Prev

23. Surah Al-Mu'minn سورة المؤمنون

Next



تفسير الطبري - المؤمنون - Al-Muminun -
 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الأية
1
 
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه. كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } لما علمت فيها من الكرامة. حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ }. قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } فأنـزل به قرآنا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: " لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ }". وقوله: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نـزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نـزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك. *ذكر الرواية بذلك: .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
الأية
2
 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى نظر إلى السماء، فأنـزلت هذه الآية: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد ". حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نـزلت: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا ". حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: " نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنـزلت آية، إن لم تكن { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه. واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: السكون فيها. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: سكون المرء في صلاته. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: لا تلتفت في صلاتك. حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: كان خشوعهم في قلوبهم، < 19-9 > فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: { خَاشِعُونَ ) قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون. قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت. قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نـزلت: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض. وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال: خائفون. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب. حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } يقول: خائفون ساكنون. وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
الأية
3
 
وقوله : { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } يقول: الباطل. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: { عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } قال: عن المعاصي. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } قال: النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا " عن اللغو معرضون ".

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ
الأية
4
 
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
الأية
5
 
وقوله: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ } يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم.{ حَافِظُونَ } يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
الأية
6
 
{ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ } يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح.{ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } يعني بذلك: إماءهم. و " ما " التي في قوله: { أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } محل خفض، عطفا على الأزواج.{ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
الأية
7
 
وقوله: { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } فسمى الزاني من العادين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله : { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } قال: من زنى فهو عاد.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
الأية
8
 
يقول تعالى ذكره: { وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ } التي ائتمنوا عليها( وَعَهْدِهِمْ } وهو عقودهم التي عاقدوا الناس { رَاعُونَ } يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: { وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ } على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: " لأمانَتِهِم " على الواحدة. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: { لأَمَانَاتِهِمْ) لإجماع الحجة من القراء عليها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
الأية
9
 
وقوله: { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } قال: على وقتها. حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } على ميقاتها. حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } قال : أقام الصلاة لوقتها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ( عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ
الأية
10
 
وقوله: { أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتأوله أهل التأويل. *ذكر الرواية بذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنـزلانِ: مَنـزل فِي الجَنَّةِ، ومَنـزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنـزلَهُ" فذلك قوله: { أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، { أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله. حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، { أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنـزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منـزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منـزل في الجنة، ومنـزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منـزله الذي في الجنة، ويهدم منـزله في النار. وأما الكافر فيهدم منـزله الذي في الجنة. ويبني منـزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
الأية
11
 
يقول تعالى ذكره: { الَّذِينَ يَرِثُونَ } البستان ذا الكرم، وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهد يقول: هو بالرومية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: { الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ } قال: الفردوس: بستان بالرومية. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: عدن حديقة في الجنة، قصرها فيها عدنها، خلقها بيده، تفتح كل فجر فينظر فيها، ثم يقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، قال: هي الفردوس أيضا تلك الحديقة، قال مجاهد: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم أمر بها تغلق، فلا ينظر فيها خلق ولا ملك مقرب، ثم تفتح كل سحر، فينظر فيها فيقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم تغلق إلى مثلها. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قتل حارثة بن سُراقة يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابني من أهل الجنة؛ لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار؛ بالغت في البكاء. قال: " يا أُمَّ حارِثَةَ، إنَّها جَنَّتان في جَنَّةٍ، وإنَّ ابْنَكِ قَدْ أصابَ الْفِردوْس الأعلى من الجَنَّةِ". حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن كعب قال: خلق الله بيده جنة الفردوس، غرسها بيده. ثم قال: تكلمي، قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حسام بن مصك، عن قتادة أيضا، مثله. غير أنه قال: تكلمي، قالت: طوبى للمتَّقين. قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي داود نفيع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تزيني؛ فتزينت، ثم قال لها: تكلمي؛ فقالت: طوبى لمن رضيتَ عنه. وقوله: { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } يعني ماكثون فيها، يقول: هؤلاء الذين يرثون الفردوس خالدون، يعني ماكثون فيها أبدًا، لا يتحوّلون عنها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ
الأية
12
 
يقول تعالى ذكره: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ } أسللناه منه، فالسلالة: هي المستلة من كلّ تربة، ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به آدم. * ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتَادة: { مِنْ طِينٍ } قال: استلّ آدم من الطين. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ } قال: استلّ آدم من طين، وخُلقت ذرّيته من ماء مهين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلَّت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خُلق من طين. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: { مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ } قال: صفوة الماء. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( مِنْ سُلالَةٍ } من منيّ آدم. حدثنا القاسم. قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالة آدم، وهي صفة مائه، وآدم هو الطين؛ لأنه خُلق منه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ على أن ذلك كذلك؛ لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوّله من صلبه صار في قرار مكين؛ والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه، ومن السُّلالة قول بعضهم: حَـمَلتْ بِـهِ عَضْـبَ الأدِيـمِ غَضَنفرًا سُـلالَةَ فَـرجٍ كـان غـيرَ حَـصِين (1) وقول الآخر: وَهَــلْ كُــنْتُ إلا مُهْــرَةً عَرَبِيَّـةً سُــلالَةَ أفْــراسٍ تجَللهــا بَغْــلُ (2) فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل، وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل، ومنه قول بعضهم: إذا أُنْتِجَـتْ مِنْهـا المَهـارَى تَشـابَهَتْ عَــلى القَـوْد إلا بـالأنُوفِ سَـلائلُهْ (3) وقول الراجز: يَقْذِفْنَ فِي أسْلابِها بالسَّلائِلِ (4) -------------------------------الهوامش : (1) البيت لحسان بن ثابت { اللسان: سلل) وفيه: فجاءت في موضع حملت. وهو شاهد على أن السلالة بمعنى نطفة الإنسان، وسلالة الشيء: ما استل من. واستشهد به المؤلف على أن العرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سلالة. وفي اللسان: وقال الفراء: السلالة الذي سل من كل تربة. وقال أبو الهيثم: السلالة: ما سل من صلب الرجل وترائب المرأة، كما يسل الشيء سلا. والسليل: الولد حين يخرج من بطن أمه، لأنه خلق من السلالة. وعن عكرمة أنه قال في السلالة: إنه الماء يسل من الظهر سلا. وعضب الأديم: غليظ الجلد، ولعله يريد وصفه بالشدة والقسوة. ولم أجد هذا التعبير في معاجم اللغة، ووجدته في حاشية جانبية على نسخة مصورة من مجاز القران محفوظة بمكتبة جامعة القاهرة، رقمها26059 عند تفسير قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }. (2) البيت لهند بنت النعمان { اللسان: سلل }. وروايته: "وما هند إلا مهرة". وهو شاهد على أن السليل الولد، والأنثى سليلة، قال أبو عمرو: السليلة بنت الرجل من صلبه. وتجللها: علاها. والمراد بالبغل هنا: الرجل الشبيه بالبغل والبغل مذموم عند العرب. وفي اللسان: سلل: قال ابن بري: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب، لأن البغل لا ينسل. وقال ابن شميل: يقال للإنسان أول ما تضعه أمه: سليل. والسليل والسليلة: المهر والمهرة. (3) لم أجد هذا البيت في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في شواهد معاجم اللغة. وهو شاهد على أن السلائل جمع سلالة، وقد شرحنا معناها في الشاهدين السابقين بما أغنى عن تكراره هنا. (4) كذا ورد هذا الشطر في الأصول محرفًا وحسبه المؤلف من الرجز، ويلوح لي أن هذا جزء من بيت للنابغة الذبياني نسخه بعض النساخ في بعض الكتب، ولم يفطن له المؤلف. وبيت النابغة من البحر الطويل، وهو من قصيدة له يصف الخيل في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، قال فيها: وَقَـدْ خِـفْتُ حـتى مَـا تَزِيدُ مَخَافَتِي عَـلى وَعِـلٍ فِـي ذِي المَطَارَةِ عَاقِلِ مَخَافَــةَ عَمْـرٍو أَنْ تَكُـونَ جِيَـادُهُ يُقَــدْنَ إِلَيْنَـا بَيْـنَ حَـافٍ وَنَـاعِلِ إِذَا اسْـتَعْجَلُوهَا عَـنْ سَـجِيَّةِ مَشْيِهَا تَتَلَّــعُ فِــي أَعْنَاقِهَــا بِالجَحَـافِلِ وَيَقْـذِفْنَ بِـالأَوْلادِ فِـي كُـلِّ مَـنْزِلٍ تَشَــحَّطُ فِـي أسْـلائِهَا كَالْوَصَـائِلِ وهذا البيت الأخير هو محل الشاهد في بحثنا وليس فيه شاهد للمؤلف على السلائل جمع السلالة، لأنها لم تذكر في البيت ولا في القصيدة كلها. وأصل تشحط: تتشحط، أي تضطرب يريد أولاد الخيل. والسلى: الجلدة التي يكون فيها الولد من الإنسان أو الحيوان إذا ولد. الوصائل الثياب الحمر المخططة. والمراد أن الأسلاب كانت موشحة بالدم، وانظر البيت في { اللسان: شحط) وفي المخصص. لابن سيده ( 1 : 17) ومختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا { طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة ص 211).

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ
الأية
13
 
يعني تعالى ذكره بقوله: { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرّت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة، ووصفه بأنه مكين؛ لأنه مكن لذلك ، وهيأ له ليستقرّ فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا. وقوله: { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم، ( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً } يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم. وقوله: { فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا } يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما. وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق سوى عاصم: { فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا } على الجمع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: { عَظْما } في الحرفين على التوحيد جميعا. والقراءة التي نختار في ذلك الجمع؛ لإجماع الحجة من القراء عليه. وقوله: { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) يقول: فألبسنا العظام لحما.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
الأية
14
 
وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: { ثُمَّ خَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عَظْما } وعصبا، فكسوناه لحما. وقوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: { أَنْشَأْنَاهُ } عائدة على الإنسان في قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد. فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه؛ فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة. *ذكر من قال ذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: نفخ فيه الروح . حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: الروح. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، في قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: نفخ فيه الروح . حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: نفخ فيه الروح. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا } يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ < 19-18 > خَلْقًا آخَرَ } قال: الروح الذي جعله فيه. وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر، تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة في الطفولة والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر والسنّ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره. وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوَّى شبابه. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال: حين استوى شبابه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: حين استوى به الشباب. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه، وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه، يتحوّل عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحوّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا، وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه. وقوله: ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال < 19-19 > بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين. وقال آخرون: إنما قيل: { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } لأن عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } قال: عيسى ابن مريم يخلق. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير: وَلأنْــتَ تَفْـرِي مـا خَـلَقْتَ وَبَـعْ ضُ القَــوْمِ يخْــلُقُ ثـمَّ لا يَفْـرِي (5) ويروى: ولأنْــت تخْــلُقُ مـا فَـريت وَبَـعْ ضُ القَــوْمِ يخْــلُقُ ثُـمَّ لا يَفْـرِي -----------------------------الهوامش : (5) البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح رجلا { اللسان: خلق) يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماض العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. والخلق: التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقًا: قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا. ولذلك سمت العرب كل صانع كالنجار والخياط ونحوهما خالقًا، لأنه يقيس الخشب ويقدره على ما يريده له. والفري: القطع بعد التقدير، وقد يكون قبله، بأن يقطع قطعة من جلد أو ثوب قطعًا مقاربًا، ثم يصلحها ويسويها بالحساب والتقدير، على ما يريده ولذلك جاءت رواية أخرى في البيت: ولأنت تخلق ما فريت... إلخ.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ
الأية
15
 
يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخر وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا، مبعوثون من التراب خلقا جديدا، كما بدأناكم أوّل مرّة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
الأية
16
 
وإنما قيل: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) ؛ لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل: هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا لما ذكرناه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ
الأية
17
 
يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سموات، بعضهن فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وإنما قيل للسموات السبع سبع طرائق؛ لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } قال: الطرائق: السموات. وقوله: ( وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } يقول: وما كنا في خلقنا السموات السبع فوقكم، عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ
الأية
18
 
يقول تعالى ذكره: وأنـزلنا من السماء ما في الأرض من ماء فأسكناه فيها. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: { وَأَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ } ماء هو من السماء. وقوله: { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به ، فتهلكوا أيها الناس عطشا ، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
الأية
19
 
يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنـزلناه من السماء بساتين من نخيل وأعناب { لَكُمْ فِيهَا } يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة.{ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) يقول: ومن الفواكه تأكلون، وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب. وخصّ جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب ، دون وصفها بسائر ثمار الأرض; لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكَّر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
الأية
20
 
يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضا شجرة تخرج من طور سيناء وشجرة منصوبة عطفا على الجنات ويعني بها: شجرة الزيتون. وقوله: { تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } يقول: تخرج من جبل ينبت الأشجار. وقد بيَّنت معنى الطور فيما مضى بشواهده، واختلاف المختلفين بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: { سَيْنَاءَ } فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: { سِيناء } بكسر السين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: { سَيْنَاءَ } بفتح السين، وهما جميعا مجمعون على مدّها. والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: المبارك، كأن معنى الكلام عنده: وشجرة تخرج من جبل مبارك. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { طُورِ سَيْنَاءَ } قال: المبارك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } قال: هو جبل بالشام مبارك. وقال آخرون: معناه: حسن. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { طُورِ سَيْنَاءَ } قال: هو جبل حسن. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء، حسنة بالنبطية. وقال آخرون: هو اسم جبل معروف. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله: ( مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } قال: الجبل الذي نودي منه موسى صلى الله عليه وسلم. حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { طُورِ سَيْنَاءَ } قال: هو جبل الطور الذي بالشام، جبل ببيت المقدس، قال: ممدود، هو بين مصر وبين أيلة. وقال آخرون: معناه: أنه جبل ذو شجر. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عمن قاله. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إليه الطور يعرف به، كما قيل : جبلا طيئ، فأضيفا إلى طيئ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال : معناه : جبل مبارك، أو كما قال من قال : معناه حسن، لكان الطور منوّنا، وكان قوله سيناء من نعته، على أن سيناء بمعنى: مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب ، فيجعل ذلك من نعت الجبل، ولكن القول في ذلك إن شاء الله كما قال ابن عباس، من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الحبل الذي نودي منه موسى صلى الله عليه وسلم ، وهو مع ذلك مبارك، لا أن معنى سيناء: معنى مبارك. وقوله: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { تُنْبِتُ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { تَنْبُت ) بفتح التاء، بمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وقرأه بعض قرّاء البصرة: ( تُنْبِت } بضم التاء، بمعنى تنبت الدهن، تخرجه. وذكر أنها في قراءة عبد الله: ( تُخْرجُ الدُّهْن } وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدة كما قيل: أخذت ثوبه ، وأخذت بثوبه، وكما قال الراجز: نَحْــنُ بَنُـو جَـعْدَةَ أرْبـابُ الفَلَـجْ نَضْـرِبُ بِـالبيضِ وَنَرْجُـو بـالفَرَج (1) بمعنى: ونرجو الفرج. والقول عندي في ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت; ومن أنبت قول زهير: رأيْـتَ ذوي الحاجـاتِ حَـوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينـا لَهُـمْ حـتى إذا أنْبَـتَ البَقْـلُ (2) ويروى: نبت، وهو كقوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ و " فاسر "، غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ: { تَنْبُت } بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُت هذه الشجرة بثمر الدهن. كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } قال: بثمره. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله. والدهن الذي هو من ثمره الزيت، كما حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } يقول: هو الزيت يوكل، ويدهن به. وقوله: { وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ } يقول: تنبت بالدهن وبصبغ للآكلين، يصطبغ بالزيت الذين يأكلونه. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله { وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ) قال: هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به، ويصطبغون به. قال أبو جعفر: فالصبغ عطف على الدهن. ------------------------ الهوامش : (1) البيت لنابغة بني جعدة ( خزانة الأدب للبغدادي 4 : 160) والفلج في الأصل النهر الصغير ، والماء الجاري. والمراد في البيت : موضع في أعلى بلاد قيس . ويروى { نضرب بالسيف } . والبيض : جمع أبيض ، وهو السيف . والبيت شاهد على زيادة الباء في قوله بالفرج ، أي ونرجو الفرج . وهي زائدة في المفعول به سماعًا . قال ابن عصفور في الضرائر : زيادة الباء هنا : ضرورة . وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب لابن قتيبة : إنما عدى الرجاء بالباء ، لأنه بمعنى الطمع يتعدى بالباء ، كقولك : طمعت بكذا . قال الشاعر: طَمِعْــتُ بِلَيْــلَى أنْ تجُـودَ وَإِنَّمَـا تُقَطِّــعُ أَعْنَــاقَ الرِّجَـالِ المَطَـامِعُ وبنو جعدة يروى بالرفع على أنه خبر نحن ، وبالنصب على الاختصاص ، والخبر : أرباب . ا ه. (2) البيت في { اللسان نبت } قال : ونبت البقل وأنبت بمعنى ، وأنشد لزهير بن أبي سلمى : إذَا السَّـنَةُ الشَّـهْبَاءُ بِالنَّـاسِ أجْحَـفَتْ وَنَـالَ كِـرَامَ النَّاسِ فِي الحَجْرةِ الأَكلُ ثم قال : يعني بالشهباء البيضاء من الجدب ، لأنها تبيض بالثلج أو عدم النبت . والحجرة السنة الشديدة التي تحجر الناس في بيوتهم ، فينحروا كرائم إبلهم ليأكلوها . والقطين : الحشم، وسكان الدار. وأجحفت أضرت بهم ، وأهلكت أموالهم . قال : ونبت وأنبت : مثل قولهم مطرت السماء وأمطرت . وقال في قوله تعالى : {تنبت بالدهن} قرأ ابن كثير وأبو عمرو الحضرمي : {تنبت} بضم في التاء ، وكسر الباء . وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر : بفتح التاء . وقال الفراء : هما لغتان : نبتت الأرض وأنبتت ، قال ابن سيده : أما تنبت { بضم التاء) فذهب كثير من الناس إلى أن معناه : تنبت الدهن ، أي شجر الدهن ، أو حب الدهن ، وأن الباء فيه زائدة ، وكذلك قول عنترة " شربت بماء الدحرضين ... البيت " قالوا: أراد شربت ماء الدحرضين. قال : وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة ، وإنما تأويله والله أعلم : تنبت ما تنبته والدهن فيها ، كما تقول : خرج زيد بثيابه عليه؛ وركب الأمير بسيفه ، أي وسيفه معه . ا هـ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
الأية
21
 
يقول تعالى ذكره: { وَإِنَّ لَكُمْ } أيها الناس { فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً } تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه { نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا } من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، { وَلَكُمْ } مع ذلك { فِيهَا } يعني في الأنعام { مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ } وذلك كالإبل التي يُحمل عليها، ويُركب ظهرها، ويُشرب درّها، { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) يعني من لحومها تأكلون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
الأية
22
 
وقوله: { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } يقول: وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر ، وعلى هذه في البحر.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ
الأية
23
 
يقول تعالى ذكره: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، { فَقَالَ } لهم نوح { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، { أَفَلا تَتَّقُونَ } يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ
الأية
24
 
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم { يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنـزلَ مَلائِكَةً } يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنـزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته. وقوله: { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ
الأية
25
 
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: { إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: { إِنْ هُوَ } كناية اسم نوح. وقوله: { فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
الأية
26
 
وقوله: { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } يقول: قال نوح داعيا ربه ، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم ، وتمادوا في غيهم: { رَبِّ انْصُرْنِي } على قومي { بِمَا كَذَّبُونِ) يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك ، ودعوتهم إليه من توحيدك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
الأية
27
 
وقوله: { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا) يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا ، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا ، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، { فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ( وَفَارَ التَّنُّورُ } . وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ( فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: { فِيهَا } من ذكر الفلك { مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ )يقال : سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر: وكُـنْتُ لِـزَازَ خَـصْمِكَ لَـمْ أُعَـرّدْ وَقَــدْ سَـلَكُوكَ فِـي يَـوْمٍ عَصِيـبِ (3) وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي. حــتى إذَا أَسْــلَكُوهُمْ فِـي قُتـائِدَةٍ شَـلا كمَـا تَطْـرُدُ الجَمَّالَـةُ الشُّـردَا (4) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين { وَأَهْلَكَ ) وهم ولده ونساؤهم { إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك ، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق. ويعني بقوله: { مِنْهُمْ } من أهلك، والهاء والميم في قوله { منهم } من ذكر الأهل. وقوله: { وَلا تُخَاطِبْنِي ) الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم. { إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم. ------------------------ الهوامش : (3) البيت لعدي بن زيد العبادي { انظر شرحنا له في ص 82 من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير ، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى { وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال : سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه ، والبيت شاهد على الأول . قال في اللسان { اللسان : سلك) والسلك ، بالفتح : مصدر سلكت الشيء في الشيء ، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل . قال عدي بن زيد : " وكنت لزاز ....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في ( 14 : 9) من هذه الطبعة عند قوله تعالى : {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} فراجعه ثمة. (4) البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي { اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا ، وسلكه غيره ( بنصب غير } وفيه ، وأسلكه إياه ، وفيه ، وعليه { بمعنى أدخله فيه } قال عبد مناف بن ربع الهذلي : " حتى إذا أسلكوهم ... البيت " . وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص 9 من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة } عند قوله تعالى : { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } فراجعه ثمة .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الأية
28
 
