Prev

21. Surah Al-Anbiy' سورة الأنبياء

Next



تفسير الطبري - الأنبياء - Al-Anbiya -
 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
الأية
1
 
يقول تعالى ذكره: دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ونعمهم التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم، وأجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها؛ وهل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فيها؟{ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } يقول: وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة، وعن دنو محاسبته إياهم منهم، واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فيه، والاستعداد له، والتأهب، جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء، وشديد الأهوال. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } قال أهل التأويل، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. * ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثني أبو معاوية، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } قال: في الدنيا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
الأية
2
 
يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنـزيل شيء من هذا القرآن للناس، ويذكرهم به ويعظهم إلا استمعوه، وهم يلعبون لاهية قلوبهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ }. .. الآية، يقول: ما ينـزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
الأية
3
 
يقول تعالى ذكره { لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } غافلة : يقول: ما يستمع هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم هذا القرآن إلا وهم يلعبون غافلة عنه قلوبهم، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه الله من الحجج عليهم. كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } يقول: غافلة قلوبهم. وقوله ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } يقول: وأسرّ هؤلاء الناس الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلة معرضون، لاهية قلوبهم، النجوى بينهم، يقول: وأظهروا المناجاة بينهم فقالوا: هل هذا الذي يزعم أنه رسول من الله أرسله إليكم، إلا بشر مثلكم: يقولون: هل هو إلا إنسان مثلكم في صوركم وخلقكم؟ يعنون بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقال الذين ظلموا فوصفهم بالظلم بفعلهم وقيلهم الذي أخبر به عنهم في هذه الآيات إنهم يفعلون ويقولون من الإعراض عن ذكر الله، والتكذيب برسوله وللذين من قوله { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } في الإعراب وجهان: الخفض على أنه تابع للناس في قوله اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } والرفع على الردّ على الأسماء الذين (1) في قوله { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } من ذكر الناس، كما قيل: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وقد يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء، ويكون معناه: وأسرّوا النجوى، ثم قال: هم الذين ظلموا. وقوله { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } يقول: وأظهروا هذا القول بينهم، وهي النجوى التي أسرّوها بينهم، فقال بعضهم لبعض: أتقبلون السحر وتصدّقون به وأنتم تعلمون أنه سحر؟ يعنون بذلك القرآن. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } قال: قال أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا: أتأتون السحر وأنتم تبصرون؟ ------------------------ الهوامش :(1) لعله على الاسم الذي . . إلخ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
الأية
4
 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله { قُلْ رَبّي } فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين { قُلْ رَبّي) على وجه الأمر، وقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء الكوفة { قَالَ رَبِّي) على وجه الخبر. وكأن الذين قرءوه على وجه الأمر أرادوا من تأويله: قل يا محمد للقائلين أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ربي يعلم قول كلّ قائل في السماء والأرض، لا يخفى عليه منه شيء وهو السميع لذلك كله، ولما يقولون من الكذب، العليم بصدقي، وحقيقة ما أدعوكم إليه، وباطل ما تقولون وغير ذلك من الأشياء كلها. وكأن الذين قرءوا ذلك قال على وجه الخبر أرادوا، قال محمد: ربي يعلم القول خبرا من الله عن جواب نبيه إياهم. والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَاءة الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وجاءت بهما مصاحف المسلمين متفقتا المعنى، وذلك أن الله إذا أمر محمدا بقيل ذلك قاله، وإذا قاله فعن أمر الله قاله، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
الأية
5
 
يقول تعالى ذكره: ما صدّقوا بحكمة هذا القرآن، ولا أنه من عند الله، ولا أقرّوا بأنه وحي أوْحَى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، بل قال بعضهم: هو أهاويل رؤيا رآها في النوم، وقال بعضهم: هو فرية واختلاق افتراه واختلقه من قبل نفسه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وهذا الذي جاءكم به شعر { فَلْيَأْتِنا) به يقول: قالوا فليجئنا محمد إن كان صادقا في قوله، إن الله بعثه رسولا إلينا وإن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا، { بآية) يقول: بحجة ودلالة على حقيقة ما يقول ويدّعي { كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ } يقول: كما جاءت به الرسل الأوّلون من قَبْله من إحياء المَوتى، وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { أَضْغَاثُ أَحْلامٍ } أي فعل حالم، إنما هي رؤيا رآها{ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } كل هذا قد كان منهم. وقوله { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ } يقول: كما جاء عيسى بالبيِّنات وموسى بالبينات، والرسل. حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { أَضْغَاثُ أَحْلامٍ } قال: مشتبهة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله { أَضْغَاثُ أَحْلامٍ } قال أهاويلها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال تعالى ذكره: بل قالوا: ولا جحد في الكلام ظاهر فيحقق ببل، لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فاجْتُزِي بمعرفة السامعين بما دلّ عليه قوله، بل من ذكر الخبر عنهم على ما قد بينا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
الأية
6
 
يقول تعالى ذكره: ما آمن من قبل هؤلاء المكذّبين محمدا من مشركي قومه الذين قالوا: فليأتنا محمد بآية كما جاءت به الرسل قبله من أهل قرية عذّبناهم بالهلاك في الدنيا، إذ جاءهم رسولنا إليهم بآية معجزة { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } يقول: أفهؤلاء المكذبون محمدا السائلوه الآية يؤمنون إن جاءتهم آية ولم تؤمن قبلهمْ أسلافهم من الأمم الخالية التي أهلكناها برسلها مع مجيئها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } يصدّقون بذلك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } أي الرسل كانوا إذا جاءوا قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم يناظروا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
الأية
7
 
يقول تعالى ذكره لنبيه: وما أرسلنا يا محمد قبلك رسولا إلى أمة من الأمم التي خلت قبل أمتك إلا رجالا مثلهم نوحي إليهم، ما نريد أن نوحيه إليهم من أمرنا ونهينا، لا ملائكة، فماذا أنكروا من إرسالنا لك إليهم، وأنت رجل كسائر الرسل الذين قبلك إلى أممهم. وقوله { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } يقول للقائلين لمحمد صلى الله عليه وسلم في تناجيهم بينهم: هل هذا إلا بشر مثلكم، فإن أنكرتم وجهلتم أمر الرسل الذين كانوا من قبل محمد، فلم تعلموا أيها القوم أمرهم إنسا كانوا أم ملائكة، فاسألوا أهل الكتب من التوراة والإنجيل ما كانوا يخبروكم عنهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } يقول فاسألوا أهل التوراة والإنجيل قال أبو جعفر: أراه أنا قال: يخبروكم أن الرسل كانوا رجالا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق. وقيل: أهل الذكر: أهل القرآن. * ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: ثني عبد الرحمن بن صالح، قال: ثني موسى بن عثمان، عن جابر الجعفيّ، قال: لما نـزلت { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } قال: عليّ: نحن أهل الذّكر. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: أهل القرآن، والذكر: القرآن. وقرأ إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ
الأية
8
 
يقول تعالى ذكره: وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك يا محمد إلى الأمم الماضية قبل أمتك، { جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } يقول: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } يقول: ما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } يقول: لم أجعلهم جسدا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدا فيها أرواح يأكلون الطعام. قال أبو جعفر: وقال: { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا } فوحَّد الجسد وجعله موحدا، وهو من صفة الجماعة، وإنما جاز ذلك لأن الجسد بمعنى المصدر، كما يقال في الكلام: وما جعلناهم خَلْقا لا يأكلون. وقوله { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } يقول: ولا كانوا أربابا لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا، وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قد أخبر الله عنهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ... إلى قوله أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا قال الله تبارك وتعالى لهم: ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم، وإنما كنا نرسل إليهم رجالا نوحي إليهم كما أرسلنا إليكم رسولا نوحي إليه أمرنا ونهينا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
الأية
9
 
يقول تعالى ذكره: ثم صدقنا رسلنا الذين كذبّهم أممهم وسألتهم الآيات، فأتيناهم ما سألوه من ذلك، ثم أقاموا على تكذيبهم إياها، وأصرّوا على جحودهم نبوّتها بعد الذي أتتهم به من آيات ربها، وعدنا الذي وعدناهم من الهلاك على إقامتهم على الكفر بربهم بعد مجيء الآية التي سألوا ، وذلك كقوله جل ثناؤه فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وكقوله وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ونحو ذلك من المواعيد التي وعد الأمم مع مجيء الآيات ، وقوله { فأنجيناهم } يقول تعالى ذكره: فأنجينا الرسل عند إصرار أممها على تكذيبها بعد الآيات، { وَمَنْ نَشَاءُ } وهم أتباعها الذين صدقوها وآمنوا بها ، وقوله { وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } يقول تعالى ذكره: وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم بكفرهم بربهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } والمسرفون: هم المشركون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
10
 
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه، لقد أنـزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم، فيه حديثكم. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قوله { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } قال: حديثكم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد { لَقَدْ أَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } قال: حديثكم { أَفَلا تَعْقِلُونَ } قال: في قد أفلح بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ . حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا سفيان: نـزل القرآن بمكارم الأخلاق، ألم تسمعه يقول ( لَقَدْ أَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ }. وقال آخرون: بل عني بالذكر في هذا الموضع: الشرف، وقالوا: معنى الكلام: لقد أنـزلنا إليكم كتابا فيه شرفكم. قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني أشبه بمعنى الكلمة، وهو نحو مما قال سفيان الذي حكينا عنه، وذلك أنه شرف لمن اتبعه وعمل بما فيه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ
الأية
11
 
يقول تعالى ذكره: وكثيرا قصمنا من قرية، والقصم: أصله الكسر، يقال منه: قصمت ظهر فلان إذا كسرته، وانقصمت سنه: إذا انكسرت ، وهو هاهنا معني به أهلكنا، وكذلك تأوّله أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { وَكَمْ قَصَمْنَا } قال: أهلكنا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } قال: أهلكناها ، قال ابن جُرَيج: قصمنا من قرية، قال: باليمن قصمنا، بالسيف أهلكوا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله { قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } قال: قصمها أهلكها. وقوله { مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً } أجرى الكلام على القرية، والمراد بها أهلها لمعرفة السامعين بمعناه، وكأن ظلمها كفرها بالله وتكذيبها رسله، وقوله { وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ } يقول تعالى ذكره: وأحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلمة من أهل هذه القرية التي قصمناها بظلمها قوما آخرين سواهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ
الأية
12
 
وقوله { فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا } يقول: فلما عاينوا عذابنا قد حلّ بهم ورأوه قد وجدوا مسه، يقال منه: قد أحسست من فلان ضعفا، وأحسته منه { إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ } يقول: إذا هم مما أحسوا بأسنا النازل بهم يهربون سراعا عَجْلَى، يَعْدُون منهزمين، يقال منه: ركض فلان فرسه: إذا كَدَّه سياقته.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ
الأية
13
 
يقول تعالى ذكره: لا تهربوا وارجعوا إلى ما أُترفتم فيه: يقول: إلى ما أُنعمتم فيه من عيشتكم ومساكنكم. كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله { لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } يعني من نـزل به العذاب في الدنيا ممن كان يعصي الله من الأمم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { لا تَرْكُضُوا } لا تفرّوا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } يقول: ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة { وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } قال: إلى ما أترفتم فيه من دنياكم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ) فقال بعضهم: معناه: لعلكم تفقهون وتفهمون بالمسألة. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } قال: تفقهون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } قال: تفقهون. وقال آخرون: بل معناه لعلكم تسألون من دنياكم شيئا على وجه السخرية والاستهزاء. * ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } استهزاء بهم. حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } من دنياكم شيئا، استهزاء بهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
الأية
14
 
يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء الذين أحلّ الله بهم بأسه بظلمهم لما نـزل بهم بأس الله: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا بربنا ، فما زالت تلك دعواهم يقول فلم تزل دعواهم، حين أتاهم بأس الله، بظلمهم أنفسهم : { يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } حتى قتلهم الله ، فحصدهم بالسيف كما يُحْصَد الزرع ويستأصل قطعا بالمناجل ، وقوله { خَامِدِينَ } يقول : هالكين قد انطفأت شرارتهم ، وسكنت حركتهم ، فصاروا همودا كما تخمد النار فتطفأ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ
الأية
15
 
قوله { فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ }... الآية: فلما رأوا العذاب وعاينوه لم يكن لهم هِجِّيرَى إلا قولهم { يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } حتى دمَّر الله عليهم وأهلكهم. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) يقول: حتى هلكوا. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس { حَصِيدًا) الحصاد { خامدين) خمود النار إذا طفئت. حدثنا سعيد بن الربيع، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إنهم كانوا أهل حصون، وإن الله بعث عليهم بختنصر، فبعث إليهم جيشا فقتلهم بالسيف، وقتلوا نبيا لهم فحُصِدوا بالسيف، وذلك قوله ( فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } بالسيف.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ
الأية
16
 
يقول تعالى ذكره: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله، فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره، ولم يَخْلق ذلك عبثا ولعبا. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ } يقول: ما خلقناهما عَبَثا ولا باطلا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ
الأية
17
 
يقول تعالى ذكره: لو أردنا أن نتخذ زوجة وولدا لاتخذنا ذلك من عندنا، ولكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله ولا ينبغي، لأنه لا ينبغي أن يكون لله ولد ولا صاحبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سليمان بن عبيد الله الغيداني، قال: ثنا أبو قُتيبة، قال: ثنا سلام بن مسكين، قال: ثنا عقبة بن أبي حمزة، قال: شهدت الحسن بمكة، قال: وجاءه طاووس وعطاء ومجاهد، فسألوه عن قول الله تبارك وتعالى { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنا } قال الحسن: اللهو: المرأة. حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عليّ بن هارون، عن محمد، عن ليث، عن مجاهد في قوله { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا } قال: زوجة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا }... الآية، أي أن ذلك لا يكون ولا ينبغي. واللهو بلغة أهل اليمن: المرأة. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا } قال: اللهو في بعض لغة أهل اليمن: المرأة { لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا }. وقوله { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } يقول: ما كنا فاعلين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قالوا مريم صاحبته، وعيسى ولده، فقال تبارك وتعالى { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا } نساء وولدا{ لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } قال: من عندنا، ولا خلقنا جنة ولا نارا، ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
الأية
18
 
يقول تعالى ذكره: ولكن ننـزل الحق من عندنا، وهو كتاب الله وتنـزيله على الكفر به وأهله، فيدمغه، يقول: فيهلكه كما يدمغ الرجل الرجل بأن يشجه على رأسه شجة تبلغ الدماغ، وإذا بلغت الشجة ذلك من المشجوج لم يكن له بعدها حياة. وقوله { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } يقول: فإذا هو هالك مضمحلٌ. كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } قال: هالك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } قال: ذاهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } والحقّ كتاب الله القرآن، والباطل: إبليس، فيدمغه فإذا هو زاهق: أي ذاهب. وقوله { وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } يقول: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقِيلكم إنه اتخذ زوجة وولدا، وفِريتكم عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أن بعضهم قال: معنى تصفون تكذبون. وقال آخرون: معنى ذلك: تشركون، وذلك وإن اختلفت به الألفاظ فمتفقة معانيه؛ لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصفه إياه بذلك، وأشرك به، ووصفه بغير صفته، غير أن أولى العبارات أن يُعَبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه. * ذكر من قال ما قلنا في ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } أي تكذبون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج { وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } قال: تشركون وقوله عَمَّا يَصِفُونَ قال: يشركون قال: وقال مجاهد سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ قال: قولهَم الكذب في ذلك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ
الأية
19
 
يقول تعالى ذكره: وكيف يجوز أن يتخذ الله لهوا، وله ملك جميع من في السماوات والأرض، والذين عنده من خلقه لا يستنكفون عن عبادتهم إياه ولا يَعْيَون من طول خدمتهم له، وقد علمتم أنه لا يستعبد والد ولده ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فأنى يكون له صاحبة وولد: يقول: أولا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } لا يرجعون. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } لا يحسرون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } قال: لا يُعيون. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قوله: { وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } قال: لا يعيون. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } قال: لا يستحسرون، لا يملُّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأمون ، هذا كله معناه واحد والكلام مختلف، وهو من قولهم: بعير حَسِير: إذا أعيا وقام؛ ومنه قول علقمة بن عبدة: بِهـا جِـيفُ الحَسْـرَى فأمَّـا عِظامُها فَبِيــضٌ, وأمَّــا جِلْدُهـا فَصَلِيـبُ (1) ------------------------ الهوامش :(1) البيت لعلقمة بن عبدة التميمي ، من قصيدة له يمدح بها الحارث بن أبي الحارث بن أبي شمر الغساني { مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة مصطفى البابي الحلبي ، ص 421 ، وهو البيت العشرون في القصيدة } والحسرى : جمع حسير من الدواب ، وهو الذي كل من من المسير ، فمات إعياء . وصليب : يابس لم يدبغ . والضمير في { بها } راجع إلى المغارة التي سلكها ، فوجد فيها بقايا الدواب التي سارت فيها من قبل ، من عظام وجلود .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
الأية
20
 
يقول تعالى ذكره: يسبح هؤلاء الذين عنده من ملائكة ربهم الليل والنهار لا يفترون من تسبيحهم إياه. كما حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبا عن قوله: { يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } و { يسبحون الليل والنهار لا يسأمون) (2) فقال: هل يئودك طرفك؟ هل يَئُودك نَفَسُك؟ قال: لا قال: فإنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرْف والنَّفَس. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن مخارق، عن عبد الله بن الحارث، قال: قلت: لكعب الأحبار { يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } أما يشغلهم رسالة أو عمل؟ قال: يا بن أخي إنهم جُعل لهم التسبيح، كما جُعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد وتجيء وتذهب وأنت تنفَّس؟ قلت: بلى قال: فكذلك جُعل لهم التسبيح. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن وأبو داود، قالا ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمر، قال: إن الله خلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الملائكة ، وجزءا سائر الخلق، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءا لرسالته، وجزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الجنّ، وجزءا سائر بني آدم، وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فحمل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء وجزءا سائر بني آدم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } يقول: الملائكة الذين هم عند الرحمن لا يستكبرون عن عبادته، ولا يسأمون فيها. وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه، إذ قال: " تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟ قالوا: ما نسمع من شيء يا نبيّ الله، قال: إنّي لأسْمَعُ أطِيطَ السَّماءِ، وما تُلامُ أنْ تَئِطَّ ولَيْسَ فِيها مَوْضِعُ رَاحَةٍ إلا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائمٌ". ------------------------ الهوامش : (2) التلاوة " يسبحون له بالليل والنهار وهم " . . إلخ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
الأية
21
 
وقوله { أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ } يقول تعالى ذكره: أتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض هم ينشرون: يعني بقوله هم : الآلهة، يقول: هذه الآلهة التي اتخذوها تنشر الأموات، يقول: يحيون الأموات، وينشرون الخلق، فإن الله هو الذي يحيي ويميت. كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى " ح " وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { يُنْشِرُونَ) يقول: يُحيون. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ } يقول: أفي آلهتهم أحد يحيي ذلك ينشرون، وقرأ قول الله قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ... إلى قوله { مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
الأية
22
 
يقول تعالى ذكره: لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له { لَفَسَدَتا) يقول: لفسد أهل السماوات والأرض { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } يقول جل ثناؤه: فتنـزيه لله وتبرئة له مما يفتري به عليه هؤلاء المشركون به من الكذب. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
الأية
23
 
يقول تعالى ذكره: لا سائل يسأل رب العرش عن الذي يفعل بخلقه من تصريفهم فيما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال، وغير ذلك من حكمه فيهم؛ لأنهم خلقه وعبيده، وجميعهم في ملكه وسلطانه، والحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فيقول له: لم فعلت؟ ولمَ لم تفعل؟{ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يقول جلّ ثناؤه: وجميع من في السماوات والأرض من عباده مسئولون عن أفعالهم، ومحاسبون على أعمالهم، وهو الذي يسألهم عن ذلك ويحاسبهم عليه، لأنه فوقهم ومالكهم، وهم في سلطانه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يقول: لا يسأل عما يفعل بعباده، وهم يسألون عن أعمالهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قال: لا يسأل الخالق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قال: لا يسأل الخالق عما يقضي في خلقه، والخلق مسئولون عن أعمالهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ
الأية
24
 
يقول تعالى ذكره: أتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضرّ، وتخلق وتحيي وتميت ، قل يا محمد لهم: هاتوا برهانكم، يعني حجتكم يقول: هاتوا إن كنتم تزعمون أنكم محقون في قيلكم ذلك حجة ودليلا على صدقكم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون. وقوله { هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ } يقول: هذا الذي جئتكم به من عند الله من القرآن والتنـزيل، { ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ } يقول: خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم به، وطاعتهم إياه، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه وكفرهم به { وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي } يقول: وخبر من قبلي من الأمم التي سلفت قبلي، وما فعل الله بهم في الدنيا وهو فاعل بهم في الآخرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ } يقول: هذا القرآن فيه ذكر الجلال والحرام { وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي } يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم إلى ما صاروا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج { هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ } قال: حديث من معي، وحديث من قبلي. وقوله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ } يقول: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الصواب فيما يقولون ولا فيما يأتون ويذرون، فهم معرضون عن الحق جهلا منهم به، وقلَّة فهم. وكان قَتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ } عن كتاب الله.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
الأية
25
 
يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السماوات والأرض، تصلح العبادة له سواي فاعبدون يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } قال: أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم " قال أبو جعفر: أظنه أنا قال " : عمل حتى يقولوه ويقرّوا به، والشرائع مختلفة، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، حلال وحرام، وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
الأية
26
 
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بربهم: اتخذ الرحمن ولدا من ملائكته، فقال جلّ ثناؤه استعظاما مما قالوا، وتبريًّا مما وصفوه به سبحانه، يقول تنـزيها له عن ذلك، ما ذلك من صفته { بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } يقول: ما الملائكة كما وصفهم به هؤلاء الكافرون من بني آدم، ولكنهم عباد مكرمون، يقول: أكرمهم الله. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } قال: قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى صاهر الجنّ، فكانت منهم الملائكة، قال الله تبارك وتعالى تكذيبا لهم وردّا عليهم، { بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } وإن الملائكة ليس كما قالوا، إنما هم عباد أكرمهم الله بعبادته. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا } قالت اليهود وطوائف من الناس: إن الله تبارك وتعالى خاتن إلى الجنّ والملائكة من الجنّ، قال الله تبارك وتعالى ( سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
الأية
27
 
وقوله: { لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } يقول جلّ ثناؤه: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملا إلا به. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله { لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } يثني عليهم { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
الأية
28
 
يقول تعالى ذكره: يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه ما هو وما هم فيه قائلون وعاملون، وما خلفهم :يقول: وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه، قالوا ذلك كله محصى لهم وعليهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } يقول: يعلم ما قدّموا وما أضاعوا من أعمالهم { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } يقول: ولا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } قال: لمن رضي عنه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } يوم القيامة، { وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة يقول: ولا يشفعون يوم القيامة. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله ، وقوله { وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } يقول: وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون، يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
الأية
29
 
يقول تعالى ذكره: ومن يقل من الملائكة: إني إله من دون الله { فَذَلَك) الذي يقول ذلك منهم { نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } يقول: نثيبه على قيله ذلك جهنم { كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } يقول: كما نجزي من قال من الملائكة إني إله من دون الله جهنم، كذلك نجزي ذلك كل من ظلم نفسه، فكفر بالله وعبد غيره، وقيل: عنى بهذه الآية إبليس، وقال قائلو ذلك: إنما قلنا ذلك، لأنه لا أحد من الملائكة قال: إني إله من دون الله سواه. * ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ } قال: قال ابن جُرَيج: من يقل من الملائكة إني إله من دونه؛ فلم يقله إلا إبليس دعا إلى عبادة نفسه، فنـزلت هذه في إبليس. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيما، فقال { فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } قال: هي خاصة لإبليس.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ
الأية
30
 
يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء الذي كفروا بالله بأبصار قلوبهم، فيروا بها، ويعلموا أن السماوات والأرض كانتا رَتْقا: يقول: ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين، يقال منه: رتق فلان الفتق: إذا شدّه، فهو يرتقه رتقا ورتوقا، ومن ذلك قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: رتقاء، ووحد الرتق، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله { كانَتا) لأنه مصدر، مثل قول الزور والصوم والفطر. وقوله { فَفَتَقْناهُما) يقول: فصدعناهما وفرجناهما. ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السماوات والأرض بالرتق وكيف كان الرتق، وبأيْ معنى فتق؟ فقال بعضهم: عنى بذلك أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء. * ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا } يقول: كانتا ملتصقتين. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)... الآية، يقول: كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } كان ابن عباس يقول: كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: كان الحسن وقتادة يقولان: كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السماوات كانت مرتتقة طبقة، ففتقها الله فجعلها سبع سماوات وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين * ذكر من قال: ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } من الأرض ستّ أرضين معها فتلك سبع أرضين معها، ومن السماء ستّ سماوات معها، فتلك سبع سماوات معها، قال: ولم تكن الأرض والسماء متماسَّتين. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: فتقهنّ سبع سماوات، بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ تحت بعض. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا صالح عن قوله { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: كانت الأرض رتقا والسماوات رتقا، ففتق من السماء سبع سماوات، ومن الأرض سبع أرضين. حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: كانت سماء واحدة ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض، فذلك حين يقول خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يَقُولُ { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا). وقال آخرون: بل عنى بذلك أن السماوات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كذلك رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. * ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: كانتا رتقا لا يخرج منهما شيء، ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات. قال: وهو قوله وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ . حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات، وجعل من الماء كل شيء حيّ، أفلا يؤمنون؟ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: كانت السماوات رتقا لا ينـزل منها مطر، وكانت الأرض رتقا لا يخرج منها نبات، ففتقهما الله، فأنـزل مطر السماء، وشقّ الأرض فأخرج نباتها، وقرأ ( فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ). وقال آخرون: إنما قيل { فَفَتَقْنَاهُما) لأن الليل كان قبل النهار، ففتق النهار. * ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خلق الليل قبل النهار، ثم قال: كانتا رتقا ففتقناهما. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه. فإن قال قائل: فإن كان ذلك كذلك، فكيف قيل: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا، والغيث إنما ينـزل من السماء الدنيا؟ قيل: إن ذلك مختلف فيه، قد قال قوم: إنما ينـزل من السماء السابعة، وقال آخرون: من السماء الرابعة، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينـزل من السماء الدنيا، لم يكن في قوله { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } دليل على خلاف ما قلنا، لأنه لا يمتنع أن يقال السماوات، والمراد منها واحدة فتجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص أسمال. فإن قال قائل: وكيف قيل إن السماوات والأرض كانتا، فالسماوات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال في قليلة كنّ، وفي كثيره كانت؟ قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنهما صنفان، فالسماوات نوع، والأرض آخر، وذلك نظير قول الأسود بن يعفر: إنَّ المَنِيَّـــةَ والحُــتُوفَ كِلاهُمــا تُــوفِي المَخـارِمَ يَرْقُبـانِ سَـوَادِي (1) فقال كلاهما ، وقد ذكر المنية والحتوف لما وصفت من أنه عنى النوعين، وقد أخبرت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: أنشدني غالب النفيلي للقطامي: ألـــمْ يَحْــزُنْكَ أنَّ حِبــالَ قَيْسٍ وَتَغْلِــبَ قَــدْ تَبايَنَتــا انْقِطاعَــا (2) فجعل حبال قيس وهي جمع، وحبال تغلب وهي جمع اثنين. وقوله { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } يقول تعالى ذكره: وأحيينا بالماء الذي ننـزله من السماء كلّ شيء. كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } قال: كلّ شيء حيّ خُلق من الماء. فإن قال قائل: وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علمت أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار، وغير ذلك مما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت؟ قيل: لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهنّ وأن في ذوات الأرواح أرواحا، فلذلك قيل { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }. وقوله { أَفَلا يُؤْمِنُونَ } يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهية من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة. ------------------------ الهوامش :(1) البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي { المفضليات 101 ) والمنية : الموت ، والحتوف جمع حتف ، يريد به أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت والمخارم جمع مخرم : الطريق في الغلظ { عن السكري } . وقيل : الطرق في الجبال وأفواه الفجاج ، وسواد الإنسان شخصه . والشاهد في البيت أن الشاعر ذكر المنية والحتوف ثم قال يرقبان بالتثنية ، لأنه جعل المنية والحتوف نوعين للهلاك ، ثم قال : يرقبان . ولو جرى على ما يقتضيه اللفظ لقال : ترقب سوادي ، لأن المنية والحتوف عدة أشياء .(2) البيت للقطامي ، وهو الرابع من عينيته المشهورة التي مطلعها " قفي قبل التفرق يا ضباعا " { انظر ديوانه ، طبعة ليدن سنة 1902 ، ص 27 ) . قال : تباينت تفرقت . والحبال : العلائق والعهود . والشاهد في البيت أن الشاعر قال : تباينتا بلفظ التثنية ، مع أن حبال قيس جمع ، وحبال تغلب جمع ، فكان ظاهر اللفظ يقتضي أن يقول : { تباينت انقطاعا } مراعاة لمعنى الجمعية في حبال قيس وتغلب .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
الأية
31
 
يقول تعالى ذكره: أو لم ير هؤلاء الكفار أيضا من حججنا عليهم وعلى جميع خلقنا، أنا جعلنا في الأرض جبالا راسية؟ والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ } أي جبالا. وقوله { أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ } يقول: أن لا تتكفأ بهم، يقول جلّ ثناؤه: فجعلنا في هذه الأرض هذه الرواسي من الجبال، فثبتناها لئلا تتكفأ بالناس، وليقدروا بالثبات على ظهرها. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقرّ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتادا للأرض، وجعلنا فيها فجاجا سبلا يعني مسالك، واحدها فجّ. كما حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا } أي أعلاما. وقوله { سُبُلا) أي طرقا، وهي جمع السبيل. وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقول: إنما عنى بقوله { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا } وجعلنا في الرواسي، فالهاء والألف في قوله { وَجَعَلْنَا فِيهَا } من ذكر الرواسي. حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، قوله ( وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا } سبلا قال: بين الجبال. وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها داخل في ذلك السهل والجبل؛ وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلا ولا دلالة تدلّ على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلا دون بعض، فالعموم بها أولى. وقوله { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يقول تعالى ذكره: جعلنا هذه الفجاج في الأرض ليهتدوا إلى السير فيها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ
الأية
32
 
يقول تعالى ذكره: { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا } للأرض مسموكا ، وقوله: { مَحْفُوظا) يقول: حفظناها من كلّ شيطان رجيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { سَقْفًا مَحْفُوظًا } قال: مرفوعا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا }... الآية: سقفا مرفوعا، وموجا مكفوفا. وقوله: { وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } يقول: وهؤلاء المشركون عن آيات السماء. ويعني بآياتها: شمسها وقمرها ونجومها.{ معرضون) يقول: يعرضون عن التفكر فيها ، وتدبر ما فيها من حجج الله عليهم ، ودلالتها على وحدانية خالقها، وأنه لا ينبغي أن تكون العبادة إلا لمن دبرها وسوّاها، ولا تصلح إلا له. وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } قال: الشمس والقمر والنجوم آيات السماء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
الأية
33
 
وقوله: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يقول تعالى ذكره: والله الذي خلق لكم أيها الناس الليل والنهار، نعمة منه عليكم وحجة، ودلالة عظيم سلطانه، وأن الألوهة له دون كلّ ما سواه فهما يختلفان عليكم لصلاح معايشكم وأمور دنياكم وآخرتكم، وخلق الشمس والقمر أيضا، { كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يقول: كلّ ذلك في فلك يسبحون. واختلف أهل التأويل في معنى الفلك الذي ذكره الله في هذه الآية، فقال بعضهم: هو كهيئة حديدة الرحى. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال: فلك كهيئة حديدة الرحى. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: { كُلّ فِي فَلَكٍ) قال: فلك كهيئة حديدة الرحى. حدثنا ابن حميد، قال: ثني جرير، عن قابوس بن أبي ظَبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال: فلك السماء. وقال آخرون: بل الفلك الذي ذكره الله في هذا الموضع سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وغيرها. * ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الفلك: الجري والسرعة. وقال آخرون: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقال آخرون: بل هو القطب الذي تدور به النجوم، واستشهد قائل هذا القول لقوله هذا بقول الراجز: بــاتَتْ تُنــاجِي الفَلَــكَ الـدَّوَّارَا حــتى الصَّبــاحِ تعمَـل الأقْتـارَا (3) ‌وقال آخرون في ذلك، ما حدثنا به بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) : أي في فلك السماء. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال: يجري في فلك السماء كما رأيت. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال: الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر، وقرأ: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وقال: تلك البروج بين السماء والأرض وليست في الأرض { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال: فيما بين السماء والأرض: النجوم والشمس والقمر. وذُكر عن الحسن أنه كان يقول: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. والصواب من القول في ذلك أن يقال: كما قال الله عزّ وجل: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحديدة الرحى، وكما ذُكر عن الحسن كطاحونة الرحى، وجائز أن يكون موجا مكفوفا، وأن يكون قطب السماء، وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر، فجمعه أفلاك، وقد ذكرت قول الراجز: باتَّتْ تُناجِي الفُلْكَ الدَّوَّارَا وإذ كان كل ما دار في كلامها، ولم يكن في كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عمن يقطع بقوله العذر، دليل يدل على أيّ ذلك هو من أيّ كان الواجب أن نقول فيه ما قال، ونسكت عما لا علم لنا به. فإذا كان الصواب في ذلك من القول عندنا ما ذكرنا، فتأويل الكلام: والشمس والقمر، كلّ ذلك في دائر يسبحون. وأما قوله: { يُسَبِّحُونَ) فإن معناه: يَجْرُون. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال: يجرون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يَسْبَحُونَ) قال: يجرون. وقيل: { كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فأخرج الخبر عن الشمس والقمر مخرج الخبر عن بني آدم بالواو والنون، ولم يقل: يسبحن أو تسبح، كما قيل: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ لأن السجود من أفعال بني آدم، فلما وصفت الشمس والقمر بمثل أفعالهم، أجرى الخبر عنهما مجرى الخبر عنهم. ------------------------ الهوامش : (3) البيت شاهد على أن الفلك هو القطب الذي تدور به النجوم . وقال في { اللسان : فلك } : الفلك : مدار النجوم ، والجمع : أفلاك . وفي حديث ابن مسعود : أن رجلا أتى رجلا وهو جالس عنده فقال : "  إني تركت فرسك كأنه يدور في فلك " . قال أبو عبيدة : قوله " في فلك " : فيه قولان : فأما الذي تعرفه العامة ، فإنه شبه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم ، وهو الذي يقال له القطب ، شبه بقطب الرحى . قال : وقال بعض العرب : الفلك هو الموج إذا ماج في البحر فاضطرب ، وجاء وذهب ، فشبه الفرس في اضطرابه بذلك .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ
الأية
34
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما خلدنا أحدا من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها، ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك رسلنا{ أفإن مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ } يقول: فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك، لا ما ذلك كذلك، بل هم ميتون بكلّ حال عشت أو متّ، فأدخلت الفاء في إن وهي جزاء، وفي جوابه، لأن الجزاء متصل بكلام قبله، ودخلت أيضا في قوله فهم لأنه جواب للجزاء، ولو لم يكن في قوله فهم الفاء جاز على وجهين: أحدهما: أن تكون محذوفة، وهي مرادة، والآخر أن يكون مرادا تقديمها إلى الجزاء فكأنه قال: أفهم الخالدون إن متّ.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
الأية
35
 
وقوله { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت ومتجرّعة كأسها. وقوله { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } يقول تعالى ذكره: ونختبركم أيها الناس بالشر وهو الشدة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة العافية فنفتنكم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين: قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، قوله { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } قال: بالرخاء والشدة، وكلاهما بلاء. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } يقول: نبلوكم بالشر بلاء، والخير فتنة، { وإلينا ترجعون). حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } قال: نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون. حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ } يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ
الأية
36
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَإِذَا رَآكَ } يا محمد ( الَّذِينَ كَفَرُوا } بالله، { إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا } يقول: ما يتخذونك إلا سخريا يقول بعضهم لبعض { أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } يعني بقوله: يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، تعجبا منهم من ذلك، يقول الله تعالى ذكره: فيعجبون من ذكرك يا محمد آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بسوء { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ } الذي خلقهم وأنعم عليهم، ومنه نفعهم، وبيده ضرّهم، وإليه مرجعهم بما هو أهله منهم؛ أن يذكروه به { كافرون } والعرب تضع الذكر موضع المدح والذمّ، فيقولون: سمعنا فلانا يذكر فلانا، وهم يريدون سمعناه يذكره بقبيح ويعيبه؛ ومن ذلك قول عنترة: لا تَذْكُــرِي مُهْـرِي ومَـا أطْعَمْتُـهُ فَيكُـونَ جِـلْدُكِ مِثـلَ جِـلْدِ الأجْرَبِ (1) يعني بذلك: لا تعيبي مهري. وسمعناه يُذكر بخير. -------------------------------الهوامش :(1) البيت لعنترة بن عمرو بن شداد العبسي { مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة الحلبي ، ص 396 ) يقول : لا تلوميني بذكر مهري وطعامه ، وإلا نفرت منك كما ينفر الصحيح من الأجرب . يعني لا تعيبي مهري ولا تلوميني من أجل اهتمامي به ، فهو وسيلتي للدفاع عنك وعن قومي .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ
الأية
37
 
يقول تعالى ذكره { خُلِقَ الإنْسَانَ } يعني آدم { مِنْ عَجَلٍ }. واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: من عجل في بنيته وخلقته، كان من العجلة، وعلى العجلة. * ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد في قوله { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } قال: لما نفخ فيه الروح في ركبتيه ذهب لينهض، فقال الله: { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ }. حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما نفخ فيه يعني في آدم الروح، فدخل في رأسه عطس، فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة؛ فذلك حين يقول ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } يقول: خلق الإنسان عجولا. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } قال: خلق عجولا. وقال آخرون: معناه: خلق الإنسان من عجل: أي من تعجيل في خلق الله إياه ومن سرعة فيه وعلى عجل، وقالوا: خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس على عجل في خلقه إياه قبل مغيبها. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } قال: قول آدم حين خُلق بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق: فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم تبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب بالشمس. (2) حدثني الحارث، قال ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } قال آدم حين خُلق بعد كلّ شيء ثم ذكر نحوه، غير أنه قال في حديثه: استعجلْ بخلقي فقد غربت الشمس. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } قال: على عجل آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين، يريد يوم الجمعة، وخلقه على عجل، وجعله عجولا. وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة ممن قال نحو هذه المقالة: إنما قال: { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } وهو يعني أنه خلقه من تعجيل من الأمر، لأنه قال إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قال: فهذا العجل. وقوله { فَلا تَسْتَعْجِلُونِ } إِنِّي { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي } وعلى قول صاحب هذه المقالة، يجب أن يكون كل خلق الله خُلق على عجل، لأن كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان. فإذا كان ذلك كذلك، فما وجه خصوص الإنسان إذا بذكر أنه خُلق من عجل دون الأشياء كلها، وكلها مخلوق من عجل، وفي خصوص الله تعالى ذكره الإنسان بذلك الدليل الواضح، على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة. وقال آخرون منهم: هذا من المقلوب، وإنما خُلق العجل من الإنسان، وخُلقت العجلة من الإنسان. وقالوا: ذلك مثل قوله مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ وإنما هو لتنوء العصبة بها متثاقلة، وقالوا: هذا وما أشبهه في كلام العرب كثير مشهور، قالوا: وإنما كلم القوم بما يعقلون، قالوا: وذلك مثل قولهم: عَرضتُ الناقة، وكقولهم: إذا طلعت الشعرى واستوت العود على الحِرْباء: أي استوت الحرباء على العود، كقول الشاعر: وَتَــرْكَبُ خَــيْلا لا هَـوَادَةَ بَيْنَهـا وَتَشْـقَى الرّمـاحُ بالضيـاطِرَة الحُمْرِ (3) وكقول ابن مقبل: حَسَـرْتُ كَـفِّي عَـنِ السِّـربالِ آخُذُهُ فَــرْدًا يُجَـرُّ عَـلى أيْـدِي المُفَدّينـا (4) يريد: حسرت السربال عن كفي، ونحو ذلك من المقلوب، وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول، الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره. قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا الذي ذكرناه عمن قال معناه: خُلق الإنسان من عجل في خلقه: أيْ على عجل وسرعة في ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه بُودر بخلقه مغيب الشمس في آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، وفي ذلك الوقت نفخ فيه الروح. وإنما قلنا أولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، لدلالة قوله تعالى { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ } علي ذلك. وأن أبا كريب، حدثنا قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ فِي الجُمُعَةِ لَساعَةٌ يَقَلِّلُها (5) ، قال لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسأْلُ اللهَ فِيها خَيْرًا إلا أتاهُ اللهُ إيَّاهُ فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أيّ ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، قال الله { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ }. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي وعبدة بن سليمان وأسير بن عمرو، عن محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبى هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، وذكر كلام عبد الله بن سلام بنحوه. فتأويل الكلام إذا كان الصواب في تأويل ذلك ما قلنا بما به استشهدنا{ خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } ولذلك يستعجل ربه بالعذاب { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ } أيها المستعجلون ربهم بالآيات القائلون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون آياتي، كما أريتها من قبلكم من الأمم التي أهلكناها بتكذيبها الرسل، إذا أتتها الآيات فلا تستعجلون، يقول: فلا تستعجلوا ربكم، فإنا سنأتيكم بها ونريكموها. واختلفت القرّاء في قراءة قوله { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } بضمّ الخاء على مذهب ما لم يسمّ فاعله. وقرأه حُميد الأعرج { خَلَقَ } بفتحها، بمعنى: خلق الله الإنسان، والقراءة التي عليها قرّاء الأمصار، هي القراءة التي لا أستجيز خلافها. ------------------------الهوامش :(2) هذا السند تكرار للذي قبله من غير فرق .(3) البيت لخداش بن زهير { اللسان : ضطر } . الجوهري : الضيطر : الرجل الضخم الذي لا غناء عنده ؛ وكذلك الضواطر والضوطري . وفي حديث علي : من يعذرني من هؤلاء الضياطرة : هم الضخام الذين لا غناء عندهم ، الواحد ضيطار . وقول خداش : " وتركب خيلا . . . البيت " : قال ابن سيده : يجوز أن يكون عني أن الرماح تشفى بهم ، أي أنهم لا يحسنون حملها ، ولا الطعن بها ، ويجوز أن يكون على " القلب " أي تشقى الضياطرة الحمر بالرماح ؛ يعني أنهم يقتلون بها . والهوادة : المصالحة والموادعة . والبيت شاهد على القلب .(4) البيت لتميم بن أبي مقبل ، كما قال المؤلف . وحسرت كفي عن السربال : يريد حسرت السربال عنها . والسربال : القميص والدرع . والمفدون : الذي يقولون لي فديناك من المكاره ، تعظيما لي وإكبارا لبلائي في الحرب ؛ وهو كالشاهد قبله على أن الكلام فيه مقلوب ، لأنه يريد حسرت السربال عن كفي ، لشجاعتي .(5) في ابن كثير ، رواية ابن أبي حاتم : " وقبض أصابعه يقللها " .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الأية
38
 
وقوله { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المستعجلون ربهم بالآيات والعذاب لمحمد صلى الله عليه وسلم: متى هذا الوعد: يقول: متى يجيئنا هذا الذي تعدنا من العذاب إن كنتم صادقين فيما تعدوننا به من ذلك. وقيل { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } كأنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به، و متى في موضع نصب، لأن معناه: أي وقت هذا الوعد وأيّ يوم هو فهو نصب على الظرف لأنه وقت.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
الأية
39
 
يقول تعالى ذكره: لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون عذاب ربهم ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار، وهم فيها كالحون، فلا يكفون عن وجوههم النار التي تلفحها، ولا عن ظهورهم فيدفعونها عنها بأنفسهم { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ }. يقول: ولا لهم ناصر ينصرهم، فيستنقذهم حينئذ من عذاب الله لما أقاموا على ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، ولسارعوا إلى التوبة منه والإيمان بالله، ولما استعجلوا لأنفسهم البلاء.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ
الأية
40
 
يقول تعالى ذكره: لا تأتي هذه النار التي تلفح وجوه هؤلاء الكفار الذين وصف أمرهم في هذه السورة حين تأتيهم عن علم منهم بوقتها، ولكنها تأتيهم مفاجأة لا يشعرون بمجيئها فتبهتهم : يقول: فتغشاهم فجأة، وتلفح وجوههم معاينة كالرجل يبهت الرجل في وجهه بالشيء، حتى يبقى المبهوت كالحيران منه { فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } يقول: فلا يطيقون حين تبغتهم فتبهتهم دفعها عن أنفسهم { وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } يقول: ولا هم وإن لم يطيقوا دفعها عن أنفسهم يؤخرون بالعذاب بها لتوبة يحدثونها، وإنابة ينيبون، لأنها ليست حين عمل وساعة توبة وإنابة، بل هي ساعة مجازاة وإثابة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
الأية
41
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن يتخذك يا محمد هؤلاء القائلون لك: هل هذا إلا بشر مثلكم، أفتأتون السحر وأنتم تبصرون، إذ رأوك هُزُوا ويقولون: هذا الذي يذكر آلهتكم كفرا منهم بالله، واجتراء عليه، فلقد استهزئ برسل من رسلنا الذين أرسلناهم من قبلك إلى أممهم، يقول: فوجب ونـزل بالذين استهزءوا بهم، وسخروا منهم من أممهم ما كانوا به يستهزئون : يقول جلّ ثناؤه: حلّ بهم الذي كانوا به يستهزءون من البلاء والعذاب الذي كانت رسلهم تخوّفهم نـزوله بهم، يستهزءون: يقول جلّ ثناؤه، فلن يعدو هؤلاء المستهزءون بك من هؤلاء الكفرة أن يكونوا كأسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها، فينـزل بهم من عذاب الله وسخطه باستهزائهم بك نظير الذي نـزل بهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
الأية
42
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد بهؤلاء المستعجليك بالعذاب، القائلين: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين من يكلؤكم أيها القوم: يقول: من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرّفتم من الرحمن؟ يقول: من أمر الرحمن إن نـزل بكم، ومن عذابه إن حلّ بكم، وترك ذكر الأمر، وقيل من الرحمن اجتزاء بمعرفة السامعين لمعناه من ذكره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ) قال: يحرسكم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ } قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن، يقال منه: كلأت القوم: إذا حرستهم، أكلؤهم، كما قال ابن هَرْمة: إنَّ سُـــلَيْمَى { واللــهُ يَكْلَؤُهــا) ضَنَّـتْ بِشَـيْءٍ مـا كـانَ يَرْزَؤُهـا (6) قوله { بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ } وقوله بل: تحقيق لجحد قد عرفه المخاطبون بهذا الكلام، وإن لم يكن مذكورا في هذا الموضع ظاهرا. ومعنى الكلام: وما لهم أن لا يعلموا أنه لا كالئ لهم من أمر الله إذا هو حلّ بهم ليلا أو نهارا، بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه التي احتجّ بها عليهم معرضون لا يتدبرون ذلك فلا يعتبرون به، جهلا منهم وسفها. ---------------------------الهوامش :(6) البيت لإبراهيم بن هرمة ، كما قال المؤلف . وقد جاء في { اللسان : كلأ } غير منسوب . وفيه " بزاد " في موضع " بشيء " . قال : يقال : كلأك الله كلاءة { بالكسر } حفظك الله وحرسك . وأنشد " إن سليمي ... البيت " وجملة { والله يكلؤها } اعتراضية للدعاء . ويرزؤها : ينقص منها ويضيرها . يريد : ضنت بشيء هين عليها لو بذلته لنا واستشهد المؤلف به على أن معنى يكلأ يحفظ ، كما قال أهل اللغة .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
الأية
43
 
يقول تعالى ذكره: الهؤلاء المستعجلي ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم، إن نحن أحللنا بهم عذابنا، وأنـزلنا بهم بأسنا من دوننا؟ ومعناه: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم منا، ثم وصف جلّ ثناؤه الآلهة بالضعف والمهانة، وما هي به من صفتها، فقال وكيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم منا وهي لا تستطيع نصر أنفسها، وقوله: ( وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } اختلف أهل التأويل في المعني بذلك، وفي معنى يُصْحبون، فقال بعضهم: عنى بذلك الآلهة، وأنها لا تصحب من الله بخير. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ } يعني الآلهة { وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } يقول: لا يصحبون من الله بخير. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا هم منا ينصرون. * ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا أبو ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } قال: لا ينصرون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } إلى قوله: { يُصْحَبُونَ) قال: ينصرون، قال: قال مجاهد: ولا هم يُحْفظون. حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } يُجَارُون (7) . * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } يقول: ولا هم منا يجارون، وهو قوله وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ يعني الصاحب، وهو الإنسان يكون له خفير مما يخاف، فهو قوله يصحبون. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس، وأن { هُمْ) من قوله { ولا هُمْ) من ذكر الكفار، وأن قوله { يُصْحَبُونَ) بمعنى: يجارون يصحبون بالجوار؛ لأن العرب محكي عنها أنا لك جار من فلان وصاحب، بمعنى: أجيرك وأمنعك، وهم إذا لم يصحبوا بالجوار، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله مع سخط الله عليهم، فلم يصحبوا بخير ولم ينصروا. ---------------------------الهوامش :(7) لم يقدم قبل هذا القول الأخير خلاصته ، كعادته التي سار عليها ، قبل ذكر القائلين له . كان يقول : وقال بعضهم : بل معناه يجأرون .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ
الأية
44
 
يقول تعالى ذكره: ما لهؤلاء المشركين من آلهة تمنعهم من دوننا، ولا جار يجيرهم من عذابنا، إذا نحن أردنا عذابهم، فاتكلوا على ذلك، وعصوا رسلنا اتكالا منهم على ذلك، ولكنا متعناهم بهذه الحياة الدنيا وآباءهم من قبلهم حتى طال عليهم العمر، وهم على كفرهم مقيمون، لا تأتيهم منا واعظة من عذاب، ولا زاجرة من عقاب على كفرهم وخلافهم أمرنا، وعبادتهم الأوثان والأصنام، فنسوا عهدنا وجهلوا موقع نعمتنا عليهم، ولم يعرفوا موضع الشكر، وقوله { أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } يقول تعالى ذكره: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله السائلو محمد صلى الله عليه وسلم الآيات المستعجلو بالعذاب، أنا نأتي الأرض نخرّبها من نواحيها بقهرنا أهلها، وغلبتناهم، وإجلاؤهم عنها، وقتلهم بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به، ويحذروا منا أن ننـزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنـزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف، وقد تقدم ذكر القائلين بقولنا هذا ومخالفيه بالروايات عنهم في سورة الرعد، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله { أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ } يقول تبارك وتعالى: أفهؤلاء المشركون المستعجلو محمدا بالعذاب الغالبونا، وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرضين، ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالبون، وإنما هذا تقريع من الله تعالى لهؤلاء المشركين به بجهلهم، يقول: أفيظنون أنهم يغلبون محمدا ويقهرونه، وقد قهر من ناوأه من أهل أطراف الأرض غيرهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ } يقول: ليسوا بغالبين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ
الأية
45
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين فليأتنا بآية كما أرسل الأولون: إنما أنذركم أيها القوم بتنـزيل الله الذي يوحيه إلى من عنده، وأخوّفكم به بأسه. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ } أي بهذا القرآن. وقوله ( وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { ولا يسمع بفتح الياء من { يَسْمَعُ) بمعنى أنه فعل للصمّ، والصمّ حينئذ من فرعون ، ورُوي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ { ولا تُسْمعُ } بالتاء وضمها، فالصمّ على هذه القراءة مرفوعة، لأن قوله { ولا تُسْمِعُ } لم يسمّ فاعله، ومعناه على هذه القراءة: ولا يسمع الله الصمّ الدعاء. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه، ومعنى ذلك: ولا يصغي الكافر بالله بسمع قلبه إلى تذكر ما في وحي الله من المواعظ والذكر، فيتذكر به ويعتبر، فينـزجر عما هو عليه مقيم من ضلاله إذا تُلي عليه وأُريد به، ولكنه يعرض عن الاعتبار به والتفكر فيه، فعل الأصمّ الذي لا يسمع ما يقال له فيعمل به. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ } يقول: إن الكافر قد صمّ عن كتاب الله لا يسمعه، ولا ينتفع به ولا يعقله، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
الأية
46
 
يقول تعالى ذكره: ولئن مست هؤلاء المستعجلين بالعذاب يا محمد نفحة من عذاب ربك، يعني بالنفحة النصيب والحظّ، من قولهم: نفح فلان لفلان من عطائه: إذا أعطاه قسما أو نصيبا من المال. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ }. .. الآية، يقول: لئن أصابتهم عقوبة. وقوله { لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } يقول: لئن أصابتهم هذه النفحة من عقوبة ربك يا محمد بتكذيبهم بك وكفرهم، ليعلمن حينئذ غبّ تكذيبهم بك، وليعترفن على أنفسهم بنعمة الله وإحسانه إليهم وكفرانهم أياديه عندهم، وليقولن يا ويلنا إنا كان ظالمين في عبادتنا الآلهة والأنداد، وتركنا عبادة الله الذي خلقنا وأنعم علينا، ووضعنا العبادة غير موضعها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ
الأية
47
 
يقول تعالى ذكره { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ } العدل وهو { القِسْطَ) وجعل القسط وهو موحد من نعت الموازين، وهو جمع لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر. وقوله { لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } يقول: لأهل يوم القيامة، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه، وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى " في" كأن معناه عنده: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة، وقوله { فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } يقول: فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله، وطاعة أطاعه بها، ولكن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ }... إلى آخر الآية، وهو كقوله وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ يعني بالوزن: القسط بينهم بالحقّ في الأعمال الحسنات والسيئات، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه، يقول: أذهبت حسناته سيئاته، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفَّت موازينه وأمه هاوية، يقول: أذهبت سيئاته حسناته. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } قال: إنما هو مثل، كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحقّ، قال الثوري: قال ليث عن مجاهد { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ } قال: العدل. وقوله { وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } يقول: وإن كان الذي من عمل الحسنات، أو عليه من السيئات وزن حبة من خردل أتينا بها: يقول: جئنا بها فأحضرناها إياه. كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قوله ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } قال: كتبناها وأحصيناها له وعليه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } قال: يؤتي بها لك وعليك، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ، ويجزي بما عمل له من طاعة ، وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله { وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } قال: جازينا بها. حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد أنه كان يقول { وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } قال: جازينا بها ، وقال أتينا بها، فأخرج قوله بها مخرج كناية المؤنث، وإن كان الذي تقدم ذلك قوله مثقال حبة، لأنه عني بقوله بها الحبة دون المثقال، ولو عني به المثقال لقيل به، وقد ذكر أن مجاهدا إنما تأوّل قوله { أَتَيْنَا بِهَا } على ما ذكرنا عنه، لأنه كان يقرأ ذلك { آتَيْنا بها) بمدّ الألف. وقوله: { وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } يقول: وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين، لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدنا من صالح أو سيئ منا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ
الأية
48
 
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى بن عمران وأخاه هارون الفرقان، يعني به الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، وذلك هو التوراة في قول بعضهم. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { الفُرْقان) قال: الكتاب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ } الفرقان: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله به بين الحق والباطل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ } قال: الفرقان: الحق آتاه الله موسى وهارون، فرق بينهما وبين فرعون، قضى بينهم بالحق، وقرأ وَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ قال : يوم بدر. قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنـزيل، وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة كما قال من قال ذلك، لكان التنـزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء، لأن الضياء الذي آتى الله موسى وهارون هو التوراة التي أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم فبصرّهم الحلال والحرام، ولم يقصد بذلك في هذا الموضع ضياء الإبصار، وفي دخول الواو في ذلك دليل على أن الفرقان غير التوراة التي هي ضياء. فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون الضياء من نعت الفرقان، وإن كانت فيه واو فيكون معناه: وضياء آتيناه ذلك، كما قال بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا ؟ قيل له: إن ذلك وإن كان الكلام يحتمله، فإن الأغلب من معانيه ما قلنا، والواجب أن يوجه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر من وجوهها المعروفة عند العرب ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له من حجة خبر أو عقل. وقوله { وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } يقول: وتذكيرا لمن اتقى الله بطاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ذكرّهم بما آتى موسى وهارون من التوراة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
الأية
49
 
يقول تعالى ذكره: آتينا موسى وهارون الفرقان: الذكر الذي آتيناهما للمتقين الذين يخافون ربهم بالغيب، يعني في الدنيا أن يعاقبهم في الآخرة إذا قدموا عليه بتضييعهم ما ألزمهم من فرائضه فهم من خشيته، يحافظون على حدوده وفرائضه، وهم من الساعة التي تقوم فيها القيامة مشفقون، حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم قد فرّطوا في الواجب عليهم لله، فيعاقبهم من العقوبة بما لا قِبَل لهم به.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
الأية
50
 
يقول جلّ ثناؤه: وهذا القرآن الذي أنـزلناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ذكر لمن تذكر به، وموعظة لمن اتعظ به { مُبَارَكٌ أَنـزلْنَاهُ } كما أنـزلنا التوراة إلى موسى وهارون ذكرا للمتقين { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } يقول تعالى ذكره: أفأنتم أيها القوم لهذا الكتاب الذي أنـزلناه إلى محمد منكرون وتقولون هو أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ وإنما الذي آتيناه من ذلك ذكر للمتقين، كالذي آتينا موسى وهارون ذكرا للمتقين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ }... إلى قوله { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } أي هذا القرآن.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ
الأية
51
 
يقول تعالى ذكره { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ } موسى وهارون، ووفَقناه للحقّ، وأنقذناه من بين قومه وأهل بيته من عبادة الأوثان، كما فعلنا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى إبراهيم، فأنقذناه من قومه وعشيرته من عبادة الأوثان، وهديناه إلى سبيل الرشاد توفيقا منا له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ } قال: هديناه صغيرا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ } قال: هداه صغيرا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ } قال: هداه صغيرا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ } يقول: آتينا هداه. وقوله { وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } يقول: وكنا عالمين به أنه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، لا يشرك به شيئا .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ
الأية
52
 
{ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ } يعني في وقت قيله وحين قيله لهم { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } يقول: قال لهم: أيّ شيء هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون، وكانت تلك التماثيل أصنامهم التي كانوا يعبدونها. كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } قال: الأصنام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقد بيَّنا فيما مضى من كتابنا هذا أن العاكف على الشيء المقيم عليه بشواهد ذلك، وذكرنا الرواية عن أهل التأويل.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ
الأية
53
 
يقول تعالى ذكره: قال أبو إبراهيم وقومه لإبراهيم: وجدنا آباءنا لهذه الأوثان عابدين، فنحن على ملة آبائنا نعبدها كما كانوا يعبدون ، { قال) إبراهيم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
الأية
54
 
{ لَقَدْ كُنْتُم) أيها القوم { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } بعبادتكم إياها{ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } يقول: في ذهاب عن سبيل الحقّ، وجور عن قصد السبيل مبين: يقول: بين لمن تأمله بعقل، إنكم كذلك في جور عن الحقّ.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ
الأية
55
 
{ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ }؟ يقول: قال أبوه وقومه له: أجئتنا بالحقّ فيما تقول { أَمْ أَنْتَ } هازل لاعب { مِنَ اللاعِبِينَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
الأية
56
 
يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لهم: بل جئتكم بالحق لا اللعب، ربكم ربّ السماوات والأرض الذي خلقهنّ، وأنا على ذلكم من أن ربكم هو ربّ السماوات والأرض الذي فطرهنّ، دون التماثيل التي أنتم لها عاكفون، ودون كلّ أحد سواه شاهد من الشاهدين، يقول: فإياه فاعبدوا لا هذه التماثيل التي هي خلقه التي لا تضرّ ولا تنفع.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ
الأية
57
 
ذكر أن إبراهيم صلوات الله عليه حلف بهذه اليمين في سرّ من قومه وخفاء، وأنه لم يسمع ذلك منه إلا الذي أفشاه عليه حين قالوا. من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، فقالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله { وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } قال: قول إبراهيم حين استتبعه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: إني سقيم، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر، وهو الذي يقول سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } قال: نرى أنه قال ذلك حيث لم يسمعوه بعد أن تولَّوا مدبرين.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
الأية
58
 
وقوله { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } (1) بمعنى جمع جذيذ، كأنهم أرادوا به جمع جذيذ وجذاذ، كما يجمع الخفيف خفاف، والكريم كرام. وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأه { جُذَاذا) بضمّ الجيم، لإجماع قرّاء الأمصار عليه، وأن ما أجمعت عليه فهو الصواب، وهو إذا قرئ كذلك مصدر مثل الرُّفات، والفُتات، والدُّقاق لا واحد له، وأما من كسر الجيم فإنه جمع للجذيذ، والجذيذ: هو فعيل صُرِف من مجذوذ إليه، مثل كسير وهشيم، والمجذوذة: المكسورة قِطَعا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } يقول: حُطاما. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { جُذَاذًا) كالصَّريم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } : أي قطعا. وكان سبب فعل إبراهيم صلوات الله عليه بآلهة قومه ذلك، كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط عن السديّ أن إبراهيم قال له أبوه: يا إبراهيم إن لنا عيدا لو قد خرجت معنا إليه قد أعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه، خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم، يقول: أشتكي رجلي فتواطئوا رجليه وهو صريع؛ فلما مضوا نادى في آخرهم، وقد بقي ضَعْفَى الناس { وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هنّ في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما، فوضعوه بين أيدي الآلهة، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا، وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فلما لم تجبه، قال مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فأخذ فأس حديد، فنقر كلّ صنم في حافتيه، ثم علَّق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما جاء القوم إلى طعامهم نظروا إلى آلهتهم قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . وقوله { إِلا كَبِيرًا لَهُمْ } يقول: إلا عظيما للآلهة، فإن إبراهيم لم يكسره، ولكنه فيما ذكر علق الفأس في عنقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج { إِلا كَبِيرًا لَهُمْ } قال: قال ابن عباس، إلا عظيما لهم عظيم آلهتهم، قال ابن جُرَيْج، وقال مجاهد: وجعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مُسْندة إلى صدر كبيرهم الذي تَرَك. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أقبل عليهنّ كما قال الله تبارك وتعالى ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ثم جعل يكسرهنّ بفأس في يده، حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهنّ، فلما رجع قومه، رأوا ما صنع بأصنامهم، فراعهم ذلك وأعظموه وقالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، وقوله { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } يقول: فعل ذلك إبراهيم بآلهتهم ليعتبروا ويعلموا أنها إذا لم تدفع عن نفسها ما فعل بها إبراهيم، فهي من أن تدفع عن غيرها من أرادها بسوء أبعد، فيرجعوا عما هم عليه مقيمون من عبادتها إلى ما هو عليه من دينه وتوحيد الله، والبراءة من الأوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } قال: كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون. ------------------------ الهوامش :(1) في العبارة هنا قصور ، ولعل بها سقطا ، وسيوضحها المؤلف في كلامه الآتي بعدها . والحاصل أن قراءة عامة القراء " جذاذا " بضم الجيم ، قيل هو مفرد كحطام ، وقيل من الجمع العزيز . وقرأ ابن وثاب وجماعة بالكسر ، وهو جذيذ ، ونظيره كريم وكرام .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ
الأية
59
 
يقول تعالى ذكره: قال قوم إبراهيم لما رأوا آلهتهم قد جذّت، إلا الذي ربط به الفأسَ إبراهيم: من فعل هذا بآلهتنا؟ إن الذي فعل هذا بآلهتنا لمن الظالمين! أي لمن الفاعلين بها ما لم يكن له فعله .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ
الأية
60
 
{ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } يقول: قال الذين سمعوه يقول وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ سمعنا فتى يذكرهم بعيب يقال له إبراهيم. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج { قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } قال ابن جُرَيج: يذكرهم يعيبهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
الأية
61
 
وقوله { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } يقول تعالى ذكره : قال قوم إبراهيم بعضهم لبعض: فأتوا بالذي فعل هذا بآلهتنا الذي سمعتموه يذكرها بعيب ويسبها ويذمها على أعين الناس؛ فقيل: معنى ذلك: على رءوس الناس. وقال بعضهم: معناه: بأعين الناس ومرأى منهم، وقالوا: إنما أريد بذلك أظهروا الذي فعل ذلك للناس كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وشهر: كان ذلك على أعين الناس، يراد به كان بأيدي الناس. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } فقال بعضهم : معناه : لعلّ الناس يشهدون عليه، أنه الذي فعل ذلك، فتكون شهادتهم عليه حجة لنا عليه، وقالوا إنما فعلوا ذلك لأنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. * ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ{ فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } عليه أنه فعل ذلك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } قال: كرهوا أن يأخذوه بغير بيِّنة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لعلهم يشهدون ما يعاقبونه به، فيعاينونه ويرونه. * ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: بلغ ما فعل إبراهيم بآلهة قومه نمرود، وأشراف قومه، فقالوا: { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } : أي ما يُصْنع به، وأظهر معنى ذلك أنهم قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عقوبتنا إياه، لأنه لو أريد بذلك ليشهدوا عليه بفعله كان يقال: انظروا من شهده يفعل ذلك، ولم يقل: أحضروه بمجمع من الناس.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ
الأية
62
 
يقول تعالى ذكره: فأتوا بإبراهيم، فلما أتوا به قالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم؟ فأجابهم إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق، أو تعبر عن نفسها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ
الأية
63
 
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما أُتِي به واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود { قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا )... الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها. وقد زعم بعض من لا يصدّق بالآثار، ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوامّ، أن معنى قوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } إنما هو: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الآلهة المكسورة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم، وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله، قوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } وقوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله لسارة: هي أختي ، وغير مستحيل أن يكون الله تعالى ذكْره أذن لخليله في ذلك، ليقرِّع قومه به، ويحتجّ به عليهم، ويعرّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذّن يوسف لإخوته أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ولم يكونوا سرقوا شيئا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
الأية
64
 
يقول تعالى ذكره: فذكروا حين قال لهم إبراهيم صلوات الله عليه بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ في أنفسهم، ورجعوا إلى عقولهم، ونظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنكم معشر القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقيلكم له من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرتكم فاسألوها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } قال: ارعوَوْا ورجعوا عنه يعني عن إبراهيم، فيما ادّعوا عليه من كسرهنّ إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ } قال: نظر بعضهم إلى بعض { فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ }. وقوله { ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } يقول جلّ ثناؤه: ثم غُلبوا في الحجة، فاحتجوا على إبراهيم بما هو حجة لإبراهيم عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم قالوا: يعني قوم إبراهيم، وعرفوا أنها، يعني آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطش: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ } : أي لا تتكلم فتخبرنا من صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدي فنصدّقك، يقول الله { ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ).

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ
الأية
65
 
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قال الله { ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } أدركت الناس حَيرة سَوْء. وقال آخرون: معنى ذلك: ثم نكسوا في الفتنة. * ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } قال: نكسوا في الفتنة على رءوسهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. وقال بعض أهل العربية: معنى ذلك: ثم رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. وإنما اخترنا القول الذي قلنا في معنى ذلك، لأن نَكَس الشيء على رأسه: قلبه على رأسه وتصيير أعلاه أسفله؛ ومعلوم أن القوم لم يقلبوا على رءوس أنفسهم، وأنهم إنما نُكست حجتهم، فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم، وإذ كان ذلك كذلك، فنَكْس الحجة لا شك إنما هو احتجاج المحتجّ على خصمه بما هو حجة لخصمه، وأما قول السديّ: ثم نكسوا في الفتنة، فإنهم لم يكونوا خرجوا من الفتنة قبل ذلك فنكسوا فيها.وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه، فقول بعيد من الفهوم، لأنهم لو كانوا رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم، ما احتجوا عليه بما هو حجة له، بل كانوا يقولون له: لا تسألهم، ولكن نسألك فأخبرنا من فعل ذلك بها، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك، ولكن صدقوا القول فقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } وليس ذلك رجوعا عما كانوا عرفوا، بل هو إقرار به.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ
الأية
66
 
يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لقومه: أفتعبدون أيها القوم ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، وأنتم قد علمتم أنها لم تمنع نفسها ممن أرادها بسوء، ولا هي تقدر أن تنطق إن سئلت عمن يأتيها بسوء فتخبر به، أفلا تستحيون من عبادة ما كان هكذا. كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ }... الآية، يقول يرحمه الله: ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضرّ الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صنع ذلك بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرّون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
67
 
وقوله { أُفٍّ لَكُمْ } يقول: قُبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضرّ ولا ينفع، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي بيده النفع والضرّ.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ
الأية
68
 
يقول تعالى ذكره: قال بعض قوم إبراهيم لبعض: حرّقوا إبراهيم بالنار { وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } يقول: إن كنتم ناصريها، ولم تريدوا ترك عبادتها. وقيل: إن الذي قال ذلك رجل من أكراد فارس. * ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: { حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ } قال: قالها رجل من أعراب فارس، يعني الأكراد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبئي، قال: إن الذي قال حرّقوه " هيزن " فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقالوا{ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } أي لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قال: قلت لا قال: رجل من أعراب فارس. قلت: يا أبا عبد الرحمن، أو هل للفرس أعراب؟ قال: نعم الكرد هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ
الأية
69
 
وقوله { قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) في الكلام متروك اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه منه، وهو: فأوقدوا له نارا ليحرقوه ثم ألقوه فيها، فقلنا للنار: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، وذُكر أنهم لما أرادوا إحراقه بنوا له بنيانا، كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبا، حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبا لإبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب (2) حتى إن الطير لتمرّ بها فتحترق من شدة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا، إبراهيم يحرق فيك، فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه، وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل، فقذفوه في النار، فناداها فقال { يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } فكان جبريل عليه السلام هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من شدّة بردها، فلم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، ظنت أنها هي تعنى، فلما طُفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو رجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظلّ، وأنـزل الله نارا فانتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه. حدثني إبراهيم بن المقدام أبو الأشعث، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، قال: ثنا قتاده، عن أبي سليمان، عن كعب، قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } قال: ذُكر لنا أن كعبا كان يقول: ما انتفع بها يومئذ أحد من الناس، وكان كعب يقول: ما أحرقت النار يومئذ إلا وثاقه. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن شيخ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } قال: بردت عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل: وسلاما، قال: لا تضرّيه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيل، عن المنهال بن عمرو، قال: قال إبراهيم خليل الله: ما كنت أياما قطّ أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لمَّا ألقي إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم في النار، قال الملك خازن المطر: رب خليلك إبراهيم، رجا أن يؤذن له فيرسل المطر، قال: فكان أمر الله أسرع من ذلك فقال { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } فلم يبق في الأرض نار إلا طُفئت. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه، فقال عند ذلك: نعم الربّ ربك يا إبراهيم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجَبَسِي، قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستّ عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيلياء على ميلين، ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بُطِنت يومين، وماتت اليوم الثالث، قال ابن جُرَيج: قال كعب الأحبار: ما أحرقت النار من إبراهيم شيئا غير وثاقه الذي أوثقوه به. حدثنا الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه قال: جاء جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام وهو يوثق أو يقمَّط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا. قال: ثنا معتمر، قال: ثنا ابن كعب، عن أرقم: أن إبراهيم قال حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } قال: السلام لا يؤذيه بردها، ولولا أنه قال: وسلاما لكان البرد أشدّ عليه من الحرّ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله { بَرْدًا) قال: بردت عليه { وَسَلاما) لا تؤذيه. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } قال: قال كعب: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئا إلا وثاق إبراهيم. وقال قتادة: لم تأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ. وقال الزهري: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، وسماه فُوَيسقا.------------------------ الهوامش : (2) سقطت من هذا الخبر عبارة ذكر نحوها الثعلبي المفسر في عرائس المجالس ، وهي : أشعلوا النار في كل ناحية بالحطب ، فاشتعلت النار ، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق . . . الخ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ
الأية
70
 
وقوله { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } يقول تعالى ذكره: وأرادوا بإبراهيم كيدا( فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ } يعني الهالكين. وقد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ } قال: ألقوا شيخا منهم في النار لأن يصيبوا نجاته، كما نجي إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فاحترق.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ
الأية
71
 
يقول تعالى ذكره: ونجينا إبراهيم ولوطا من أعدائهما نمرود وقومه من أرض العراق ( إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } وهي أرض الشأم، فارق صلوات الله عليه وقومه ودينهم وهاجر إلى الشأم. وهذه القصة التي قص، الله من نبأ إبراهيم وقومه تذكير منه بها قوم محمد صلى الله عليه وسلم من قريش أنهم قد سلكوا في عبادتهم الأوثان، وأذاهم محمدا على نهيه عن عبادتها، ودعائهم إلى عبادة الله مخلصين له الدين، مسلك أعداء أبيهم إبراهيم، ومخالفتهم دينه، وأن محمدا في براءته من عبادتها وإخلاصه العبادة لله، وفي دعائهم إلى البراءة من الأصنام، وفي الصبر على ما يلقى منهم في ذلك سالك منهاج أبيه إبراهيم، وأنه مخرجه من بين أظهرهم كما أخرج إبراهيم من بين أظهر قومه حين تمادوا في غيهم إلى مهاجره من أرض الشأم، ومسلٍّ بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يلقى من قومه من المكروه والأذى، ومعلمه أنه منجيه منهم كما نجى أباه إبراهيم من كفرة قومه. وقد اختلف أهل التأويل في الأرض التي ذكر الله أنه نجَّى إبراهيم ولوطا إليها، ووصفه أنه بارك فيها للعالمين، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك. * ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسين بن حريث المروزي أبو عمار، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } قال: الشأم، وما من ماء عذب إلا خرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن فرات القزاز، عن الحسن، في قوله { إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } قال: الشام. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشأم، وكان يقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشأم، وما نقص من الشأم زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينـزل عيسى ابن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال. وحدثنا أبو قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيْتُ فِيما يَرَى النَّائِمُ كأنَّ الملائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الكِتابِ فَوَضَعَتْه بالشَّأْمِ، فأوَّلْتُه أن الفِتَنَ إذَا وَقَعَتْ فإنَّ الإيمَانَ بالشَّأْمِ". وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبه: " إنَّهُ كائِنٌ بالشَّأْمِ جُنْدٌ، وبالعِراقِ جُنْدٌ، وباليَمَنِ جُنْدٌ، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم خر لي، فقال: عَلَيْكَ بالشَّأمِ فإنَّ اللهَ قَدْ تكَفَّلَ لي بالشَّأمِ وأهْلِهِ، فَمَنْ أبَى فَلْيَلْحَقْ بأمِنْهِ وَلْيَسْق بِقَدَرِهِ". وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا كعب ألا تحوّل إلى المدينة فإنها مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره، فقال له كعب: يا أمير المؤمنين، إني أجد في كتاب الله المنـزل، أن الشام كنـز الله من أرضه، وبها كنـزه من عباده. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) قال: هاجرا جميعا من كُوْثَى إلى الشام. حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقي إبراهيم سارة، وهي بنت ملك حَرّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوّجها على أن لا يغيرها (3) . حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجرا، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان على عبادة ربه، حتى نـزل حرّان، فمكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنـزل السبع من أرض فلسطين، وهي برّية الشام، ونـزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، أو أقرب من ذلك، فبعثه الله نبيا صلى الله عليه وسلم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } قال: نجاه من أرض العراق إلى أرض الشام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، أنه قال في هذه الآية { بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } قال: ليس ماء عذب إلا يهبط إلى الصخرة التي ببيت المقدس، قال: ثم يتفرّق في الأرض. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } قال: إلى الشأم. وقال آخرون: بل يعني مكة وهي الأرض التي قال الله تعالى { الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ }. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } يعني مكة ونـزول إسماعيل البيت. ألا ترى أنه يقول: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام، وبها كان مقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يقم بها، ولم يتخذها وطنا لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين. ------------------------ الهوامش : (3) في ابن كثير : على أن يفر بها .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ
الأية
72
 
يقول تعالى ذكره: ووهبنا لإبراهيم إسحاق ولدا ويعقوب ولد ولده، نافلة لك. واختلف أهل التأويل في المعني بقوله { نَافِلَةً) فقال بعضهم: عنى به يعقوب خاصة. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } يقول: ووهبنا له إسحاق ولدا، ويعقوب ابن ابن نافلة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } والنافلة: ابن ابنه يعقوب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } قال: سأل واحدا فقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فأعطاه واحدا، وزاده يعقوب، ويعقوب ولد ولده. وقال آخرون: بل عنى بذلك إسحاق ويعقوب، قالوا: وإنما معنى النافلة: العطية، وهما جميعا من عطاء الله أعطاهما إياه. * ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان. عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } قال: عطية. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله { إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } قال: عطاء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. قال أبو جعفر: وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن النافلة الفضل من الشيء يصير إلى الرجل من أيّ شيء كان ذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلا من الله تفضل به على إبراهيم، وهبة منه له، وجائز أن يكون عنى به أنه آتاهما إياه جميعا نافلة منه له، وأن يكون عنى أنه آتاه نافلة يعقوب، ولا برهان يدلّ على أيّ ذلك المراد من الكلام، فلا شيء أولى أن يقال في ذلك مما قال الله ووهب الله له لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة. وقوله ( وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ } يعني عاملين بطاعة الله، مجتنبين محارمه، وعنى بقوله: { كُلا) إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ
الأية
73
 
وقوله: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } يقول تعالى ذكره: وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يؤتمّ بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره ونهيه، ويقتدى بهم، ويُتَّبَعون عليه. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } جعلهم الله أئمة يُقتدى بهم في أمر الله وقوله { يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } يقول: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته، وقوله { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ } يقول تعالى ذكره: وأوحينا فيما أوحينا أن افعلوا الخيرات، وأقيموا الصلاة بأمرنا بذلك { وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } يقول: كانوا لنا خاشعين، لا يستكبرون عن طاعتنا وعبادتنا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ
الأية
74
 
يقول تعالى ذكره: وآتينا لوطا حكما، وهو فصل القضاء بين الخصوم، وعلما: يقول: وآتيناه أيضا علما بأمر دينه، وما يجب عليه لله من فرائضه. وفي نصب لوط وجهان: أن ينصب لتعلق الواو بالفعل كما قلنا: وآتينا لوطا، والآخر بمضمر بمعنى: واذكر لوطا. وقوله { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ } يقول: ونجيناه من عذابنا الذي أحللناه بأهل القرية التي كانت تعمل الخبائث، وهي قرية سَدُوم التي كان لوط بعث إلى أهلها، وكانت الخبائث التي يعملونها: إتيان الذكران في أدبارهم، وخَذْفهم الناس، وتضارطهم في أنديتهم، مع أشياء أخرَ كانوا يعملونها من المنكر، فأخرجه الله حين أراد إهلاكهم إلى الشام. كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخرجهم الله، يعني لوطا وابنتيه زيثا وزعرثا إلى الشام حين أراد إهلاك قومه. وقوله { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ } مخالفين أمر الله، خارجين عن طاعته وما يرضى من العمل.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
الأية
75
 
يقول تعالى ذكره: وأدخلنا لوطا في رحمتنا بإنجائنا إياه ما أحللنا بقومه من العذاب والبلاء وإنقاذناه منه إنه من الصالحين: يقول: إن لوطا من الذين كانوا يعملون بطاعتنا، وينتهون إلى أمرنا ونهينا ولا يعصوننا ، وكان ابن زيد يقول في معنى قوله ( وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا } ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا } قال: في الإسلام.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
الأية
76
 
يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد نوحا إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل إبراهيم ولوط، وسألنا أن نهلك قومه الذين كذّبوا الله فيما توعدهم به من وعيده، وكذّبوا نوحا فيما أتاهم به من الحق من عند ربه وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا فاستجبنا له دعاءه، { وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ } يعني بأهله: أهل الإيمان من ولده وحلائلهم { مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } يعني بالكرب العظيم: العذاب الذي أحل بالمكذّبين من الطوفان والغرق ، والكرب: شدّة الغم، يقال منه: قد كربني هذا الأمر فهو يكربني كربا .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
الأية
77
 
وقوله: { وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } يقول: ونصرنا نوحا على القوم الذين كذّبوا بحججنا وأدلتنا، فأنجيناه منهم، فأغرقناهم أجمعين ، إنهم كانوا قوم سوء، يقول تعالى ذكره: إن قوم نوح الذين كذّبوا بآياتنا كانوا قوم سوء، يسيئون الأعمال، فيعصون الله ويخالفون أمره.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
الأية
78
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر داود وسليمان يا محمد إذ يحكمان في الحرث. واختلف أهل التأويل في ذلك الحرث ما كان؟ فقال بعضهم: كان نبتا. * ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن مرّة في قوله { إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ } قال: كان الحرث نبتا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قَتادة، قال: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلا. وقال آخرون: بل كان ذلك الحرث كَرْما. * ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربيّ، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرّة، عن ابن مسعود، في قوله { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ } قال: كَرْم قد أنبت عناقيده. حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن شريح، قال: كان الحرث كَرما. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قال الله تبارك وتعالى { إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ } والحرث: إنما هو حرث الأرض، وجائز أن يكون ذلك كان زرعا، وجائز أن يكون غَرْسا، وغير ضائر الجهل بأيّ ذلك كان. وقوله { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } (1) يقول: حين دخلت في هذا الحرث غنم القوم الآخرين من غير أهل الحرث ليلا فرعته أو أفسدته { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } يقول: وكنا لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم فيما أفسدت غنم أهل الغنم من حرث أهل الحرث، شاهدين لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب عنا علمه.------------------------ الهوامش :(1) نفشت الماشية في الزرع : تفرقت فيه ليلا ترعاه وليس معها راع والفعل من ... .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
الأية
79
 
وقوله { فَفهَّمْناها) يقول: ففهَّمنا القضية في ذلك { سُلَيْمانَ) دون داود ، ( وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } يقول: وكلهم من داود وسليمان والرسل الذين ذكرهم في أوّل هذه السورة آتينا حكما وهو النبوة، وعلما: يعني وعلما بأحكام الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصمّ قالا ثنا المحاربيّ، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرّة، عن ابن مسعود، في قوله { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: كرم قد أنبت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان غير هذا يا نبيّ الله، قال: وما ذاك؟ قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرم كما كان دَفعت الكرم إلى صاحبه، ودَفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ }. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ }... إلى قوله { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } يقول: كنا لما حكما شاهدين، وذلك أن رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي، فلم يُبق من حرثي شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم كلها لك، فقضى بذلك داود، ومرّ صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقالا يا نبيّ الله إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال: كيف؟ قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل في كلّ عام، فقال داود: قد أصبت، القضاء كما قضيت، ففهَّمها الله سليمان. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن علي بن زيد، قال: ثني خليفة، عن ابن عباس قال: قضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرُّعاة معهم الكلاب، فقال سليمان: كيف قضى بينكم؟ فأخبروه، فقال: لو وافيت أمركم لقضيت بغير هذا، فأُخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال: أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث، فيكون لهم أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه، أخذ أصحاب الحرث الحرث، وردّوا الغنم إلى أصحابها. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث، وحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث، وعليهم رعايتها على أهل الحرث، ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون الحرث كهيئته يوم أُكل، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثني ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج بنحوه، إلا أنه قال: وعليهم رعيها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن مرّة في قوله { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: كان الحرث نبتا، فنفشت فيه ليلا فاختصموا فيه إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الحرث. فمرّوا على سليمان، فذكروا ذلك له، فقال: لا تُدفع الغنم فيصيبون منها، يعني أصحاب الحرث ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا كان كما كان ردوا عليهم. فنـزلت { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ }. حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن شريح، في قوله { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: كان النفْش ليلا وكان الحرث كرما، قال: فجعل داود الغنم لصاحب الكرم، قال: فقال سليمان: إن صاحب الكرم قد بقي له أصل أرضه وأصل كرمه، فاجعل له أصوافها وألبانها! قال: فهو قول الله { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ }. حدثنا ابن أبي زياد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا إسماعيل، عن عامر، قال: جاء رجلان إلى شُرَيح، فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غَزْلا لي، فقال شريح: نهارا أم ليلا؟ قال: إن كان نهارا فقد برئ صاحب الشياه، وإن كان ليلا فقد ضمن، ثم قرأ { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: كان النفش ليلا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شريح بنحوه. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، عن شريح، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ }... الآية، النفْش بالليل، والهَمَل بالنهار. وذُكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلا فُرفع ذلك إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الزرع، فقال سليمان: ليس كذلك، ولكن له نسلها ورَسْلها وعوارضها وجُزازها، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل، دفعت الغنم إلى ربها وقبض صاحب الزرع زرعه، فقال الله { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ }. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتَادة والزهري { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: نفشت غنم في حرث قوم، قال الزهري: والنفش لا يكون إلا ليلا فقضى داود أن يأخذ الغنم، ففهمها الله سليمان، قال: فلما أخبر بقضاء داود، قال: لا ولكن خذوا الغنم، ولكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: في حرث قوم، قال معمر: قال الزهري: النفش لا يكون إلا بالليل، والهمل بالنهار، قال قَتادة: فقضى أن يأخذوا الغنم، ففهمها الله سليمان، ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث عبد الأعلى. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ }... الآيتين، قال: انفلت غنم رجل على حرث رجل فأكلته، فجاء إلى داود، فقضى فيها بالغنم لصاحب الحرث بما أكلت، وكأنه رأى أنه وجه ذلك، فمرّوا بسليمان، فقال: ما قضى بينكم نبيّ الله؟ فأخبروه، فقال: ألا أقضي بينكما عسى أن ترضيا به؟ فقالا نعم. فقال: أما أنت يا صاحب الحرث، فخذ غنم هذا الرجل فكن فيها كما كان صاحبها، أصب من لبنها وعارضتها وكذا وكذا ما كان يصيب، وأحرث أنت يا صاحب الغنم حرث هذا الرجل، حتى إذا كان حرثه مثله ليلة نفشت فيه غنمك، فأعطه حرثه، وخذ غنمك، فذلك قول الله تبارك وتعالى { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } وقرأ حتى بلغ قوله { وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال: رعت. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: النفش: الرعية تحت الليل. قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن حرام بن محيصة بن مسعود، قال: " دخلت ناقة للبراء بن عازب حائطا لبعض الأنصار فأفسدته، فرُفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } فقضى على البراء بما أفسدته الناقة، وقال عَلى أصحَابِ المَاشِيةِ حِفْظُ المَاشِيَةِ باللَّيْلِ، وَعَلى أصحَابِ الحَوَائِطِ حِفْظُ حِيطانِهِمْ بالنَّهارِ". قال الزهري: وكان قضاء داود وسليمان في ذلك أن رجلا دخلت ماشيته زرعا لرجل فأفسدته، ولا يكون النفوش إلا بالليل، فارتفعا إلى داود، فقضى بغنم صاحب الغنم لصاحب الزرع، فانصرفا فمرا بسليمان، فقال: بماذا قضى بينكما نبيّ الله؟ فقالا قضى بالغنم لصاحب الزرع، فقال: إن الحكم لعلى غير هذا، انصرفا معي! فأتى أباه داود، فقال: يا نبيّ الله، قضيت على هذا بغنمه لصاحب الزرع؟ قال نعم. قال: يا نبيّ الله، إن الحكم لعلى غير هذا، قال: وكيف يا بنيّ؟ قال: تدفع الغنم إلى صاحب الزرع، فيصيب من ألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الزرع إلى صاحب الغنم يقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم عليها، ردّت الغنم على صاحب الغنم، وردّ الزرع إلى صاحب الزرع، فقال داود: لا يقطع الله فمك، فقضى بما قضى سليمان، قال الزهري: فذلك قوله { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ }... إلى قوله { حُكْمًا وَعِلْمًا }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، وعليّ بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني من سمع الحسن يقول: كان الحكم بما قضى به سليمان، ولم يعنف الله داود في حكمه. وقوله { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ } يقول تعالى ذكره: وسخرنا مع داود الجبال، والطير يسبحن معه إذا سبح. وكان قَتادة يقول في معنى قوله { يُسَبِّحْنَ } في هذا الموضع ما حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ } : أي يصلين مع داود إذا صلى. وقوله ( وَكُنَّا فَاعِلِينَ } يقول: وكنا قد قضينا أنا فاعلو ذلك، ومسخرو الجبال والطير في أمّ الكتاب مع داود عليه الصلاة والسلام.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ
الأية
80
 
يقول تعالى ذكره: وعلمنا داود صنعة لبوس لكم، واللبوس عند العرب: السلاح كله، درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا، يدلّ على ذلك قول الهُذليّ: وَمَعِـــي لَبُـــوسٌ لِلَّبِيسِ كأنَّــهُ رَوقٌ بِجَبْهَــةِ ذِي نِعــاجٍ مُجْــفِلِ (2) وإنما يصف بذلك رمحا، وأما في هذا الموضع فإن أهل التأويل قالوا: عنى الدروع. * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ }... الآية، قال: كانت قبل داود صفائح، قال: وكان أوّل من صنع هذا الحلق وسرد داود. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ } قال: كانت صفائح، فأوّل من سَرَدَها وحَلَّقها داود عليه السلام. واختلفت القرّاء في قراءة قوله { لِتُحْصِنَكُمْ) فقرأ ذلك أكثر قرّاء الأمصار { لِيُحْصِنَكُمْ } بالياء، بمعنى: ليحصنكم اللَّبوس من بأسكم، ذَكَّروه لتذكير اللَّبوس، وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع { لِتُحْصِنَكُمْ) بالتاء، بمعنى: لتحصنكم الصنعة، فأنث لتأنيث الصنعة، وقرأ شيبة بن نصاح وعاصم بن أبي النَّجود { لِنُحْصِنَكُمْ) بالنون، بمعنى: لنحصنكم نحن من بأسكم. قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالياء، لأنها القراءة التي عليها الحجة من قرّاء الأمصار، وإن كانت القراءات الثلاث التي ذكرناها متقاربات المعاني، وذلك أن الصنعة هي اللبوس، واللَّبوس هي الصنعة، والله هو المحصن به من البأس، وهو المحصن بتصيير الله إياه كذلك، ومعنى قوله: { لِيُحْصِنَكُمْ) ليحرزكم، وهو من قوله: قد أحصن فلان جاريته، وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل، والبأس: القتال، وعلَّمنا داود صنعة سلاح لكم ليحرزكم إذا لبستموه، ولقيتم فيه أعداءكم من القتل. وقوله { فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } يقول: فهل أنتم أيها الناس شاكرو الله على نعمته عليكم بما علَّمكم من صنعة اللبوس المحصن في الحرب وغير ذلك من نعمه عليكم، يقول: فاشكروني على ذلك. ------------------------ الهوامش : (2) البيت في { اللسان : لبس } . واللبوس : ما يلبس ، واللبوس : الثياب والسلاح ، مذكر ، فإن ذهبت به إلى الدرع أنثت وقال الله تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس لكم } : قالوا : هي الدرع تلبس في الحروب . واستشهد المؤلف بالبيت على أن اللبوس عام في السلاح كله : الدرع والسيف والرمح والجوشن . والتشبيه في البيت يعطي ما قاله المؤلف ، لأن الشاعر يشبه رمحا بروق الثور المجفل ، يدافع عن نعاجه ، وهي بقر الوحش .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ
الأية
81
 
يقول تعالى ذكره { وَ) سخرنا{ لِسُلَيْمانَ) بن داود { الرِّيحَ عَاصِفَةً } وعصوفُها: شدة هبوبها؛{ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } يقول: تجري الريح بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها، يعني: إلى الشام، وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم تعود به إلى منـزله بالشام، فلذلك قيل: { إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا }. كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجنّ والإنس حتى يجلس إلى سريره، وكان امرءا غزّاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضَرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح، فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استقلت أمر الرخاء، فمدّته شهرا في روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، يقول الله عزّ وجل فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ قال وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ قال: فذكر لي أن منـزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان، إما من الجنّ وإما من الإنس، نحن نـزلناه وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن راحلون منه إن شاء الله قائلون الشام. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً }... إلى قوله { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } قال: ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخر له الريح والشياطين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ } قال: عاصفة شديدة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام. واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار بالنصب على المعنى الذي ذكرناه، وقرأ ذلك عبد الرحمن الأعرج { الرِّيحُ) رفعا بالكلام في سليمان على ابتداء الخبر عن أن لسليمان الريح. قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وقوله { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ } يقول: وكنا عالمين بأن فعلنا ما فعلنا لسليمان من تسخيرنا له، وإعطائنا ما أعطيناه من الملك وصلاح الخلق، فعلى علم منا بموضع ما فعلنا به من ذلك فعلنا، ونحن عالمون بكل شيء لا يخفى علينا منه شيء.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ
الأية
82
 
يقول تعالى ذكره: وسخرنا أيضا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } ، يقول: وكنا لأعمالهم ولأعدادهم حافظين، لا يئودنا حفظ ذلك كله.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
الأية
83
 
وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمينالقول في تأويل قوله تعالى : { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر أيوب يا محمد , إذ نادى ربه وقد مسه الضر والبلاء . وكان الضر الذي أصابه والبلاء الذي نزل به , امتحانا من الله له واختبارا . وكان سبب ذلك كما : 18673 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام , قال : ثني عبد الصمد بن معقل , قال : سمعت وهب بن منبه يقول : كان بدء أمر أيوب الصديق صلوات الله عليه , أنه كان صابرا نعم العبد . قال وهب : إن لجبريل بين يدي الله مقاما ليس لأحد من الملائكة في القربة من الله والفضيلة عنده , وإن جبريل هو الذي يتلقى الكلام , فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبرائيل منه ثم تلقاه ميكائيل , وحوله الملائكة المقربون حافين من حول العرش . وشاع ذلك في الملائكة المقربين , صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السماوات , فإذا صلت عليه ملائكة السماوات , هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض . وكان إبليس لا يحجب بشيء من السماوات , وكان يقف فيهن حيث شاء ما أرادوا , ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة . فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات , حتى رفع الله عيسى ابن مريم , فحجب من أربع , وكان يصعد في ثلاث . فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم , حجب من الثلاث الباقية , فهو محجوب هو وجميع جنوده من جميع السماوات إلى يوم القيامة { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } , 15 18 ولذلك أنكرت الجن ما كانت تعرف حين قالت : { وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا } . .. 72 8 إلى قوله : { شهابا رصدا } . 72 9 قال وهب : فلم يرع إبليس إلا تجاوب ملائكتها بالصلاة على أيوب , وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه . فلما سمع إبليس صلاة الملائكة , أدركه البغي والحسد , وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه , فقال : يا إلهي , نظرت في أمر عبدك أيوب , فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك , وعافيته فحمدك , ثم لم تجربه بشدة ولم تجربه ببلاء , وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ولينسينك وليعبدن غيرك ! قال الله تبارك وتعالى له : انطلق , فقد سلطتك على ماله , فإنه الأمر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني , ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله ! فانقض عدو الله , حتى وقع على الأرض , ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم , وكان لأيوب البثنية من الشام كلها , بما فيها من شرقها وغربها , وكان له بها ألف شاة برعاتها , وخمس مائة فدان يتبعها خمس مائة عبد , لكل عبد امرأة وولد ومال , وحمل آلة كل فدان أتان , لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك . فلما جمع إبليس الشياطين , قال لهم : ماذا عندكم من القوة والمعرفة ؟ فإني قد سلطت على مال أيوب , فهي المصيبة الفادحة , والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال . قال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتي عليه . فقال له إبليس : فأت الإبل ورعاتها . فانطلق يؤم الإبل , وذلك حين وضعت رءوسها وثبتت في مراعيها , فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منها أرواح السموم , لا يدنو منها أحد إلا احترق , فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها ; فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها براعيها , ثم انطلق يؤم أيوب , حتى وجده قائما يصلي , فقال : يا أيوب ! قال : لبيك ! قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعاتها ؟ قال أيوب : إنها ماله أعارنيه , وهو أولى به إذا شاء نزعه , وقديما ما وطنت نفسي ومالي على الفناء . قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتها , حتى أتى على آخر شيء منها ومن رعاتها , فتركت الناس مبهوتين , وهم وقوف عليها يتعجبون , منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ; ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنع وليه , ومنهم من يقول : بل هو فعل الذي فعل ليشمت به عدوه وليفجع به صديقه . قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني , عريانا خرجت من بطن أمي , وعريانا أعود في التراب , وعريانا أحشر إلى الله , ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته , الله أولى بك وبما أعطاك , ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع ملك الأرواح , فآجرني فيك وصرت شهيدا , ولكنه علم منك شرا فأخرك من أجله فعراك الله من المصيبة وخلصك من البلاء كما يخلص الزوان من القمح الخلاص . ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا , فقال لهم : ماذا عندكم من القوة , فإني لم أكلم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه . قال له إبليس : فأت الغنم ورعاتها ! فانطلق يؤم الغنم ورعاتها , حتى إذا وسطها صاح صوتا جثمت أمواتا من عند آخرها ورعاءها . ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء , حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي , فقال له القول الأول , ورد عليه أيوب الرد الأول . ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه , فقال لهم : ماذا عندكم من القوة , فإني لم أكلم قلب أيوب ؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا . قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث ! فانطلق يؤمهم , وذلك حين قربوا الفدادين وأنشئوا في الحرث , والأتن وأولادها رتوع , فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن . ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث , حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي , فقال له مثل قوله الأول , ورد عليه أيوب مثل رده الأول . فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه , صعد سريعا , حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه ; فقال : يا إلهي , إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده , فأنت معطيه المال , فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المضلة , والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال , ولا يقوى عليها صبرهم . فقال الله تعالى له : انطلق , فقد سلطتك على ولده , ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله ! فانقض عدو الله جوادا , حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم , فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده , ثم جعل يناطح الجدر بعضها ببعض , ويرميهم بالخشب والجندل , حتى إذا مثل بهم كل مثلة , رفع بهم القصر , حتى إذا أقله بهم فصاروا فيه منكسين , انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة , وهو جريح , مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدة التغير والمثلة التي جاء متمثلا فيها . فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه , وقال له : يا أيوب , لو رأيت كيف أفلت من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا , ولو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف مثل بهم وكيف قلبوا فكانوا منكسين على رءوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم , ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم , ولو رأيت كيف قذفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم , وكيف دق الخشب عظامهم وخرق جلودهم وقطع عصبهم , ولو رأيت العصب عريانا , ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف , ولو رأيت الوجوه مشدوخة , ولو رأيت الجدر تناطح عليهم , ولو رأيت ما رأيت , قطع قلبك ! فلم يزل يقول هذا ونحوه , ولم يزل يرققه حتى رق أيوب فبكى , وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه , فاغتنم إبليس الفرصة منه عند ذلك , فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به . ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر , فاستغفر , وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه , فبدروا إبليس إلى الله , فوجدوه قد علم بالذي رفع إليه من توبة أيوب , فوقف إبليس خازيا ذليلا , فقال : يا إلهي , إنما هون على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد , فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك , وليكفرن بك , وليجحدنك نعمتك ! قال الله : انطلق فقد سلطتك على جسده , ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله . فانقض عدو الله جوادا , فوجد أيوب ساجدا , فعجل قبل أن يرفع رأسه , فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه , فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده , فترهل , ونبتت { به } ثآليل مثل أليات الغنم , ووقعت فيه حكة لا يملكها , فحك بأظفاره حتى سقطت كلها , ثم حك بالعظام , وحك بالحجارة الخشنة وبقطع المسوح الخشنة , فلم يزل يحكه حتى نفد لحمه وتقطع . ولما نغل جلد أيوب وتغير وأنتن , أخرجه أهل القرية , فجعلوه على تل وجعلوا له عريشا . ورفضه خلق الله غير امرأته , فكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه . وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه ; فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه , يقال لأحدهم بلدد , وأليفز , وصافر . قال : فانطلق إليه الثلاثة وهو في بلائه , فبكتوه ; فلما سمع منهم أقبل على ربه , فقال أيوب صلى الله عليه وسلم : رب لأي شيء خلقتني ؟ لو كنت إذ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني ! يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي ! ويا ليتني مت في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني ! ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري ؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني ؟ لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي , فأسوة لي بالسلاطين الذي صفت من دونهم الجيوش , يضربون عنهم بالسيوف , بخلا بهم عن الموت وحرصا على بقائهم , أصبحوا في القبور جاثمين , حتى ظنوا أنهم سيخلدون . وأسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز , وطمروا المطامير , وحموا الجموع , وظنوا أنهم سيخلدون . وأسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون , وعاشوا فيها المئين من السنين , ثم أصبحت خرابا , مأوى للوحوش ومثنى للشياطين . قال أليفز التيماني : قد أعيانا أمرك يا أيوب , إن كلمناك فما نرجو للحديث منك موضعا , وإن نسكت عنك مع الذي نرى فيك من البلاء , فذلك علينا . قد كنا نرى من أعمالك أعمالا كنا نرجو لك عليها من الثواب غير ما رأينا , فإنما يحصد امرؤ ما زرع ويجزى بما عمل . أشهد على الله الذي لا يقدر قدر عظمته ولا يحصى عدد نعمه , الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الميت ويرفع به الخافض ويقوي به الضعيف , الذي تضل حكمة الحكماء عند حكمته وعلم العلماء عند علمه حتى تراهم من العي في ظلمة يموجون , أن من رجا معونة الله هو القوي , وأن من توكل عليه هو المكفي , هو الذي يكسر ويجبر ويجرح ويداوي ! قال أيوب : لذلك سكت فعضضت على لساني ووضعت لسوء الخدمة رأسي ; لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي , وأن قوته نزعت قوة جسدي , فأنا عبده , ما قضى علي أصابني , ولا قوة لي إلا ما حمل علي ; لو كانت عظامي من حديد وجسدي من نحاس وقلبي من حجارة , لم أطق هذا الأمر , ولكن هو ابتلائي وهو يحمله عني ; أتيتموني غضابا , رهبتم قبل أن تسترهبوا , وبكيتم من قبل أن تضربوا , كيف بي لو قلت لكم : تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني , أو قربوا عني قربانا لعل الله أن يتقبله مني ويرضى عني ؟ إذا استيقظت تمنيت النوم رجاء أن أستريح , فإذا نمت كادت تجود نفسي . تقطعت أصابعي , فإني لأرفع اللقمة من الطعام بيدي جميعا فما تبلغان فمي إلا على الجهد مني , تساقطت لهواتي ونخر رأسي , فما بين أذني من سداد , حتى إن إحداهما لترى من الأخرى , وإن دماغي ليسيل من فمي . تساقط شعري عني , فكأنما حرق بالنار وجهي , وحدقتاي هما متدليتان على خدي , ورم لساني حتى ملأ فمي , فما أدخل فيه طعاما إلا غصني , وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي والسفلى ذقني . تقطعت أمعائي في بطني , فإني لأدخل الطعام فيخرج كما دخل , ما أحسه ولا ينفعني . ذهبت قوة رجلي , فكأنهما قربتا ماء ملئتا , لا أطيق حملهما . أحمل لحافي بيدي , وأسناني فما أطيق حمله حتى يحمله معي غيري . ذهب المال فصرت أسأل بكفي , فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة , فيمنها علي ويعيرني . هلك بني وبناتي , ولو بقي منهم أحد أعانني على بلائي ونفعني . وليس العذاب بعذاب الدنيا , إنه يزول عن أهلها , ويموتون عنه , ولكن طوبى لمن كانت له راحة في الدار التي لا يموت أهلها , ولا يتحولون عن منازلهم , السعيد من سعد هنالك والشقي من شقي فيها ! قال بلدد : كيف يقوم لسانك بهذا القول وكيف تفصح به ؟ أتقول إن العدل يجور , أم تقول إن القوي يضعف ؟ ابك على خطيئتك , وتضرع إلى ربك عسى أن يرحمك ويتجاوز عن ذنبك , وعسى إن كنت بريئا أن يجعل هذا لك ذخرا في آخرتك ! وإن كان قلبك قد قسا فإن قولنا لن ينفعك , ولن يأخذ فيك ; هيهات أن تنبت الآجام في المفاوز , وهيهات أن ينبت البردي في الفلاة ! من توكل على الضعيف كيف يرجو أن يمنعه , ومن جحد الحق كيف يرجو أن يوفى حقه ؟ قال أيوب : إني لأعلم أن هذا هو الحق , لن يفلج العبد على ربه ولا يطيق أن يخاصمه , فأي كلام لي معه وإن كان إلي القوة ؟ هو الذي سمك السماء فأقامها وحده , وهو الذي يكشطها إذا شاء فتنطوي له , وهو الذي سطح الأرض فدحاها وحده , ونصب فيها الجبال الراسيات , ثم هو الذي يزلزلها من أصولها حتى تعود أسافلها أعاليها ; وإن كان في الكلام , فأي كلام لي معه ؟ من خلق العرش العظيم بكلمة واحدة , فحشاه السماوات والأرض وما فيهما من الخلق , فوسعه وهو في سعة واسعة , وهو الذي كلم البحار ففهمت قوله وأمرها فلم تعد أمره , وهو الذي يفقه الحيتان والطير وكل دابة , وهو الذي يكلم الموتى فيحييهم قوله , ويكلم الحجارة فتفهم قوله ويأمرها فتطيعه . قال أليفز : عظيم ما تقول يا أيوب , إن الجلود لتقشعر من ذكر ما تقول , إن ما أصابك ما أصابك بغير ذنب أذنبته , مثل هذه الحدة وهذا القول أنزلك هذه المنزلة ; عظمت خطيئتك , وكثر طلابك , وغصبت أهل الأموال على أموالهم , فلبست وهم عراة , وأكلت وهم جياع , وحبست عن الضعيف بابك , وعن الجائع طعامك , وعن المحتاج معروفك , وأسررت ذلك وأخفيته في بيتك , وأظهرت أعمالا كنا نراك تعملها , فظننت أن الله لا يجزيك إلا على ما ظهر منك , وظننت أن الله لا يطلع على ما غيبت في بيتك , وكيف لا يطلع على ذلك وهو يعلم ما غيبت الأرضون وما تحت الظلمات والهواء ؟ قال أيوب صلى الله عليه وسلم : إن تكلمت لم ينفعني الكلام , وإن سكت لم تعذروني ! قد وقع علي كيدي , وأسخطت ربي بخطيئتي , وأشمت أعدائي , وأمكنتهم من عنقي , وجعلتني للبلاء غرضا , وجعلتني للفتنة نصبا ; لم تنفسني مع ذلك , ولكن أتبعني ببلاء على إثر بلاء . ألم أكن للغريب دارا , وللمسكين قرارا , ولليتيم وليا , وللأرملة قيما ؟ ما رأيت غريبا إلا كنت له دارا مكان داره وقرارا مكان قراره , ولا رأيت مسكينا إلا كنت له مالا مكان ماله وأهلا مكان أهله , وما رأيت يتيما إلا كنت له أبا مكان أبيه , وما رأيت أيما إلا كنت لها قيما ترضى قيامه . وأنا عبد ذليل , إن أحسنت لم يكن لي كلام بإحسان , لأن المن لربي وليس لي , وإن أسأت فبيده عقوبتي ; وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله , فكيف يحمله ضعفي ؟ قال أليفز : أتحاج الله يا أيوب في أمره , أم تريد أن تناصفه وأنت خاطئ , أو تبرئها وأنت غير بريء ؟ خلق السماوات والأرض بالحق , وأحصى ما فيهما من الخلق , فكيف لا يعلم ما أسررت , وكيف لا يعلم ما عملت فيجزيك به ؟ وضع الله ملائكة صفوفا حول عرشه وعلى أرجاء سماواته , ثم احتجب بالنور , فأبصارهم عنه كليلة , وقوتهم عنه ضعيفة , وعزيزهم عنه ذليل , وأنت تزعم أن لو خاصمك وأدلى إلى الحكم معك , وهل تراه فتناصفه ؟ أم هل تسمعه فتحاوره ؟ قد عرفنا فيك قضاءه , إنه من أراد أن يرتفع وضعه , ومن اتضع له رفعه . قال أيوب صلى الله عليه وسلم : إن أهلكني فمن ذا الذي يعرض له في عبده ويسأله عن أمره ؟ لا يرد غضبه شيء إلا رحمته , ولا ينفع عبده إلا التضرع له ! قال : رب أقبل علي برحمتك , وأعلمني ما ذنبي الذي أذنبت ! أو لأي شيء صرفت وجهك الكريم عني , وجعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني ؟ ليس يغيب عنك شيء ; تحصي قطر الأمطار وورق الأشجار وذر التراب , أصبح جلدي كالثوب العفن , بأيه أمسكت سقط في يدي , فهب لي قربانا من عندك , وفرجا من بلائي , بالقدرة التي تبعث موتى العباد وتنشر بها ميت البلاد , ولا تهلكني بغير أن تعلمني ما ذنبي , ولا تفسد عمل يديك وإن كنت غنيا عني ! ليس ينبغي في حكمك ظلم , ولا في نقمتك عجل , وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف , وإنما يعجل من يخاف الفوت ; ولا تذكرني خطئي وذنوبي , اذكر كيف خلقتني من طين فجعلتني مضغة , ثم خلقت المضغة عظاما , وكسوت العظام لحما وجلدا , وجعلت العصب والعروق لذلك قواما وشدة , ورأيتني صغيرا , ورزقتني كبيرا , ثم حفظت عهدك وفعلت أمرك ; فإن أخطأت فبين لي ولا تهلكني غما , وأعلمني ذنبي ! فإن لم أرضك فأنا أهل أن تعذبني , وإن كنت من بين خلقك تحصي علي عملي , وأستغفرك فلا تغفر لي . إن أحسنت لم أرفع رأسي , وإن أسأت لم تبلعني ريقي ولم تقلني عثرتي , وقد ترى ضعفي تحتك وتضرعي لك , فلم خلقتني ؟ أو لم أخرجتني من بطن أمي ؟ لو كنت كمن لم يكن لكان خيرا لي , فليست الدنيا عندي بخطر لغضبك , وليس جسدي يقوم بعذابك , فارحمني وأذقني طعم العافية من قبل أن أصير إلى ضيق القبر وظلمة الأرض وغم الموت ! قال صافر : قد تكلمت يا أيوب وما يطيق أحد أن يحبس فمك ; تزعم أنك بريء , فهل ينفعك إن كنت بريئا وعليك من يحصي عملك ؟ وتزعم أنك تعلم أن الله يغفر لك ذنوبك , هل تعلم سمك السماء كم بعده ؟ أم هل تعلم عمق الهواء كم بعده ؟ أم هل تعلم أي الأرض أعرضها ؟ أم عندك لها من مقدار تقدرها به ؟ أم هل تعلم أي البحر أعمقه ؟ أم هل تعلم بأي شيء تحبسه ؟ فإن كنت تعلم هذا العلم وإن كنت لا تعلمه , فإن الله خلقه وهو يحصيه , لو تركت كثرة الحديث وطلبت إلى ربك رجوت أن يرحمك , فبذلك تستخرج رحمته , وإن كنت تقيم على خطيئتك وترفع إلى الله يديك عند الحاجة وأنت مصر على ذنبك إصرار الماء الجاري في صبب لا يستطاع إحباسه , فعند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوه الأشرار وتظلم عيونهم , وعند ذلك يسر بنجاح حوائجهم الذين تركوا الشهوات تزينا بذلك عند ربهم , وتقدموا في التضرع , ليستحقوا بذلك الرحمة حين يحتاجون إليها , وهم الذين كابدوا الليل واعتزلوا الفرش وانتظروا الأسحار . قال أيوب : أنتم قوم قد أعجبتكم أنفسكم , وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني , وأنا معروف حقي , منتصف من خصمي , قاهر لمن هو اليوم يقهرني , يسألني عن علم غيب الله لا أعلمه , ويسألني , فلعمري ما نصح الأخ لأخيه حين نزل به البلاء كذلك , ولكنه يبكي معه . وإن كنت جادا فإن عقلي يقصر عن الذي تسألني عنه , فسل طير السماء هل تخبرك ؟ وسل وحوش الأرض هل ترجع إليك ؟ وسل سباع البرية هل تجيبك ؟ وسل حيتان البحر هل تصف لك كل ما عددت ؟ تعلم أن صنع هذا بحكمته وهيأه بلطفه . أما يعلم ابن آدم من الكلام ما سمع بأذنيه وما طعم بفيه وما شم بأنفه ؟ وأن العلم الذي سألت عنه لا يعلمه إلا الله الذي خلقه , له الحكمة والجبروت وله العظمة واللطف وله الجلال والقدرة ؟ إن أفسد فمن ذا الذي يصلح ؟ وإن أعجم فمن ذا الذي يفصح ؟ إن نظر إلى البحار يبست من خوفه , وإن أذن لها ابتلعت الأرض , فإنما يحملها بقدرته ; هو الذي تبهت الملوك عند ملكه , وتطيش العلماء عند علمه , وتعيا الحكماء عند حكمته , ويخسأ المبطلون عند سلطانه . هو الذي يذكر المنسي , وينسي المذكور , ويجري الظلمات والنور . هذا علمي , وخلقه أعظم من أن يحصيه عقلي , وعظمته أعظم من أن يقدرها مثلي . قال بلدد : إن المنافق يجزى بما أسر من نفاقه , وتضل عنه العلانية التي خادع بها , وتوكل على الجزاء بها الذي عملها , ويهلك ذكره من الدنيا ويظلم نوره في الآخرة , ويوحش سبيله , وتوقعه في الأحبولة سريرته , وينقطع اسمه من الأرض , فلا ذكر فيها ولا عمران , لا يرثه ولد مصلحون من بعده , ولا يبقى له أصل يعرف به , ويبهت من يراه , وتقف الأشعار عند ذكره ! قال أيوب : إن أكن غويا فعلي غواي , وإن أكن بريا فأي منعة عندي ؟ إن صرخت فمن ذا الذي يصرخني ؟ وإن سكت فمن ذا الذي يعذرني ؟ ذهب رجائي , وانقضت أحلامي , وتنكرت لي معارفي ; دعوت غلامي فلم يجبني , وتضرعت لأمتي فلم ترحمني , وقع علي البلاء فرفضوني , أنتم كنتم أشد علي من مصيبتي . انظروا وابهتوا من العجائب التي في جسدي ! أما سمعتم بما أصابني وما شغلكم عني ما رأيتم بي ؟ لو كان عبد يخاصم ربه , رجوت أن أتغلب عند الحكم , ولكن لي ربا جبارا تعالى فوق سماواته , وألقاني ها هنا , وهنت عليه , لا هو عذرني بعذري , ولا هو أدناني فأخاصم عن نفسي . يسمعني ولا أسمعه ويراني ولا أراه , وهو محيط بي , ولو تجلى لي لذابت كليتاي , وصعق روحي , ولو نفسني فأتكلم بملء فمي ونزع الهيبة مني , علمت بأي ذنب عذبني ! نودي فقيل : يا أيوب ! قال : لبيك ! قال : أنا هذا قد دنوت منك , فقم فاشدد إزارك , وقم مقام جبار , فإنه لا ينبغي لي أن يخاصمني إلا جبار مثلي , ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزمام في فم الأسد , والسخال في فم العنقاء , واللحم في فم التنين , ويكيل مكيالا من النور , ويزن مثقالا من الريح , ويصر صرة من الشمس , ويرد أمس لغد . لقد منتك نفسك أمرا ما يبلغ بمثل قوتك , ولو كنت إذ منتك نفسك ذلك ودعتك إليه , تذكرت أي مرام رام بك ; أردت أن تخاصمني بغيك , أم أردت أن تحاجيني بخطئك , أم أردت أن تكاثرني بضعفك ؟ أين كنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها ؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها ؟ أم كنت معي تمر بأطرافها ؟ أم تعلم ما بعد زواياها ؟ أم على أي شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض , أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء ؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ثبتت من فوقها ولا يحملها دعائم من تحتها هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها , أو تسير نجومها , أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها ؟ أين كنت مني يوم سجرت البحار وأنبعت الأنهار ؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها , أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها ؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب . ونصبت شوامخ الجبال ؟ هل لك من ذراع تطيق حملها ؟ أم هل تدري كم من مثقال فيها ؟ أم أين الماء الذي أنزل من السماء ؟ هل تدري أم تلده أو أب يولده ؟ أحكمتك أحصت القطر وقسمت الأرزاق , أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه الماء ؟ هل تدري ما أصوات الرعود ؟ أم من أي شيء لهب البروق ؟ هل رأيت عمق البحور ؟ أم هل تدري ما بعد الهواء ؟ أم هل خزنت أرواح الأموات ؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج , أو أين خزائن البرد , أم أين جبال البرد ؟ أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار وأين خزانة النهار بالليل وأين طريق النور , وبأي لغة تتكلم الأشجار , وأين خزانة الريح , كيف تحبسه الأغلاق , ومن جعل العقول في أجواف الرجال , ومن شق الأسماع والأبصار , ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم أرزاق الدواب بحكمته ؟ ومن قسم للأسد أرزاقها وعرف الطير معايشها وعطفها على أفراخها ؟ من أعتق الوحش من الخدمة , وجعل مساكنها البرية لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلطين ؟ أمن حكمتك تفرعت أفراخ الطير وأولاد الدواب لأمهاتها ؟ أم من حكمتك عطفت أمهاتها عليها , حتى أخرجت لها الطعام من بطونها , وآثرتها بالعيش على نفوسها ؟ أم من حكمتك يبصر العقاب , فأصبح في أماكن القتلى ؟ أين أنت مني يوم خلقت بهموت , مكانه في منقطع التراب , والوتينان يحملان الجبال والقرى والعمران , آذانهما كأنها شجر الصنوبر الطوال , رءوسهما كأنها آكام الحبال , وعروق أفخاذهما كأنها أوتاد الحديد , وكأن جلودهما فلق الصخور , وعظامهما كأنها عمد النحاس . هما رأسا خلقي الذين خلقت للقتال , أأنت ملأت جلودهما لحما ؟ أم أنت ملأت رءوسهما دماغا ؟ أم هل لك في خلقهما من شرك ؟ أم لك بالقوة التي عملتهما يدان ؟ أو هل يبلغ من قوتك أن تخطم على أنوفهما , أو تضع يدك على رءوسهما , أو تقعد لهما على طريق فتحبسهما , أو تصدهما عن قوتهما ؟ أين أنت يوم خلقت التنين ورزقه في البحر ومسكنه في السحاب ؟ عيناه توقدان نارا , ومنخراه يثوران دخانا , أذناه مثل قوس السحاب , يثور منهما لهب كأنه إعصار العجاج , جوفه يحترق ونفسه يلتهب , وزبده كأمثال الصخور , وكأن صريف أسنانه صوت الصواعق , وكأن نظر عينيه لهب البرق , أسراره لا تدخله الهموم , تمر به الجيوش وهو متكئ , لا يفزعه شيء ; ليس فيه مفصل { زبر } الحديد عنده مثل التين , والنحاس عنده مثل الخيوط , لا يفزع من النشاب , ولا يحس وقع الصخور على جسده , ويضحك من النيازك , ويسير في الهواء كأنه عصفور , ويهلك كل شيء يمر به ملك الوحوش , وإياه آثرت بالقوة على خلقي ; هل أنت آخذه بأحبولتك فرابطه بلسانه أو واضع اللجام في شدقه ؟ أتظنه يوفي بعهدك أو يسبح من خوفك ؟ هل تحصي عمره أم هل تدري أجله أو تفوت رزقه ؟ أم هل تدري ماذا خرب من الأرض , أم ماذا يخرب فيما بقي من عمره ؟ أتطيق غضبه حين يغضب أم تأمره فيطيعك ؟ تبارك الله وتعالى ! قال أيوب صلى الله عليه وسلم : قصرت عن هذا الأمر الذي تعرض لي ; ليت الأرض انشقت بي فذهبت في بلائي ولم أتكلم بشيء يسخط ربي ! اجتمع علي البلاء إلهي جعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي , وقد علمت أن الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك , وأعظم من هذا ما شئت عملت ; لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة , من هذا الذي يظن أن يسر عنك سرا , وأنت تعلم ما يخطر على القلوب ؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم , وخفت حين بلوت أمرك أكثر مما كنت أخاف . إنما كنت أسمع بسطوتك سمعا , فأما الآن فهو بصر العين . إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني وسكت حين سكت لترحمني , كلمة زلت فلن أعود . قد وضعت يدي على فمي , وعضضت على لساني , وألصقت بالتراب خدي , ودست وجهي لصغاري , وسكت كما أسكتتني خطيئتي , فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني ! قال الله تبارك وتعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي , وبحلمي صرفت عنك غضبي , إذ خطئت فقد غفرت لك , ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم , فاغتسل بهذا الماء , فإن فيه شفاءك , وقرب عن صحابتك قربانا , واستغفر لهم , فإنهم قد عصوني فيك ! * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني محمد بن إسحاق , عمن لا يتهم , عن وهب بن منبه اليماني , وغيره من أهل الكتب الأول : أنه كان من حديث أيوب أنه كان رجلا من الروم , وكان الله قد اصطفاه ونبأه , وابتلاه في الغنى بكثرة الولد والمال , وبسط عليه من الدنيا فوسع عليه في الرزق . وكانت له البثنية من أرض الشأم , أعلاها وأسفلها وسهلها وجبلها . وكان له فيها من أصناف المال كله , من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير ما لا يكون للرجل أفضل منه في العدة والكثرة . وكان الله قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء . وكان برا تقيا رحيما بالمساكين , يطعم المساكين ويحمل الأرامل ويكفل الأيتام ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل . وكان شاكرا لأنعم الله عليه مؤديا لحق الله في الغنى ; قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما أصاب من أهل الغنى من العزة والغفلة والسهو والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا . وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدقوه وعرفوا فضل ما أعطاه الله على من سواه , منهم رجل من أهل اليمن يقال له : أليفز , ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما : صوفر , وللآخر : بلدد , وكانوا من بلاده كهولا . وكان لإبليس عدو الله منزل من السماء السابعة يقع به كل سنة موقعا يسأل فيه ; فصعد إلى السماء في ذلك اليوم الذي كان يصعد فيه , فقال الله له - أو قيل له عن الله - : هل قدرت من أيوب عبدي على شيء ؟ قال : أي رب وكيف أقدر منه على شيء ؟ أو إنما ابتليته بالرخاء والنعمة والسعة والعافية , وأعطيته الأهل والمال والولد والغنى والعافية في جسده وأهله وماله , فما له لا يشكرك ويعبدك ويطيعك وقد صنعت ذلك به ؟ لو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما كان عليه من شكرك ولترك عبادتك , ولخرج من طاعتك إلى غيرها ! أو كما قال عدو الله . فقال : قد سلطتك على أهله وماله ! وكان الله هو أعلم به , ولم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب بالذي يصيبه من البلاء , وليجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم , ليأتموا به , وليرجوا من عاقبة الصبر في عرض الدنيا ثواب الآخرة وما صنع الله بأيوب . فانحط عدو الله سريعا , فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين من جنوده , فقال : إني قد سلطت على أهل أيوب وماله , فماذا عليكم ؟ فقال قائل منهم : أكون إعصارا فيه نار , فلا أمر بشيء من ماله إلا أهلكته ; قال : أنت وذاك . فخرج حتى أتى إبله , فأحرقها ورعاتها جميعا . ثم جاء عدو الله إلى أيوب في صورة قيمه عليها هو في مصلى فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري , فجئتك أخبرك بذلك . فعرفه أيوب , فقال : الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها الذي أخرجك منها كما يخرج الزوان من الحب النقي . ثم انصرف عنه , فجعل يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره , كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء , ووطن نفسه بالصبر على البلاء . حتى إذا لم يبق له مال أتى أهله وولده , وهم في قصر لهم معهم حظيانهم وخدامهم , فتمثل ريحا عاصفا , فاحتمل القصر من نواحيه فألقاه على أهله وولده , فشدخهم تحته . ثم أتاه في صورة قهرمانه عليهم , قد شدخ وجهه , فقال : يا أيوب قد أتت ريح عاصف , فاحتملت القصر من نواحيه ثم ألقته على أهلك وولدك فشدختهم غيري , فجئتك أخبرك ذلك . فلم يجزع على شيء أصابه جزعه على أهله وولده , وأخذ ترابا فوضعه على رأسه , ثم قال : ليت أمي لم تلدني ولم أك شيئا ! وسر بها عدو الله منه ; فأصعد إلى السماء جذلا . وراجع أيوب التوبة ما قال , فحمد الله , فسبقت توبته عدو الله إلى الله ; فلما جاء وذكر ما صنع , قيل له قد سبقتك توبته إلى الله ومراجعته . قال : أي رب فسلطني على جسده ! قال : قد سلطتك على جسده إلا على لسانه وقلبه ونفسه وسمعه وبصره . فأقبل إليه عدو الله وهو ساجد , فنفخ في جسده نفخة أشعل ما بين قرنه إلى قدمه كحريق النار , ثم خرج في جسده ثآليل كأليات الغنم , فحك بأظفاره حتى ذهبت , ثم بالفخار والحجارة حتى تساقط لحمه , فلم يبق منه إلا العروق والعصب والعظام , عيناه تجولان في رأسه للنظر وقبله للعقل , ولم يخلص إلى شيء من حشو البطن , لأنه لا بقاء للنفس إلا بها , فهو يأكل ويشرب على التواء من حشوته , فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - فحدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق , عن ابن دينار , عن الحسن أنه كان يقول : مكث أيوب في ذلك البلاء سبع سنين وستة أشهر ملقى على رماد مكنسة في جانب القرية - قال وهب بن منبه : ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له , ولا يقدر عدو الله منه على قليل ولا كثير مما يريد . فلما طال البلاء عليه وعليها وسئمها الناس , وكانت تكسب عليه ما تطعمه وتسقيه ; قال وهب بن منبه : فحدثت أنها التمست له يوما من الأيام تطعمه , فما وجدت شيئا حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف , فأتته به فعشته إياه , فلبث في ذلك البلاء تلك السنين , حتى إن كان المار ليمر فيقول : لو كان لهذا عند الله خير لأراحه مما هو فيه - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : فحدثني محمد بن إسحاق , قال : - وكان وهب بن منبه يقول : لبث في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا ; فلما غلبه أيوب فلم يستطع منه شيئا , اعترض لامرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والطول على مركب ليس من مراكب الناس , له عظم وبهاء وجمال ليس لها , فقال لها : أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى ؟ قالت نعم . قال : هل تعرفينني ؟ قالت لا . قال : فأنا إله الأرض وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت , وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني , ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد , فإنه عندي ! ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه . قال : وقد سمعت أنه إنما قال : لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء , والله أعلم . وأراد عدو الله أن يأتيه من قبلها . فرجعت إلى أيوب , فأخبرته بما قال لها وما أراها ; قال : أوقد آتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ؟ ثم أقسم إن الله عافاه ليضربها مائة ضربة فلما طال عليه البلاء , جاءه أولئك النفر الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدقوه , معهم فتى حديث السن قد كان آمن به وصدقه , فجلسوا إلى أيوب ونظروا إلى ما به من البلاء , فأعظموا ذلك وفظعوا به , وبلغ من أيوب صلوات الله عليه مجهوده , وذلك حين أراد الله أن يفرج عنه ما به ; فلما رأى أيوب ما أعظموا ما أصابه , قال : أي رب لأي شيء خلقتني ولو كنت إذ قضيت علي البلاء تركتني فلم تخلقني ؟ ليتني كنت دما ألقتني أمي . ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر , عن إسماعيل بن عبد الكريم , إلى : وكابدوا الليل , واعتزلوا الفراش , وانتظروا الأسحار ; ثم زاد فيه : أولئك الآمنون الذين لا يخافون , ولا يهتمون ولا يحزنون , فأين عاقبة أمرك يا أيوب من عواقبهم ؟ قال فتى حضرهم وسمع قولهم ولم يفطنوا له ولم يأبهوا لمجلسه , وإنما قيضه الله لهم لما كان من جورهم في المنطق وشططهم , فأراد الله أن يصغر به إليهم أنفسهم وأن يسفه بصغره لهم أحلامهم ; فلما تكلم تمادى في الكلام , فلم يزدد إلا حكما . وكان القوم من شأنهم الاستماع والخشوع إذا وعظوا أو ذكروا ; فقال : إنكم تكلمتم قبلي أيها الكهول , وكنتم أحق بالكلام وأولى به مني لحق أسنانكم , ولأنكم جربتم قبلي ورأيتم وعلمتم ما لم أعلم وعرفتم ما لم أعرف , ومع ذلك قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم ومن الموعظة أحكم من الذي وصفتم , وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم , هل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ؟ ولم تعلموا أيها الكهول أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا , اختاره الله لوحيه واصطفاه لنفسه وائتمنه على نبوته , ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه سخط شيئا من أمره مذ أتاه ما آتاه إلى يومكم هذا ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها مذ آتاه ما آتاه إلى يومكم هذا , ولا أن أيوب غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا ; فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم , فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ; ثم ليس بلاؤه لأولئك بدليل سخطه عليهم ولا لهوانه لهم , ولكنها كرامة وخيرة لهم ; ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة ولا في النبوة ولا في الأثرة ولا في الفضيلة ولا في الكرامة , إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحابة , لكان لا يجمل بالحكيم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيره بالمصيبة بما لا يعلم وهو مكروب حزين , ولكن يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن لحزنه ويدله على مراشد أمره ; وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا , فالله الله أيها الكهول في أنفسكم ! قال : ثم أقبل على أيوب : فقال , وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت : ما يقطع لسانك , ويكسر قلبك , وينسيك حججك ؟ ألم تعلم يا أيوب أن لله عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم وإنهم لهم الفصحاء النطقاء النبلاء الألباء العالمون بالله وبآياته ؟ ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرت جلودهم و