Prev

80. Surah 'Abasa سورة عبس

Next



تفسير القرطبي - عبس - Abasa -
 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ
الأية
1
 
عبس }{ أي كلح بوجهه ; يقال : عبس وبسر .{ وتولى }{ أي أعرض بوجهه قال مالك : إن هشام بن عروة حدثه عن عروة , أنه قال : نزلت }{ عبس وتولى }{ في ابن أم مكتوم ; جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا محمد استدنني , وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين , فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر , ويقول : ( يا فلان , هل ترى بما أقول بأسا )  ؟ فيقول : [ لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا ] ; فأنزل الله : { عبس وتولى } . وفي الترمذي مسندا قال : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي , حدثني أبي , قال هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , قالت : نزلت }{ عبس وتولى }{ في ابن أم مكتوم الأعمى , أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل , يقول : يا رسول الله أرشدني , وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه , ويقبل على الآخر , ويقول : [ أترى بما أقول بأسا ] فيقول : لا ; ففي هذا نزلت ; قال : هذا حديث غريب . الآية عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم . ويقال : عمرو بن أم مكتوم , واسم أم مكتوم عاتكة بنت عامر بن مخزوم , وعمرو هذا : هو ابن قيس بن زائدة بن الأصم , وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها . وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين , يقال كان الوليد بن المغيرة . قال ابن العربي : أما قول علمائنا إنه الوليد بن المغيرة فقد قال آخرون إنه أمية بن خلف والعباس وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين , ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة , ما حضر معهما ولا حضرا معه , وكان موتهما كافرين , أحدهما قبل الهجرة , والآخر ببدر , ولم يقصد قط أمية المدينة , ولا حضر عنده مفردا , ولا مع أحد . أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى , وقد قوي طمعه في إسلامهم وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم , فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله , وجعل يناديه ويكثر النداء , ولا يدري أنه مشتغل بغيره , حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه , وقال في نفسه : يقول هؤلاء : إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد ; فعبس وأعرض عنه , فنزلت الآية . قال الثوري : فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول : [ مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ] . ويقول : [ هل من حاجة ] ؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما . قال أنس : فرأيته يوم القادسية راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء . قال علماؤنا : ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره , وأنه يرجو إسلامهم , ولكن الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة ; أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني , وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر الآخر , وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم , وإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة , وعلى هذا يخرج قول تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } [ الأنفال : 67 ] الآية على ما تقدم . وقيل : إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل , ثقة بما كان في قلب ابن مكتوم من الإيمان ; كما قال : [ إني لأصل الرجل , وغيره أحب إلي منه , مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه ] . قال ابن زيد : إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض عنه ; لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه , فدفعه ابن أم مكتوم , وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه , فكان في هذا نوع جفاء منه . ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم : { عبس وتولى }{ بلفظ الإخبار عن الغائب , تعظيما له ولم يقل : عبست وتوليت .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ
الأية
2
 