يعني تعالى ذكره بقوله: { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك ، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها{ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يعني من المشركين.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
الأية
29
 
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله ، وأخرجك من الفلك ، فنـزلت عنها: { رَبِّ أَنْـزِلْنِي مُنْـزَلا } من الأرض { مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ } من أنـزل عباده المنازل. وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: مُنْـزَلا مُبَارَكًا قال: لنوح حين نـزل من السفينة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن < 19-28 > مجاهد، مثله. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: رَبِّ أَنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبَارَكًا بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنـزلني إنـزالا مباركا. وقرأه عاصم مُنْـزَلا بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنـزلني مكانًا مباركًا وموضعا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
الأية
30
 
وقوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد ، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا ، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينـزجروا عن كفرهم ، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب. وقوله: { وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نـزول عقوبتنا بهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ
الأية
31
 
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مَهْلِك قوم نوح ، قرنا آخرين ، فأوجدناهم .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ
الأية
32
 
{ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ } داعيا لهم، { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ } يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } يقول: ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه { أَفَلا تَتَّقُونَ } أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
الأية
33
 
يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعَنَى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود.{ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ } يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بلقاء الآخرة، يعني ، كذّبوا بلقاء الله في الآخرة. وقوله: { وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا بما وسَّعنا عليهم < 19-29 > من المعاش ، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بَطِرُوا وعَتوْا على ربهم ، وكفروا، ومنه قول الراجز: وَقَدْ أُرَانِي بِالدِّيَارِ مُتْرَفا (1) وقوله: { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا ، يأكل مما نأكل منه من الطعام ، ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته، قال: { وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام " منه "؛ لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك. ------------------------ الهوامش : (1) البيت للعجاج { أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري ص 19 ) قال في شرحه له : وقد أراني أي قد كنت أرني . والمترف من الترف ، وهو النعيم والرفه . وفي { اللسان : ترف) : والمترف : المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهوتها . ورجل مترف ، ومترف كمعظم : موسع عليه . وترف الرجل وأترفه : دلّله وملكه . وقوله تعالى { إلا قال مترفوها } : أي أولوا الترف وأراد رؤساءها وقادة الشر منها .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ
الأية
34
 
يقول تعالى ذكره ، مخبرا عن قيل الملأ من قوم صالح لقومهم: { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ } فاتبعتموه ، وقبلتم ما يقول وصدّقتموه. { إِنَّكُمْ } أيها القوم { إِذًا لَخَاسِرُونَ } يقول: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا، باتباعكم إياه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
الأية
35
 
قوله: { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا } الآية، يقول تعالى ذكره: قالوا لهم: أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابًا في قبوركم ، وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم، وبقيت عظامها - أنكم مخرجون من قبوركم أحياء ، كما كنتم قبل مماتكم؟ وأعيدت { أنكم } مرّتين، والمعنى: أيعدكم أنكم إذا متم ، وكنتم ترابًا وعظامًا - مخرجون مرة واحدة، لما فرق بين { أنكم } الأولى ، وبين خبرها بإذا، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظنّ وأخواته، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره، فتكرّر اسمه مرّة وتحذفه أخرى، فتقول: أظن أنك إن جالستنا أنك محسن، فإن حذفت أنك الأولى أو الثانية صلح، وإن أثبتهما صلح، وإن لم تعترض بينهما بشيء لم يجز خطأ أن يقال: أظنّ أنك أنك جالس، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
الأية
36
 
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا: هيهات هيهات : أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يقول: بعيد بعيد. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ قال: يعني البعث. والعرب تُدخل اللام مع هيهات في الاسم الذي يصحبها وتنـزعها منه، تقول: هيهات لك هيهات، وهيهاتَ ما تبتغي هيهات; وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك; كما قال جرير: فَهَيْهَـاتَ هَيْهَـات العَقِيـقُ وَمَـنْ بِـهِ وهَيْهَــاتَ خِـلٌّ بـالْعَقِيقِ نُواصِلُـهْ (2) كأنه قال: العقيق وأهله، وإنما أدخلت اللام مع هيهات في الاسم ، لأنهم قالوا: هيهات أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام، كما أدخلوها مع هلمّ < 19-31 > لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا : أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم. واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء؛ لأنها منصوبة، وكان الفرّاء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنـزلة دراك ونظار، وأما نصب التاء فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنـزلة خمسة عشر، وكان الفرّاء يقول: إن قيل : إن كل واحدة مستغنية بنفسها ، يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست; وبمنـزلة قوله الشاعر. مـــاوِيَّ يـــا رُبَّتَمــا غــارَةٍ شَـــعْوَاءَ كاللَّذْعَـــة بالمِيســمِ (3) قال: فنصب هيهات بمنـزلة هذه الهاء التي في " ربت " لأنها دخلت على حرف، على ربّ وعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرهما عن أداتهما فنصبا. واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبي جعفر: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بفتح التاء فيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه. ------------------------ الهوامش : (2) البيت لجرير بن عطية الخطفي ( لسان العرب : هيه) . والرواية فيه : "العقيق وأهله " وفي الديوان { طبعة الصاوي ص479) . فأيهـاتَ أيهـاتَ العَقِيـقُ وَمَـنْ بِـهِ وأيهــاتَ وَصْـلٍّ بـالعَقِيقِ نُوَاصِلُـهْ وهو من قصيدة يجيب بها الفرزدق . والعقيق : واد لبنى كلاب ، نقله البكري في معجم ما استعجم ، عن عمارة بن عقيل ، وهيهات وأيهات : كلمة معناها البعد ، وقيل هيهات كلمة تبعيد قال جرير : " فهيهات ... " البيت . والتاء مفتوحة مثل كيف ، وأصلها هاء ، وناس يكسرونها على كل حال ، قال حميد الأرقط يصف إبلا قطعت بلادًا حتى صارت في القفار: هَيْهــاتَ مَــنْ مُصْبَحُهَـا هيهـات هَيْهَــات حَجْــرٌ مِـنْ صُنَيْبِعَـاتِ وقال الفراء : نصب هيهات بمنزلة نصب ربة وثمة ، وأنشد : مَـــاوِيَّ يـــا رُبَّتَمــا غَــارَةٍ شَـــعْوَاءَ كاللَّذْعَـــةِ بِالمِيسَــمِ (3) البيت في { اللسان :هيه، رب } قال في الثاني : الفرق بين ربما ورب أن رب لا يليها غير الاسم ، وأما ربما فإنه زيدت { ما) مع { رب) ليليها الفعل ، تقول رب رجل جاءني ، وربما جاءني زيد ، وكذلك ربتما ، وأنشد ابن الأعرابي " ماوي... " إلخ وقال الكسائي : أظنهم امتنعوا من جزم الباء { أي تسكين باء رب } لكثرة دخول التاء فيها في قولهم : ربت رجل . يريد أن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا أو في نية الفتح ، فلما كانت تاء التأنيث تدخلها كثيرًا امتنعوا من إسكان ما قبل هاء التأنيث ، وآثروا النصب { يعني بالنصب الفتح) . ا هـ . وقال في شعا : أشعى القوم الغارة إشعاء أشعلوها ، وغارة شعواء . فاشية متفرقة وأنشد ابن الأعرابي : " ماوي .... البيت : والميسم : المكواة . أو الشيء الذي يوسم به الدواب ، والجمع : مواسم ومياسم .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
الأية
37
 
وقوله: { إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها{ نَمُوتُ وَنَحْيَا } يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا ، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } قال: يقول ليس آخرة ولا بعث، يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء ويحيا هؤلاء، يقولون: إنما الناس كالزرع يحصد هذا ، وينبت هذا، يقولون: يموت هؤلاء ، ويأتي آخرون، وقرأ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وقرأ: لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
الأية
38
 
يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله : مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون. وقوله: هُوَ من ذكر الرسول، وهو صالح. وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول : إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
الأية
39
 
وقوله: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله ، ومن تصديقهم إياه بقولهم : وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه ، وتكذيبهم له.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ
الأية
40
 
قال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنـزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ۚ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الأية
41
 
يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به ، وتكذيبهم رسوله { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } يقول: فصيرناهم بمنـزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { غُثَاءً } كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } قال: هو الشيء البالي. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } قال: هذا مثل ضربه الله. وقوله: { فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم ، وعصوا رسله ، وظلموا أنفسهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ
الأية
42
 
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
الأية
43
 
وقوله: { مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها ، والوقت الذي وقتنا لفنائها، ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم ، مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم ، فيحلّ بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ
الأية
44
 
يقول تعالى ذكره: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا } إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود ( رُسُلَنَا تَتْرَى } يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شيء، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها{ فَعْلَى } من وترت ومن قال: " تترا " يوهم أن الياء أصلية ، كما قيل: مِعْزًى بالياء، ومَعْزًا ، وبهمى بهما ، ونحو ذلك، فأجْرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها{ فعلى } وقف عليها أشار إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر؛ لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدًا، فيشار فيه إلى الكسر. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } يقول: يَتْبُع بعضها بعضا. حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } يقول: بعضها على أثر بعض. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { تَتْرَى } قال: اتباع بعضها بعضا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } قال: يتبع بعضها بعضا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا. واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة ، وبعض أهل المدينة ، وبعض أهل البصرة { تَتْرًا } بالتنوين. وكان بعض أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: { تَتْرَى } بإرسال الياء على مثال { فَعْلَى }، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب ، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين؛ لأنه أفصح < 19-35 > اللغتين وأشهرهما. وقوله: { كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ } يقول: كلما جاء أمة من تلك الأمم ، التي أنشأناها بعد ثمود ، رسولُها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحق من عندنا. وقوله: { فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا ) يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك ، فأهلكنا بعضهم في إثر بعض. وقوله: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } للناس ، ومثلا يتحدّث بهم في الناس، والأحاديث في هذا الموضع جمع أحدوثة، لأن المعنى ما وصفت من أنهم جعلوا للناس مثلا يتحدث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث، وإنما قيل: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } لأنهم جعلوا حديثا ، ومثلا يتمثَّل بهم في الشرِّ، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا ، ولا أُحْدوثة. وقوله: { فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون برسوله.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ
الأية
45
 
يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط { بِآيَاتِنَا } يقول: بحججنا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ
الأية
46
 
{ فَاسْتَكْبَرُوا } عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله { وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ } يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم ، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: { وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ } قال: عَلَوا على رُسُلهم ، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ الآية.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ
الأية
47
 
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } فنتبعهما { وَقَوْمُهُمَا } من بني إسرائيل { لَنَا عَابِدُونَ } يعنون : أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون < 19-36 > لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك : عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ قال: العلوّ في الأرض.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ
الأية
48
 
