسه من ذكرنا . والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في الثلثين , والمفلس وذات الزوج لحق الزوج , والبكر في حق نفسها . فأما الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما . وأما الكبير فلأنه لا يحسن النظر لنفسه في ماله , ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه , فأشبه الصبي ; وفيه خلاف يأتي . ولا فرق بين أن يتلف ماله في المعاصي أو القرب والمباحات . واختلف أصحابنا إذا أتلف ماله في القرب ; فمنهم من حجر عليه , ومنهم من لم يحجر عليه . والعبد لا خلاف فيه . والمديان ينزع ما بيده لغرمائه ; لإجماع الصحابة , وفعل عمر ذلك بأسيفع جهينة ; ذكره مالك في الموطأ . والبكر ما دامت في الخدر محجور عليها ; لأنها لا تحسن النظر لنفسها . حتى إذا تزوجت ودخل إليها الناس , وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع . وأما ذات الزوج فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثها )  . قلت : وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره , فلا يدفع إليه المال ; لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها . وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالربا وغيره . والله أعلم . واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على هذا , وهي للسفهاء ; فقيل : أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم اتساعا ; كقوله تعالى : { فسلموا على أنفسكم } [ النور : 61 ] وقوله { فاقتلوا أنفسكم } [ البقرة : 54 ] . وقيل : أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم ; فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد , ومن ملك إلى ملك , أي هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم , وبها قوام أمركم . وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة : ( أن المراد أموال المخاطبين حقيقة )  . قال ابن عباس : ( لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم ; بل كن أنت الذي تنفق عليهم )  . فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان ; صغار ولد الرجل وامرأته . وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء . ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه ; لأمر الله عز وجل بذلك في قوله : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم { وقال { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } [ البقرة : 282 ] . فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف . وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير , ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ ; لأن السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه , والقلم مرفوع عن غير البالغ , فالذم والحرج منفيان عنه ; قاله الخطابي . واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه ; فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم : إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده . وهو قول الشافعي وأبي يوسف . وقال ابن القاسم : أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام . وقال أصبغ : إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة , وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الإمام . واحتج سحنون لقول مالك بأن قال : لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد . وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا ليس له مال غيره فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك . واختلفوا في الحجر على الكبير ; فقال مالك وجمهور الفقهاء : يحجر عليه . وقال أبو حنيفة : لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله ; فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة , فإذا بلغها سلم إليه بكل حال , سواء كان مفسدا أو غير مفسد ; لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة , ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا وأبا , وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا . وقيل عنه : إن في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق , وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا . وهذا كله ضعيف في النظر والأثر . وقد روى الدارقطني : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم - هو أبو يوسف القاضي - أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال : إني اشتريت بيع كذا وكذا , وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي فيه . فقال الزبير : أنا شريكك في البيع . فأتى علي عثمان فقال : إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه . فقال الزبير : فأنا شريكه في البيع . فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ؟ قال يعقوب : أنا آخذ بالحجر وأراه , وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه , وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بيعه . قال يعقوب بن إبراهيم : وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر . فقول عثمان : كيف أحجر على رجل , دليل على جواز الحجر على الكبير ; فإن عبد الله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة , وهو أول مولود ولد في الإسلام بها , وقدم مع أبيه على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر فسمع منه وحفظ عنه . وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة . وهذا يرد على أبي حنيفة قوله . وستأتي حجته إن شاء الله تعالى . الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا أي لمعاشكم وصلاح دينكم . وفي { التي { ثلاث لغات : التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها . وفي تثنيتها أيضا ثلاث لغات : اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد النون . وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى . والقيام والقوام : ما يقيمك بمعنى . يقال : فلان قيام أهله وقوام بيته , وهو الذي يقيم شأنه , أي يصلحه . ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء . وقراءة أهل المدينة { قيما { بغير ألف . قال الكسائي والفراء : قيما وقواما بمعنى قياما , وانتصب عندهما على المصدر . أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما . وقال الأخفش : المعنى قائمة بأموركم . يذهب إلى أنها جمع . وقال البصريون : قيما جمع قيمة ; كديمة وديم , أي جعلها الله قيمة للأشياء . وخطأ أبو علي هذا القول وقال : هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم , ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم : جياد في جمع جواد ونحوه . وقوما وقواما وقياما معناها ثباتا في صلاح الحال ودواما في ذلك . وقرأ الحسن والنخعي { اللاتي { جعل على جمع التي , وقراءة العامة { التي { على لفظ الجماعة . قال الفراء : الأكثر في كلام العرب { النساء اللواتي , والأموال التي { وكذلك غير الأموال ; ذكره النحاس : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ قيل : معناه اجعلوا لهم فيها أو افرضوا لهم فيها . وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر . فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على زوجها . وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة : إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني )  ؟ فقالوا : يا أبا هريرة , سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا , هذا من كيس أبي هريرة ! . قال المهلب : النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ; وهذا الحديث حجة في ذلك . قال ابن المنذر : واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب ; فقالت طائفة : على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا , وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن . فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها . وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها . ولا نفقة لولد الولد على الجد ; هذا قول مالك . وقالت طائفة : ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض . ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى , وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال , وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم ; هذا قول الشافعي . وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد ; على ظاهر قوله عليه السلام لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف )  . وفي حديث أبي هريرة ( يقول الابن أطعمني إلى من تدعني ؟ )  يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف . ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك ; لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب لها , بدليل قوله تعالى : { حتى إذا بلغوا النكاح } [ النساء : 6 ] الآية . فجعل بلوغ النكاح حدا في ذلك . وفي قوله : ( تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني )  يرد على من قال : لا يفرق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر ; وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم . هذا قول عطاء والزهري . وإليه ذهب الكوفيون متمسكين بقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } [ البقرة : 280 ] . قالوا : فوجب أن ينظر إلى أن يوسر . وقوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] الآية . قالوا : فندب تعالى إلى إنكاح الفقير ; فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب منعه إلى النكاح . ولا حجة لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها . والحديث نص في موضع الخلاف . وقيل : الخطاب لولي اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره ; على ما تقدم من الخلاف في إضافة المال . فالوصي ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله ; فإن كان صغيرا وماله كثير اتخذ له ظئرا وحواضن ووسع عليه في النفقة . وإن كان كبيرا قدر له ناعم اللباس وشهي الطعام والخدم . وإن كان دون ذلك فبحسبه . وإن كان دون ذلك فخشن الطعام واللباس قدر الحاجة . فإن كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام القيام به من بيت المال ; فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص . وأمه أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به . ولا ترجع عليه ولا على أحد . وقد مضى في البقرة عند قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن } [ البقرة : 233 ] . وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا أراد تليين الخطاب والوعد الجميل . واختلف في القول المعروف ; فقيل : معناه ادعوا لهم : بارك الله فيكم , وحاطكم وصنع لكم , وأنا ناظر لك , وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك . وقيل : معناه وعدوهم وعدا حسنا ; أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم . ويقول الأب لابنه : مالي إليك مصيره , وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الأية
6
 
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلىذكر القشيري وابن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع , وهي آية الوضوء . قال ابن عطية : لكن من حيث كان الوضوء متقررا عندهم مستعملا , فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته , وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم , وقد ذكرنا في آية { النساء { خلاف هذا , والله أعلم . ومضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع , وفيما ذكر من إتمام النعمة ; فإن هذه الرخصة من إتمام النعم . واختلف العلماء في المعنى المراد بقوله : { إذا قمتم إلى الصلاة { على أقوال ; فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة , سواء كان القائم متطهرا أو محدثا ; فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ , وكان علي يفعله ويتلو هذه الآية ; ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده , وروي مثله عن عكرمة , وقال ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة . قلت : فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها , وقالت طائفة : الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ; قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه ; فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث , وقال علقمة بن الفغواء عن أبيه - وهو من الصحابة , وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء , ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك ; فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال , وقالت طائفة : المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل ; وحملوا الأمر على الندب , وكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل , وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد , إرادة البيان لأمته صلى الله عليه وسلم . قلت : وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا وليس كذلك ; فإن الأمر إذا ورد , مقتضاه الوجوب ; لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم , على ما هو معروف من سيرتهم , وقال آخرون : إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة ; وهذا غلط لحديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة , وإن أمته كانت على خلاف ذلك , وسيأتي ; ولحديث سويد بن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد ; وذلك في غزوة خيبر , وهي سنة ست , وقيل : سنة سبع , وفتح مكة كان في سنة ثمان ; وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه , وأخرجه البخاري ومسلم ; فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة . فإن قيل : فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة , فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد , ومسح على خفيه , فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ; فقال : ( عمدا صنعته يا عمر )  . فلم سأله عمر واستفهمه ؟ قيل له : إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر ; والله أعلم . وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر ; قال حميد : قلت لأنس : وكيف كنتم تصنعون أنتم ؟ قال : كنا نتوضأ وضوءا واحدا ; قال : حديث حسن صحيح ; وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الوضوء على الوضوء نور )  فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة , وقد سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال : ( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر )  رواه الدارقطني , وقال السدي وزيد بن أسلم : معنى الآية { إذا قمتم إلى الصلاة } يريد من المضاجع يعني النوم , والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر , ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا ؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير ; التقدير : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم , أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - يعني الملامسة الصغرى - فاغسلوا ; فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر . ثم قال : { وإن كنتم جنبا فاطهروا { فهذا حكم نوع آخر ; ثم قال للنوعين جميعا : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } [ النساء : 43 ] . وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره , وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ; وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير , بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله : { فاطهروا { ودخلت الملامسة الصغرى في قوله { محدثين } . ثم ذكر بعد قوله : { وإن كنتم جنبا فاطهروا { حكم عادم الماء من النوعين جميعا , وكانت الملامسة هي الجماع , ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد ; وهذا تأويل الشافعي وغيره ; وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم . قلت : وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية ; والله أعلم , ومعنى { إذا قمتم { إذا أردتم , كما قال تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ } [ النحل : 98 ] , أي إذا أردت ; لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن . الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلىذكر تعالى أربعة أعضاء : الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا واختلف في الرجلين على ما يأتي , لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن , والله أعلم , ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه , وإمرار اليد عليه ; وهذه حقيقة الغسل عندنا , وقد بيناه في { النساء } , وقال غيرنا : إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ; ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال : غسل وجهه ويده , ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم , فإذا حصل كفى , والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة , وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض ; فحده في الطول من مبتدإ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين , ومن الأذن إلى الأذن في العرض , وهذا في الأمرد ; وأما الملتحي فإذا اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا ; فإن كان الأول بحيث تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها , وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه كشعر الرأس ; ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية , فقال سحنون عن ابن القاسم : سمعت مالكا سئل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء ؟ قال : نعم , وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس , وعاب ذلك على من فعله , وذكر ابن القاسم أيضا عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها ; قال : وهي مثل أصابع الرجلين . قال ابن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل . قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة . وذكر ابن خويز منداد : أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء , إلا شيء روي عن سعيد بن جبير ; قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها , وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية ؟ قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جميعهم . فكذلك الوضوء . قال أبو عمر : من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجها ; لأن الوجه مأخوذ من المواجهة , والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد ; فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة . قلت : واختار هذا القول ابن العربي وقال : وبه أقول ; لما روي أن النبي صلى عليه وسلم كان يغسل لحيته , خرجه الترمذي وغيره ; فعين المحتمل بالفعل , وحكى ابن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامدا أعاد , وروى الترمذي عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته ; قال : هذا حديث حسن صحيح ; قال أبو عمر : ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله البشرة , فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة , وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله , فيكون غسل اللحية بدلا منه , واختلفوا أيضا في غسل ما وراء العذار إلى الأذن ; فروى ابن وهب عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الذقن من الوجه . قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك , وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض بين العذار والأذن من الوجه , وغسله واجب ; ونحوه قال الشافعي وأحمد , وقيل : يغسل البياض استحبابا ; قال ابن العربي : والصحيح عندي أنه لا يلزم غسله إلا للأمرد لا للمعذر . قلت : وهو اختيار القاضي عبد الوهاب ; وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا ؟ والله أعلم , وبسبب هذا الاحتمال اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا ؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل , إلا أن أحمد قال : يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة , وقال عامة الفقهاء : هما سنتان في الوضوء والغسل ; لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن , والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به المواجهة , ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه , ولا أوجبهما المسلمون , ولا اتفق الجميع عليه ; والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه , وقد مضى هذا المعنى في { النساء } , وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم غسله , إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه ; وإنما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به ; قال ابن العربي : ولذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك ; وإذا تقرر هذا من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير تحديد , كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا يتقدر ; وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه وهو : { أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله } والله أعلم . وجمهور العلماء على أن الوضوء لا بد فيه من نية ; لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات )  . قال البخاري : فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام ; وقال الله تعالى : { قل كل يعمل على شاكلته } [ الإسراء : 84 ] , يعني على نيته . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولكن جهاد ونية )  , وقال كثير من الشافعية : لا حاجة إلى نية ; وهو قول الحنفية ; قالوا : لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها , فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه , والطهارة شرط ; فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة , كالحائض والنفساء . احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل ; 0 لأن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به ; فإذا قلنا : إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى , ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض ما , قصد أداء الواجب ; وصح في الحديث أن الوضوء يكفر ; فلو صح بغير نية لما كفر , وقال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } [ البينة : 5 ] . قال ابن العربي , قال بعض علمائنا : إن من خرج إلى النهر بنية الغسل أجزأه , وإن عزبت نيته في الطريق , ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت النية . قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه : فركب على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين , وأوردوا فيها نصا عمن لا يفرق بين الظن واليقين بأنه قال : يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ; ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها ! ; اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء , وقد اختلف فيها قول مالك ; فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع , فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها , وهي أصل مقصود , فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه ! هل هذا إلا غاية الغباوة ؟ وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه . قوله تعالى : { وأيديكم إلى المرافق { واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد ; فقال قوم : نعم ; لأن ما بعد { إلى { إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه ; قال سيبويه وغيره , وقد مضى هذا في { البقرة { مبينا , وقيل : لا يدخل المرفقان في الغسل ; والروايتان مرويتان عن مالك ; الثانية لأشهب ; والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح ; لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه , وقد قال بعضهم : إن { إلى { بمعنى مع , كقولهم : الذود إلى الذود إبل , أي مع الذود , وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في { النساء } ; ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف , وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ ; فالمرفق داخل تحت اسم اليد , فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد , فلما قال : { إلى { اقتطع من حد المرافق عن الغسل , وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر , وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى ; قال ابن العربي : وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله { إلى المرافق { حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما ; ولذلك تدخل المرافق في الغسل . قلت : ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء )  . قال القاضي عياض : والناس مجمعون على خلاف هذا , وألا يتعدى بالوضوء حدوده ; لقوله عليه السلام : ( فمن زاد فقد تعدى وظلم )  . وقال غيره : كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به , ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام : ( أنتم الغر المحجلون )  ومن قوله : ( تبلغ الحلية )  كما ذكر . قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم { تقدم في { النساء { أن المسح لفظ مشترك , وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه , فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح , ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه , ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم ; وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه ; فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال : أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه ؟ ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الأذنين من الرأس , وأن حكمهما حكم الرأس خلافا للزهري , حيث قال : هما من الوجه يغسلان معه , وخلافا للشعبي , حيث قال : ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس ; وهو قول الحسن وإسحاق , وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي , وسيأتي بيان حجتهما ; وإنما سمي الرأس رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه , ومنه رأس الجبل ; وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر : إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائري واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا ; ثلاثة لأبي حنيفة , وقولان للشافعي , وستة أقوال لعلمائنا ; والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرناه . وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه ; والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض : والمعنى وامسحوا رءوسكم , وقيل : دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله : { فامسحوا بوجوهكم { فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع , وهذا قاطع . وقيل : إنما دخلت لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به , والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به ; فلو قال : وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس ; فدخلت الباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء , فكأنه قال : وامسحوا برءوسكم الماء ; وذلك فصيح في اللغة على وجهين ; إما على القلب كما أنشد سيبويه : كنواح ريش حمامة بخدية 53 ومسحت باللثتين عصف الإثمد واللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب , وأما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر : مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوءاتهم هجر فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء , وقال الشافعي : احتمل قول الله تعالى : { وامسحوا برءوسكم { بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ , وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ; وقال في موضع آخر : فإن قيل قد قال الله عز وجل : { فامسحوا بوجوهكم { في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه ؟ قيل له : مسح الوجه في التيمم بدل من غسله ; فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه , ومسح الرأس أصل ; فهذا فرق ما بينهما . أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا : لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الأعذار , وموضع الاستعجال والاختصار , وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار ; ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة ; أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ; فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة ; والله أعلم . وجمهور العلماء على أن مسحة واحدة موعبة كاملة تجزئ , وقال الشافعي : يمسح رأسه ثلاثا ; وروي عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء , وكان ابن سيرين يمسح مرتين . قال أبو داود : وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة ; فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا , قالوا فيها : ومسح برأسه ولم يذكروا عددا . واختلفوا من أين يبدأ بمسحه ; فقال مالك : يبدأ بمقدم رأسه , ثم يذهب بيديه إلى مؤخره , ثم يردهما إلى مقدمه ; على حديث عبد الله بن زيد أخرجه مسلم ; وبه يقول الشافعي وابن حنبل , وكان الحسن بن حي يقول : يبدأ بمؤخر الرأس ; على حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ; وهو حديث يختلف في ألفاظه , وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل وليس بالحافظ عندهم ; أخرجه أبو داود من رواية بشر بن المفضل عن عبد الله عن الربيع , وروى ابن عجلان عنه عن الربيع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندنا فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر , لا يحرك الشعر عن هيئته ; ورويت هذه الصفة عن ابن عمر , وأنه كان يبدأ من وسط رأسه , وأصح ما في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد ; وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدم الرأس . وروي عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا : أي نواحي رأسك مسحت أجزأ عنك , ومسح عمر اليافوخ فقط , والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معا , وعلى الإجزاء إن مسح بيد واحدة , واختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس ; فالمشهور أن ذلك يجزئ , وهو قول سفيان الثوري ; قال سفيان : إن مسح رأسه بإصبع واحدة أجزأه , وقيل : إن ذلك لا يجزئ ; لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب , إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الإجزاء . قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع ; واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة - بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن - فالجمهور على أنه سنة , وقيل : هو فرض . فلو غسل متوضئ رأسه بدل المسح فقال ابن العربي : لا نعلم خلافا أن ذلك يجزئه , إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشي في الدرس عن أبي العباس بن القاص من أصحابهم قال : لا يجزئه , وهذا تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمه الله في قوله : { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } [ الروم : 7 ] , وقال تعالى : { أم بظاهر من القول } [ الرعد : 33 ] وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة . فإن قيل : هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به ; قلنا : ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل ; وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح . وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوري وأبي حنيفة وغيرهم , ثم اختلفوا في تجديد الماء ; فقال مالك وأحمد : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس , على ما فعل ابن عمر ; وهكذا قال الشافعي في تجديد الماء , وقال : هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس ; لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج ; وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي , وقال الثوري وأبو حنيفة : يمسحان مع الرأس بماء واحد ; وروي عن جماعة من السلف مثل هذا القول من الصحابة والتابعين , وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن , وإلا فلا شيء عليه ; إذ ليستا مذكورتين في القرآن . قيل له : اسم الرأس تضمنهما كما بيناه , وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما وباطنهما , وأدخل أصابعه في صماخيه , وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه واليدين , وثبتت سنة مسحهما بالسنة , وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم , ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه لم يجزه , وقال أحمد : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد , وروي عن علي بن زياد من أصحاب مالك أنه قال : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد ; وهذا عند الفقهاء ضعيف , وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر , ولو كان كذلك لم يعرف الفرض الواجب من غيره ; والله أعلم . احتج من قال : هما من الوجه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده : ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره )  فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه , وفي مصنف أبي داود من حديث عثمان : فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة , ثم غسل رجليه ثم قال : أين السائلون عن الوضوء ؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ . احتج من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه , وباطنها يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس ; فما واجهك من الأذنين وجب غسله ; لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس , وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس والربيع وغيرهم . احتج من قال : هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث الصنابحي : ( فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه )  الحديث أخرجه مالك . قوله تعالى : " وأرجلكم { قرأ نافع وابن عامر والكسائي { وأرجلكم { بالنصب ; وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ { وأرجلكم { بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان ; وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة { وأرجلكم { بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون ; فمن قرأ بالنصب جعل العام { اغسلوا { وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح , وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء , وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم , واللازم من قوله في غير ما حديث , وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته ( ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء )  . ثم إن الله حدهما فقال : { إلى الكعبين { كما قال في اليدين { إلى المرافق { فدل على وجوب غسلهما ; والله أعلم , ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء , قال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما , وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين , والرافضة من غيرهم , وتعلق الطبري بقراءة الخفض . قلت : قد روي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان , وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم , فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه , فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما . فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق الله وكذب الحجاج ; قال الله وتعالى : { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم } . قال : وكان إذا مسح رجليه بلهما , وروي عن أنس أيضا أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل , وكان عكرمة يمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح , وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالمسح ; ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا , ويلغى ما كان مسحا , وقال قتادة : افترض الله غسلتين ومسحتين , وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح , وجعل القراءتين كالروايتين ; قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعا , فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض , والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب , والقراءتان بمنزلة آيتين . قال ابن عطية : وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل . قلت : وهو الصحيح ; فإن لفظ المسح مشترك , يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل ; قال الهروي : أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال : المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا , ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه : قد تمسح ; ويقال : مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب , فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل ; بقراءة النصب التي لا احتمال فيها , وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل , والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة ; ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين , التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم ; فلما كان الرأس مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة - والله أعلم - لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدمه عليهما في صفة التطهير , وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قرأ الحسن والحسين - رحمة الله عليهما - علي ( وأرجلكم ) فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : ( وأرجلكم )  هذا من المقدم والمؤخر من الكلام , وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين , وكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرآ ( وأرجلكم )  بالنصب , وقد قيل : إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان , وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان , فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه , وهذا حسن . فإن قيل : إن المسح على الخفين منسوخ بسورة ( المائدة )  - وقد قاله ابن عباس , ورد المسح أبو هريرة وعائشة , وأنكره مالك في رواية عنه - فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته غيره فلا حجة للنافي , وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم , وقد قال الحسن : حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين ; وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه ; قال إبراهيم النخعي : وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه , وقال إبراهيم النخعي : كان يعجبهم هذا الحديث ; لأن إسلام جرير كان بعد نزول ( المائدة )  وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم في ستة عشر من شهر رمضان , وأن ( المائدة )  نزلت في ذي الحجة يوم عرفات , وهذا حديث لا يثبت لوهاه ; وإنما نزل منها يوم عرفة { اليوم أكملت لكم دينكم { على ما تقدم ; قال أحمد بن حنبل : أنا أستحسن حديث جرير في المسح على الخفين ; لأن إسلامه كان بعد نزول ( المائدة )  وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح , أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم ; ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت : سله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; الحديث , وأما مالك فما روي عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح , والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال : إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرا فيما يجب عليه , وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال : لا أمسح في حضر ولا سفر . قال أحمد : كما روي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال : حبب إلي الوضوء ; ونحوه عن أبي أيوب , وقال أحمد رضي الله عنه : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه , وصلينا خلفه ولم نعبه , إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع , فلا يصلى خلفه , والله أعلم , وقد قيل : إن قوله { وأرجلكم } معطوف على اللفظ دون المعنى , وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ , وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب ; وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى : { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس } [ الرحمن : 35 ] بالجر لأن النحاس الدخان , وقال : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } [ البروج : 21 - 22 ] بالجر . قال امرؤ القيس : [ كأن أبانا في أفانين دقه ] كبير أناس في بجاد مزمل فخفض مزمل بالجوار , وإن المزمل الرجل وإعرابه الرفع ; قال زهير : لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر قال أبو حاتم : كان الوجه القطر بالرفع ولكنه جره على جوار المور ; كما قالت العرب : هذا جحر ضب خرب ; فجروه وإنما هو رفع , وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة ورده النحاس وقال : هذا القول غلط عظيم ; لأن الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه , وإنما هو غلط ونظيره الإقواء . قلت : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه , وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام ( ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار )  فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل , ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب , ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما , فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح , إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم , وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح , ودليل آخر من جهة الإجماع ; وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه , واختلفوا فيمن مسح قدميه ; فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه , ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما ; وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه , فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا , وأن العامل في قوله { وأرجلكم { قوله : { فاغسلوا { والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول : أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن ; ومنه قول الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا وقال آخر : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا وقال آخر : وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها وقال آخر : شراب ألبان وتمر وأقط التقدير : علفتها تبنا وسقيتها ماء , ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا , وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها ; والنعام لا يطفل إنما يفرخ , وأطفلت كان لها أطفال , والجلهتان جنبتا الوادي , وشراب ألبان وآكل تمر ; فيكون قوله : { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم { عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد الغسل ; والله أعلم . قوله تعالى : { إلى الكعبين } روى البخاري : حدثني موسى قال أنبأنا وهيب عن عمرو - هو ابن يحيى - عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور من ماء , فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ; فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا , ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات , ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا , ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا , ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة , ثم غسل رجليه إلى الكعبين ; فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله { وامسحوا برءوسكم { زائدة لقوله : فمسح رأسه ولم يقل برأسه , وأن مسح الرأس مرة , وقد جاء مبينا في كتاب مسلم من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله : فأقبل بهما وأدبر , وبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه , ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه , واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل , وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم ; قاله في ( الصحاح )  وروي عن ابن القاسم , وبه قال محمد بن الحسن ; قال ابن عطية : ولا أعلم أحدا جعل حد الوضوء إلى هذا , ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام ; وقال الشافعي رحمه الله : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق ; وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال : الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب , وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم . قلت : هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت الكعبة ; وكعبت المرأة إذا فلك ثديها , وكعب القناة أنبوبها , وأنبوب ما بين كل عقدتين كعب , وقد يستعمل في الشرف والمجد تشبيها , ومنه الحديث : ( والله لا يزال كعبك عاليا )  , وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو دواد عن النعمان بن بشير ( والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم )  , قال : فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه , وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب , والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم , ومنه الحديث ( ويل للعراقيب من النار )  يعني إذا لم تغسل ; كما قال : ( ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار )  . الخامسة عشرة : قال ابن وهب عن مالك : ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل , ولا خير في الجفاء والغلو ; قال ابن وهب : تخليل أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين ; وقال ابن القاسم عن مالك : من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه , وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك رجليه : إنه لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه ; قال ابن القاسم : وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه . قلت : الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرجل , كما أن ما بين أصابع اليد من اليد , ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين وانضمام أصابع الرجلين , فإن الإنسان مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها , وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره , مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه ; وهذا يقتضي العموم . وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد بن عمرو الغفاري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه ; قال ابن وهب , فقال لي مالك : إن هذا لحسن , وما سمعته قط إلا الساعة ; قال ابن وهب : وسمعته سئل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به , وقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خللوا بين الأصابع لا تخللها النار )  وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل ; فثبت ما قلناه , والله الموفق . ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء , وهي إتباع المتوضئ الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه , ولا فصل بفعل ليس منه ; واختلف العلماء في ذلك ; فقال ابن أبي سلمة وابن وهب : ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان , فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا أو ناسيا لم يجزه , وقال ابن عبد الحكم : يجزئه ناسيا ومتعمدا , وقال مالك في } المدونة { وكتاب محمد : إن الموالاة ساقطة ; وبه قال الشافعي , وقال مالك وابن القاسم : إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا ; وقال مالك في رواية ابن حبيب : يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح ; فهذه خمسة أقوال ابتنيت على أصلين : الأول : أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال أو فرق , وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة , والثاني : أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة ; وهذا أصح , والله أعلم . السابعة عشرة : وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه ; فقال الأبهري : الترتيب سنة , وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ , واختلف في العامد فقيل : يجزئ ويرتب في المستقبل , وقال أبو بكر القاضي وغيره : لا يجزئ لأنه عابث , وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه , وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور , وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره , وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه , ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء , وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن { الواو { لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة , وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني وداود بن علي ; قال الكيا الطبري ظاهر قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم { يقتضي الإجزاء فرق أو جمع أو والى على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي , وهو مذهب الأكثرين من العلماء . قال أبو عمر : إلا أن مالكا يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة , ولا يرى ذلك واجبا عليه ; هذا تحصيل مذهبه , وقد روى علي بن زياد عن مالك قال : من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه , وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة ; قال علي ثم قال بعد ذلك : لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف . وسبب الخلاف ما قال بعضهم : إن { الفاء { توجب التعقيب في قوله : { فاغسلوا { فإنها لما كانت جوابا للشرط ربطت المشروط به , فاقتضت الترتيب في الجميع ; وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه , وإنما كنت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحدا , فإذا كانت جملا كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت , إذ المطلوب تحصيلها . قيل : إن الترتيب إنما جاء من قبل الواو ; وليس كذلك لأنك تقول : تقاتل زيد وعمرو , وتخاصم بكر وخالد , فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب , والصحيح أن يقال : إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة : الأول : أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال عليه الصلاة والسلام حين حج : ( نبدأ بما بدأ الله به )  . الثاني : من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون . الثالث : من تشبيه الوضوء بالصلاة . الرابع : من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك . احتج من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة , فكذلك غسل أعضاء الوضوء ; لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية , وروي عن علي أنه قال : ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت , وعن عبد الله بن مسعود قال : لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك ; قال الدارقطني : هذا مرسل ولا يثبت , والأولى وجوب الترتيب , والله أعلم . إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء , ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك ; لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة , ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء . احتج الجمهور بقوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا { وهذا واجد , فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم . وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة ; لأنه قال : { إذا قمتم إلى الصلاة { ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء , فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به ; وهو قول أصحاب أبي حنيفة , وهي رواية أشهب عن مالك , وقال ابن وهب عن مالك : إزالتها واجبة في الذكر والنسيان ; وهو قول الشافعي , وقال ابن القاسم : تجب إزالتها مع الذكر , وتسقط مع النسيان , وقال أبو حنيفة : تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي - يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال - قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه , والصحيح رواية ابن وهب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله )  ولا يعذب إلا على ترك الواجب ; ولا حجة في ظاهر القرآن ; لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة , ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها . ودلت الآية أيضا على المسح على الخفين كما بينا , ولمالك في ذلك ثلاث روايات : الإنكار مطلقا كما يقوله الخوارج , وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة , وقد تقدم . الثانية : يمسح في السفر دون الحضر ; لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر ; وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر , أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال : فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى ; فأتى سباطة قوم خلف حائط , فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه , فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ - زاد في رواية - فتوضأ ومسح على خفيه , ومثله حديث شريح بن هانئ قال : أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت : عليك بابن أبي طالب فسله ; فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فسألناه فقال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ; - وهي الرواية الثالثة - يمسح حضرا وسفرا ; وقد تقدم ذكرها . ويمسح المسافر عند مالك على الخفين بغير توقيت , وهو قول الليث بن سعد ; قال ابن وهب سمعت مالكا يقول : ليس عند أهل بلدنا في ذلك وقت . وروى أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه قال : يا رسول الله أمسح على الخفين ؟ قال : ( نعم )  قال : يوما ؟ قال : ( يوما )  قال : ويومين ؟ قال : ( ويومين )  قال : وثلاثة أيام ؟ قال : ( نعم وما شئت )  وفي رواية ( نعم وما بدا لك )  . قال أبو داود : وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي . وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان والطبري : يمسح المقيم يوما وليلة , والمسافر ثلاثة أيام على حديث شريح وما كان مثله ; وروي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء , وأنكرها أصحابه . والمسح عند جميعهم لمن لبس خفيه على وضوء ; لحديث المغيرة بن شعبة أنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير - الحديث - وفيه ; فأهويت لأنزع خفيه فقال : ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )  ومسح عليهما . ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم , وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحدث . وشذ داود فقال : المراد بالطهارة هاهنا هي الطهارة من النجس فقط ; فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين , وسبب الخلاف الاشتراك في اسم الطهارة . ويجوز عند مالك المسح على الخف وإن كان فيه خرق يسير : قال ابن خويز منداد : معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن لبسه , ويكون مثله يمشى فيه , وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوري والشافعي والطبري ; وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جملة , وقال الأوزاعي : يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم ; وهو قول الطبري , وقال أبو حنيفة : إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح , ولا يمسح إذا ظهر ثلاث ; وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف , ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من التابعين كانت لا تسلم من الخرق اليسير , وذلك متجاوز عند الجمهور منهم , وروي عن الشافعي إذا كان الخرق في مقدم الرجل أنه لا يجوز المسح عليه . وقال الحسن بن حي : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب , فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح , قال أبو عمر : هذا على مذهبه في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين ; وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وهي : ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين , وهو أحد قولي مالك , وله قول آخر أنه لا يجوز المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين , وفي كتاب أبي داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ; قال أبو داود : وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث ; لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ; وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ولا بالمتصل . قال أبو داود : ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث ; وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ; رضي الله عنهم أجمعين . قلت : وأما المسح على النعلين فروى أبو محمد الدارمي في مسنده حدثنا أبو نعيم أخبرنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خير قال : رأيت عليا توضأ ومسح على النعلين فوسع ثم قال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما ; قال أبو محمد الدارمي رحمه الله : هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى : " فامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } . قلت : وقول علي - رضي الله عنه - لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما مثله قال في المسح على الخفين , أخرجه أبو داود عنه قال : لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه , وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه . قال مالك والشافعي فيمن مسح ظهور خفيه دون بطونهما : إن ذلك يجزئه ; إلا أن مالكا قال : من فعل ذلك أعاد في الوقت ; ومن مسح على باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه ; وكان عليه الإعادة في ال .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
الأية
7
 
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا فيه خمس مسائل : الأولى : لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث . ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري , توفي وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ; فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ; فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا , وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا , ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل , وطاعن بالرمح , وضارب بالسيف , وحاز الغنيمة . فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما , فقالا : يا رسول الله , ولدها لا يركب فرسا , ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا . فقال عليه السلام : ( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن )  . فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم , وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم ; فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار , لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم , فعكسوا الحكم , وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم , وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم . الثانية : قال علماؤنا : في هذه الآية فوائد ثلاث : إحداها : بيان علة الميراث وهي القرابة . الثانية : عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد . الثالثة : إجمال النصيب المفروض . وذلك مبين في آية المواريث ; فكان في هذه الآية توطئة للحكم , وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي . الثالثة : ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله - بئر حاء - وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( اجعلها في فقراء أقاربك )  فجعلها لحسان وأبي . قال أنس : ( وكانا أقرب إليه مني )  . قال أبو داود : بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال : أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار . وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام . وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار . قال الأنصاري : بين أبي طلحة وأبي ستة آباء . قال : وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبي بن كعب وأبا طلحة . قال أبو عمر : في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا القعدد ونحوه , وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة . الرابعة : قوله تعالى : { مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا { أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو ; فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا ; فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا . فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم } [ النساء : 11 ] إلى قوله تعالى : { الفوز العظيم } [ النساء : 13 ] فأرسل إليهما ( أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس , ولبناته الثلثين , ولكما بقية المال )  . الخامسة : استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله , كالحمام والبيت وبيدر الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها . فقال مالك : يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به ; لقوله تعالى : { مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } . وهو قول ابن كنانة , وبه قال الشافعي , ونحوه قول أبي حنيفة . قال أبو حنيفة : في الدار الصغيرة بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه قسمت له . وقال ابن أبي ليلى : إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم . وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم ; وهو قول أبي ثور . قال ابن المنذر : وهو أصح القولين . ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي . قال ابن القاسم : وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات , وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم , أن يباع ولا شفعة فيه ; لقوله عليه السلام : ( الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة )  . فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود , وعلق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه . هذا دليل الحديث . قلت : ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم )  . قال أبو عبيد : هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم . يقول : فلا يقسم ; وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك . والتعضية التفريق , يقال : عضيت الشيء إذا فرقته . ومنه قوله تعالى : " الذين جعلوا القرآن عضين } [ الحجر : 91 ] . وقال تعالى : { غير مضار } [ النساء : 12 ] فنفى المضارة . وكذلك قال عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار )  . وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة , وإنما اقتضت الآية وجوب الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا , ردا على الجاهلية فقال : { للرجال نصيب } { وللنساء نصيب } [ النساء : 32 ] وهذا ظاهر جدا . فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر ; وذلك بأن يقول الوارث : قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه ; فيقول له شريكه : أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن ; لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال , وتغيير الهيئة , وتنقيص القيمة ; فيقع الترجيح . والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل . والله الموفق . قال الفراء : { نصيبا مفروضا { هو كقولك : قسما واجبا , وحقا لازما ; فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب . الزجاج : انتصب على الحال . أي لهؤلاء أنصباء في حال الفرض . الأخفش : أي جعل الله لهم نصيبا . والمفروض : المقدر الواجب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
الأية
8
 
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة , وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا , إن كان المال كثيرا ; والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ . ( وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم ; درهم يسبق مائة ألف )  . فالآية على هذا القول محكمة ; قاله ابن عباس . وامتثل ذلك جماعة من التابعين : عروة بن الزبير وغيره , وأمر به أبو موسى الأشعري وروي عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] ) وقال سعيد بن المسيب : نسخها آية الميراث والوصية . وممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعكرمة والضحاك . والأول أصح ; فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم , واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم . قال ابن جبير : ضيع الناس هذه الآية . قال الحسن : ولكن الناس شحوا . وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين { قال : ( هي محكمة وليست بمنسوخة )  . وفي رواية قال : ( إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت , لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها ; هما واليان : وال يرث وذلك الذي يرزق , ووال لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروف , ويقول : لا أملك لك أن أعطيك )  . قال ابن عباس : ( أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم , ويتاماهم ومساكينهم من الوصية , فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث )  . قال النحاس : فهذا أحسن ما قيل في الآية , أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير , والشكر لله عز وجل . وقالت طائفة : هذا الرضخ واجب على جهة الفرض , تعطي الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم , كالماعون والثوب الخلق وما خف . حكى هذا القول ابن عطية والقشيري . والصحيح أن هذا على الندب ; لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث , لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول . وذلك مناقض للحكمة , وسبب للتنازع والتقاطع . وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية , لا الورثة . وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد . ( فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألا يحرمه )  . وهذا والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة , ولم تنزل آية الميراث . والصحيح الأول وعليه المعول . فإذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله ; فقالت طائفة : يعطى ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى . وقيل : لا يعطى بل يقول لمن حضر القسمة : ليس لي شيء من هذا المال إنما هو لليتيم , فإذا بلغ عرفته حقكم . فهذا هو القول المعروف . وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء ; فإن أوصى يصرف له ما أوصى . ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعاما يأكلونه ; وفعلا ذلك , ذبحا شاة من التركة , وقال عبيدة : لولا هذه الآية لكان هذا من مالي . وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال : ثلاث محكمات تركهن الناس : هذه الآية , وآية الاستئذان { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } [ النور : 58 ] , وقوله : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } [ الحجرات : 13 ] . فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ الضمير عائد على معنى القسمة ; إذ هي بمعنى المال والميراث ; لقوله تعالى : { ثم استخرجها من وعاء أخيه } [ يوسف : 76 ] أي السقاية ; لأن الصواع مذكر . ومنه قوله عليه السلام : ( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب )  فأعاد مذكرا على معنى الدعاء . وكذلك قوله لسويد بن طارق الجعفي حين سأله عن الخمر ( إنه ليس بدواء ولكنه داء )  فأعاد الضمير على معنى الشراب . ومثله كثير . يقال : قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه , والاسم القسمة مؤنثة ; والقسم مصدر قسمت الشيء فانقسم , والموضع مقسم مثل مجلس , وتقسمهم الدهر فتقسموا , أي فرقهم فتفرقوا . والتقسيم التفريق . والله أعلم . وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا قال سعيد بن جبير : يقال لهم خذوا بورك لكم . وقيل : قولوا مع الرزق وددت أن لو كان أكثر من هذا . وقيل : لا حاجة مع الرزق إلى عذر , نعم إن لم يصرف إليهم شيء فلا أقل من قول جميل ونوع اعتذار .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
الأية
9
 
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ قوله تعالى : { وليخش { حذفت الألف من { ليخش } للجزم بالأمر , ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر . وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم ; وأنشد الجميع : محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالا أراد لتفد , ومفعول { يخش { محذوف لدلالة الكلام عليه . و { خافوا { جواب { لو } . التقدير لو تركوا لخافوا . ويجوز حذف اللام في جواب { لو " . وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها ; فقالت طائفة : ( هذا وعظ للأوصياء , أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم )  ; قاله ابن عباس . ولهذا قال الله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء : 10 ] . وقالت طائفة : المراد جميع الناس , أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس ; وإن لم يكونوا في حجورهم . وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده . ومن هذا ما حكاه الشيباني قال : كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك , فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي , فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان . فقلت له : يا أبا بشر , ودي ألا يكون لي ولد . فقال لي : ما عليك ! ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت , أحب أو كره , ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ; ثم تلا الآية . وفي رواية : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه , وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك ؟ فقلت : بلى ! فتلا هذه الآية { وليخش الذين لو تركوا { إلى آخرها . قلت : ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته )  . وقول ثالث قاله جمع من المفسرين : هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته : إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك , وأوص بمالك في سبيل الله , وتصدق وأعتق . حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته ; فنهوا عن ذلك . فكأن الآية تقول لهم : ( كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم , فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله )  ; قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ( إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك , ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك )  ; فذلك قوله تعالى : { فليتقوا الله " . وقال مقسم وحضرمي : نزلت في عكس هذا , وهو أن يقول للمحتضر من يحضره : أمسك على ورثتك , وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك , وينهاه عن الوصية , فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له ; فقيل لهم : كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم , فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى , واتقوا الله في ضررهم . وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث ; روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب . قال ابن عطية : وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس , بل الناس صنفان ; يصلح لأحدهما القول الواحد , ولآخر القول الثاني . وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية , ويحمل على أن يقدم لنفسه . وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط ; فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين , فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه . قلت : وهذا التفصيل صحيح ; لقوله عليه السلام لسعد : ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس )  . فإن لم يكن للإنسان ولد , أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه ; فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح , فيكون وزره عليه . وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا السديد : العدل والصواب من القول ; أي مروا المريض بأن يخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة , ثم يوصي لقرابته بقدر ما لا يضر بورثته الصغار . وقيل : المعنى قولوا للميت قولا عدلا , وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله , ولا يأمره بذلك , ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن . هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )  ولم يقل مروهم ; لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد . وقيل : المراد اليتيم ; أن لا ينهروه ولا يستخفوا به .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
الأية
10
 
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد , ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ; فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية , قال مقاتل بن حيان ; ولهذا قال الجمهور : إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم . وقال ابن زيد : نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار . وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلا ; لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء . وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم , والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق . وسمى المأكول نارا بما يئول إليه ; كقوله تعالى : { إني أراني أعصر خمرا } [ يوسف : 36 ] أي عنبا . وقيل : نارا أي حراما ; لأن الحرام يوجب النار , فسماه الله تعالى باسمه . وروى أبو سعيد الخدري قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : ( رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما )  . فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر . وقال صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا السبع الموبقات )  وذكر فيها ( وأكل مال اليتيم )  . وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله ; من أصلاه الله حر النار إصلاء . قال الله تعالى : { سأصليه سقر } [ المدثر : 26 ] . وقرأ أبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى . دليله قوله تعالى : { ثم الجحيم صلوه } [ الحاقة : 31 ] . ومنه قولهم : صليته مرة بعد أخرى . وتصليت : استدفأت بالنار . قال : وقد تصليت حر حربهم كما تصلى المقرور من قرس وقرأ الباقون بفتح الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاء . قال الله تعالى : { لا يصلاها إلا الأشقى } [ الليل : 15 ] . والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها ; ومنه قول الحارث بن عباد : لم أكن من جناتها علم الله إني لحرها اليوم صال والسعير : الجمر المشتعل . وهذه آية من آيات الوعيد , ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب . والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت ; بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون , فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة , لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره , ساقط بالمشيئة عن بعضهم ; لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] . وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى . روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل )  . فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
الأية
11
 
قال جماعة : نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع حين اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من يعصمك مني يا محمد ؟ كما تقدم في { النساء } , وفي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه , وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم , وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات , وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث ( بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة )  وقد ضم بعضهم الغين , والأول أصح , وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي , وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه دعثور بن الحارث , وذكر أنه أسلم كما تقدم , وذكر محمد بن إسحاق أن اسمه عمرو بن جحاش وهو أخو بني النضير , وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير هذه القصة , والله أعلم , وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله منهم . قال القشيري : وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق .{ أن يبسطوا إليكم أيديهم { أي بالسوء .{ فكف أيديهم عنكم { أي منعهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
الأية
12
 
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ الخطاب للرجال . والولد هنا بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا , ذكرانا وإناثا واحدا فما زاد بإجماع . وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد , وله مع وجوده الربع . وترث المرأة من زوجها الربع مع فقد الولد , والثمن مع وجوده . وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد , وفي الثمن إن كان له ولد واحد , وأنهن شركاء في ذلك ; لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين حكم الجميع , كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن . وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ الكلالة مصدر ; من تكلله النسب أي أحاط به . وبه سمي الإكليل , وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا احتل بها . ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس . ( فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة )  . هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم . وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال : ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد . وهكذا قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد وابن الأنباري . فالأب والابن طرفان للرجل ; فإذا ذهبا تكلله النسب . ومنه قيل : روضة مكللة إذا حفت بالنور . وأنشدوا : مسكنه روضة مكللة عم بها الأيهقان والذرق يعني نبتين . وقال امرؤ القيس : أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل فسموا القرابة كلالة ; لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم , وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه . كما قال أعرابي : مالي كثير ويرثني كلالة متراخ نسبهم . وقال الفرزدق : ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم وقال آخر : وإن أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب وقيل : إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء ; فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء . قال الأعشى : فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وجى حتى تلاقي محمدا وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال : الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة . قال أبو عمر : ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له , ولم يذكره في شرط الكلالة غيره . وروي عن عمر بن الخطاب أن ( الكلالة من لا ولد له خاصة )  ; وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه . وقال ابن زيد : الكلالة الحي والميت جميعا . وعن عطاء : الكلالة المال . قال ابن العربي : وهذا قول طريف لا وجه له . قلت : له وجه يتبين بالإعراب آنفا . وروي عن ابن الأعرابي أن الكلالة بنو العم الأباعد . وعن السدي أن الكلالة الميت . وعنه مثل قول الجمهور . وهذه الأقوال تتبين وجوهها بالإعراب ; فقرأ بعض الكوفيين { يورث كلالة { بكسر الراء وتشديدها . وقرأ الحسن وأيوب { يورث { بكسر الراء وتخفيفها , على اختلاف عنهما . وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال . كذلك حكى أصحاب المعاني ; فالأول من ورث , والثاني من أورث . و { كلالة { مفعوله و { كان { بمعنى وقع . ومن قرأ { يورث { بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال , والتقدير : يورث وراثة كلالة فتكون نعتا لمصدر محذوف . ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان ; فالتقدير : ذا ورثة . ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع , و { يورث { نعت لرجل , و { رجل { رفع بكان , و { كلالة { نصب على التفسير أو الحال ; على أن الكلالة هو الميت , التقدير : وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت . ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين : آخر السورة وهنا , ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الإخوة . فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عنى بها الإخوة للأم ; لقوله تعالى : { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } . وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ { وله أخ أو أخت من أمه } . ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو الأب ليس ميراثهم كهذا ; فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه أو لأبيه ; لقوله عز وجل { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 176 ] . ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا ; فدلت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعا كلالة . وقال الشعبي : ( الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة )  . كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن عباس , وهو القول الأول الذي بدأنا به . قال الطبري : والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده , لصحة خبر جابر : فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة , أفأوصي بمالي كله ؟ قال : ( لا )  . قال أهل اللغة : يقال رجل كلالة وامرأة كلالة . ولا يثنى ولا يجمع ; لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة . وأعاد ضمير مفرد في قوله : { وله أخ { ولم يقل لهما . ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا ; تقول : من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما وإليهم ; قال الله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة } [ البقرة : 45 ] . وقال تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } [ النساء : 135 ] ويجوز أولى بهم ; عن الفراء وغيره . ويقال في امرأة : مرأة , وهو الأصل . وأخ أصله أخو , يدل عليه أخوان ; فحذف منه وغير على غير قياس . قال الفراء ضم أول أخت , لأن المحذوف منها واو , وكسر أول بنت ; لأن المحذوف منها ياء . وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا . فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا . وإذا كانوا يأخذون بالأم فلا يفضل الذكر على الأنثى . وهذا إجماع من العلماء , وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم . فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها لأمها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ من الأم السدس . فإن تركت أخوين وأختين - والمسألة بحالها - فللزوج النصف وللأم السدس وللأخوين والأختين الثلث , وقد تمت الفريضة . وعلى هذا عامة الصحابة ; لأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس . وأما ابن عباس فإنه لم ير العول ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة , وهو لا يرى ذلك . والعول مذكور في غير هذا الموضع , ليس هذا موضعه . فإن تركت زوجها وإخوة لأم وأخا لأب وأم ; فللزوج النصف , ولإخوتها لأمها الثلث , وما بقي فلأخيها لأمها وأبيها . وهكذا من له فرض مسمى أعطيه , والباقي للعصبة إن فضل . فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية , وتسمى أيضا المشتركة . قال قوم : ( للإخوة للأم الثلث , وللزوج النصف , وللأم السدس )  , وسقط الأخ والأخت من الأب والأم , والأخ والأخت من الأب . روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم , وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر ; لأن الزوج والأم والأخوين للأم أصحاب فرائض مسماة ولم يبق للعصبة شيء . وقال قوم : ( الأم واحدة , وهب أن أباهم كان حمارا ! وأشركوا بينهم في الثلث )  ; ولهذا سميت المشتركة والحمارية . روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا وزيد بن ثابت ومسروق وشريح , وبه قال مالك والشافعي وإسحاق . ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلا . فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية , والله الموفق للهداية . وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة , وكانوا يورثون الرجال دون النساء ; فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب } [ النساء : 32 ] كما تقدم . وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالفة , قال الله عز وجل : { والذين عقدت أيمانكم } [ النساء : 33 ] على ما يأتي بيانه . ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة ; قال الله تعالى : { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } [ الأنفال : 72 ] وسيأتي . وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم , إن شاء الله تعالى . وسيأتي في سورة } النور { ميراث ابن الملاعنة وولد الزنا والمكاتب بحول الله تعالى . والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم حياته أن ميراثه ثابت ; لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم . وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد العدو : لا يرث . وقد تقدم ميراث المرتد في سورة { البقرة { والحمد لله . مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ { غير مضار { نصب على الحال والعامل { يوصى } . أي يوصي بها غير مضار , أي غير مدخل الضرر على الورثة . أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة ; ولا يقر بدين . فالإضرار راجع إلى الوصية والدين ; أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث , فإن زاد فإنه يرد , إلا أن يجيزه الورثة ; لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى . وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا . وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز . وقد تقدم هذا في { البقرة } . وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها ; كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف ; فإن ذلك لا يجوز عندنا . وروي عن الحسن أنه قرأ { غير مضار وصية من الله { على الإضافة . قال النحاس : وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن ; لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر . والقراءة حسنة على حذف , والمعنى : غير مضار ذي وصية , أي غير مضار بها ورثته في ميراثهم . وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة . فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين ; فقالت طائفة : يبدأ بدين الصحة ; هذا قول النخعي والكوفيين . قالوا : فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون . وقالت طائفة : هما سواء إذا كان لغير وارث . هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد , وذكر أبو عبيد إنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن . قد مضى في } البقرة { الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها . وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب ( وهو مطعون فيه )  عن أبي هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار )  . قال : وقرأ علي أبو هريرة من هاهنا { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار { حتى بلغ { ذلك الفوز العظيم } . وقال ابن عباس : ( الإضرار في الوصية من الكبائر )  ; ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم , إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارة في ثلثه ; لأن ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء . وفي المذهب قوله : أن ذلك مضارة ترد . وبالله التوفيق . قوله تعالى : { وصية { نصب على المصدر في موضع الحال والعامل { يوصيكم { ويصح أن يعمل فيها { مضار { والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا , قال ابن عطية ; وذكر أن الحسن بن أبي الحسن قرأ { غير مضار وصية { بالإضافة ; كما تقول : شجاع حرب . وبضة المتجرد ; في قول طرفة بن العبد . والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يعني عليم بأهل الميراث حليم على أهل الجهل منكم . وقرأ بعض المتقدمين { والله عليم حكيم } [ النساء : 26 ] يعني حكيم بقسمة الميراث والوصية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الأية
13
 
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ و { تلك { بمعنى هذه , أي هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث فيقر بها ويعمل بها كما أمره الله تعالى يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا والجنات : البساتين , وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها , ومنه : المجن والجنين والجنة .{ من تحتها { أي من تحت أشجارها , ولم يجر لها ذكر , لأن الجنات دالة عليها .{ الأنهار { أي ماء الأنهار , فنسب الجري إلى الأنهار توسعا , وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا , كما قال تعالى : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] أي أهلها . وقال الشاعر : نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس أراد : أهل المجلس ; فحذف . والنهر : مأخوذ من أنهرت , أي وسعت , ومنه قول قيس بن الخطيم : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها أي وسعتها , يصف طعنة . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه )  . معناه : ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر . وجمع النهر : نهر وأنهار . ونهر نهر : كثير الماء ; قال أبو ذؤيب : أقامت به فابتنت خيمة على قصب وفرات نهر وروي : إن أنهار الجنة ليست في أخاديد , إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها . والوقف على { الأنهار { حسن وليس بتام وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الكبير .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
الأية
14
 
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي يخالف أمره يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه , وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما . كما تقول : خلد الله ملكه . وقال زهير : ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع . وقرأ نافع وابن عامر { ندخله { بالنون في الموضعين , على معنى الإضافة إلى نفسه سبحانه . الباقون بالياء كلاهما ; لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى أي يدخله الله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ
الأية
15
 
وَاللَّاتِي لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن , وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال , ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة , لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف . قوله تعالى : { واللاتي } { اللاتي { جمع التي , وهو اسم مبهم للمؤنث , وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير , ولا يتم إلا بصلته ; وفيه ثلاث لغات كما تقدم . ويجمع أيضا { اللات { بحذف الياء وإبقاء الكسرة ; و { اللائي { بالهمزة وإثبات الياء , و { اللاء { بكسر الهمزة وحذف الياء , و { اللا { بحذف الهمزة . فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي , وفي اللاء : اللوائي . وقد روي عنهم { اللوات } بحذف الياء وإبقاء الكسرة ; قاله ابن الشجري . قال الجوهري : أنشد أبو عبيد : من اللواتي والتي واللاتي زعمن أن قد كبرت لدات واللوا بإسقاط التاء . وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد ; قال الراجز : بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها نفس تودت وبعض الشعراء أدخل على { التي { حرف النداء , وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله وحده ; فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها . وقال : من اجلك يالتي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني ويقال : وقع في اللتيا والتي ; وهما اسمان من أسماء الداهية . يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ الفاحشة في هذا الموضع الزنا , والفاحشة الفعلة القبيحة , وهي مصدر كالعاقبة والعافية . وقرأ ابن مسعود { بالفاحشة { بباء الجر . مِنْ نِسَائِكُمْ إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات ; كما قال { واستشهدوا شهيدين من رجالكم " [ البقرة : 282 ] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم . فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي من المسلمين , فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد . وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن ; قال الله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } [ النور : 4 ] وقال هنا : { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } . وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال : النبي صلى الله عليه وسلم ( ائتوني بأعلم رجلين منكم )  فأتوه بابني صوريا فنشدهما : ( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ )  قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما . قال : ( فما يمنعكما أن ترجموهما )  ; قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ; فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود , فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ; فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما . وقال قوم : إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ; إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما ; وهذا ضعيف ; فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا . ولا بد أن يكون الشهود ذكورا ; لقوله : { منكم { ولا خلاف فيه بين الأمة . وأن يكونوا عدولا ; لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة , وهذا أعظم , وهو بذلك أولى . وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل , على ما هو مذكور في أصول الفقه . ولا يكونون ذمة , وإن كان الحكم على ذمية , وسيأتي ذلك في { المائدة { وتعلق أبو حنيفة بقوله : " أربعة منكم { في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن . وسيأتي بيانه في } النور { إن شاء الله تعالى . فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا هذه أول عقوبات الزناة ; وكان هذا في ابتداء الإسلام ; قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده , ثم نسخ ذلك بآية { النور { وبالرجم في الثيب . وقالت فرقة : بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك , ولكن التلاوة أخرت وقدمت ; ذكره ابن فورك , وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة , فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن ; قاله ابن العربي . واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو توعدا بالحد على قولين : أحدهما : أنه توعد بالحد , والثاني : ( أنه حد )  ; قال ابن عباس والحسن . زاد ابن زيد : وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه . وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد ; غير أن ذلك الحكم كان ممدودا إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى , على اختلاف التأويلين في أيهما قبل ; وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )  . وهذا نحو قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : 187 ] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه . هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين , فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما , والجمع ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم , وقد قال بعض العلماء : إن الأذى والتعيير باق مع الجلد ; لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد . وأما الحبس فمنسوخ بإجماع , وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
16
 
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ أي ما رضيه الله . سُبُلَ السَّلَامِ طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة , والمؤمنة من كل مخافة ; وهي الجنة , وقال الحسن والسدي : { السلام { الله عز وجل ; فالمعنى دين الله - وهو الإسلام - كما قال : { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] . وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات . بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي بتوفيقه وإرادته .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
17
 
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قيل : هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا . وقيل : لمن جهل فقط , والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر . واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ; لقوله تعالى : { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون } .[ النور : 31 ] . وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب . ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة . وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها , وإن شاء لم يقبلها . وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف ; لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه , والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم , والمكلف لهم ; فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه , تعالى عن ذلك , غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى : " وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات } [ الشورى : 25 ] . وقول : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [ التوبة : 104 ] وقوله : { وإني لغفار لمن تاب " [ طه : 82 ] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء . والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا ; فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب . قال أبو المعالي وغيره : وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن , لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة . قال ابن عطية : وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى . فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي : يغلب على الظن قبول توبته . وقال غيره : يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز . قال ابن عطية : وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه , وبه أقول , والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } [ الشورى : 25 ] وقوله تعالى : { وإني لغفار } [ طه : 82 ] . وإذا تقرر هذا فاعلم أن في قوله { على الله { حذفا وليس على ظاهره , وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده . وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( أتدري ما حق العباد على الله )  ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : ( أن يدخلهم الجنة )  . فهذا كله معناه : على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق . دليله قوله تعالى : { كتب على نفسه الرحمة } [ الأنعام : 12 ] أي وعد بها . وقيل : { على { هاهنا معناها { عند } والمعنى واحد , التقدير : عند الله , أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها ; وهي أربعة : الندم بالقلب , وترك المعصية في الحال , والعزم على ألا يعود إلى مثلها , وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره ; فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة . وقد قيل من شروطها : الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار , وقد تقدم في { آل عمران { كثير من معاني التوبة وأحكامها . ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا ; ولهذا قال علماؤنا : إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود . وقيل : { على { بمعنى } من { أي إنما التوبة من الله للذين ; قاله أبو بكر بن عبدوس , والله أعلم . وسيأتي في { التحريم { الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها . لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ السوء في هذه الآية , و { الأنعام } .{ أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } [ الأنعام : 54 ] يعم الكفر والمعاصي ; فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . قال قتادة : أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة , عمدا كانت أو جهلا ; وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي . وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا : الجهالة هنا العمد . وقال عكرمة : أمور الدنيا كلها جهالة ; يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله . وهذا القول جار مع قوله تعالى : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } [ محمد : 36 ] . وقال الزجاج : يعني قوله } بجهالة { اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية . وقيل : { بجهالة { أي لا يعلمون كنه العقوبة ; ذكره ابن فورك . قال ابن عطية : وضعف قوله هذا ورد عليه . ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا قال ابن عباس والسدي : معناه قبل المرض والموت . وروي عن الضحاك أنه قال : كل ما كان قبل الموت فهو قريب . وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم : قبل المعاينة للملائكة والسوق , وأن يغلب المرء على نفسه . ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال : قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ذخر وغنم للمنيب المحسن قال علماؤنا رحمهم الله : وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت ; لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل . وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )  . قال : هذا حديث حسن غريب . ومعنى ما لم يغرغر : ما لم تبلغ روحه حلقومه ; فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به . قاله الهروي وقيل : المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار . والمبادر في الصحة أفضل , وألحق لأمله من العمل الصالح . والبعد كل البعد الموت ; كما قال : وأين مكان البعد إلا مكانيا وروى صالح المري عن الحسن قال : من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به . وقال الحسن أيضا : إن إبليس لما هبط قال : بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده . قال الله تعالى : ( فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه )  .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
الأية
18
 
نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس ; كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ; لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع , لأنها حال زوال التكليف . وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين . وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة , وإليهم الإشارة بقوله تعالى : { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما { وهو الخلود . وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه ; وهذا على أن السيئات ما دون الكفر ; أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت , ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة . وقد قيل : إن السيئات هنا الكفر , فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت , ولا للذين يموتون وهم كفار . وقال أبو العالية : نزل أول الآية في المؤمنين { إنما التوبة على الله } . والثانية في المنافقين .{ وليست التوبة للذين يعملون السيئات { يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم .{ حتى إذا حضر أحدهم الموت { يعني الشرق والنزع ومعاينة ملك الموت ." قال إني تبت الآن { فليس لهذا توبة . ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى : { ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما { أي وجيعا دائما . وقد تقدم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
19
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات . والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن ; والخطاب للأولياء . و { أن { في موضع رفع ب { يحل } ; أي لا يحل لكم وراثة النساء . و { كرها { مصدر ف ي موضع الحال . واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها ; فروى البخاري عن ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن { قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته , إن شاء بعضهم تزوجها , وإن شاءوا زوجوها , وإن شاءوا لم يزوجوها , فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك . وأخرجه أبو داود بمعناه . وقال الزهري وأبو مجلز : كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ; فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت , وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ; وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها , فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } . فيكون المعنى : لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن . وقيل : كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها , وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها ; قاله السدي . وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها . فنزلت هذه الآية . وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها ; فذلك قوله تعالى : { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } . والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم , وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .{ وكرها { بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي , الباقون بالفتح , وهما لغتان . وقال القتبي : الكره ( بالفتح ) بمعنى الإكراه , والكره ( بالضم )  المشقة . يقال : لتفعل ذلك طوعا أو كرها , يعني طائعا أو مكرها . والخطاب للأولياء . وقيل : لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها , أو يفتدين ببعض مهورهن , وهذا أصح . واختاره ابن عطية قال : ودليل ذلك قوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة )  وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة , وإنما ذلك للزوج , على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا . كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في { البقرة } . وقال عطاء الخراساني : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها , فنسخ ذلك بالحدود . وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها . إلا الأب في بناته ; فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض , قولا واحدا , وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك : أنه كسائر الأولياء , يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه . والقول الآخر - لا يعرض له : يجوز أن يكون { تعضلوهن { جزما على النهي , فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى , ويجوز أن يكون نصبا عطفا على { أن ترثوا { فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل . وقرأ ابن مسعود { ولا أن تعضلوهن { فهذه القراءة تقوي احتمال النصب , وأن العضل مما لا يجوز بالنص . آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ اختلف الناس في معنى الفاحشة ; فقال الحسن : هو الزنا , وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة , وترد إلى زوجها ما أخذت منه . وقال أبو قلابة ; إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه . وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن . وقال ابن سيرين وأبو قلابة : لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا , قال الله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } . وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة : الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز , قالوا : فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها ; وهذا هو مذهب مالك . قال ابن عطية : إلا أني لا أحفظ له نصا في الفاحشة في الآية . وقال قوم : الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا ; وهذا في معنى النشوز . ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع ; إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى : { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } . وقال مالك وجماعة من أهل العلم : للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك . قال ابن عطية : والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى , وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال . قال أبو عمر : قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء ; لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى ; ومنه قيل للبذيء : فاحش ومتفحش , وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان له لعانها , وإن شاء طلقها ; وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك , ولا أعلم أحدا قال : له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة . والله أعلم . وقال الله عز وجل : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [ البقرة : 229 ] يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [ البقرة : 229 ] وقال الله عز وجل : " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } [ النساء : 4 ] فهذه الآيات أصل هذا الباب . وقول رابع { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة { إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت , فيكون هذا قبل النسخ , وهذا في معنى قول عطاء , وهو ضعيف . { مبينة { بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو , والباقون بفتح الياء . وقرأ ابن عباس { مبينة { بكسر الباء وسكون الياء , من أبان الشيء , يقال : أبان الأمر بنفسه , وأبنته وبين وبينته , وهذه القراءات كلها لغات فصيحة . مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة . والخطاب للجميع , إذ لكل أحد عشرة , زوجا كان أو وليا ; ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج , وهو مثل قوله تعالى : { فإمساك بمعروف } [ البقرة : 229 ] . وذلك توفية حقها من المهر والنفقة , وألا يعبس في وجهها بغير ذنب , وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها . والعشرة : المخالطة والممازجة . ومنه قول طرفة : فلئن شطت نواها مرة لعلى عهد حبيب معتشر جعل الحبيب . جمعا كالخليط والغريق . وعاشره معاشرة , وتعاشر القوم واعتشروا . فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال , فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش . وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء . وقال بعضهم : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له . وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي : أتيت محمد ابن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية , فقلت : ما هذا ؟ قال : إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب , وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن . وقال ابن عباس رضي الله عنه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي . وهذا داخل فيما ذكرناه . قال ابن عطية : وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاستمتع بها وفيها عوج )  أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها ; فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق , وهو سبب الخلع . واستدل علماؤنا بقوله تعالى : { وعاشروهن بالمعروف { على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها , كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد , وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزمه إلا خادم واحد - وذلك يكفيها خدمة نفسها , وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها ; وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد ; لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس واحد . قال علماؤنا : وهذا غلط ; لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد ; لأنها تحتاج من غسل ثيابها لإصلاح مضجعها وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد , وهذا بين . والله أعلم . بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا { فإن كرهتموهن { أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز ; فهذا يندب فيه إلى الاحتمال , فعسى أن يئول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين . و { أن { رفع ب { عسى { وأن والفعل مصدر . قلت : ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر )  أو قال ( غيره )  . المعنى : أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها . أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب . وقال مكحول : سمعت ابن عمر يقول : إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له , فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له . وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية , عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة . وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها ; فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها , فكان يقول : أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني , فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها . قال علماؤنا : في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعى إذا امتلأ )  .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ
الأية
20
 
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة , وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج , وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالا . واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة ; فقال مالك رضي الله عنه : للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو . وقال جماعة من العلماء : لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك . وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فيها دليل على جواز المغالاة في المهور ; لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح . وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ; ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية . فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر , يعطينا الله وتحرمنا ! أليس الله سبحانه وتعالى يقول : { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا { ؟ فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر . وفي رواية فأطرق عمر ثم قال : كل الناس أفقه منك يا عمر ! . وفي أخرى : امرأة أصابت ورجل أخطأ . وترك الإنكار . أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال : خطب عمر الناس , فذكره إلى قوله : اثنتي عشرة أوقية , ولم يذكر : فقامت إليه امرأة . إلى آخره . وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء , وزاد بعد قوله : أوقية . وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه , ويقول : قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة ; وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة . قال الجوهري : وعلق القربة لغة في عرق القربة . قال غيره : ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به . يقول كلفت إليك حتى عصام القربة . وعرق القربة ماؤها ; يقول : جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة , وهو ماؤها في السفر . ويقال : بل عرق القربة أن يقول : نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة , وهو سيلانها . وقيل : إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ; ففسر به اللفظان : العرق والعلق . وقال الأصمعي : عرق القربة كلمة معناها الشدة . قال : ولا أدري ما أصلها . قال الأصمعي : وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول : سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة , يعنون الشدة . وأنشدني لابن الأحمر : ش ليست بمشتمة تعد وعفوها و عرق السقاء على القعود اللاغب ش قال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها , وقد أبلغت إليه كعرق القربة , فقال : كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر ; ثم قال : على القعود اللاغب , وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم . وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه ; زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ; فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر . وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام . وقال قوم : لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور ; لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة ; كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد . وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة )  . ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة . وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره , فسأله عنه فقال : مائتين ; فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل )  . فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور ; وهذا لا يلزم , وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور , وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال , وهذا مكروه باتفاق . وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم . وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ( أترضى أن أزوجك فلانة )  ؟ قال : نعم . وقال للمرأة : ( أترضين أن أزوجك فلانا )  ؟ قالت : نعم . فزوج أحدهما من صاحبه ; فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا , وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر ; فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا , وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر ; فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف . وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ; لقوله تعالى : { وآتيتم إحداهن قنطارا { واختلفوا في أقله , وسيأتي عند قوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم } [ النساء : 24 ] . ومضى القول في تحديد القنطار في { آل عمران } . وقرأ ابن محيصن { وآتيتم احداهن { بوصل ألف } إحداهن { وهي لغة ; ومنه قول الشاعر : وتسمع من تحت العجاج لها ازملا وقول الآخر : إن لم أقاتل فألبسوني برقعا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا قال بكر بن عبد الله المزني : لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا ; لقول الله تعالى : { فلا تأخذوا } , وجعلها ناسخة لآية { البقرة } . وقال ابن زيد وغيره : هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } [ البقرة : 229 ] . والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض . قال الطبري : هي محكمة , ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء ; فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها . أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا { بهتانا { مصدر في موضع الحال { وإثما { معطوف عليه { مبينا { من نعته .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ
الأية
21
 
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ و{ المقدسة { معناه المطهرة . مجاهد : المباركة ; والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه . قتادة : هي الشام . مجاهد : الطور وما حوله . ابن عباس والسدي وابن زيد : هي أريحاء . قال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض : الأردن , وقول قتادة يجمع هذا كله . الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم . ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا : لا علم لنا بتلك الديار ; فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا , من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم , فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة , وهم ذوو أجسام هائلة ; حتى قيل : إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال : إن هؤلاء يريدون قتالنا ; فقال لهم الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا ; على ما تقدم , وقيل : إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل : حمله رجل واحد , وقيل : حمله النقباء الاثنا عشر . قلت : وهذا أشبه ; فإنه يقال : إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم , ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشبة , ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة . قلت : ولا تعارض بين هذا والأول ; فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ويقال : في حجره - هو عوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا ; على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى , وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصفا في قول مقاتل . وقال الكلبي : كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا , والله أعلم . فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا , وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم , فقاتلوا الجبارين وغلبوهم . لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين , وقيل : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته , والمعنى واحد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
الأية
22
 
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ و{ المقدسة { معناه المطهرة . مجاهد : المباركة ; والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه . قتادة : هي الشام . مجاهد : الطور وما حوله . ابن عباس والسدي وابن زيد : هي أريحاء . قال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض : الأردن , وقول قتادة يجمع هذا كله . الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم . ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا : لا علم لنا بتلك الديار ; فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا , من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم , فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة , وهم ذوو أجسام هائلة ; حتى قيل : إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال : إن هؤلاء يريدون قتالنا ; فقال لهم الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا ; على ما تقدم , وقيل : إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل : حمله رجل واحد , وقيل : حمله النقباء الاثنا عشر . قلت : وهذا أشبه ; فإنه يقال : إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم , ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشبة , ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة . قلت : ولا تعارض بين هذا والأول ; فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ويقال : في حجره - هو عوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا ; على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى , وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصفا في قول مقاتل . وقال الكلبي : كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا , والله أعلم . فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا , وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم , فقاتلوا الجبارين وغلبوهم . لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين , وقيل : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته , والمعنى واحد . وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ يقال : كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } [ النساء : 19 ] حتى نزلت هذه الآية : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } فصار حراما في الأحوال كلها ; لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج , فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه ; على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . { ما نكح { قيل : المراد بها النساء . وقيل : العقد , أي نكاح آباؤكم الفاسد المخالف لدين الله ; إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه . وهو اختيار الطبري . ف { من { متعلقة ب { تنكحوا { و } ما نكح { مصدر . قال : ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع { ما } { من } . فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد . والأول أصح , وتكون { ما { بمعنى } الذي { و } من } . والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى ; ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء . وقد كان في العرب قبائل قد أعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه , وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة , وكانت في قريش مباحة مع التراضي . ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط , وكان لها من أمية أبو العيص وغيره ; فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما . ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد , وكان أمية قتل عنها . ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة , وكانت تحت أبيه زبان بن سيار . ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن . والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه . وقال الأشعث بن سوار : توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني أعدك ولدا , ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ; فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية . وقد كان في العرب من تزوج ابنته , وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة ; ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب . فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة . إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ أي تقدم ومضى . والسلف ; من تقدم من آبائك وذوي قرابتك . وهذا استثناء منقطع , أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه . وقيل : { إلا } بمعنى بعد , أي بعد ما سلف ; كما قال تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] أي بعد الموتة الأولى . وقيل : { إلا ما قد سلف { أي ولا ما سلف ; كقوله تعالى : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } [ النساء : 92 ] يعني ولا خطأ . وقيل : في الآية تقديم وتأخير , معناه : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف . وقيل : في الآية إضمار لقوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء { فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف . إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا عقب بالذم البالغ المتتابع , وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية . قال أبو العباس : سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال : هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ; ويقال لهذا الرجل : الضيزن . وقال ابن عرفة : كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد : المقتي . وأصل المقت البغض ; من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت . فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه : مقيت ; فسمى تعالى هذا النكاح { مقتا { إذ هو ذا مقت يلحق فاعله . وقيل : المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء , إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن . وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى ; قال ابن زيد : وعليه فيكون الاستثناء متصلا , ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الأية
23
 
قوله تعالى : قال رجلان من الذين يخافون قال ابن عباس وغيره : هما يوشع وكالب بن يوقنا ويقال ابن قانيا ، وكانا من الاثني عشر نقيبا . ويخافون أي : من الجبارين . قتادة : يخافون الله تعالى ، وقال الضحاك : هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى ; فمعنى يخافون على هذا أي : من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله ، وقيل : يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم ، وقرأ مجاهد وابن جبير { يخافون { بضم الياء ، وهذا يقوي أنهما من غير قوم موسى . أنعم الله عليهما أي : بالإسلام أو باليقين والصلاح . ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون قالا لبني إسرائيل لا يهولنكم عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت رعبا منكم ; فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة ، وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب ، ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله . ثم قالا : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين مصدقين به ; فإنه ينصركم . ثم قيل على القول الأول : لما قالا هذا أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة ، وقالوا : نصدقكما وندع قول عشرة ! .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
الأية
24
 
ثم قالوا لموسى : إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها وهذا عناد وحيد عن القتال ، وإياس من النصر . ثم جهلوا صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا فاذهب أنت وربك وصفوه بالذهاب والانتقال ، والله متعال عن ذلك ، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة ; وهو معنى قول الحسن ; لأنه قال : هو كفر منهم بالله ، وهو الأظهر في معنى الكلام ، وقيل : أي : أن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا ، وقتاله معك - إن كنت رسوله - أولى من قتالنا ; فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر ; لأنهم شكوا في رسالته . وقيل المعنى : اذهب أنت فقاتل وليعنك ربك ، وقيل : أرادوا بالرب هارون ، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه . وبالجملة فقد فسقوا بقولهم ; لقوله تعالى : فلا تأس على القوم الفاسقين أي : لا تحزن عليهم . إنا هاهنا قاعدون أي : لا نبرح ولا نقاتل ، ويجوز { قاعدين { على الحال ; لأن الكلام قد تم قبله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
الأية
25
 
قوله تعالى : قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي لأنه كان يطيعه ، وقيل المعنى : إني لا أملك إلا نفسي ، ثم ابتدأ فقال : وأخي . أي : وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه ; فأخي على القول الأول في موضع نصب عطفا على نفسي ، وعلى الثاني في موضع رفع ، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء ; أي : إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا ، وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال : لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا . فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين يقال : بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم ؟ ففيه أجوبة ; الأول : بما يدل على بعدهم عن الحق ، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ; ولذلك ألقوا في التيه . الثاني : بطلب التمييز أي : ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب ، وقيل المعنى : فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به ; ومنه قوله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم أي : يقضى . وقد فعل لما أماتهم في التيه ، وقيل : إنما أراد في الآخرة