أن جاءه } { أن }{ في موضع نصب لأنه مفعول له , المعنى لأن جاءه الأعمى , أي الذي لا يبصر بعينيه . فروى أهل التفسير أجمع أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم , فأقبل عبد الله بن أم مكتوم , فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عبد الله عليه كلامه , فأعرض عنه , ففيه نزلت هذه الآية . قال مالك : إن هشام بن عروة حدثه عن عروة , أنه قال : نزلت }{ عبس وتولى }{ في ابن أم مكتوم ; جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا محمد استدنني , وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين , فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر , ويقول : [ يا فلان , هل ترى بما أقول بأسا ] ؟ فيقول : [ لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا ] ; فأنزل الله : { عبس وتولى } . وفي الترمذي مسندا قال : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي , حدثني أبي , قال هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , قالت : نزلت }{ عبس وتولى }{ في ابن أم مكتوم الأعمى , أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل , يقول : يا رسول الله أرشدني , وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه , ويقبل على الآخر , ويقول : [ أترى بما أقول بأسا ] فيقول : لا ; ففي هذا نزلت ; قال : هذا حديث غريب . الآية عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم . ويقال : عمرو بن أم مكتوم , واسم أم مكتوم عاتكة بنت عامر بن مخزوم , وعمرو هذا : هو ابن قيس بن زائدة بن الأصم , وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها . وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين , يقال كان الوليد بن المغيرة . ابن العربي : قاله المالكية من علمائنا , وهو يكنى أبا عبد شمس . وقال قتادة : هو أمية بن خلف وعنه : أبي بن خلف . وقال مجاهد : كانوا ثلاثة عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي بن خلف . وقال عطاء عتبة بن ربيعة . سفيان الثوري : كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس . الزمخشري : كان عنده صناديد قريش : عتبة وشيبة ابنا ربيعة , وأبو جهل بن هشام , والعباس بن عبد المطلب , وأمية بن خلف , والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام , رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم . قال ابن العربي : أما قول علمائنا إنه الوليد بن المغيرة فقد قال آخرون إنه أمية بن خلف والعباس وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين , ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة , ما حضر معهما ولا حضرا معه , وكان موتهما كافرين , أحدهما قبل الهجرة , والآخر ببدر , ولم يقصد قط أمية المدينة , ولا حضر عنده مفردا , ولا مع أحد . أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى , وقد قوي طمعه في إسلامهم وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم , فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله , وجعل يناديه ويكثر النداء , ولا يدري أنه مشتغل بغيره , حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه , وقال في نفسه : يقول هؤلاء : إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد ; فعبس وأعرض عنه , فنزلت الآية . قال الثوري : فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول : [ مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ] . ويقول : [ هل من حاجة ] ؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما . قال أنس : فرأيته يوم القادسية راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء . قال علماؤنا : ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره , وأنه يرجو إسلامهم , ولكن الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة ; أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني , وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر الآخر , وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم , وإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة , وعلى هذا يخرج قوله تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } [ الأنفال : 67 ] الآية على ما تقدم . وقيل : إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل , ثقة بما كان في قلب ابن مكتوم من الإيمان ; كما قال : [ إني لأصل الرجل وغيره أحب إلي منه , مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه ] . قال ابن زيد : إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض عنه ; لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه , فدفعه ابن أم مكتوم , وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه , فكان في هذا نوع جفاء منه . ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم : { عبس وتولى }{ بلفظ الإخبار عن الغائب , تعظيما له ولم يقل : عبست وتوليت . وقرأ الحسن }{ آأن جاءه الأعمى }{ بالمد على الاستفهام فـ }{ أن }{ متعلقة بفعل محذوف دل عليه }{ عبس وتولى }{ التقدير : آأن جاءه أعرض عنه وتولى ؟ فيوقف على هذه القراءة على { وتولى } , ولا يوقف عليه على قراءة الخبر , وهي قراءة العامة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ
الأية
3
 
ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال : { وما يدريك }{ أي يعلمك }{ لعله } يعني ابن أم مكتوم }{ يزكى }{ بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين , بأن يزداد طهارة في دينه , وزوال ظلمة الجهل عنه . وقيل : الضمير في }{ لعله }{ للكافر يعني إنك إذا طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر , فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن . وقرأ الحسن }{ آأن جاءه الأعمى }{ بالمد على الاستفهام فـ { أن }{ متعلقة بفعل محذوف دل عليه }{ عبس وتولى }{ التقدير : آأن جاءه أعرض عنه وتولى ؟ فيوقف على هذه القراءة على }{ وتولى } , ولا يوقف عليه على قراءة الخبر , وهي قراءة العامة . نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى في سورة الأنعام : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } [ الأنعام : 52 ] وكذلك قوله في سورة الكهف : { ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } [ الكهف : 28 ] وما كان مثله , والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَىٰ
الأية
4
 
أو يذكر }{ يتعظ بما تقول }{ فتنفعه الذكرى }{ أي العظة . وقراءة العامة }{ فتنفعه } بضم العين , عطفا على }{ يزكى } . وقرأ عاصم وابن أبي إسحاق وعيسى }{ فتنفعه }{ نصبا . وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش , على جواب لعل ; لأنه غير موجب ; كقوله تعالى : { لعلي أبلغ الأسباب } [ غافر : 36 ] ثم قال : { فأطلع } [ الصافات : 55 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ
الأية
5
 
أي كان ذا ثروة وغنى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ
الأية
6
 
أي تعرض له , وتصغي لكلامه . والتصدي : الإصغاء ; قال الراعي : تصدى لوضاح كأن جبينه سراج الدجى يحني إليه الأساور وأصله تتصدد من الصد , وهو ما استقبلك , وصار قبالتك ; يقال : داري صدد داره أي قبالتها , نصب على الظرف . وقيل : من الصدى وهو العطش . أي تتعرض له كما يتعرض العطشان للماء , والمصاداة : المعارضة . وقراءة العامة }{ تصدى } بالتخفيف , على طرح التاء الثانية تخفيفا . وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الإدغام .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ
الأية
7
 
أي لا يهتدي هذا الكافر ولا يؤمن , إنما أنت رسول , ما عليك إلا البلاغ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَىٰ
الأية
8
 
يطلب العلم لله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُوَ يَخْشَىٰ
الأية
9
 
أي يخاف الله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ
الأية
10
 
أي تعرض عنه بوجهك وتشغل بغيره . وأصله تتلهى ; يقال : لهيت عن الشيء ألهى : أي تشاغلت عنه . والتلهي : التغافل . ولهيت عنه وتليت : بمعنى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ
الأية
11
 
كلا }{ كلمة ردع وزجر ; أي ما الأمر كما تفعل مع الفريقين ; أي لا تفعل بعدها مثلها : من إقبالك على الغني , وإعراضك عن المؤمن الفقير . والذي جرى من النبي صلى الله عليه وسلم كان ترك الأولى كما تقدم , ولو حمل على صغيرة لم يبعد ; قاله القشيري . والوقف على }{ كلا }{ على هذا الوجه : جائز . ويجوز أن تقف على }{ تلهى }{ ثم تبتدئ }{ كلا }{ على معنى حقا .{ إنها }{ أي السورة أو آيات القرآن }{ تذكرة }{ أي موعظة وتبصرة للخلق قال الجرجاني : { إنها }{ أي القرآن , والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة , أخرجه على لفظ التذكرة , ولو ذكره لجاز ; كما قال تعالى في موضع آخر : { كلا إنه تذكرة } . ويدل على أنه أراد القرآن قوله : { فمن شاء ذكره }{ أي كان حافظا له غير ناس ; وذكر الضمير ; لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ
الأية
12
 
أي اتعظ بالقرآن . قال الجرجاني : { إنها }{ أي القرآن , والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة , أخرجه على لفظ التذكرة , ولو ذكره لجاز ; كما قال تعالى في موضع آخر : { كلا إنه تذكرة } . ويدل على أنه أراد القرآن قوله : { فمن شاء ذكره }{ أي كان حافظا له غير ناس ; وذكر الضمير ; لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ . وروى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : { فمن شاء ذكره }{ قال من شاء الله تبارك وتعالى ألهمه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ
الأية
13
 
ثم أخبر عن جلالته فقال : { في صحف }{ جمع صحيفة }{ مكرمة }{ أي عند الله ; قاله السدي . الطبري : { مكرمة }{ في الدين لما فيها من العلم والحكم . وقيل : { مكرمة }{ لأنها نزل بها كرام الحفظة , أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ . وقيل : { مكرمة }{ لأنها نزلت من كريم ; لأن كرامة الكتاب من كرامة صاحبه . وقيل : المراد كتب الأنبياء ; دليله : { إن هذا لفي الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى } [ الأعلى : 18 - 19 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ
الأية
14
 
مرفوعة }{ رفيعة القدر عند الله . وقيل : مرفوعة عنده تبارك وتعالى . وقيل : مرفوعة في السماء السابعة , قاله يحيى بن سلام . الطبري : مرفوعة الذكر والقدر . وقيل : مرفوعة عن الشبه والتناقض .{ مطهرة }{ قال الحسن : من كل دنس . وقيل : مصانة عن أن ينالها الكفار . وهو معنى قول السدي . وعن الحسن أيضا : مطهرة من أن تنزل على المشركين . وقيل : أي القرآن أثبت للملائكة في صحف يقرءونها فهي مكرمة مرفوعة مطهرة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
الأية
15
 
أي الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله , فهم بررة لم يتدنسوا بمعصية . وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هي مطهرة تجعل التطهير لمن حملها }{ بأيدي سفرة } قال : كتبة . وقاله مجاهد أيضا . وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد في الأسفار , التي هي الكتب , واحدهم : سافر ; كقولك : كاتب وكتبة . ويقال : سفرت أي كتبت , والكتاب : هو السفر , وجمعه أسفار . قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر , بكسر السين , وللكاتب سافر ; لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه . يقال : أسفر الصبح : إذا أضاء , وسفرت المرأة : إذا كشفت النقاب عن وجهها . قال : ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة : أصلحت بينهم . وقاله الفراء , وأنشد : فما أدع السفارة بين قومي ولا أمشي بغش إن مشيت والسفير : الرسول والمصلح بين القوم والجمع : سفراء , مثل فقيه وفقهاء . ويقال للوراقين سفراء , بلغة العبرانية . وقال قتادة : السفرة هنا : هم القراء , لأنهم يقرءون الأسفار . وعنه أيضا كقول ابن عباس . وقال وهب بن منبه : { بأيدي سفرة . كرام بررة }{ هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن العربي : لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة , كراما بررة , ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية , ولا قاربوا المرادين بها , بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق , ولا يشاركهم فيها سواهم , ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم . وروي في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له , مع السفرة الكرام البررة ; ومثل الذي يقرؤه وهو يتعاهده , وهو عليه شديد , فله أجران ] متفق عليه , واللفظ للبخاري .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
كِرَامٍ بَرَرَةٍ
الأية
16
 
كرام }{ أي كرام على ربهم ; قاله الكلبي . الحسن : كرام عن المعاصي , فهم يرفعون أنفسهم عنها . وروى الضحاك عن ابن عباس في }{ كرام }{ قال : يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته , أو تبرز لغائطه . وقيل : أي يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم .{ بررة }{ جمع بار مثل كافر وكفرة , وساحر وسحرة , وفاجر وفجرة ; يقال : بر وبار إذا كان أهلا للصدق , ومنه بر فلان في يمينه : أي صدق , وفلان يبر خالقه ويتبرره : أي يطيعه ; فمعنى }{ بررة }{ مطيعون لله , صادقون لله في أعمالهم . وقد مضى في سورة }{ الواقعة }{ قوله تعالى : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهرون } [ الواقعة : 77 - 79 ] أنهم الكرام البررة في كتاب مكنون .{ لا يمسه إلا المطهرون } [ الواقعة : 79 ] أنهم الكرام البررة في هذه السورة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
الأية
17
 
قتل }{ أي لعن . وقيل : عذب . والإنسان الكافر روى الأعمش عن مجاهد قال : ما كان في القرآن }{ قتل الإنسان }{ فإنما عني به الكافر . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : نزلت في عتبة بن أبي لهب , وكان قد آمن , فلما نزلت }{ والنجم }{ ارتد , وقال : آمنت بالقرآن كله إلا النجم , فأنزل الله جل ثناؤه فيه }{ قتل الإنسان }{ أي لعن عتبة حيث كفر بالقرآن , ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : [ اللهم سلط عليه كلبك أسد الغاضرة ] فخرج من فوره بتجارة إلى الشام , فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم , فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا , فجعلوه في وسط الرفقة , وجعلوا المتاع حوله , فبينما هم على ذلك أقبل الأسد , فلما دنا من الرحال وثب , فإذا هو فوقه فمزقه , وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال : ما قال محمد شيئا قط إلا كان . وروى أبو صالح عن ابن عباس }{ ما أكفره } : أي شيء أكفره ؟ وقيل : { ما { تعجب ; وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا : قاتله الله ما أحسنه ! وأخزاه الله ما أظلمه ; والمعنى : اعجبوا من كفر الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا . وقيل : ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه على التعجب أيضا ; قال ابن جريج : أي ما أشد كفره ! وقيل : { ما }{ استفهام أي أي شيء دعاه إلى الكفر ; فهو استفهام توبيخ . و }{ ما }{ تحتمل التعجب , وتحتمل معنى أي , فتكون استفهاما .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
الأية
18
 
أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر فيتكبر ؟ أي اعجبوا لخلقه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
الأية
19
 
من نطفة }{ أي من ماء يسير مهين جماد }{ خلقه }{ فلم يغلط في نفسه ؟ ! قال الحسن : كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين .{ فقدره }{ في بطن أمه . كذا روى الضحاك عن ابن عباس : أي قدر يديه ورجليه وعينيه وسائر آرابه , وحسنا ودميما , وقصيرا وطويلا , وشقيا وسعيدا . وقيل : { فقدره }{ أي فسواه كما قال : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } . وقال : { الذي خلقك فسواك } . وقيل : { فقدره }{ أطوارا أي من حال إلى حال ; نطفة ثم علقة , إلى أن تم خلقه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
الأية
20
 
قال ابن عباس في رواية عطاء وقتادة والسدي ومقاتل : يسره للخروج من بطن أمه . مجاهد : يسره لطريق الخير والشر ; أي بين له ذلك . دليله : { إنا هديناه السبيل }{ و } هديناه النجدين } . وقاله الحسن وعطاء وابن عباس أيضا في رواية أبي صالح عنه . وعن مجاهد أيضا قال : سبيل الشقاء والسعادة . ابن زيد : سبيل الإسلام . وقال أبو بكر بن طاهر يسر على كل أحد ما خلقه له وقدره عليه ; دليله قوله عليه السلام : [ اعملوا فكل ميسر لما خلق له ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
الأية
21
 
أي جعل له قبرا يوارى فيه إكراما , ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي ; قاله الفراء . وقال أبو عبيدة : { أقبره } : جعل له قبرا , وأمر أن يقبر . قال أبو عبيدة : ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن , قالت بنو تميم ودخلوا عليه : أقبرنا صالحا ; فقال : دونكموه . وقال : { أقبره }{ ولم يقل قبره ; لأن القابر هو الدافن بيده , قال الأعشى : لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر يقال : قبرت الميت : إذا دفنته , وأقبره الله : أي صيره بحيث يقبر , وجعل له قبرا ; تقول العرب : بترت ذنب البعير , وأبتره الله , وعضبت قرن الثور , وأعضبه الله , وطردت فلانا , والله أطرده , أي صيره طريدا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ
الأية
22
 
أي أحياه بعد موته . وقراءة العامة }{ أنشره }{ بالألف . وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة }{ شاء نشره }{ بغير ألف , لغتان فصيحتان بمعنى ; يقال : أنشر الله الميت ونشره ; قال الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ
الأية
23
 
قال مجاهد وقتادة : { لما يقض } : لا يقضي أحد ما أمر به . وكان ابن عباس يقول : { لما يقض ما أمره }{ لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم . ثم قيل : { كلا }{ ردع وزجر , أي ليس الأمر : كما يقول الكافر ; فإن الكافر إذا أخبر بالنشور قال : { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } [ فصلت : 50 ] ربما يقول قد قضيت ما أمرت به . فقال : كلا لم يقض شيئا بل هو كافر بي وبرسولي . وقال الحسن : أي حقا لم يقض : أي لم يعمل بما أمر به . و }{ ما }{ في قوله : { لما }{ عماد للكلام ; كقوله تعالى : { فبما رحمة من الله } [ آل عمران : 159 ] وقوله : { عما قليل ليصبحن نادمين } [ المؤمنون : 40 ] . وقال الإمام ابن فورك : أي : كلا لما يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان , بل أمره بما لم يقض له . ابن الأنباري : الوقف على }{ كلا } قبيح , والوقف على }{ أمره }{ و }{ نشره }{ جيد ; فـ }{ كلا }{ على هذا بمعنى حقا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ
الأية
24
 
لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان , ذكر ما يسر من رزقه ; أي فلينظر كيف خلق الله طعامه . وهذا النظر نظر القلب بالفكر ; أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته , وكيف هيأ له أسباب المعاش , ليستعد بها للمعاد . وروي عن الحسن ومجاهد قالا : { فلينظر الإنسان إلى طعامه }{ أي إلى مدخله ومخرجه . وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : [ يا ضحاك ما طعامك ] قلت : يا رسول الله ! اللحم واللبن ; قال : [ ثم يصير إلى ماذا ] قلت إلى ما قد علمته ; قال : [ فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ] . وقال أبي بن كعب : قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ] . وقال أبو الوليد : سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه ; قال : يأتيه الملك فيقول انظر ما بخلت به إلى ما صار ؟ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
الأية
25
 
قراءة العامة }{ إنا }{ بالكسر , على الاستئناف , وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب }{ أنا { بفتح الهمزة , فـ }{ أنا }{ في موضع خفض على الترجمة عن الطعام , فهو بدل منه ; كأنه قال : { فلينظر الإنسان إلى طعامه }{ إلى }{ أنا صببنا }{ فلا يحسن الوقف على } طعامه }{ من هذه القراءة . وكذلك إن رفعت }{ أنا }{ بإضمار هو أنا صببنا ; لأنها في حال رفعها مترجمة عن الطعام . وقيل : المعنى : لأنا صببنا الماء , فأخرجنا به الطعام , أي كذلك كان . وقرأ الحسين بن علي }{ أنى }{ فقال , بمعنى كيف ؟ فمن أخذ بهذه القراءة قال : الوقف على }{ طعامه }{ تام . ويقال : معنى }{ أنى }{ أين , إلا أن فيها كناية عن الوجوه ; وتأويلها : من أي وجه صببنا الماء ; قال الكميت : أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب }{ صببنا الماء صبا } : يعني الغيث والأمطار .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
الأية
26
 
أي بالنبات .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
الأية
27
 
أي قمحا وشعيرا وسلتا وسائر ما يحصد ويدخر .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
الأية
28
 
وهو القت والعلف , عن الحسن : سمي بذلك ; لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة . قال القتبي وثعلب : وأهل مكة يسمون القت القضب . وقال ابن عباس : هو الرطب لأنه يقضب من النخل : ولأنه ذكر العنب قبله . وعنه أيضا : أنه الفصفصة وهو القت الرطب . وقال الخليل : القضب الفصفصة الرطبة . وقيل : بالسين , فإذا يبست فهو قت . قال : والقضب : اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة , ليتخذ منها سهام أو قسي . ويقال : قضبا , يعني جميع ما يقضب , مثل القت والكراث وسائر البقول التي تقطع فينبت أصلها . وفي الصحاح : والقضة والقضب الرطبة , وهي الإسفست بالفارسية , والموضع الذي ينبت فيه مقضبة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا
الأية
29
 
وزيتونا }{ وهي شجرة الزيتون }{ ونخلا }{ يعني النخيل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَحَدَائِقَ غُلْبًا
الأية
30
 
وحدائق }{ أي بساتين واحدها حديقة . قال الكلبي : وكل شيء أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة , وما لم يحط عليه فليس بحديقة .{ غلبا }{ عظاما شجرها ; يقال : شجرة غلباء , ويقال للأسد : الأغلب ; لأنه مصمت العنق , لا يلتفت إلا جميعا ; قال العجاج : ما زلت يوم البين ألوي صلبي والرأس حتى صرت مثل الأغلب ورجل أغلب بين الغلب إذا كان غليظ الرقبة . والأصل في الوصف بالغلب : الرقاب فاستعير ; قال قال عمرو بن معدي كرب : يمشي بها غلب الرقاب كأنهم بزل كسين من الكحيل جلالا وحديقة غلباء : ملتفة وحدائق غلب . واغلولب العشب : بلغ والتف البعض بالبعض . قال ابن عباس : الغلب : جمع أغلب وغلباء وهي الغلاظ . وعنه أيضا الطوال . قتادة وابن زيد : الغلب : النخل الكرام . وعن ابن زيد أيضا وعكرمة : عظام الأوساط والجذوع . مجاهد : ملتفة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا
الأية
31
 
وفاكهة }{ أي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ وغيرهما }{ وأبا }{ هو ما تأكله البهائم من العشب , قال ابن عباس والحسن : الأب : كل ما أنبتت الأرض , مما لا يأكله الناس , ما يأكله الآدميون هو الحصيد ; ومنه قول الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم : له دعوة ميمونة ريحها الصبا بها ينبت الله الحصيدة والأبا وقيل : إنما سمي أبا ; لأنه يؤب أي يؤم وينتجع . والأب والأم : أخوان ; قال : جذمنا قيس ونجد دارنا ولنا الأب به والمكرع وقال الضحاك : والأب : كل شيء ينبت على وجه الأرض . وكذا قال أبو رزين : هو النبات . يدل عليه قول ابن عباس قال : الأب : ما تنبت الأرض مما يأكل الناس والأنعام . وعن ابن عباس أيضا وابن أبي طلحة : الأب : الثمار الرطبة . وقال الضحاك : هو التين خاصة . وهو محكي عن ابن عباس أيضا ; قال الشاعر : فما لهم مرتع للسوا م والأب عندهم يقدر الكلبي : هو كل نبات سوى الفاكهة . وقيل : الفاكهة : رطب الثمار , والأب يابسها . وقال إبراهيم التيمي : سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة والأب فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت : في كتاب الله ما لا أعلم . وقال أنس : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال : كل هذا قد عرفناه , فما الأب ؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال : هذا لعمر الله التكلف , وما عليك يا بن أم عمر ألا تدري ما الأب ؟ ثم قال : اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب , وما لا فدعوه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ خلقتم من سبع , ورزقتم من سبع , فاسجدوا لله على سبع ] . وإنما أراد بقوله : [ خلقتم من سبع ] يعني }{ من نطفة , ثم من علقة , ثم من مضغة } [ الحج : 5 ] الآية , والرزق من سبع , وهو قوله تعالى : { فأنبتنا فيها حبا وعنبا }{ إلى قوله : { وفاكهة }{ ثم قال : { وأبا }{ وهو يدل على أنه ليس برزق لابن آدم , وأنه مما تختص به البهائم . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ
الأية
32
 
متاعا لكم ولأنعامكم{ متاعا لكم }{ نصب على المصدر المؤكد , لأن إنبات هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات . وهذا ضرب مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم , كنبات الزرع بعد دثوره , كما تقدم بيانه في غير موضع . ويتضمن امتنانا عليهم بما أنعم به , وقد مضى في غير موضع أيضا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ
الأية
33
 
فإذا جاءت الصاخةلما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد , ليتزودوا له بالأعمال الصالحة , وبالإنفاق مما امتن به عليهم . والصاخة : الصيحة التي تكون عنها القيامة , وهي النفخة الثانية , تصخ الأسماع : أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء . وذكر ناس من المفسرين قالوا : تصيخ لها الأسماع , من قولك : أصاخ إلى كذا : أي استمع إليه , ومنه الحديث : [ ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا الجن والإنس ] . وقال الشاعر : يصيخ للنبأة أسماعه إصاخة المنشد للمنشد قال بعض العلماء : وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء , فأما اللغة فمقتضاها القول الأول , قال الخليل : الصاخة : صيحة تصخ الآذان صخا أي تصمها بشدة وقعتها . وأصل الكلمة في اللغة : الصك الشديد . وقيل : هي مأخوذة من صخه بالحجر : إذا صكه قال الراجز : يا جارتي هل لك أن تجالدي جلادة كالصك بالجلامد ومن هذا الباب قول العرب : صختهم الصاخة وباتتهم البائتة , وهي الداهية . الطبري : وأحسبه من صخ فلان فلانا : إذا أصماه . قال ابن العربي : الصاخة التي تورث الصمم , وإنها لمسمعة , وهذا من بديع الفصاحة , حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان حديثي الأزمان : ش أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ش وقال آخر : أضمني سرهم أيام فرقتهم فهل سمعتم بسر يورث الصمما لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا , وتسمع أمور الآخرة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
الأية
34
 
أي يهرب , أي تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه ; أي من موالاة أخيه ومكالمته ; لأنه لا يتفرغ لذلك , لاشتغاله بنفسه ; كما قال بعده : { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه }{ أي يشغله عن غيره . وقيل : إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه , لما بينهم من التبعات . وقيل : لئلا يروا ما هو فيه من الشدة . وقيل : لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا ; كما قال : { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } [ الدخان : 41 ] . وقال عبد الله بن طاهر الأبهري : يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم , إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه , ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى . وذكر الضحاك عن ابن عباس قال : يفر قابيل من أخيه هابيل , ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه , وإبراهيم عليه السلام من أبيه , ونوح عليه السلام من ابنه , ولوط من امرأته , وآدم من سوأة بنيه . وقال الحسن : أول من يفر يوم القيامة من أبيه : إبراهيم , وأول من يفر من ابنه نوح ; وأول من يفر من امرأته لوط . قال : فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
الأية
35
 
وأمه وأبيهقيل : إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه , لما بينهم من التبعات . وقيل : لئلا يروا ما هو فيه من الشدة . وقيل : لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا ; كما قال : { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } [ الدخان : 41 ] . وقال عبد الله بن طاهر الأبهري : يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم , إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه , ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى . وذكر الضحاك عن ابن عباس قال : يفر قابيل من أخيه هابيل , ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه , وإبراهيم عليه السلام من أبيه , ونوح عليه السلام من ابنه , ولوط من امرأته , وآدم من سوأة بنيه . وقال الحسن : أول من يفر يوم القيامة من أبيه : إبراهيم , وأول من يفر من ابنه نوح ; وأول من يفر من امرأته لوط . قال : فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
الأية
36
 
وصاحبته وبنيه{ وصاحبته }{ أي زوجته . { وبنيه }{ أي أولاده . وذكر الضحاك عن ابن عباس قال : يفر قابيل من أخيه هابيل , ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه , وإبراهيم عليه السلام من أبيه , ونوح عليه السلام من ابنه , ولوط من امرأته , وآدم من سوأة بنيه . وقال الحسن : أول من يفر يوم القيامة من أبيه : إبراهيم , وأول من يفر من ابنه نوح ; وأول من يفر من امرأته لوط . قال : فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
الأية
37
 
في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : [ يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ] قلت , يا رسول الله ! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : [ يا عائشة , الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ] . خرجه الترمذي عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ يحشرون حفاة عراة غرلا ] فقالت امرأة : أينظر بعضنا , أو يرى بعضنا عورة بعض ؟ قال : [ يا فلانة ] { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } . قال : حديث حسن صحيح . وقراءة العامة بالغين المعجمة ; أي حال يشغله عن الأقرباء . وقرأ ابن محيصن وحميد }{ يعنيه }{ بفتح الياء , وعين غير معجمة ; أي يعنيه أمره . وقال القتبي : يعنيه : يصرفه ويصده عن قرابته , ومنه يقال : اعن عني وجهك : أي اصرفه واعن عن السفيه ; قال خفاف : سيعنيك حرب بني مالك عن الفحش والجهل في المحفل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ
الأية
38
 
أي مشرقة مضيئة , قد علمت مالها من الفوز والنعيم , وهي وجوه المؤمنين .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
الأية
39
 
ضاحكة }{ أي مسرورة فرحة .{ مستبشرة } : أي بما آتاها الله من الكرامة . وقال عطاء الخراساني : { مسفرة }{ من طول ما اغبرت في سبيل الله جل ثناؤه . ذكره أبو نعيم . الضحاك : من آثار الوضوء . ابن عباس : من قيام الليل ; لما روي في الحديث : [ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ] يقال : أسفر الصبح إذا أضاء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
الأية
40
 
أي غبار ودخان .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
الأية
41
 
ترهقها }{ أي تغشاها }{ قترة }{ أي كسوف وسواد . كذا قال ابن عباس . وعنه أيضا : ذلة وشدة . والقتر في كلام العرب : الغبار , جمع القترة , عن أبي عبيد ; وأنشد الفرزدق : متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا وفي الخبر : إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار . وقال زيد بن أسلم , القترة : ما ارتفعت إلى السماء , والغبرة : ما انحطت إلى الأرض , والغبار والغبرة : واحد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
الأية
42
 
أولئك هم الكفرة }{ جمع كافر }{ الفجرة }{ جمع فاجر , وهو الكاذب المفتري على الله تعالى . وقيل : الفاسق ; [ يقال ] : فجر فجورا : أي فسق , وفجر : أي كذب . وأصله : الميل , والفاجر : المائل . وقد مضى بيانه والكلام فيه . والحمد لله وحده .

نهاية تفسير السورة - تفسير القرآن الكريم
End of Tafseer of The Surah - The Holy Quran Tafseer







EsinIslam.Com Designed & produced by The Awqaf London. Please pray for us