وقوله: { فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ } يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
الأية
49
 
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة ليهتدي بها قومه من بني إسرائيل، ويعملوا بما فيها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
الأية
50
 
{ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ } يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله: { وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ } قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها. وقوله { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ } يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه، إذا صار إليه; وعلى مثال أفعلته فهو يُؤْويه. وقوله { إِلَى رَبْوَةٍ } يعني: إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، ولذلك قيل للرجل ، يكون في رفعة من قومه ، وعزّ وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل : رَبَا رَبْوة. واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة ، وآوَى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّمْلة من فلسطين. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عمّ لأبي هريرة، يقال له : أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ }. حدثني عصام بن رَوّاد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن ابن وَعْلة، عن كريب قال: ما أدري ما حدثنا مُرَّة البَهزيّ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الربوة : هي الرملة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: { إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } قال: هي الرملة من فلسطين. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني أبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ }. وقال آخرون: هي دمشق. *ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } قال: زعموا أنها دمشق. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال : دمشق. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } قال: إلى ربوة من رُبا مصر قال: وليس الرُّبَا إلا في مصر، والماء حين يُرسَل تكون الربا عليها القرى، لولا الربَا لغرقت تلك القرى. وقال آخرون: هي بيت المقدس. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس. قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله. وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء ، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة؛ لأن الرملة لا ماء بها مَعِين، والله تعالى ذِكْره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ } قال: الربوة: المستوية. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { إِلَى رَبْوَةٍ ) قال: مستوية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. وقوله: { ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة ، وذات ماء ظاهر ، لغير الباطن، جار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن < 19-39 > أبيه، عن ابن عباس: { وَمَعِينٍ } قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: { ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } قال: المعين: الماء. حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: { ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: المكان المستوي، والمَعِين: الماء الظاهر. حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وَمَعِينٍ } : هو الماء الظاهر. وقال آخرون: عنى بالقرار الثمار. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: { ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: { ذَاتِ قَرَارٍ } وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك ، يستقرّ فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما{ مَعِينٍ } فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو مُعين، وقد يجوز أن يكون فعيلا من مَعَن يمعن فهو معين من الماعون، ومنه قول عَبيد بن الأبرص: وَاهيَـــةٌ أوْ مَعِيـــنٌ مُمْعِـــنٌ أوْ هَضْبَـــةٌ دُونَهـــا لُهُـــوبُ (1) ------------------------ الهوامش : (1) البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته البائية المطولة { اللسان : معن) واستشهد به المؤلف ، عند قوله تعالى: { وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } . وقال في اللسان : قال الفراء : ذات قرار : أرض منبسطة . ومعين الماء : الظاهر الجاري . قال : ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون ، { واختاره المؤلف } ، ولك أن تجعله فعيلا من الماعون ، يكون أصله المعن . والمعين: الماء السائل ، وقيل الجاري على وجه الأرض ، وقيل العذب الغزير، وكل ذلك من السهولة. والمعن: الماء الظاهر . واللهوب : جمع لهب { بكسر اللام) الفرجة والهواء بين الجبلين . وفي المحكم : مهراة ما بين كل جبلين . وقيل : هو الصدع في الجبل ، عن اللحياني . وقيل : هو الشعب الصغير في الجبل . وقيل : وجه من الجبل كالحائط لا يستطاع ارتقاؤه . ا هـ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
الأية
51
 
يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، { وَاعْمَلُوا صَالِحًا } تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ، وهو رجل واحد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه. وقوله: { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
الأية
52
 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة { وأنَّ } بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل { أن) في موضع خفض، عطف بها على { ما) من قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك. ويكون معنى الكلام حينئذ: واعلموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بالكسر: { وَإِنْ } هذه على الاستئناف، والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب؛ لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ مبتدأ، فقوله: { وَإِنَّ هَذِهِ } مردود عليه عطفا به عليه، فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقيل: إن الأمة الذي في هذا الموضع: الدِّين والملة. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } قال: الملة والدين. وقوله: { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ }يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي ، ونصبت أمة واحدة على الحال. وذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: رَفْع ذلك إذا رفع على الخبر، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه. وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم; لأن هذا لا تتبعه إلا الألف واللام والأجناس، لأن " هذا " إشارة إلى عدد، فالحاجة في ذلك إلى تبيين المراد من المشار إليه أيّ الأجناس هو، وقالوا: وإذا قيل: هذه أمتكم أمة واحدة، والأمة غائبة ، وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبين عن الحاضر بالغائب، قالوا: فلذلك لم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا محتاج إلى الجنس لا إلى المعرفة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
الأية
53
 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { زُبُرًا } فقرأته عامة قرّاء المدينة والعراق: ( زُبُرًا } بمعنى جمع الزبور. فتأويل الكلام على قراءة هؤلاء: فتفرّق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بالاجتماع على الدين الواحد والملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه { زُبُرًا } كتبا، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة ، وكذّبوا بحكم الإنجيل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل بزعمهم ، وكذبوا بحكم الفرقان. * ذكر من تأول ذلك كذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { زُبُرًا } قال: كتبا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { بَيْنَهُمْ زُبُرًا } قال: كتب الله فرقوها قطعا. * - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا } قال مجاهد: كتبهم فرقوها قطعا. وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنما معنى الكلام: فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون فيها لمذهبهم. *ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } قال: هذا ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، ليس أهل هواء إلا وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الشام { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبَرًا } بضم الزاي وفتح الباء، بمعنى: فتفرّقوا أمرهم بينهم قِطَعا كزُبَر الحديد، وذلك القطع منها واحدتها زبرة، من قول الله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فصار بعضهم يهودا ، ويعضهم نصارى. والقراءة التي نختار في ذلك قراءة من قرأه بضم الزاي والباء؛ لإجماع أهل التأويل في تأويل ذلك على أنه مراد به الكتب، فذلك يبين عن صحة ما اخترنا في ذلك؛ لأن الزبُر هي الكتب، يقال منه: زبرت الكتاب: إذ كتبته. فتأويل الكلام: فتفرّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمم دينهم بينهم كتبًا كما بيَّنا قبل. وقوله: ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } يقول: كل فريق من تلك الأمم ، بما اختاروه لأنفسهم من الدين والكتب ، فرحون معجبون به، لا يرون أن الحقّ سواه. كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني < 19-43 > الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } : قطعة وهؤلاء هم أهل الكتاب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: { كُلُّ حِزْبٍ } قطعة أهل الكتاب.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ
الأية
54
 
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرا، { فِي غَمْرَتِهِمْ } في ضلالتهم وغيهم { حَتَّى حِينٍ } ، يعني : إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ } قال: في ضلالهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ } قال: الغَمْرة: الغَمْر.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ
الأية
55
 
وقوله: { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ } يقول تعالى ذكره: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين فرقوا دينهم زبرا، أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين { نُسَارِعُ لَهُمْ } يقول: نسابق لهم في خيرات الآخرة، ونبادر لهم فيها. و " ما " من قوله: { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ } نصب؛ لأنها بمعنى الذي { بَل لا يَشْعُرُونَ } يقول تعالى ذِكْره تكذيبا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلمون أن إمدادي إياهم بما أمدّهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ } قال: نعطيهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ
الأية
56
 
{ نسارع لهم }، قال: نـزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة قول الله: { نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ } قال: يسارع لهم في الخيرات، وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
الأية
57
 
يعني تعالى ذكره: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادّون في طلب مرضاته.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
الأية
58
 
{ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ
الأية
59
 
{ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ } يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثَن ، ولا لصنم، ولا يُراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شيء سواه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ
الأية
60
 
يعني تعالى ذكره بقوله: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } والذين يعطون أهل سُهْمان الصدقة ما فرض الله لهم في أموالهم.{ مَا آتَوْا } يعني: ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدّون حقوق الله عليهم في أموالهم إلى أهلها{ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } يقول: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله لذلك، كما قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر: ( يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: الزكاة. حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: المؤمن ينفق ماله وقلبه وَجِل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم. حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: المؤمن ينفق ماله ويتصدق ، وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا، ثم تلا الحسن: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِلَى { وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } وقال المنافق: إنما أوتيته على علم عندي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } قال: يُعْطون ما أعطوا.{ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } يقول: خائفة. حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، في قوله: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يعطون ما أعطَوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. حدثنا عليّ، قال: ثني معاوية، عن ابن عباس، قوله: { والذين يؤتون ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } يقول: يعملون خائفِين. قال: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يعطون ما أعطوا ؛ فرقا من الله ووجلا من الله. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } ينفقون ما أنفقوا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدقون بما تصدقوا وقلوبهم وجلة؛ اتقاء لسخط الله والنار. وعلى هذه القراءة، أعني على { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } قرأة الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليه ، ووفاقه خطّ مصاحف المسلمين. وروي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك، ما حدثناه أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عليّ بن ثابت. عن طلحة بن عمرو، عن أبي خلف، قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة، فسألها عبيد، كيف نقرأ هذا الحرف { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } ؟ فقالت: { يَأْتُونَ مَا أَتَوْا }. وكأنها تأولت في ذلك : والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله . كالذي حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قالت عائشة: " يا رسول الله ( وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه؟ فقال: لا وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ وَجِلٌ . حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت: " قلت: يا رسول الله { الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقُون (1) ! ويصومون وهم مشفقون؟ حدثنا أبو كريب، قال، ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله { الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قال: فذكر مثل هذا. حدثنا سفيان بن وكيع، قال، ثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت: " يا رسول الله ( الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يابْنَة أبي بَكْرٍ، أو يابْنَةَ الصّدِيق، وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيخافُ أنْ لا يُقْبَل مِنْهُ " . حدثنا القاسم، قال، ثنا الحسين، قال: ثني جرير، عن ليث بن أبي سليم، وهشيم عن العوّام بن حَوْشب ، جميعا عن عائشة أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يابْنَةَ أبي بَكْر ، أو يابْنَةَ الصِّدِّيق، هُمُ الَّذِينَ يُصَلونَ ، وَيَفْرَقُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنْهم ". و أن من قوله: { أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } في موضع نصب؛ لأن معنى الكلام: { وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) من أنهم، فلما حذفت { منْ) اتصل الكلام قبلها فنصبت، وكان بعضهم يقول: هو في موضع خفض، وإن لم يكن الخافض ظاهرا. ------------------------ الهوامش : (1) لعل فيه سقطًا ، والأصل : قال : " لا " ولكن الذين يصلون وهم مشفقون ، ويصومون .... " إلخ ، كما يتضح من حديث عائشة الآتي بعد .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ
الأية
61
 
وقوله: { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفات صفاتهم، يبادرون في الأعمال الصالحة ، ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ }. قال: والخيرات: المخافة والوجل والإيمان، والكفّ عن الشرك بالله، فذلك المسابقة إلى هذه الخيرات، قوله: { وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } كان بعضهم يقول: معناه سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال، ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } يقول: سبقت لهم السعادة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وهم لها سَابِقُونَ ) ، فتلك الخيرات. وكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون. وتأوّله آخرون: وهم من أجلها سابقون. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام; لأن ذلك أظهر معنييه، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى " اللام " التي في قوله: { لَهَا سَابِقُونَ } إلى غير معناها الأغلب عليها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الأية
62
 
يقول تعالى ذكره: ولا نكلف نفسا إلا ما يسعَها ويصلح لها من العبادة; ولذلك كلَّفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع. ( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ } يقول: وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشرّ، ينطق بالحقّ{ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } يقول: يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا، لا زيادة عليه ولا نقصان، ونحن موفو جميعهم أجورهم، المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } يقول: وهم لا يظلمون، بأن يزاد على سيئات المسيء منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جُرْمه، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عَمَّا له من الثواب.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ
الأية
63
 
يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يحسب هؤلاء المشركون، من أن إمدادناهم بما نمدّهم به من مال وبنين، بخير نسوقه بذلك إليهم والرضا منا عنهم، ولكن قلوبهم في غمرة عمى عن هذا القرآن. وعنى بالغمرة: ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج. وعنى بقوله: { مِنْ هَذَا } من القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا } قال: في عمى من هذا القرآن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: ( فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا } قال: من القرآن. وقوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار أعمال لا يرضاها الله من المعاصي.{ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } يقول: من دون أعمال أهل الإيمان بالله ، وأهل التقوى والخشية له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } قال: الخطايا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } قال: الحق. حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } قال: خطايا من دون ذلك الحقّ. قال ثنا حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ }. .. الآية، قال: أعمال دُون الحق. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: ذكر الله الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، ثم قال للكفار: { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } قال: من دون الأعمال التي منها قوله: مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ والذين، والذين. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها. حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: سألت الحسن عن قول الله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } قال: أعمال لم يعملوها سيعملونها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } قال: لم يكن له بد من أن يستوفي بقية عمله، ويصلى به. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها. حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ
الأية
64
 
يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار من قريش أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، إلى أن يؤخذ أهل النَّعمة والبطر منهم بالعذاب. كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ } ، قال: المُتْرَفُون: العظماء.{ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجُّوا واستغاثوا مما حلّ بهم من عذابنا، ولعلّ الجُؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور; ومنه قول الأعشى: يــرَاوِحُ مِــنْ صَلَــوَاتِ المَـلِي كِ طَـوْرًا سـجُودًا وَطَـوْرًا جـؤارا (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ( إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } يقول: يستغيثون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن علقمة بن قردد، عن مجاهد، في قوله: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } قال: بالسيوف يوم بدر. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: { إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } قال: يجزعون. قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ } قال: عذاب يوم بدر.{ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } قال: الذين بمكة. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ } يعني أهل بدر، أخذهم الله بالعذاب يوم بدر. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) قال: يجزعون. ------------------------ الهوامش : (2) البيت للأعشى ( ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص 53) وهو من قصيدة يمدح بها الأعشى قيس بن معد يكرب . ويراوح بين العلمين : يتداول هذا مرة ، وهذا مرة . والجؤار : مصدر جأر إلى الله . إذا تضرع ورفع صوته . يقول : إن ممدوح مع ما وصف به من كرم وقوة ووفاء ، تقيٌّ يراقب ربه ، ويتضرع إليه ويجأر في صلواته . واستشهد به المؤلف على أن الجؤار : رفع الصوت كما يجأر الثور .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ
الأية
65
 
وقوله: { لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ } يقول: لا تضجوا وتستغيثوا اليوم وقد نـزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئا مما قد نـزل بكم من سخط الله.{ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ } يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حل بكم لا تستنقذون، ولا يخلصكم منه شيء. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: { لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ } لا تجزعوا اليوم. حدثني يونس، قال: أخبرنا الربيع بن أنس: { لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ } لا تجزعوا الآن حين نـزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبلُ نفعكم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ
الأية
66
 
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لا تضجوا اليوم وقد نـزل بكم سخط الله وعذابه، بما كسبت أيديكم واستوجبتموه بكفركم بآيات ربكم.{ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } يعني: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم فتكذّبون بها وترجعون مولين عنها إذا سمعتموها، كراهية منكم لسماعها. وكذلك يقال لكل من رجع من حيث جاء: نكص فلان على عقبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد { فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } قال: تستأخرون. حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } يقول: تدبرون. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } يعني أهل مكة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { تَنْكِصُونَ) قال: تستأخرون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ
الأية
67
 
وقوله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } يقول: مستكبرين بحرم الله، يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد، لأنا أهل الحرم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: بمكة البلد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحوه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: مستكبرين بحرمي. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } بالحرم. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: مستكبرين بالحرم. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مثله. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } قال: بالحرم. وقوله: { سَامِرًا } يقول: تَسْمُرون بالليل. ووحد قوله: { سَامِرًا } وهو بمعنى السُّمَّار؛ لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجرون ليلا فوضع السامر موضع الليل، فوحد لذلك. وقد كان بعض البصريين يقول: وحد ومعناه الجمع، كما قيل: طفل في موضع أطفال. ومما يبين عن صحة ما قلنا في أنه وضع موضع الوقت فوحد لذلك، قول الشاعر. مِــنْ دُونِهِــم إن جِــئْتَهُم سَـمَرًا عَــزْفُ القِيــانِ وَمَجْــلِسٌ غَمْـرُ (3) فقال: سمرا؛ لأن معناه: إن جئتهم ليلا وهم يسمُرون، وكذلك قوله: { سَامِرًا }. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { سَامِرًا } يقول: يَسْمُرون حول البيت. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { سَامِرًا } قال: مجلسًا بالليل. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: { سَامِرًا } قال: مجالس. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبير: ( سَامِرًا } قال: تَسْمُرون بالليل. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { سَامِرًا } قال: كانوا يسمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { سَامِرًا } قال: يعني سَمَر الليل. وقال بعضهم في ذلك ما حدثنا به ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: { سَامِرًا ) يقول: سامرا من أهل الحرم آمنا لا يخاف، كانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا يخافون. حدثنا الحسن، قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة: { سَامِرًا } يقول: سامرًا من أهل مكة آمنا لا يخاف، قال: كانوا يقولون: نحن أهل الحرم لا نخاف. وقوله: { تَهْجُرُونَ } اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ( تَهْجُرُونَ } بفتح التاء وضم الجيم. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى: أحدهما أن يكون عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفضه. والآخر: أن يكون عنى أنهم يقولون شيئا من القول كما يهجر الرجل في منامه، وذلك إذا هذى; فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يقولوا فيه باطلا من القول الذي لا يضره. وقد جاء بكلا القولين التأويل من أهل التأويل. ذكر من قال: كانوا يعرضون عن ذكر الله والحق ويهجرونه: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( تَهْجُرُونَ } قال: يهجرون ذكر الله والحق. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن السدي، عن أبي صالح، في قوله: { سَامِرًا تَهْجُرُونَ } قال: السبّ. ذكر من قال: كانوا يقولون الباطل والسيئ من القول في القرآن. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبير: { تَهْجُرُونَ } قال: يهجرون في الباطل. قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن حبير: ( سَامِرًا تَهْجُرُونَ } قال: يسمرون بالليل يخوضون في الباطل. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { تَهْجُرُونَ } قال: بالقول السيئ في القرآن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { تَهْجُرُونَ } قال: الهَذَيَان; الذي يتكلم بما لا يريد، ولا يعقل كالمريض الذي يتكلم بما لا يدري. قال: كان أُبيّ يقرؤها: { سَامِرًا تَهْجُرُونَ }.وقرأ ذلك آخرون: { سَامِرًا تُهْجِرُونَ } بضم التاء وكسر الجيم. وممن قرأ ذلك كذلك من قرّاء الأمصار : نافع بن أبي نعيم، بمعنى: يفحشون في المنطق، ويقولون الخنا، من قولهم: أهجر الرجل: إذا أفحش في القول. وذكر أنهم كانوا يسُبُّون رسول الله صلى الله عليه وسلم. *ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ( تُهْجِرُونَ } قال: تقولون هجرا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك، عن عكرِمة، أنه قرأ: { سَامِرًا تَهْجُرُونَ }: أي تسبون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عون، عن الحسن، في قوله: { سَامِرًا تُهْجِرُونَ } رسولي. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: { تُهْجِرُونَ } رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { تُهْجِرُونَ } يقول: يقولون سوءا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: { تُهْجِرُونَ } كتاب الله ورسوله. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { تُهْجِرُونَ } يقول: يقولون المنكر والخنا من القول، كذلك هجر القول. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي فتح التاء وضم الجيم، لإجماع الحجة من القرّاء. ------------------------ الهوامش : (3) البيت لابن أحمر الباهلي : { اللسان : سمر ) قال : قال ابن أحمر - وجعل السمر ليلا - : "من دونهم ... " البيت أراد جئتهم ليلا ، وبهذا المعنى أورده المؤلف . والشطر الثاني من البيت في رواية اللسان مختلف عنه في رواية المؤلف ، ففي اللسان " حي حلال لملم عكر" . والحي الحلال : يريد الجماعة النازلين على الماء أو نحوه . ولملم : كثير مجتمع . وكذلك العكر . والمجلس الغمر : الجماعة الكثيرة يجتمعون للحديث والسمر .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
الأية
68
 
يقول تعالى ذكره: أفلم يتدبر هؤلاء المشركون تنـزيل الله وكلامه، فيعلموا ما فيه من العبر، ويعرفوا حجج الله التي احتج بها عليه فيه؟{ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ) ؟ يقول: أم جاءهم أمر ما لم يأت من قبلهم من أسلافهم، فاستكبروا ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنـزلت معهم الكتب. وقد يحتمل أن تكون " أم " في هذا الموضع بمعنى: بل، فيكون تأويل الكلام: أفلم يدبروا القول؟ بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه، إذ لم يكن فيمن سلف من آباءهم ذلك، وقد ذُكر عن ابن عباس في نحو هذا القول. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ } قال: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين، ولكن أو لم يأتهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
الأية
69
 
وقوله: { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ } يقول تعالى ذكره: أم لم يعرف هؤلاء المكذّبون محمدًا، وأنه من أهل الصدق والأمانة فهم له منكرون، يقول: فينكروا قوله، أو لم يعرفوه بالصدق، ويحتجوا بأنهم لا يعرفونه. يقول جلّ ثناؤه: فكيف يكذّبونه وهم يعرفونه فيهم بالصدق والأمانة؟! .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
الأية
70
 
{ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } يقول: أيقولون بمحمد جنون، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول؟!{ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ } يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بَيّن، وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحقّ الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون؟ وقوله: { وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه، ولكن أكثرهم للإذعان للحقّ كارهون ولأتباع محمد ساخطون؛ حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الأرض.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
الأية
71
 
يقول تعالى ذكره: ولو عمل الربّ تعالى ذكره بما يهوى هؤلاء المشركون وأجرى التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحق الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن; وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيح من التدبير والفاسد، فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحقّ، لم تقرّ السموات والأرض ومن فيهنّ من خلق الله، لأن ذلك قام بالحق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا السديّ، عن أبي صالح: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } قال: الله. قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } قال: الحقّ: هو الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } قال: الحق: الله. وقوله: { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) اختلف أهل التأويل في تأويل الذكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو بيان الحقّ لهم بما أنـزل على رجل منهم من هذا القرآن. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ } يقول: بيَّنا لهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشرفهم; وذلك أن هذا القرآن كان شرفا لهم، لأنه نـزل على رجل منهم، فأعرضوا عنه وكفروا به. وقالوا: ذلك نظير قوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وهذان القولان متقاربا المعنى؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أنـزل هذا القرآن بيانا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجة من أمر دينهم، وهو مع ذلك ذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم وقومه وشرف لهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
الأية
72
 
يقول تعالى ذكره: أم تسأل هؤلاء المشركين يا محمد من قومك خراجا، يعني أجرا على ما جئتهم به من عند الله من النصيحة والحقّ;{ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } فأجر ربك على نفاذك لأمره، وابتغاء مرضاته خير لك من ذلك، ولم يسألهم صلى الله عليه وسلم على ما أتاهم به من عند الله أجرا، قال لهم كما قال الله له، وأمره بقيله لهم: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وإنما معنى الكلام: أم تسألهم على ما جئتهم به أجرا، فنكصوا على أعقابهم إذا تلوته عليهم، مستكبرين بالحرم، فخراج ربك خير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } قال: أجرا. حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن، مثله. وأصل الخراج والخرج: مصدران لا يجمعان. وقوله: { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يقول: والله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
73
 
وقوله: { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } يقول تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتدعو هؤلاء المشركين من قومك إلى دين الإسلام، وهو الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ
الأية
74
 
يقول تعالى ذكره: والذين لا يصدّقون بالبعث بعد الممات، وقيام الساعة، ومجازاة الله عباده في الدار الآخرة; { عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } يقول: عن محجة الحق وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده ؛ لعادلون ، يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكب عنه: أي عدل عنه. وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: { عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } قال: العادلون. حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } يقول: عن الحقّ عادلون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
الأية
75
 
وقوله: { وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ } يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب وضرّ الجوع والهزال;{ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ } يعني في عتوّهم وجرأتهم على ربهم.( يَعْمَهُونَ } يعني: يتردّدون. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: { وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ ) قال: الجوع.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ
الأية
76
 
يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنـزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف.{ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ } يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى طاعته ( وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } يقول: وما يتذللون له. وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الخبر في ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنـزل الله: { ولقد أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي، لما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِز، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين؟ فقال: " بلى!" فقال: قد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع ! فأنـزل الله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ... ) الآية. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قِبَل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } قال: الجوع والجدب.{ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) فَصَبَرُوا{ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
الأية
77
 
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معناه: حتى إذا فتحنا عليهم باب القتال، فقتلوا يوم بدر. *ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ( حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قد مضى، كان يوم بدر. حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ( حتى إذا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قال: يوم بدر. وقال آخرون: معناه: حتى إذا فتحنا عليهم باب المجاعة والضر، وهو الباب ذو العذاب الشديد. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن ، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قال: لكفار قريش الجوع، وما قبلها من القصة لهم أيضا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضا. وهذا القول الذي قاله مجاهد: أولى بتأويل الآية، لصحة الخبر الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس، أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة المجاعة التي أصابت قريشا؛ بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وأمر ثمامة بن أثال، وذلك لا شك أنه كان بعد وقعة بدر. وقوله: { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } يقول: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحنا عليهم من العذاب حزنى نادمون على ما سلف منهم، في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
الأية
78
 
يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذّبون بالبعث بعد الممات السمعَ الذي تسمعون به، والأبصَارَ التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذّر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد { قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ) يقول: تشكرون أيها المكذّبون خير الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
الأية
79
 
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
80
 
يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها ، { وَيُمِيتُ } يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم { وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المنّ والفضل، بمعنى: إنك تمنّ وتفضل. وقوله: { أَفَلا تَعْقِلُونَ } يقول: أفلا تعقلون أيها الناس، أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم، وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ
الأية
81
 
يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا ما احتجّ عليهم من الحجج والدلالة على قدرته، على فعل كلّ ما يشاء، ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها قبلهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
الأية
82
 
{ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا } يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا{ أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، كهيئتنا قبل الممات؟ إن هذا لشيء غير كائن.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
الأية
83
 
يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، وَوَعَد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك ، فلم نره حقيقة { إِنْ هَذَا) يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات { إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار، التي لا صحة لها ولا حقيقة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الأية
84
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق، إن كنتم تعلمون من مالكها؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
الأية
85
 
أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا دون سائر الأشياء غيره { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك أفلا تذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
الأية
86
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: من ربّ السماوات السبع، وربّ العرش المحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه، فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
الأية
87
 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: " سَيَقُولُونَ الله " في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده إتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالألف، فقرءوا < 19-64 > بالألف كلها اتباعا لخط مصحفهم، فأما الذين قرءوه بالألف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجروا الجواب على الابتداء، وردّوا مرفوعا على مرفوع، وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، سيقولون ربّ ذلك الله، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا، والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله: قل من رب السماوات: لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله; لأن المسألة عن ملك ذلك لمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَنْ مولاك؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان; لأنه مفهوم لذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده: وأعْلَــمُ أنَّنِــي ســأكُونُ رَمْسًـا إذَا سَـــارَ النَّوَاجِـــعُ لا يَسِــيرُ فقــال الســائلون لمــن حـفرتم? فقــال المخــبرون لهــم وزيـرُ (1) فأجاب المخفوض بمرفوع؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير. فأجابوا عن المعنى دون اللفظ. والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة. ------------------------ الهوامش : (1) البيتان مما أنشده الفراء عن بعض بني عامر ، في كتابه { معاني القرآن } الورقة 216 من مصورة الجامعة رقم 24059 قال الفراء : وقوله { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله } هذه مسألة فيها ؛ لأنه قد استفهم بلام ، فرجعت في خبر المستفهم . وأما الأخريان ، فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها كقراءة أبي كذلك : لله ، لله ، لله ، ثلاثتهنَّ . وأهل البصرة يقرءون الأخريين : الله ، الله ، وهو في العربية أبين ، لأنه مردود مرفوع ؛ ألا ترى أن قوله : { قل من رب السماوات } مرفوع ، لا خفض فيه ، فجرى جوابه على مبتدأ به ، وكذلك هي في قراءة عبد الله . والعلة في إدخال اللام في الأخريين في قول أبي وأصحابه : أنك لو قلت لرجل : من مولاك ؟ فقال : أنا لفلان ، كفاك من أن يقول : مولاي فلان ، فلما كان المعنيان واحدًا ، جرى ذلك في كلامهم ؛ أنشدني بعض بني عامر " وأعلم أنني سأكون رمسا .. . " البيتين . فرفع ، أراد : الميت وزير . و النواجع : جمع ناجعة ، وهي الجماعة تترك منازلها في طلب الكلأ.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الأية
88
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: من بيده خزائن كلّ شيء؟ كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ( مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } قال: خزائن كل شيء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مجاهد، في قول الله: { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } قال: خزائن كل شيء. وقوله { وَهُوَ يُجِيرُ } من أراد ممن قصده بسوء، { وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } يقول: ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه عذابه وعقابه { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) من ذلك صفته. فإنهم يقولون: إن ملكوت كلّ شيء والقدرة على الأشياء كلها لله .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ
الأية
89
 
فإنهم يقولون: إن ملكوت كلّ شيء والقدرة على الأشياء كلها لله، فقل لهم يا محمد: ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } يقولون: فمن أيّ وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله، والإقرار بأخباره وأخبار رسوله، والإيمان بأن الله القادر على كل ما يشاء، وعلى بعثكم أحياء بعد مماتكم، مع علمكم بما تقولون من عظيم سلطانه وقدرته؟! وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول في معنى قوله { تُسْحَرُونَ } ما حدثني به عليّ، قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { فأنى تُسْحَرُونَ } يقول: تكذبون. وقد بيَّنت فيما مضى السِّحْر: أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله: { فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } إنما معناه: فمن أيّ وجه يخيل إليكم الكذب حقا: والفاسد صحيحا، فتصرفون عن الإقرار بالحقّ الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
الأية
90
 
يقول: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله، من أن الملائكة بنات الله، وأن الآلهة والأصنام ألهة دون الله { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ } اليقين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَد شيء سوى الله؛ لأنه لا إله غيره { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } يقول: وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله، وينْحَلُونه من الولد والشريك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
الأية
91
 
وقوله: { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ } يقول تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته { مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ } يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم { بِمَا خَلَقَ } من شيء، فانفرد به، ولتغالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القويّ منهم الضعيف؛ لأن القويّ لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها، لمن عقل وتدبر. وقوله: ( إِذًا لَذَهَبَ } جواب لمحذوف، وهو: لو كان معه إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه. وقوله: { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } يقول تعالى ذكره؛ تنـزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا، وعما قالوه من أن له شريكا، أو أن معه في القِدم إلها يُعبد تبارك وتعالى.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
الأية
92
 
وقوله: { عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) يقول تعالى ذكره: هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه، إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم، بل عن جهل منهم به، وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها، وشاهدها وغائبها عنهم الله الذي لا يخفى عليه شيء، فخبره هو الحق دون خبرهم وقال: { عَالِمِ الْغَيْبِ) فرفع على الابتداء، بمعنى: هو عالم الغيب، ولذلك دخلت الفاء في قوله: { فَتَعَالَى } كما يقال: مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء؛ لأن معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسن، فأحسنت إليه. ولو جعل الكلام بالواو فقيل: وأحسنت إليه، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للأخ، ولذلك لو جاء { فَتَعَالَى } بالواو كان وجه الكلام في { عَالِمِ الْغَيْبِ } الخفض على الاتباع لإعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى! فيكون قوله { وَتَعَالَى) حينئذ معطوفا على سبحان الله ، وقد يجوز الخفض مع الفاء؛ لأن العرب قد تبدأ الكلام بالفاء، كابتدائها بالواو، وبالخفض كأن يقرأ: { عَالِمِ الْغَيْبِ } في هذا الموضع أبو عمرو، وعلى خلافه في ذلك قرأة الأمصار. والصواب من القراءة في ذلك عندنا الرفع لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه، والثاني: صحته في العربية. وقوله: { فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفهم إياه بما يصفون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ
الأية
93
 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الأية
94
 
وقوله: { فَلا تَجْعَلْنِي } جواب لقوله: { إِمَّا تُرِيَنِّي) اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِنَّا عَلَىٰ أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ
الأية
95
 
وقوله : { وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ } يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
الأية
96
 
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، < 19-68 > وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } قال: أعرض عن أذاهم إياك. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره. وقوله: { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ
الأية
97
 
وقوله: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق (1) الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم. ------------------------ الهوامش : (1) في غريب القرآن للراغب الأصفهاني : { همز } : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف : خنق الشياطين ؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
الأية
98
 
وقوله: { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري. كالذي حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } في شيء من أمري.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
الأية
99
 
يقول تعالى ذكره: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعاين نـزول أمر الله به، قال:- لعظيم ما يعاين مما يَقْدم عليه من عذاب الله تندّما على ما فات، وتلهُّفا على ما فرط فيه قبل ذلك، من طاعة الله ومسألته للإقالة-: { رَبِّ ارْجِعُونِ } إلى الدنيا فردّوني إليها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
الأية
100
 
{ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا } يقول: كي أعمل صالحا فيما تركت قبل اليوم من العمل فضيعته، وفرّطت فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كان محمد بن كعب القرظي يقرأ علينا: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } قال محمد: إلى أيّ شيء يريد؟ إلى أيّ شيء يرغب؟ أجمع المال، أو غَرْس الغِراس، أو بَنْي بُنيان، أو شق أنهار؟ : { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } يقول الجبار: كلا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { رَبِّ ارْجِعُونِ } قال: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } قال: حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: " إذَا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: إلى دار الهُمُومِ والأحْزَان؟ فَيَقُولُ: بَلْ قَدّمَانِي إلى الله، وأمَّا الكافِرُ فَيُقال: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ }..." الآية. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } يعني أهل الشرك، وقيل: ربّ ارجعون، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل: ارجعون فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن مسألة القوم الرد إلى الدنيا إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم، كما ذكر ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرى على وصف الله نفسه من قوله: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا في غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذلك. قوله: { كَلا } يقول تعالى ذكره: ليس الأمر على ما قال هذا المشرك، لن يُرْجع إلى الدنيا، ولن يعاد إليها{ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } يقول: هذه الكلمة، وهو قوله: { رَبِّ ارْجِعُونِ) كلمة هو قائلها يقول: هذا المشرك هو قائلها. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } لا بد له أن يقولها يقول { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } يقول: ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني: إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، والبرزخ والحاجز والمُهْلة متقاربات في المعنى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يقول: أجل إلى حين. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } قال: ما بعد الموت. حدثني أبو حميد الحِمْصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريح بن يزيد، قال: ثنا أرطأة، عن أبي يوسف قال: خرجت مع أبي أمامة في جنازة، فلما وُضِعت في لحدها، قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. < 19-71 > حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مطر، عن مجاهد، قوله: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: ما بين الموت إلى البعث. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: برزخ بقية الدنيا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادَة، مثله. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ومن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ
الأية
101
 
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ } من النفختين أيّتُهما عُنِيَ بِها، فقال بعضهم: عُنِي بها النفخة الأولى. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، قال: ثنا عمرو بن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، أن رجلا أتى ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ }. .. الآية، وقال في آية أخرى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فقال: أما قوله: { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } فذلك في النفخة الأولى، فلا يبقى على الأرض شيء { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } وأما قوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن السدي، في قوله: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } قال: في النفخة الأولى. حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } فذلك حين ينفخ في الصور، فلا حي يبقى إلا الله وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فذلك إذا بُعثوا في النفخة الثانية. قال أبو جعفر: فمعنى ذلك على هذا التأويل: فإذا نفخ في الصور، فصَعِق مَنْ في السماوات وَمَن في الأرض إلا مَنْ شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ يتواصلون بها، ولا يتساءلون، ولا يتزاورون، فيتساءلون عن أحوالهم وأنسابهم. وقال آخرون: بل عُنِي بذلك النفخة الثانية. *ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن هارون بن أبي وكيع، قال: سمعت زاذان يقول: أتيت ابن مسعود، وقد اجتمع الناس إليه في داره، فلم أقدر على مجلس، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، من أجل أني رجل من العجم تَحْقِرُني؟ قال: ادْنُ! قال: فدنوت، فلم يكن بيني وبينه جليس، فقال: يؤخَذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رءوس الأوّلين والآخرين، قال: وينادي مناد: ألا إن هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه، قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حقّ على ابنها، أو على أبيها، أو على أخيها، أو على زوجها{ فلا أنساب بينهم يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن زاذان، قال: سمعت ابن مسعود يقول: يؤخذ العبد أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رءوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه: فيقول الربّ تبارك وتعالى للعبد: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي ربّ، فَنِيت الدنيا، فمن أين أعطيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طلبته، فإن كان له فضلُ مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا وإن كان عبدا شقيا، قالت الملائكة: ربنا، فنيت حسناتُه وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النار. قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } قال: لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئا، ولا يتساءلون، ولا يمتُّ إليه برحم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني محمد بن كثير، عن حفص بن المغيرة، عن قتادة، قال: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعافه، مخافة أن يذوب له عليه شيء، ثم قرأ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . قال: ثنا الحسن، قال: ثنا الحكم بن سنان، عن سدُوس صاحب السائريّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النَّار النَّارَ، نادى مُنادٍ منْ أهْلِ العَرْشِ: يا أهْلَ التَّظالُمِ تَدَارَكُوا مَظالمكُمْ، وادْخُلوا الجنَّةَ.".

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الأية
102
 
يقول تعالى ذكره: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يعني: الخالدون في جنات النعيم .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
الأية
103
 
{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } يقول ومن خفَّت موازين حسناته فرجَحَت بها موازين سيئاته { فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } يقول: غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله { فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) يقول: هم في نار جهنم.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
الأية
104
 
وقوله: { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } يقول: تَسْفَع وُجوهَهم النارُ. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } قال: تنفح { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } والكلوح: أن تتقلص الشفتان عن الأسنان، حتى تبدو الأسنان، كما قال الأعشى: وَلَـــهُ المُقْـــدَمُ لا مِثْــلَ لَــه ســاعة الشِّـدْق عَـنِ النَّـابِ كَـلَحْ (2) فتأويل الكلام: يَسْفَع وجوههم لهبُ النار فتحْرقها، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان؛ من إحراق النار وجوههم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } يقول: عابسون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } قال: ألم تر إلى الرأس المشيط قد بدت أسنانه، وقَلَصت شفتاه . حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ). .. الآية، قال: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار، وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه . حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } قال: ألم تر إلى الغنم إذا مست النار وجوهها كيف هي؟ . ------------------------ الهوامش : (2) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة { ديوانه ص 241 بشرح الدكتور محمد حسين ، طبع القاهرة } . والرماية فيه في الحرب " إذا " في موضع " لا مثل له " . والمقدم بضم الميم مصدر بمعنى الإقدام . وكلح = الشدق : كشر عن الأنياب في عبوس . يمدح إياس بن قبيصة الطائي ، بأن من صفاته الإقدام في الحرب حين تكره الأبطال النزال ، وتكشر أشداقهم عن أنيابهم ، كرها للحرب ، واستشهد به المؤلف هنا على أن معنى الكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
الأية
105
 
يقول تعالى ذكره: يقال لهم { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } يعني آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا{ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } وترك ذكر يقال؛ لدلالة الكلام عليه { قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ
الأية
106
 
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: { غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } بكسر الشين، وبغير ألف، وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: < 19-75 > " شَقاوَتُنا " بفتح الشين والألف. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وتأويل الكلام: قالوا: ربنا غلبت علينا ما سبق لنا في سابق علمك وخطّ لنا في أمّ الكتاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. *ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، قوله: { غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } قال: التي كتبت علينا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } التي كتبت علينا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. وقال، قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خَزَنة جهنم: أنْ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ فلم يجيبوهم ما شاء الله فلما أجابوهم بعد حين قالوا: فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ قال: ثم نادوا مالكا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فسكت عنهم مالك خازن جهنم، أربعين سنة ثم أجابهم فقال: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ثم نادى الأشقياء ربهم، فقالوا: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ . قال (1) ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: ينادي أهلُ النار أهلَ الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقال: أجيبوهم، وقد قطع الرَّحم والرحمة، فيقول أهل الجنة: يا أهل النار، عليكم غضب الله، يا أهل النار، عليكم لعنة الله، يا أهل النار، لا لبَّيْكم ولا سَعْدَيْكُم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نك في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم، فيقولون: بلى، فيقولون: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ . قال (2) ثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرظِي، قال: ثني عَبْدة المروزِيّ، عن عبد الله بن المبارك، عن عمرو بن أبي ليلى، قال: سمعت محمد بن كعب، زاد أحدهما على صاحبه: قال محمد بن كعب: بلغني، أو ذُكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، فردّوا عليهم ما قال الله، فلما أيسوا نادَوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمرّ عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ، سألوا الموت، فمكث لا يجيبهم ثمانين ألفَ سنة من سني الآخرة، أو كما قال، ثم انحط إليهم، فقال: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعلّ الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله، قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ أي مَنْجى. فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ فلما سمعوا مقالته، مَقَتُوا أنفسهم، قال: فنُودوا لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا الآية، قال: فيجيبهم الله ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ قال: فيقولون: ما أيسنا بعد؛ قال: ثم دعوا مرّة أخرى، فيقولون: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا يقول الرب: لو شئت لهديت الناس جميعا، فلم يختلف منهم أحد وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا إِنَّا نَسِينَاكُمْ أي تركناكم وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال: فيقولون: ما أيسنا بعد، قال: فيدعون مرّة أخرى: رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ قال: فيقال لهم: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... الآية، قال: فيقولون: ما أيسنا بعد ثم قالوا مرّة أخرى: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قال: فيقول: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ إلى: نَصِيرٍ ، ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم: ( أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } أي: الكتاب الذي كتب علينا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا الآية، فقال عند ذلك: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ قال: فلا يتكلمون فيها أبدا، فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم. وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت عليهم. قال عبد الله بن المبارك في حديثه: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه قال: فذلك قوله: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، أنه قال: فوالذي أنـزل القرآن على محمد، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، ما تكلم أهل النار كلمة بعدها إلا الشهيق والزَّعيق في الخلد أبدا، ليس له نفاد. قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كنا في جنازة ومعنا أبو جعفر القارئ، فجلسنا، فتنحى أبو جعفر، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا جعفر؟ قال: أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقوله: { وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } يقول: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيل الرشاد، وقصد الحقّ.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
الأية
107
 
يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيل الذين خفَّت موازين صالح أعمالهم يوم القيامة في جهنم: ربنا أخرجنا من النار، فإن عدنا لما تكره منا من عمل، فإنا ظالمون.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
الأية
108
 
وقوله: { قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا } يقول تعالى ذكره: قال الربّ لهم جلّ ثناؤه مجيبا{ اخْسَئُوا فِيهَا } أي: اقعدوا في النار، يقال منه: خَسَأتْ فلانا أخْسَؤُه خَسْأً وخُسُوءا، وخَسيء هو يخسَأ، وما كان خاسئا، ولقد خَسِيء، { ولا تُكَلِّمُونِ ) فعند ذلك أيس المساكين من الفرج، ولقد كانوا طامعين فيه. كما حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْديّ، قال: ثنا سفيان، عن سَلمة بن كُهَيل، قال: ثني أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: فإذا أراد الله ألا يُخْرج منها، يعني من النارأحدا، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيهم، فيقول: يا ربّ، فيقول: من عرف أحدا فليخرجه؛ قال: فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدا، فيقول: يا فلان يا فلان، فيقول: ما أعرفك. فعند ذلك يقولون: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } فَيَقُولُ { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } فإذا قالوا ذلك؛ انطبقت عليهم جهنم فلا يخرج منها بشر. حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن شَهر بن حَوْشب، عن معدي كرب، عن أبي الدَّرْداء، قال: يرسل أو يصبّ على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فلا يغني ذلك عنهم شيئا فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غُصّة، فإذا أكلوه نَشِب في حلوقهم، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يحدرون الغصة بالماء، فيستغيثون، فيرفع إليهم الحميم في كلاليب الحديد، فإذا انتهى إلى وجوههم شوى وجوههم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، قال: فينادون مالكا: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ، قال: فيتركهم ألف سنة، ثم يجيبهم: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ، قال: فينادون خزنة جهنم: { ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ، قال: فيقولون ما نجد أحدا خيرا لنا من ربنا } ، فينادون ربهم { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } قال: فيقول الله: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، فيدعون بالويل والشَّهيق والثُّبور. حدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، قال: ثنا قُطْبة بن عبد العزيز الأسديّ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يُلْقَى على أهْلِ النَّارِ الجُوع... " ثم ذكر نحوًا منه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن عمرو بن مرّة، قال: يرى أهل النار في كل سبعين عاما ساق مالك، خازن النار، فيقولون: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فيجيبهم بكلمة، ثم لا يرونه سبعين عاما فيستغيثون بالخَزَنة، فيقولون لهم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ فيجيبونهم أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ... الآية. فيقولون: ادعوا ربكم، فليس أحد أرحم من ربكم، فيقولون: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } قال: فيجيبهم،: ( اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } فعند ذلك ييأسُون من كلّ خير، ويأخذون في الشهيق والوَيْل والثُّبور. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } قال: بلغني أنهم ينادُون مالكا فيقولون: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فيسكت عنهم قدر أربعين سنة، ثم يقول: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ قال: ثم ينادون ربهم، فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يقول: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } قال: فييأس القوم فلا يتكلمون بعدها كلمة، وكان إنما هو الزفير والشهيق، قال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوّله زفير، وآخره شهيق. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الله بن عيسى، قال: أخبرني زياد الخراسانيّ، قال: أسنده إلى بعض أهل العلم، فنسيته، في قوله: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } قال: فيسكتون، قال: فلا يسمع فيها حس إلا كطنين الطَّسْت. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } هذا قول الرحمن عزّ وجلّ، حين انقطع كلامهم منه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
الأية
109
 
يقول تعالى ذكره: { إِنَّهُ } وهذه الهاء في قوله " إنه " هي الهاء التي يسميها أهل العربية المجهولة، وقد بينت معناها فيما مضى قبلُ. ومعنى دخولها في الكلام، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع { كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي } يقول: كانت جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله، يقولون في الدنيا: { رَبَّنَا آمَنَّا } بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك { فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا } وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذبنا بعذابك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
الأية
110
 
يقول تعالى ذكره: فاتخذتم أيها القائلون لربكم رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ في الدنيا، القائلين فيها: رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ سُخْريا. والهاء والميم في قوله: { فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ } من ذكر الفريق. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { سِخْرِيًّا } فقرأه بعض قرّاء الحجاز وبعض أهل البصرة والكوفة ( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا } بكسر السين، ويتأوّلون في كسرها أن معنى ذلك الهزء، ويقولون: إنها إذا ضُمت فمعنى الكلمة: السُّخْرة والاستعباد. فمعنى الكلام على مذهب هؤلاء: فاتخذتم أهل الإيمان بي في الدنيا هُزُؤًا ولعبا، تهزءون بهم، حتى أنسوكم ذكري. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة: { فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا } بضم السين، وقالوا: معنى الكلمة في الضمّ والكسر واحد. وحكى بعضهم عن العرب سماعا لِجِّيّ ولُجِّي، ودِرِيّ، ودُرِيّ، منسوب إلى الدرّ، وكذلك كِرسيّ وكُرسيّ؛ وقالوا ذلك من قيلهم كذلك، نظير قولهم في جمع العصا: العِصِيّ بكسر العين، والعُصِيّ بضمها; قالوا: وإنما اخترنا الضم في السِّخري؛ لأنه أفصح اللغتين. والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب، وليس يُعْرف من فرق بين معنى ذلك إذا كسرت السين وإذا ضمت؛ لما ذكرت من الرواية عمن سمع من العرب ما حَكَيت عنه. ذكر الرواية به عن بعض من فَرَّق في ذلك بين معناه مكسورة سينه ومضمومة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا } قال: هما مختلفتان: سِخريا، وسُخريا، يقول الله: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا قال: هذا سِخريّا: يُسَخِّرونهم، والآخرون: الذين يستهزئون بهم هم سُخريًّا، فتلك سِخريًّا يُسَخرونهم عندك، فسخَّرك رفعك فوقه، والآخرون: استهزءوا بأهل الإسلام هي: سُخريّا يَسْخَرون منهم. فهما مختلفتان. وقرأ قول الله: وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ وقال: يسخرون منهم كما سخر قوم نوح بنوح، اتخذوهم سُخريًّا: اتخذوهم هُزُؤًا، لم يزالوا يستهزئون بهم. وقوله: { حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي } يقول: لم يزل استهزاؤكم بهم، أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري، فألْهَاكم عنه { وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ } . كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي } قال: أنسى هؤلاء الله استهزاؤُهم بهم، وضحكهم بهم، وقرأ: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ حتى بلغ: إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ
الأية
111
 
وقوله: { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا } يقول تعالى ذكره: إني أيُّها المشركون بالله المخلَّدون في النار، جَزَيْت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريا من أهل الإيمان بي، وكنتم منهم تضحكون اليوم، بما صبروا على ما كانوا يلقَون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا{ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ }. اختلفت القرّاء في قراءة: " إنَّهُمْ" فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: ( " أنَّهُمْ " بفتح الألف من " أنهم " بمعنى: جزيتهم هذا ، فأن في قراءة هؤلاء في موضع نصب، بوقوع قوله جزيتهم عليها؛ لأن معنى الكلام عندهم: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة؛ وقد يحتمل النصب من وجه آخر، وهو أن يكون موجَّها معناه: إلى أني جزيتهم اليوم بما صبروا؛ لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا، على ما لَقُوا في ذات الله، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: " إنّي" بكسر الألف منها، بمعنى الابتداء، وقالوا: ذلك ابتداء من الله مدحهم. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر الألف؛ لأن قوله: " جَزَيْتُهُم "، قد عمل في الهاء والميم، والجزاء إنما يعمل في منصوبين، وإذا عمل في الهاء والميم لم يكن له العمل في " أن " فيصير عاملا في ثلاثة إلا أن ينوي به التكرير، فيكون نصب " أنّ" حينئذ بفعل مضمر، لا بقوله: جزيتهم ، وإن هي نصبت بإضمار لام، لم يكن له أيضا كبير معنى; لأن جزاء الله عباده المؤمنين بالجنة، إنما هو على ما سَلَف من صالح أعمالهم في الدنيا، وجزاؤه إياهم، وذلك في الآخرة هو الفوز، فلا معنى لأن يَشْرُط لهم الفوز بالأعمال ثم يخبر أنهم إنما فازوا، لأنهم هم الفائزون. فتأويل الكلام إذ كان الصواب من القراءة ما ذكرنا: إني جزيتهم اليوم الجنة بما صبروا في الدنيا على أذاكم بها في أنهم اليوم هم الفائزون بالنعيم الدائم والكرامة الباقية أبدا؛ بما عملوا من صالحات الأعمال في الدنيا، ولقوا في طلب رضاي من المكاره فيها.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
الأية
112
 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ } وفي قوله: { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة على وجه الخبر: { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ } ، وكذلك قوله: ( قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ }. ووجه هؤلاء تأويل الكلام إلى أن الله قال لهؤلاء الأشقياء من أهل النار وهم في النار: { كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ } ؟ وأنهم أجابوا الله فقالوا: { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ، فنسِي الأشقياء؛ لعظيم ما هم فيه من البلاء والعذاب مدة مكثهم التي كانت في الدنيا، وقَصُرَ عندهم أمد مكثهم الذي كان فيها؛ لما حلّ بهم من نقمة الله، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثوا فيها إلا يوما أو بعض يوم. ولعلّ بعضهم كان قد مكث فيها الزمان الطويل، والسنين الكثيرة. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة على وجه الأمر لهم بالقول، كأنه قال لهم: قولوا كم لبثتم في الأرض؟ وأخرج الكلام مخْرج الأمر للواحد، والمعنيُّ به الجماعة، إذ كان مفهوما معناه، وإنما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة؛ لأن ذلك في مصاحفهم: " قُلْ" بغير ألف، وفي غير مصاحفهم بالألف. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ذلك: { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ) على وجه الخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون قولوا على وجه الخطاب للجمع; لأن الخطاب فيما قبل ذلك وبعده، جرى لجماعة أهل النار، فالذي هو أولى أن يكون كذلك قوله قولوا لو كان الكلام جاء على وجه الأمر، وإن كان الآخر جائزا، أعني التوحيد، لما بيَّنت من العلة لقارئ ذلك كذلك، وجاء الكلام بالتوحيد في قراءة جميع القراء، كان معلوما أن قراءة ذلك على وجه الخبر عن الواحد أشبه، إذ كان ذلك هو الفصيح المعروف من كلام العرب، فإذا كان ذلك ذلك، فتأويل الكلام: قال الله كم لبثتم في الدنيا من عدد سنين؟ قالوا مجيبين له: لبثنا فيها يوما أو بعض يوم، فاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك. واختلف أهل التأويل في المعني بالعادين، فقال بعضهم: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، ويُحْصُون عليهم ساعاتهم. *ذكر من قال ذلك: .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَا