Prev  

6. Surah Al-An'm سورة الأنعام

  Next  



تفسير الطبري - الأنعام - Al-An`am -
 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بِسْم ِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
    +/- -/+  
الأية
1
 
القول في تأويل قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله : " الحمد لله " ، الحمدُ الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأندادِ والآلهة, ودون ما سواه مما تعبده كَفَرةُ خلْقه من الأوثان والأصنام . وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر يُنْحَى به نحو الأمر. يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خَلَقَكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض, ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا, (1) فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمة عليكم, لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه . * * * وقد بينا الفصل بين معنى " الحمد والشكر " بشواهده فيما مضى قبل . (2) * * * القول في تأويل قوله : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض, وأظلم الليلَ ، وأنارَ النَّهار، كما:- 13040 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وجعل الظلمات والنور " ، قال: الظلمات ظلمة الليل, والنور نورُ النهار . 13041 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أمّا قوله: " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " ، فإنه خلق السَّماوات قبل الأرض, والظلمةَ قبل النور, والجنّة قَبل النار . * * * فإن قال قائل: فما معنى قوله إذًا: " جعل ". قيل: إن العرب تجعلها ظرفًا للخبرِ والفِعْل فتقول: " جعلت أفعل كذا ", و " جعلت أقوم وأقعد ", تدل بقولها " جعلت " على اتصال الفعل, كما تقول " علقت أفعل كذا " = لا أنها في نفسها فِعْلٌ. يدلُّ على ذلك قول القائل: " جعلت أقوم ", وأنه لا جَعْلَ هناك سوى القيام, وإنما دَلَّ بقوله: " جعلت " على اتّصال الفعل ودوامه، (3) ومن ذلك قول الشاعر: (4) وَزَعَمْـتَ أنَّـكَ سَـوْفَ تَسْـلُكُ فَارِدًا وَالمَــوْتُ مُكْــتَنِعٌ طَـرِيقَيْ قَـادِرِ فَــاجْعَلْ تَحَـلَّلْ مِـنْ يَمِينِـكَ إنَّمَـا حِـنْثٌ اليَمِيـنِ عَـلَى الأثِيـمِ الفَـاجِرِ (5) يقول: " فاجعل تحلّل "، بمعنى: تحلل شيئًا بعد شيء = لا أن هناك جَعْلا من غير التحليل . فكذلك كل " جَعْلٍ" في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصال, لا أن له حظًّا في معنى الفعْل. * * * فقوله: " وجعل الظلمات والنور " ، إنما هو: أظلم ليلَهما، وأنارَ نَهارَهُما. * * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، معجِّبًا خلقَه المؤمنين من كفَرة عباده، ومحتجًّا على الكافرين: إنّ الإله الذي يجبُ عليكم، أيها الناس، حمدُه، هو الذي خلَق السماوات والأرض, الذي جعل منهما معايشَكم وأقواتكم، وأقواتَ أنعامكم التي بها حياتكم. فمن السماوات ينـزل عليكم الغيثُ، وفيها تجري الشمس والقمر باعتِقابٍ واختلاف لمصالحكم. ومن الأرض ينبُتُ الحب الذي به غذاؤكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم, مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها = والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم، أيها الناس =" بربهم "، الذي فعل ذلك وأحدثه =" يعدلون " ، يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه, فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثانَ, وليس منها شيء شرِكه في خلق شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم, بل هو المنفرد بذلك كله, وهم يشركون في عبادتهم إيّاه غيره . فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة, لمن فكَّر فيها بعقل، وتدبرها بفهم ! * * * ولقد قيل: إنها فاتحة التوراة . * ذكر من قال ذلك: 13042 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي, عن أبي عمران الجوني, عن عبد الله بن رباح, عن كعب قال: فاتحة التوراة فاتحة " الأنعام ": " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجَعَل الظلمات والنور ثم الذين كَفَروا بربِّهم يعدلون " . (6) 13043 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب, عن جعفر بن سليمان, عن أبي عمران الجوني, عن عبد الله بن رباح, عن كعب, مثله = وزاد فيه: وخاتمة التوراة خاتمة " هود " . * * * يقالُ من مساواة الشيء بالشيء: " عدلتُ هذا بهذا ", إذا ساويته به،" عَدْلا " . وأما في الحكم إذا أنصفت فيه, فإنك تقول: " عَدَلت فيه أعدلُ عَدْلا " . (7) وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " يعدلون " ، قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك: 13044 - حدثني ابن محمد عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " يعدلون " ، قال: يشركون . * * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بذلك: فقال بعضهم: عُني به أهل الكتاب . * ذكر من قال ذلك: 13045 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن ابن أبزى قال: جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية: " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربِّهم يعدِلون " ، قال له: أليس الذين كفروا بربِّهم يعدلون؟ قال: بلى ! قال: وانصرف عنه الرجل, فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى, إن هذا قد أراد تفسيرَ هذه غير هذا! إنه رجلٌ من الخوارج ! فقال: ردّوه عليّ . فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نـزلت هذه الآية؟ قال: لا! قال: إنها نـزلت في أهل الكتاب, اذهبْ، ولا تضعها على غير حدِّها . (8) وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون من عبدةِ الأوثان . * ذكر من قال ذلك: 13046 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال: [هؤلاء: أهل صراحيه] . (9) 13047- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال: هم المشركون . 13048 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون "، قال: الآلهة التي عبَدوها، عدلوها بالله . قال: وليس لله عِدْلٌ ولا نِدٌ, وليس معه آلهة, ولا اتخذ صاحبةً ولا ولدًا . * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أخبر أنّ الذين كفروا بربهم يعدلون, فعمّ بذلك جميع الكفّار, ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم, ونصاراهم, ومجوسهم, وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر . -------------------الهوامش :(1) في المطبوعة والمخطوطة: "أحدا شيئًا" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(2) انظر تفسير"الحمد" فيما سلف 1 : 135 - 141.(3) انظر ما كتبته على الأثر رقم: 8317 ، ج 7: 547 ، تعليق: 6/ ثم الأثر: 12834 ، ج: 11: 128 ، تعليق: 1 ، في قوله: " فذهب ينزل" وقوله: " تذهب فتختلط" ، وقد سميتها هناك ألفاظ الاستعانة. وقد أجاد أبو جعفر العبارة عن هذا المعنى ، فقيده وحفظه.(4) لم أعرف قائله.(5) لم أجد البيتين فيما بين يدي من الكتب ، وإن كنت أذكر أني قرأتهما قبل ، ثم لا أدري أين؟ وكان البيت الأول في المطبوعة: وَزَعَمْـتَ أَنَّـكَ سَـوفَ تَسْـلُك قادِرًا وَالمــوتُ مُتَّسِــعٌ طَـرِيقي قـادِرِ وهو كلام صفر من المعنى. وكان في المخطوطة هكذا. وزعمـتَ أنـك سـوف تسلك مال را المــوت ملســع طــريقي قـادرِ ورجحت قراءته كما أثبته ، وكما أتوهم أني أذكر من معنى الشعر ، وأظنه من كلام شاعر يقوله لأخيه أو صاحبه ، أراد أن ينفرد في طريقه وحلف ليفعلن ذلك ، فسخر منه ، وقال له ما قال. وقوله: " فارد" ، أي منفردًا منقطعًا عن رفيقك وصاحبك. وقوله: " والموت مكتنع" ، أي: دان قد أشرف عليك. يقال"كنع الموت واكتنع" دنا وقرب ، قال: الراجز: وَاكْـــتَنَعَتْ أُمُّ اللُّهَيْـــمِ وَاكْــتَنَعْ و"أم اللهيم" ، كنية الموت ، لأنه يلتهم كل شيء. هذا اجتهادي في تصحيح الشعر ، حتى يوجد في مكان غيره.(6) الأثر: 13042 -"عبد العزيز بن عبد الصمد العمي" ، "أبو عبد الصمد" ، ثقة حافظ ، من شيوخ أحمد ، روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب. و"أبو عمران الجوني" هو"عبد الملك بن حبيب الأزدي" ، ثقة ، مضى برقم: 80. و"عبد الله بن رباح الأنصاري" ، ثقة ، مضى برقم: 4810. و"كعب" ، هو كعب الأحبار المشهور بأخباره الإسرائيلية.(7) انظر تفسير"العدل فيما سلف 2: 35/11 : 43 ، 44.(8) الأثر: 13045 -"يعقوب القمي" ، هو"يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي" ، ثقة ، مضى برقم: 617 ، 7269 ، 8158. و"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي" ، ثقة ، مضى برقم: 87 ، 617 ، 4347 ، 7269. و"ابن أبزى" هو: " سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي" ، ثقة ، مضى برقم: 9656 ، 9657 ، 9672. وأراد السائل من الخوارج بسؤاله ، الاستدلال بالآية على تكفير أهل القبلة ، في أمر تحكيم علي بن أبي طالب. وذلك هو رأي الخوارج.(9) في المطبوعة: " هؤلاء أهل صراحة" ، وهو كلام لا معنى له ، وفي المخطوطة ما أثبته بين القوسين ، لم أستطع أن أحل رموزه ، فلعله يوجد بعد في كتاب غير الكتب التي في أيدينا ، فتبين صحته.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
    +/- -/+  
الأية
2
 
القول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " هو الذي خلقكم من طين " ، أن الله الذي خلق السماوات والأرض, وأظلم ليلهما وأنَار نهارهما, ثم كفر به مع إنعامه عليهم الكافرون, (10) وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرُّهم . هو الذي خلقكم، أيها الناس، من طين. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره: أنَّ الناس وَلدُ مَنْ خلقه من طين, فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم, إذ كانوا وَلَده . * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك: 13049- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " هو الذي خلقكم من طين " ، بدءُ الخلق، خلقَ الله آدم من طين . 13050 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " هو الذي خلقكم من طين " ، قال: هو آدم . 13051- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا " خلقكم من طين "، فآدم . 13052 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم قال: خلق آدم من طين, وخلق الناس من سُلالةٍ من ماءٍ مَهين . 13053 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " خلقكم من طين " ، قال: خلق آدم من طين, ثم خلقنا من آدم حين أخذَنا من ظهره . * * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معنى قوله: " ثم قضى أجلا " ، ثم قضى لكم، أيها الناس،" أجلا ". وذلك ما بين أن يُخْلق إلى أن يموت =" وأجل مسمى عنده "، وذلك ما بين أن يموت إلى أن يبعث . * ذكر من قال ذلك: 13054- حدثنا ابن وكيع وهناد بن السري قالا حدثنا وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن الحسن في قوله: " قضى أجلا " ، قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت =" وأجل مسمى عنده " ، قال: ما بين أن يموت إلى أن يبعث . (11) 13055 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عِنده " ، كان يقول: أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره . 13056 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم: " قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال: قضى أجل الموت, وكل نفسٍ أجلها الموت . قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها =" وأجل مسمى عنده " ، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاءُ إلى الله . * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم قضى الدنيا، وعنده الآخرة . * ذكر من قال ذلك: 13057 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: " أجلا " ، قال: الدنيا =" وأجل مسمى عنده " ، الآخرة . 13058 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو عاصم, عن زكريا بن إسحاق, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قضى أجلا " ، قال: الآخرة عنده =" وأجل مسمى " ، الدنيا . 13059- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أجلا " ، قال: الآخرة عنده =" وأجل مسمًّى " ، قال: الدنيا . 13060- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أجلا " ، قال: الآخرة عنده =" وأجل مسمى " ، قال: الدنيا . 13061- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة والحسن: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قالا قضى أجل الدنيا، من حين خلقك إلى أن تموت =" وأجل مسمى عنده "، يوم القيامة . 13062 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال: قَضَى أجل الدنيا =" وأجل مسمى عنده " ، قال: هو أجل البعث . 13063- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: " ثم قضى أجلا " ، قال: الموت =" وأجل مسمى عنده "، الآخرة . 13064- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة والحسن في قوله: " قضى أجلا وأجل مسمى عنده "، قالا قضى أجل الدنيا، منذ يوم خلقت إلى أن تموت =" وأجل مسمى عنده "، يوم القيامة . 13065- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: " قضى أجلا " ، قال: أجل الدنيا =" وأجل مسمى عنده "، قال: البعث . 13066- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عنده " ، يعني: أجل الموت =" والأجل المسمى "، أجلُ الساعة والوقوفِ عند الله . 13067 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قضى أجلا " ، قال: أمّا " قضى أجلا "، فأجل الموت =" وأجل مسمى عنده " ، يوم القيامة . * * * وقال آخرون في ذلك بما:- 13068 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال: أمّا قوله: " قضى أجلا " ، فهو النومُ، تُقْبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة =" وأجل مسمى عنده " ، هو أجل موت الإنسان . * * * وقال آخرون بما:- 13069 - حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب في قوله: " هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون " ، قال: خلق آدم من طين, ثم خلقنا من آدم, أخذنا من ظهره, ثم أخذ الأجل والمِيثاق في أجلٍ واحد مسمًّى في هذه الحياة الدنيا . * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم قضى أجلَ الحياة الدنيا =" وأجلٌ مسمى عنده " ، وهو أجل البَعْث عنده . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأنه تعالى ذكره نبَّه خلقَه على موضع حُجَّته عليهم من أنفسهم فقال لهم: أيها الناس, إن الذي يعدِلُ به كفارُكم الآلهةَ والأندادَ ، هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين, فجعلكم صورًا أجساًما أحياءً، بعد إذ كنتم طينًا جمادًا, ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم, ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم = وأجل مسمى عندَه لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم . (12) وذلك نظير قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، [سورة البقرة: 28]. * * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَر على خلق السماوات والأرض, وإظلام الليل وإنارة النهار, وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها = على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم, (13) وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم . * * * و " المرية " في كلام العرب، هي الشك. وقد بيّنت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (14) * * * وقد:- 13070 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ثم أنتم تمترون " ، قال: الشك . قال: وقرأ قول الله: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [سورة هود: 17] ، قال: في شكٍّ منه. 13071 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم أنتم تمترون " ، بمثله . --------------------الهوامش :(10) في المطبوعة: " فكفر به" ، أما المخطوطة ، ففيها الذي أثبته إلا أنه كتب"ثمكفر به" ووصل"ثم" بقوله: " كفر" ، وهذا من عجب الكتابة ولطائف النساخ.(11) الأثر: 13054 -"وكيع" هو"وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي". وأبوه: " الجراح بن مليح الرؤاسي" ، مضيا في مواضع مختلفة. و"أبو بكر الهذلي" مختلف في اسمه قيل هو: " سلمى بن عبد الله بن سلمى" ، وقيل: " روح بن عبد الله". ومضى برقم: 597 ، 8376 ، وهو ضعيف.(12) انظر تفسير"الأجل" فيما سلف 5: 7/6 : 43 ، 76/8 : 548. = وتفسير"مسمى" فيما سلف 6: 43.(13) في المطبوعة: " وعلى إنشائه" بزيادة الواو ، وهي مفسدة وهي خطأ صرف ، لم يفهم سياق أبي جعفر ، فإن قوله: " على إنشائه إياكم" متعلق بقوله: " ثم أنتم تشكون في قدرة من قدر . . ." ، أي: تشكون في قدرة من فعل ذلك ، على إنشائه إياكم.(14) انظر تفسير"الامتراء" فيما سلف 3: 190 ، 191/6 : 472.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
    +/- -/+  
الأية
3
 
القول في تأويل قوله : وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهةُ التي لا تنبغي لغيره، المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم مَن سواه, هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سِرَّكم وجَهْركم، فلا يخفى عليه شيء. يقول: فربكم الذي يستحقُّ عليكم الحمدَ، ويجب عليكم إخلاصُ العبادة له, هو هذا الذي صفته = لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا نفع، ولا يعمل شيئًا، ولا يدفع عن نفسه سُوءًا أريد بها . * * * وأما قوله: " ويعلم ما تكسبون " ، يقول: ويعلم ما تَعمَلون وتجرَحُون, فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه. (15) ----------------------الهوامش :(15) انظر تفسير"كسب" فيما سلف 10 : 297 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
    +/- -/+  
الأية
4
 
القول في تأويل قوله : وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدِلون أوثانَهم وآلهتهم ="آية من آيات ربهم " ، يقول: حجّة وعلامة ودلالة من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته، وحقيقة نبوتك، يا محمد، وصدق ما أتيتهم به من عندي (16) =" إلا كانوا عنها معرضين " ، يقول: إلا أعرضوا عنها, يعني عن الآية, فصدّوا عن قَبُولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلّت على صحته, جهلا منهم بالله، واغترارًا بحلمه عنهم . (17) ------------------الهوامش :(16) انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة { أيي).(17) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف 9: 310 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
    +/- -/+  
الأية
5
 
القول في تأويل قوله : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقد كذب هؤلاء العادلون بالله، الحقَّ لما جاءهم, وذلك " الحق "، هو محمد صلى الله عليه وسلم (18) كذّبوا به, وجحدوا نبوَّته لما جاءهم. قال الله لهم متوعّدًا على تكذيبهم إياه وجحودِهم نبوَّته: سوف يأتي المكذّبين بك، يا محمد، من قومِك وغيرهم =" أنْباء ما كانوا به يستهزئون " ، يقول: سوف يأتيهم أخبارُ استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتي وأدلَّتي التي آتيتهم . (19) ثم وفى لهم بوعيده لمّا تمادَوا في غيِّهم، وعَتْوا على ربهم, فقتلتهم يوم بدرٍ بالسَّيف . ------------------الهوامش :(18) انظر تفسير"الحق" فيما سلف 10: 377 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(19) انظر تفسير"النبأ" فيما سلف 10: 391 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.= وتفسير"الاستهزاء" فيما سلف 1: 301 - 303.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ
    +/- -/+  
الأية
6
 
القول في تأويل قوله : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم يرَ هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون نبوّتك, كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون = وهم الأمم = الذين وطَّأت لهم البلادَ والأرض توطئة لم أوطِّئها لهم, (20) وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم؟ كما:- 13072 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ، يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم . * * * قال أبو جعفر: أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها, وأعطتهم الأرض رَيْع نَباتها, وجابوا صخورَ جبالها, ودرَّت عليهم السماء بأمطارها, وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني, فغمَطُوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم, وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلي, فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم, وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب . * * * ومعنى قوله: " وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا " ، المطرَ. ويعني بقوله: " مدرارًا "، غزيرة دائمةً =" وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " ، يقول: وأحدثنا من بعد الذين أهلكناهم قرنًا آخرين، فابتدأنَا سِواهم . * * * فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ؟ ومن المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غَيَبٍ بقوله: " ألم يروا كم أهلكنا من قَبَلهم من قرن " ؟ قيل: إن المخاطب بقوله: " ما لم نمكن لكم " ، هو المخبر عنهم بقوله: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن " ، ولكن في الخبر معنى القول = ومعناه: قُلْ، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قَرْن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم. والعرب إذا أخبرت خبرًا عن غائبٍ ، وأدخلت فيه " قولا "، فعلت ذلك، فوجهت الخبرَ أحيانًا إلى الخبر عن الغائب, وأحيانًا إلى الخطاب, فتقول: " قلت لعبد الله: ما أكرمه ", و " قلت لعبد الله: ما أكرمك ", وتخبر عنه أحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، ثم تعود إلى الخطاب. وتخبر على وجه الخطاب له، ثم تعود إلى الخبر عن الغائب. وذلك في كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (21) * * * وقد كان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: كأنه أخبرَ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خاطبه معهم. وقال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس: 22] ، فجاء بلفظ الغائب، وهو يخاطب, لأنه المخاطَب . ---------------------الهوامش :(20) في المطبوعة: " وطأة لم أوطئها" ، وأثبت ما في المخطوطة.(21) انظر ما سلف 1: 153 - 154/ 2 : 293 ، 294 ، 357 ، 388/ 3 : 170/ 6 : 564.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
    +/- -/+  
الأية
7
 
القول في تأويل قوله : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثانَ والآلهة والأصنام. يقول تعالى ذكره: وكيف يتفقهون الآيات, أم كيف يستدِلُّون على بُطْلان ما هم عليه مُقِيمون من الكفر بالله وجحودِ نبوتك، بحجج الله وآياته وأدلته, وهم لعنادهم الحقَّ وبعدِهم من الرشد, لو أنـزلت عليك، يا محمد، الوحيَ الذي أنـزلته عليك مع رسولي، في قِرْطاس يعاينونه ويمسُّونه بأيديهم، (22) وينظرون إليه ويقرءونه منه، معلَّقًا بين السماء والأرض، بحقيقة ما تدعوهم إليه، وصحَّةِ ما تأتيهم به من توحيدي وتنـزيلي, لقال الذين يعدلُون بي غيري فيشركون في توحيدِي سواي: " إنْ هذا إلا سحرٌ مبينٌ" ، أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحرتَ به أعيننا, ليست له حقيقة ولا صحة (23) =" مبين " ، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له. (24) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: 13073 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم " ، قال: فمسوه ونظروا إليه، لم يصدِّقوا به . 13074 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولو نـزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم " ، يقول: فعاينوه معاينة =" لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحرٌ مبين ". 13075 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ولو نـزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم " ، يقول: لو نـزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم, لزادهم ذلك تكذيبًا. 13076- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولو نـزلنا عليك كتابًا في قرطاس " ، الصحف. 13077- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " في قرطاس " ، يقول: في صحيفة =" فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إنْ هذا إلا سحرٌ مبين ". ---------------الهوامش :(22) انظر تفسير"لمس" فيما سلف 8: 399/ 10 : 83 .(23) انظر تفسير"السحر" فيما سلف 2: 436 - 442.(24) انظر تفسير"مبين" فيما سلف 10 : 575 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ
    +/- -/+  
الأية
8
 
القول في تأويل قوله : وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المكذبون بآياتي، العادلون بي الأندادَ والآلهةَ، يا محمد، لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي, وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعتَ به عذرَهم: هَلا نـزل عليك ملك من السماء في صورته، (25) يصدّقكَ على ما جئتنا به, ويشهد لك بحقيقة ما تدَّعي من أنَّ الله أرسلك إلينا! كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن المشركين في قِيلهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [سورة الفرقان: 7] ، =" ولو أنـزلنا مَلَكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول: ولو أنـزلنا ملكًا على ما سألوا، ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي, لجاءهم العذابُ عاجلا غيرَ آجل, (26) ولم يُنْظروا فيؤخَّروا بالعقوبة مراجعةَ التوبة, (27) كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات، ثم كفرت بعد مجيئها، من تعجيل النقمة، وترك الإنظار، كما:- 13078 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون "، يقول: لجاءهم العذاب. 13079 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول: ولو أنهم أنـزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا. 13080 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " لولا أنـزل عليه ملك " في صورته =" ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر " ، لقامت الساعة. 13081 - حدثنا ابن وكيع, عن أبيه قال، حدثنا أبو أسامة, عن سفيان الثوري, عن عكرمة: " لقضي الأمر " ، قال: لقامت الساعة. 13082- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر " ، قال يقول: لو أنـزل الله ملكًا ثم لم يؤمنوا, لعجل لهم العذاب. * * * وقال آخرون في ذلك بما :- 13083- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، أخبرنا بشر بن عمارة, عن أبي روق، عن الضحاك, عن ابن عباس قوله: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، قالا لو آتاهم ملك في صورته لماتوا, ثم لم يؤخَّرُوا طرفةَ عينٍ . * * * ---------------الهوامش :(25) انظر تفسير"لولا" فيما سلف 2 : 552 ، 553/10 : 448 وما سيأتي ص: 343.(26) انظر تفسير"قضى" فيما سلف 2: 542/4: 195/9: 164.(27) انظر تفسير"انظر" فيما سلف 3: 264/6: 577.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ
    +/- -/+  
الأية
9
 
القول في تأويل قوله : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء العادلِين بي, القائلين: لولا أنـزل على محمّدٍ ملك بتصديقه- ملكًا ينـزل عليهم من السماء, يشهد بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرهم باتباعه =" لجعلناه رجلا " ، يقول: لجعلناه في صورة رجل من البشر, لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك في صورته . يقول: وإذا كان ذلك كذلك, فسواء أنـزلت عليهم بذلك ملكًا أو بشرًا, إذ كنت إذا أنـزلت عليهم ملكًا إنما أنـزله بصورة إنسيّ, وحججي في كلتا الحالتين عليهم ثابتة: بأنك صادق، وأنّ ما جئتهم به حق. * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: 13084 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " ، يقول: ما آتاهم إلا في صورة رجل, لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة . 13085 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا "، في صورة رجل، في خَلْق رجل. 13086 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " ، يقول: لو بعثنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة آدم. (1) 13087 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " ، يقول: في صورة آدمي. 13088 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله . 13089 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " قال: لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل, لم نرسله في صورة الملائكة . * * * القول في تأويل قوله : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وللبسنا عليهم " : ولو أنـزلنا ملكًا من السماء مصدِّقًا لك، يا محمد, شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي، الجاحدين آياتِك على حقيقة نبوّتك, فجعلناه في صورة رجل من بني آدم، إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملك بصورته التي خلقتُه بها= التبس عليهم أمرُه، فلم يدروا أملك هو أمْ إنسيّ! فلم يوقنوا به أنَّه ملك، ولم يصدّقوا به, وقالوا: " ليس هذا ملكًا "! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصحة برهانك وشاهدك على نبوّتك. * * * يقال منه: " لَبَست عليهم الأمر أَلْبِسُه لَبْسًا "، إذا خلطته عليهم =" ولبست الثوبَ ألبَسُه لُبْسًا ". و " اللَّبوس "، اسم الثياب. (2) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (3) 13089- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يقول: لشبَّهنا عليهم. 13090 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يقول: ما لبَّس قوم على أنفسهم إلا لَبَّس الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس. 13091- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يقول: شبَّهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم . * * * وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول آخر, وهو ما:- 13092 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، فهم أهل الكتاب، فارقوا دينهم، وكذَّبوا رسلهم, وهو تحريفُ الكلام عن مواضعه . 13093 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يعني: التحريفَ، هم أهل الكتاب, فرقوا كتبهم ودينَهم، وكذَّبوا رسلهم, فلبَّس الله عليهم ما لبَّسوا على أنفسهم . * * * وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أوّل السورة، بأن تكون في أمر المشركين من عبدة الأوثان، أشبهُ منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى, بما أغنى عن إعادته. (4) --------------------الهوامش :(1) في المطبوعة: " آدمي" ، وأثبت ما في المخطوطة.(2) انظر تفسير"اللبس" فيما سلف 1: 567 ، 568/6 : 503 - 505 = وتفسير"اللباس" فيما سلف 1: 567 ، 568/ 3 : 489 ، 490.(3) انظر أثرًا آخر في تفسير هذه الآية فيما سلف رقم: 882 { ج 1 : 567) ، لم يذكره في الآثار المفسرة ، وهو باب من أبواب اختصاره لتفسيره.(4) انظر ما سلف ص : 254.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
    +/- -/+  
الأية
10
 
القول في تأويل قوله : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، مسليًّا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبةَ ما يلقى منهم من أذىَ الاستهزاء به، والاستخفاف في ذات الله: هَوِّنْ عليك، يا محمد، ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفِّين بحقك فيّ وفي طاعتي, وامضِ لما أمرتك به من الدُّعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي، فإنهم إن تمادوا في غيِّهم، وأصَرُّوا على المقام على كفرهم, نسلك بهم سبيلَ أسلافهم من سائر الأمم من غيرهم، من تعجيل النقمة لهم، وحلول المَثُلاثِ بهم. فقد استهزأت أمم من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك, وفعلوا مثل ما فعل قومُك بك =" فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون " ، يعني بقوله: " فحاق " ، فنـزل وأحاط بالذين هزئوا من رسلهم =" ما كانوا به يستهزئون " ، يقول: العذابُ الذي كانوا يهزءون به، وينكرون أن يكون واقعًا بهم على ما أنذرتهم رسلهم . * * * يقال منه: " حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقَانًا " . * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: 13094- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فحاق بالذين سخروا منهم " ، من الرسل =" ما كانوا به يستهزئون " ، يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
    +/- -/+  
الأية
11
 
القول في تأويل قوله : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " قل "، يا محمد = لهؤلاء العادلين بيَ الأوثانَ والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي=" سيروا في الأرض " ، يقول: جولوا في بلاد المكذِّبين رسلَهم، الجاحدين آياتي مِنْ قبلهم من ضُرَبائهم وأشكالهم من الناس =" ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " ، يقول: ثم انظروا كيف أعقَبَهم تكذيبهم ذلك، الهلاكَ والعطبَ وخزيَ الدنيا وعارَها, وما حَلَّ بهم من سَخَط الله عليهم، من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. فاعتبروا به, إن لم تنهكم حُلُومكم, ولم تزجركم حُجج الله عليكم, عمَّا أنتم [عليه] مقيمون من التكذيب, (5) فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحلّ بكم مثلُ الذي حلّ بهم. * * * وكان قتادة يقول في ذلك بما:- 13095- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين "، دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيَّرهم إلى النار. -------------------الهوامش :(5) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
    +/- -/+  
الأية
12
 
القول في تأويل قوله : قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم =" لمن ما في السماوات والأرض "، يقول: لمن ملك ما في السماوات والأرض؟ ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبدَ كل شيء، وقهر كل شيء بملكه وسلطانه = لا للأوثان والأنداد، ولا لما يعبدونه ويتخذونه إلهًا من الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضُرًّا. وقوله: " كتب على نفسه الرحمة " ، يقول: قضى أنَّه بعباده رحيم, لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة. (6) وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة. يقول تعالى ذكره: أن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوّتك، يا محمد, إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم, وإني قد قضيت في خَلْقي أنّ رحمتي وسعت كل شيء، كالذي:- 13096 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن ذكوان, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما فرغ الله من الخلق، كتب كتابًا: " إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي". (7) 13097 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: إنّ الله تعالى ذكره لما خلق السماء والأرض, خلق مئة رحمةٍ, كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض. فعنده تسع وتسعون رحمةً, وقسم رحمة بين الخلائق. فبها يتعاطفون، وبها تشرب الوَحْش والطير الماءَ. فإذا كان يوم ذلك، (8) قصرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين. (9) 13098- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن أبي عثمان, عن سلمان، نحوه = إلا أن ابن أبي عدي لم يذكر في حديثه: " وبها تشرب الوحش والطير الماء ". (10) 13099- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عاصم بن سليمان, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: نجد في التوراة عطفتين: أن الله خلق السماوات والأرض, ثم خلق مئة رحمة = أو: جعل مئة رحمة = قبل أن يخلق الخلق. ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمة واحدة, وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة. قال: فبها يتراحمون, وبها يتباذلون, وبها يتعاطفون, وبها يتزاورون, (11) وبها تحنُّ الناقة, وبها تثُوجُ البقرة, (12) وبها تيعر الشاة, (13) وبها تتَّابع الطير, وبها تتَّابع الحيتان في البحر. (14) فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده. ورحمته أفضل وأوسع. 13100- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عاصم بن سليمان, عن أبي عثمان النهدي, عن سلمان في قوله: " كتب على نفسه الرحمة " ، الآية قال: إنا نجد في التوراة عَطْفتين= ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: (15) " وبها تَتَابع الطير, وبها تَتَابع الحيتان في البحر ". (16) 13101 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال ابن طاوس, عن أبيه: إن الله تعالى ذكره لما خلق الخلق, لم يعطف شيء على شيء, حتى خلق مئة رحمة, فوضع بينهم رحمة واحدة, فعطف بعضُ الخلق على بعض. 13102- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه، بمثله . 13103 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، وأخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة ، حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله عز وجلّ من القضاء بين خلقه, أخرج كتابًا من تحت العرش فيه: " إن رحمتي سبقت غضبي, وأنا أرحم الراحمين " ، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة = أو قال: " مِثلا أهل الجنة ", ولا أعلمه إلا قال: " مثلا ", وأما " مثل " فلا أشك = مكتوبًا ها هنا, وأشار الحكم إلى نحره," عتقاء الله " ، فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله, فإن الله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [سورة المائدة: 37] ؟ قال: ويلك ! أولئك أهلها الذين هم أهلها. 13104- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة ، حسبت أنه أسنده قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج الله كتابًا من تحت العرش = ثم ذكر نحوه, غير أنه قال: فقال رجل: يا أبا عبد الله, أرأيت قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ = وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى . 13105- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: " إنّ رحمتي سبقت غضبي". (17) 13106 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن لله مئة رحمة, فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابّ الأرض وهوامّها. وما بين الهواء. واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمة, حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمةَ التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا, (18) فحواها إلى ما عنده, فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة. (19) 13107 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: قال عبد الله بن عمرو: إن لله مئة رحمة, أهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة، يتراحم بها الجنّ والإنس، والطير والبهائم وهوامُّ الأرض. 13108 - حدثنا محمد بن عوف قال، أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال، حدثنا صفوان بن عمرو قال، حدثني أبو المخارق زهير بن سالم قال، قال عمر لكعب: ما أوَّل شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابًا لم يكتبه بقلم ولا مداد, ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت (20) " أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي". (21) * * * القول في تأويل قوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ قال أبو جعفر: وهذه " اللام " التي في قوله: " ليجمعنكم " ، لام قسم . * * * ثم اختلف أهل العربية في جالبها, فكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت " الرحمة " غاية كلام، ثم استأنفت بعدها: " ليجمعنكم ". قال: وإن شئت جعلتَه في موضع نصب = يعني: كتب ليجمعنكم = كما قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [سورة الأنعام: 54] ، يريد: كتب أنه من عمل منكم = قال: والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جوابُ كلام الأيمان ب " أن " المفتوحة وب " اللام ", (22) فيقولون: " أرسلت إليه أن يقوم "," وأرسلت إليه ليقومن ". قال: وكذلك قوله: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، [سورة يوسف: 35] . قال: وهو في القرآن كثير. ألا ترى أنك لو قلت: " بدا لهم أن يسجنوه ", لكان صوابًا؟ (23) وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصبت " لام "" ليجمعنكم " ، لأن معنى: " كتب " [: فرضَ، وأوجب، وهو بمعنى القسم] ، (24) كأنه قال: والله ليجمعنكم. * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يكون قوله: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، غايةً, وأن يكون قوله: " ليجمعنكم " ، خبرًا مبتدأ = ويكون معنى الكلام حينئذ: ليجمعنكم الله، أيها العادلون بالله، ليوم القيامة الذي لا ريب فيه، لينتقم منكم بكفركم به. وإنما قلت: هذا القول أولى بالصواب من إعمال " كتب " في" ليجمعنكم " ، لأن قوله: " كتب " قد عمل في الرحمة, فغير جائز، وقد عمل في" الرحمة "، أن يعمل في" ليجمعنكم " ، لأنه لا يتعدَّى إلى اثنين. * * * فإن قال قائل: فما أنت قائل في قراءة من قرأ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ ، [سورة الأنعام: 54] بفتح " أنّ" ؟ قيل: إن ذلك إذ قرئ كذلك, فإن " أنّ" بيانٌ عن " الرحمة "، وترجمة عنها. لأن معنى الكلام: كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [ من تاب ] من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ويعفو، (25) و " الرحمة "، يترجم عنها ويبيَّن معناها بصفتها. وليس من صفة الرحمة " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " ، فيكون مبينًا به عنها. فإذ كان ذلك كذلك, فلم يبق إلا أن تنصب بنية تكرير " كتب " مرة أخرى معه, ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود في ظاهره. وأما تأويل قوله: " لا ريب فيه " ، فإنه لا شك فيه, (26) يقول: في أنّ الله يجمعكم إلى يوم القيامة، فيحشركم إليه جميعًا, ثم يؤتى كلَّ عامل منكم أجرَ ما عمل من حسن أو سيئ . * * * القول في تأويل قوله : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " الذين خسروا أنفسهم " ، العادلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقول تعالى ذكره: ليجمعن الله =" الذين خسروا أنفسهم ", يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندَّ والعَدِيل, فأوبقوها باستيجابهم سَخَط الله وأليم عقابه في المعاد. (27) * * * وأصل " الخسار "، الغُبْنُ. يقال منه ": خسر الرجل في البيع "، إذا غبن, كما قال الأعشى: لا يَــأخُذُ الرِّشْــوَةَ فِــي حُكْمِـهِ وَلا يُبَـــالِي خَسَـــرَ الخَاسِــر (28) وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. (29) * * * وموضوع " الذين " في قوله: " الذين خسروا أنفسهم " ، نصبٌ على الرد على " الكاف والميم " في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ ، على وجه البيان عنها. وذلك أنّ الذين خسروا أنفسهم, هم الذين خوطبوا بقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ . * * * وقوله: " فهم لا يؤمنون " ، يقول: " فهم "، لإهلاكهم أنفسهم وغَبْنهم إياه حظَّها =" لا يؤمنون ", أي لا يوحِّدون الله، ولا يصدِّقون بوعده ووعيده، ولا يقرُّون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ---------------------الهوامش :(6) انظر تفسير"كتب" فيما سلف 10: 359 ، تعليق : 1.(7) الأثر: 13096 - إسناده صحيح. وهو حديث مشهور. "ذكوان" ، هو"أبو صالح". ورواه البخاري { الفتح 13: 325) من طريق أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، بغير هذا اللفظ ، مطولا. وانظر تعليق أخي السيد أحمد على المسند رقم: 7297 ، 7491 ، 7520.(8) في المطبوعة: " فإذا كان يوم القيامة ، قصرها" ، وأثبت ما في المخطوطة. وأما سائر المراجع فذكرت ما كان في المطبوعة. والذي في المخطوطة جائز ، فإن"ذلك" إشارة إلى معهود معروف ، وهو يوم القيامة.(9) الأثران: 13097 ، 13098 -"داود" ، هو"داود بن أبي هند" مضى مرارًا. و"أبو عثمان" ، هو"أبو عثمان النهدي": "عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي" ، تابعي ثقة ، أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.(10) الأثران: 13097 ، 13098 -"داود" ، هو"داود بن أبي هند" مضى مرارًا. و"أبو عثمان" ، هو"أبو عثمان النهدي": " عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي" ، تابعي ثقة ، أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.(11) في المخطوطة ، فوق"يتزاورون" ، حرف { ط) ، دلالة على الشك أو الخطأ. ولا أدري ما أراد بذلك ، والذي في المخطوطة والمطبوعة ، مثله في الدر المنثور.(12) في المطبوعة: " تنئج البقرة" ، وفي الدر المنثور: " تنتج البقرة" ، وهو خطأ. والذي في المطبوعة ، صواب في المعنى. يقال: " نأج الثور ينئج" ، إذا صاح. وأما الذي في المخطوطة ، فهو صواب أيضًا ، ولذلك أثبته ، يقال: " ثاجت البقرة تثاج وتثوج ، ثوجًا وثواجًا": صوتت. قال صاحب اللسان: " وقد يهمز ، وهو أعرف. إلا أن ابن دريد قال: ترك الهمز أعلى".(13) "يعرت الشاة تيعر يعارًا": صاحت.(14) أنا في شك في قوله"تتابع الطير" و"تتابع الحيتان" ، ولكن هكذا هو المطبوعة والمخطوطة ، وهو معنى شبيه بالاستقامة. وانظر التعليق التالي.(15) في المطبوعة: " إلا أنه ما قال" ، زاد"ما" ، لأنه استشكل عليه الكلام ، فإن الذي قاله في هذا الخبر ، هو الذي قاله في الخبر السالف. والظاهر والله أعلم أن الأولى كما ضبطتها هناك"تتابع" { بفتح ثم تاء مفتوحة مشددة) وأن هذه الثانية"تتابع" { بفتح التاء الثانية غير مشددة) على حذف إحدى التاءات الثلاث.(16) الأثران: 13099 ، 13100 - خرجهما السيوطي في الدر المنثور 3: 6 ، وقال: " أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن سلمان . . ." ، وساق الخبر.(17) الأثر: 13105 - رواه أحمد في مسنده بهذا الإسناد رقم: 8112 ، ولفظه: " غلبت غضبي". وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه هناك. وانظر التعليق على الأثر السالف رقم: 13096. (18) "اختلج الشيء": جذبه وانتزعه.(19) الأثر: 13106 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 6 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.(20) هكذا في المطبوعة ، وفي الدر المنثور ، "يتلوها" ، وهي في المخطوطة كذلك ، إلا أنها غير منقوطة ، وأنا في ريب من أمر هذا الحرف ، أخشى أن يكون محرفًا عن شيء آخر لم أتبينه ، وإن كان المعنى مستقيما على ضعف فيه.(21) الأثر: 13108 -"محمد بن عوف بن سفيان الطائي" ، شيخ الطبري مضى ، برقم: 5445 ، 12194. و"أبو المغيرة" : عبد القدوس بن الحجاج الخولاني" ، مضى برقم: 10371 ، 12194. و"صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي" ، مضى برقم: 7009 ، 12807. و"أبو المخارق": " زهير بن سالم العنسي". ذكره ابن حبان في الثقات ، "روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا". وقال الدارقطني: " حمصي ، منكر الحديث" ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/390 ، وابن أبي حاتم 1/2/587 ، وميزان الاعتدال 1: 353. وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 6 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير. وهو خبر كما ترى ، عن كعب الأحبار ، مشوب بما كان من دأبه في ذكر الإسرائليات.(22) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وهو في معاني القرآن"جواب الأيمان" ، وهو الأجود.(23) انظر معاني القرآن للفراء 1: 328. وهذا نص كلامه.(24) الزيادة التي بين القوسين ، استظهرتها من سياق التفسير ، ليستقيم الكلام. وهي ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.(25) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، استظهرتها من معنى الآية. وانظر ما سيأتي في تفسيرها ص: 392 ، 393.(26) انظر تفسير"الريب" فيما سلف 8: 592 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.(27) في المطبوعة والمخطوطة "بإيجابهم سخط الله" وهو لا يستقيم صوابه ما أثبت.(28) ديوانه: 105 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 187. وهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة"خسر الخاسر" ، ورواية ديوانه وغيره: " غَبَنَ الْخَاسِر" بتحريك الباء بالفتح. والذي نص عليه أصحاب اللغة أن"الغبن" بفتح وسكون ، في البيع ، وأن"الغبن" { بفتحتين) في الرأي ، وهو ضعفه. فكأن ما جاء في رواية ديوان الأعشى ، ضرورة ، حركت الباء وهي ساكنة إلى الفتح. وأما رواية أبي جعفر ، فهي على الصواب يقال: " خسر خسرًا { بفتح فسكون) ، وخسرًا { بفتحتين)." وهذا البيت من قصيدته في هجاء علقمة بن علاثة ومدح عامر بن الطفيل ، ذكرت خبرها في أبيات سلفت منها 1: 474/2 : 131/5 : 477 ، 478. وقبل البيت: حَـــكَّمْتُمُونِي، فَقَضَـــى بَيْنَكُــمْ أَبْلَـــجُ مِثْــلُ القَمَــرِ البَــاهِرِ (29) انظر تفسير"الخسار" فيما سلف 10: 409 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
    +/- -/+  
الأية
13
 
القول في تأويل قوله : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثانَ, فيخلصوا له التوحيد، ويُفْرِدوا له الطاعة، ويقرّوا بالألوهية، جهلا =" وله ما سكن في الليل والنهار " ، يقول: وله ملك كل شيء, لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكنٌ في الليل والنهار. فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا=" وهو السميع " ، يقول: وهو السميع ما يقول هؤلاء المشركون فيه، من ادّعائهم له شريكًا, وما يقول غيرهم من خلقه (30) =" العليم " ، بما يضمرونه في أنفسهم، وما يظهرونه بجوارحهم, لا يخفى عليه شيء من ذلك, فهو يحصيه عليهم, ليوفّي كل إنسان ثوابَ ما اكتسبَ، وجزاء ما عمل . * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " سكن " ، قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: 13109 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وله ما سكن في الليل والنهار " ، يقول: ما استقرَّ في الليل والنهار. ---------------------الهوامش :(30) في المطبوعة: " من خلاف ذلك" ، غير ما في المخطوطة بسوء رأيه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    +/- -/+  
الأية
14
 
القول في تأويل قوله : قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ, والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك, الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره: " أتخذ وليًّا "، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث، (31) كما:- 13110 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قل أغير الله أتخذ وليًّا " ، قال: أما " الولي"، فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية . * * * =" فاطر السماوات والأرض " ، يقول: أشيئًا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليًّا؟ ف " فاطر السماوات "، من نعت " الله " وصفته، ولذلك خُفِض. (32) ويعني بقوله: " فاطر السماوات والأرض " ، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما، كالذي:- 13111 - حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان, عن سفيان, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما " فاطر السماوات والأرض ", حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر, فقال أحدهما لصاحبه: " أنا فَطَرتها ", يقول: أنا ابتدأتها. 13112 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فاطر السماوات والأرض " ، قال: خالق السماوات والأرض. 13113 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فاطر السماوات والأرض " ، قال: خالق السماوات والأرض. * * * يقال من ذلك: " فطرها الله يَفطُرُها وَيفطِرها فَطرًا وفطورًا " (33) = ومنه قوله: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك: 3 ] ، يعني: شقوقًا وصدوعًا. يقال: " سيف فُطارٌ"، إذا كثر فيه التشقق, وهو عيب فيه، ومنه قول عنترة: وَسَــيْفِي كَالْعَقِيقَــةِ فَهْـوَ كِـمْعِي, سِـــلاحِي, لا أَفَــلَّ وَلا فُطَــارَا (34) ومنه يقال: " فَطَر ناب الجمل "، إذا تشقق اللحم فخرج، ومنه قوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [سورة الشورى: 5] ، أي: يتشققن، ويتصدعن. * * * وأما قوله: " وهو يطعم ولا يطعم " ، فإنه يعني : وهو يرزق خلقه ولا يرزق، كما:- 13114 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهو يطعم ولا يطعم " ، قال: يَرْزق, ولا يُرزق. * * * وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: (35) { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ}، أي: أنه يُطعم خلقه, ولا يأكل هو = ولا معنى لذلك، لقلة القراءة به. * * * القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله، ويحثّونك على عبادتها: أغير الله فاطر السماوات والأرض, وهو يرزقني وغيري ولا يرزقه أحد, أتخذ وليًّا هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟ وقل لهم أيضًا: إني أمرني ربي: " أن أكون أول من أسلم " يقول: أوّل من خضع له بالعبودية، وتذلّل لأمره ونهيه، وانقاد له من أهل دهرِي وزماني =" ولا تكوننَّ من المشركين " ، يقول: وقل: وقيل لي: لا تكونن من المشركين بالله، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء. = وجعل قوله: " أمرت " بدلا من: " قيل لي", لأن قوله " أمرت " معناه: " قيل لي". فكأنه قيل: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم, ولا تكونن من المشركين= فاجتزئ بذكر " الأمر " من ذكر " القول ", إذ كان " الأمر "، معلومًا أنه " قول " . -----------------الهوامش :(31) انظر تفسير"الولي" فيما سلف 10: 424 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(32) انظر معاني القرآن للفراء 1: 328 ، 329.(33) هذه العبارة عن معنى"فطر" ، فاسدة جدًا ، ولا شك عندي في أن الكلام قد سقط منه شيء ، فتركته على حاله ، مخافة أن يكون في نص أبي جعفر شيء لم تقيده كتب اللغة. ومن شاء أن يستوفي ذلك ، فليراجع كتب اللغة.(34) ديوانه ، في أشعار الستة الجاهلين: 384 ، وأمالي ابن الشجري 1: 19 ، واللسان { فطر) { عقق) { كمع) { فلل) ، من أبياته التي قالها وتهدد بها عمارة بن زياد العبسي ، وكان يحسد عنترة على شجاعته ، ويظهر تحقيره ، ويقول لقومه بني عبس: " إنكم قد أكثرتم من ذكره ، ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه ، وحتى أعلمكم أنه عبد"! فقال عنترة: أحَـوْلِي تَنْفُــضُ اسْـتُكَ مِذْرَوَيهَـا لِتَقْتُلَنِــي? فَهَــا أنَــا ذَا، عُمَـارَا! مَتَـى مـا تَلْقَنِـى خِـلْوَينَ، تَرْجُـفْ رَوَانِـــفُ ألْيَتَيْـــكَ وتُسْــتَطَارَا وَسَــيْفِي صَــارِمٌ قَبَضَـتْ عَلَيْـهِ أشَــاجِعُ لا تَــرَى فِيهَـا انْتِشَـارَا وسَـــيْفِي كالعَقِيقِـــة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . و"العقيقة": شقة البرق ، وهو ما انعق منه ، أي: تشقق. و"الكمع" و"الكميع" الضجيع. و"الأفل": الذي قد أصابه الفل ، وهو الثلم في حده.(35) في المطبوعة والمخطوطة: " أنه كان يقول ذلك" ، وهو خلط شديد ، صواب قراءته ما أثبت. وهذه القراء التالية ، ذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات: 36 ، ونسبها إلى الأعمش ، وذكرها أبو حيان في تفسيره 4: 85 ، 86 ، ونسبها أيضًا إلى مجاهد وابن جبير ، وأبي حيوة ، وعمرو بن عبيد ، وأبي عمرو ، في رواية عنه.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
    +/- -/+  
الأية
15
 
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين العادلين بالله، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم: إنّ ربي نهاني عن عبادة شيء سواه =" وإني أخاف إن عصيت ربي", فعبدتها =" عذاب يوم عظيم ", يعني: عذاب يوم القيامة. ووصفه تعالى ب " العظم " لعظم هَوْله، وفظاعة شأنه .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
    +/- -/+  
الأية
16
 
القول في تأويل قوله : مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ، بضم " الياء " وفتح " الراء ", بمعنى: من يُصرف عنه العذاب يومئذ . * * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: { مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ) ، بفتح " الياء " وكسر " الراء ", بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ. * * * وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي, قراءة من قرأه: { يَصْرِفْ عَنْهُ}، بفتح " الياء " وكسر " الراء ", لدلالة قوله: " فقد رحمه " على صحة ذلك, وأنّ القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله: " من يصرف " ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله, كان الوجه في قوله: " فقد رحمه " أن يقال : " فقد رُحِم " غير مسمى فاعله. وفي تسمية الفاعل في قوله: " فقد رحمه " ، دليل بيِّن على أن ذلك كذلك في قوله: " من يَصرف عنه ". * * * وإذا كان ذلك هو الوجه الأولَى بالقراءة, فتأويل الكلام: منْ يصرف عنه من خلقه يومئذ عذابه فقد رحمه =" وذلك هو الفوز المبين " ، ويعني بقوله: " وذلك " ، وصرفُ الله عنه العذاب يوم القيامة, ورحمته إياه =" الفوز " ، أي: النجاة من الهلكة، والظفر بالطلبة (36) =" المبين " ، يعني الذي بيَّن لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطَّلِبة. (37) وبنحو الذي قلنا في قوله: " من يصرف عنه يومئذ " قال أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: 13115 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله " من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه " ، قال: من يصرف عنه العذاب . ------------------الهوامش :(36) انظر تفسير"الفوز" فيما سلف ص: 245 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(37) انظر تفسير"مبين" فيما سلف ص: 265 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
    +/- -/+  
الأية
17
 
القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد, إن يصبك الله (38) =" بضر ", يقول: بشدة في دنياك، وشظَف في عيشك وضيق فيه, (39) فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أوّل من أسلم لأمره ونهيه, وأذعن له من أهل زمانك, دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه =" وإن يمسسك بخير "، يقول: وإن يصبك بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك =" فهو على كل شيء قدير " ، يقول تعالى ذكره: والله الذي أصابك بذلك، فهو على كل شيء قدير (40) هو القادر على نفعك وضرِّك, وهو على كل شيء يريده قادر, لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه, ليس كالآلهة الذليلة المَهينة التي لا تقدر على اجتلاب نفع على أنفسها ولا غيرها، ولا دفع ضر عنها ولا غيرها. يقول تعالى ذكره: فكيف تعبد من كان هكذا، أم كيف لا تخلص العبادة, وتقرُّ لمن كان بيده الضر والنفع، والثواب والعقاب، وله القدرة الكاملة، والعزة الظاهرة؟ ------------الهوامش :(38) انظر تفسير"المس" فيما سلف 10: 482 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(39) انظر تفسير"الضر" فيما سلف 7: 157/10 : 334.(40) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة { قدر).

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
    +/- -/+  
الأية
18
 
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وهو "، نفسَه، يقول: والله الظاهر فوق عباده (41) = ويعني بقوله: " القاهر " ، المذلِّل المستعبد خلقه، العالي عليهم. وإنما قال: " فوق عباده ", لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره إياهم. ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه . فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عبادَه, المذلِّلهم, العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم, فهو فوقهم بقهره إياهم, وهم دونه =" وهو الحكيم " ، يقول: والله الحكيم في علِّوه على عباده، وقهره إياهم بقدرته، وفي سائر تدبيره (42) =" الخبير "، بمصالح الأشياء ومضارِّها, الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها, ولا يقع في تدبيره خلل , ولا يدخل حكمه دَخَل. (43) * * * ---------------الهوامش :(41) في المطبوعة: " والله القاهر" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب في التفسير.(42) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة { حكم).(43) انظر تفسير { الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة { خبر).

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
    +/- -/+  
الأية
19
 
القول في تأويل قوله : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يكذّبون ويجحدون نبوَّتك من قومك: أيُّ شيء أعظم شهادة وأكبر؟ ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: " الله "، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في [شهادة] غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب. (1) ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم, بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه, وقد رضينا به حكمًا بيننا. * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: 13116 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " أيّ شيء أكبر شهادة " ، قال: أمر محمد أن يسأل قريشًا, ثم أمر أن يخبرهم فيقول: " الله شهيد بيني وبينكم " . 13117- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه . * * * القول في تأويل قوله : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك: اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ =" وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " عقابَه, وأُنذر به من بَلَغه من سائر الناس غيركم = إن لم ينته إلى العمل بما فيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والإيمان بجميعه = نـزولَ نقمة الله به. (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : 13118 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " أيّ شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: يا أيها الناس، بلِّغوا ولو آية من كتاب الله, فإنه من بَلَغه آيةٌ من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله, أخذه أو تركه. (3) 13119- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " لأنذركم به ومن بلغ " ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلِّغوا عن الله, فمن بلغه آيه من كتاب الله, فقد بلغه أمر الله. 13120 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي: " لأنذركم به ومن بلغ " ، قال: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ: " ومن بلغ أئنكم لتشهدون ". 13121 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح قال: سألت ليثًا: هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة ؟ قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذير. ثم قرأ: " لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون ". 13122 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ومن بلغ " ، من أسلم من العجم وغيرهم . 13123- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله . 13124- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن يزيد قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب في قوله: " لأنذركم به ومن بلغ " ، قال: من بلغه القرآن, فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم . 13125 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " ، يعني أهل مكة =" ومن بلغ " ، يعني: ومن بلغه هذا القرآن، فهو له نذير. 13126- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت سفيان الثوري يحدّث, لا أعلمه إلا عن مجاهد: أنه قال في قوله: " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به "، العرب =" ومن بلغ "، العجم. 13127 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " لأنذركم به ومن بلغ " ، أما " من بلغ "، فمن بلغه القرآن فهو له نذير. 13128 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ، قال يقول: من بلغه القرآن فأنا نذيره. وقرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف: 158] . قال: فمن بلغه القرآن, فرسول الله صلى الله عليه وسلم نذيره . * * * قال أبو جعفر: فمعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم. * * * ف " من " في موضع نصب بوقوع " أنذر " عليه," وبلغ " في صلته, وأسقطت " الهاء " العائدة على " من " في قوله: " بلغ "، لاستعمال العرب ذلك في صلات " مَن " و " ما " و " الذي". (4) القول في تأويل قوله : أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوَّتك, العادلين بالله، ربًّا غيره: " أئنكم "، أيها المشركون =" لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ", يقول: تشهدون أنّ معه معبودات غيره من الأوثانَ والأصنام. * * * وقال: " أُخْرَى "، ولم يقل " أخَر "، و " الآلهة " جمع, لأن الجموع يلحقها، التأنيث, (5) كما قال تعالى : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [سورة طه: 51] ، ولم يقل: " الأوَل " ولا " الأوَّلين ". (6) * * * ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " ، يا محمد =" لا أشهد "، بما تشهدون: أن مع الله آلهة أخرى, بل أجحد ذلك وأنكره =" قل إنما هو إله واحد " ، يقول: إنما هو معبود واحد, لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة =" وإنني بريء مما تشركون " ، يقول: قل: وإنني بريء من كلّ شريك تدعونه لله، وتضيفونه إلى شركته، وتعبدونه معه, لا أعبد سوى الله شيئًا، ولا أدعو غيره إلهًا. * * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من اليهود بأعيانهم، من وجه لم تثبت صحته، وذلك ما:- 13129 - حدثنا به هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال، جاء النحَّام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحريّ بن عمير فقالوا: يا محمد، ما تعلم مع الله إلهًا غيرَه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، بذلك بعثت, وإلى ذلك أدعو! فأنـزل الله تعالى فيهم وفي قولهم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إلى قوله: لا يُؤْمِنُونَ . (7) ------------------الهوامش :(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها للسياق.(2) قوله: " نزول" منصوب ، مفعول به لقوله قبله: " وأنذر به من بلغه". = وانظر تفسير"الوحي" فيما سلف ص: 217 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(3) في المخطوطة: " أخذه أو تاركه" ، وجائر أن تقرأ: " آخذه أو تاركه".(4) انظر معاني القرآن 1: 329.(5) انظر تفسير"أخرى" فيما سلف 3: 459/6: 173.(6) انظر معاني القرآن للفراء 1: 329.(7) الأثر: 13129 - سيرة ابن هشام 2: 217 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 12284.هذا ، وقد مر هذا الإسناد مئات من المرات ، وهو إسناد أبي جعفر إلى ابن إسحق ، ثم من ابن إسحق إلى ابن عباس ، وهذه أول مرة يذكر أبو جعفر أن هذا الإسناد لم تثبت صحته عنده ، كما قدم قبل ذكره.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
    +/- -/+  
الأية
20
 
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين "آتيناهم الكتاب "، التوراة والإنجيل = يعرفون أنما هو إله واحد =، لا جماعة الآلهة, وأن محمدًا نبيُّ مبعوث =" كما يعرفون أبناءهم " . وقوله: " الذين خسروا أنفسهم " ، من نعت " الذين " الأولى. * * * ويعنى بقوله: " خسروا أنفسهم " ، أهلكوها وألقوها في نار جهنم، بإنكارهم محمدًا أنه لله رسول مرسل, وهم بحقيقة ذلك عارفون (8) =" فهم لا يؤمنون " ، يقول: فهم بخسارتهم بذلك أنفسهم لا يؤمنون. * * * وقد قيل: إنّ معنى " خسارتهم أنفسهم "، أن كل عبد له منـزل في الجنة ومنـزل في النار. فإذا كان يوم القيامة، جعل الله لأهل الجنة منازلَ أهل النار في الجنة, وجعل لأهل النار منازلَ أهل الجنة في النار, فذلك خسران الخاسرين منهم، لبيعهم منازلهم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار, بما فرط منهم في الدنيا من معصيتهم الله، وظلمهم أنفسهم, وذلك معنى قول الله تعالى ذكره: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، [سورة المؤمنون: 11] . (9) * * * وبنحو ما قلنا في معنى قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " قال أهل التأويل. (10) * ذكر من قال ذلك: 13130 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، يعرفون أنّ الإسلام دين الله, وأن محمدًا رسول الله, يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل . 13131- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم "، النصارى واليهود , يعرفون رسول الله في كتابهم, كما يعرفون أبناءهم. 13132 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم "، [يعني: النبي صلى الله عليه وسلم: (11) =" كما يعرفون أبناءهم "، لأن نَعْته معهم في التوراة]. 13133- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم . قال: زعم أهل المدينة عن أهل الكتاب ممن أسلم, أنهم قالوا: والله لنحن أعرف به من أبنائنا، من أجل الصفة والنعت الذي نجده في الكتاب، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدثَ النساء ! (12) ------------------الهوامش :(8) انظر تفسير"خسر" فيما سلف قريبًا ص: 281 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 329 ، 230.(10) انظر تأويل نظيرة هذه الآية فيما سلف 3: 187 ، 188 ، [سورة: البقرة 146] .(11) الأثر: 13132 - هذا الأثر مبتور في المطبوعة والمخطوطة ، والزيادة بين القوسين من الدر المنثور 3: 8 ، من تفسير السدي ، من رواية أبي الشيخ ، والظاهر أن هذا النقص قديم في نسخ تفسير أبي جعفر ، وأن نسخة السيوطي ، كانت مبتورة هنا أيضًا ، ولذلك لم ينسب هذا الأثر إلا إلى أبي الشيخ وحده ، دون ابن جرير.(12) يعني: لا يدرون أسلم لهم أبناؤهم من أصلابهم ، أم خالطهم سفاح من سفاحهن! وانظر رواية ذلك في خبر عمر بن الخطاب ، وسؤاله عبد الله بن سلام ، والله أعلم بصحيح ذلك = في معاني القرآن للفراء 1: 329.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
    +/- -/+  
الأية
21
 
القول في تأويل قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أشدُّ اعتداءً، وأخطأ فعلا وأخطأ قولا =" ممن افترى على الله كذبًا " , يعني: ممن اختلق على الله قيلَ باطل, (13) واخترق من نفسه عليه كذبًا, (14) فزعم أن له شريكًا من خلقه، وإلهًا يعبد من دونه - كما قاله المشركون من عبدة الأوثان - أو ادعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى =" أو كذب بآياته " ، يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم، كذّبت بها اليهود (15) =" إنه لا يفلح الظالمون " ، يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل, ولا يدركون البقاءَ في الجنان, والمفترون عليه الكذب، والجاحدون بنبوة أنبيائه. (16) ----------------------الهوامش :(13) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 136 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(14) "اخترق" و"اختلق" و"افترى": ابتدع الكذب ، وفي التنزيل: " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون" { الأنعام: 100).(15) انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة { أيي).(16) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ص: 97 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
    +/- -/+  
الأية
22
 
القول في تأويل قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا، والمكذبين بآياته, لا يفلحون اليومَ في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا- يعني: ولا في الآخرة. ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف. * * * وتأويل الكلام: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا،" ويوم نحشرهم جميعًا "، فقوله: " ويوم نحشرهم ", مردود على المراد في الكلام. لأنه وإن كان محذوفًا منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه =" ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم " ، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذِّبين بآياته ورسله, فجمعنا جميعهم يوم القيامة (17) =" أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ، أنهم لكم آلهة من دون الله, افتراء وكذبًا, وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين ! ----------------------------الهوامش :(17) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 89 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
    +/- -/+  
الأية
23
 
القول في تأويل قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون "؟ = إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم, (18) " إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين " ، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك. * * * ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك. فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ) بالتاء، بالنصب, (19) بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم (20) " والله ربنا ما كنا مشركين " = غير أنهم يقرءون " تكن " بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر. (21) وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك, وهو قوله: فَمَضَــى وَقَدَّمَهَـا , وكـانت عـادةً مِنْــهُ إذا هــيَ عَــرَّدَتْ إقْدَامُهَـا (22) فقال: " وكانت " بتأنيث " الإقدام "، لمجاورته قوله: " عادة " . * * * وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: { ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بالياء، { فِتْنَتَهُمْ) بالنصب، { إلا أَنْ قَالُوا}، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم. غير أنهم ذكَّروا " يكون " لتذكير " أن ". (23) قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب, لأن " أنْ" أثبت في المعرفة من " الفتنة ". (24) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " . فقال بعضهم : معناه: ثم لم يكن قولهم . * ذكر من قال ذلك: 13134 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة في قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال: مقالتهم = قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم . 13135 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال: قولهم . 13136- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبى, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا "، الآية, فهو كلامهم =" قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " . 13137 - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك: " ثم لم تكن فتنتهم " ، يعني: كلامهم . * * * وقال آخرون: معنى ذلك: معذرتهم . * ذكر من قال ذلك: 13138 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة: " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال: معذرتهم. 13139- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب. * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله =" إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، فوضعت " الفتنة " موضع " القول "، لمعرفة السامعين معنى الكلام. = وإنما " الفتنة "، الاختبار والابتلاء (25) = ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار, وضعت " الفتنة " التي هي الاختبار، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم . * * * واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله: " إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " . فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللهِ رَبِّنَا ، خفضًا، على أن " الرب " نعت لله . * * * وقرأ ذلك جماعة من التابعين: { وَاللهِ رَبَّنَا) ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة. (26) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: { وَاللهِ رَبَّنَا) ، بنصب " الرب ", بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم: " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ؟ وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين = فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ . * * * ويعني بقوله : " ما كنا مشركين " ، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك. (27) ----------------الهوامش :(18) انظر تفسيره"الفتنة" فيما سلف 10: 478 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(19) في المطبوعة ، حذف قوله: " بالتاء" ، لغير طائل.(20) في المطبوعة: " اختبارنا لهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو فصيح العربية.(21) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 188.(22) من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه 1: 130. والضمير في قوله: " فمضى" إلى حمار الوحش ، وفي قوله: " وقدمها" إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء. و"عردت": فرت ، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة ، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده. فراجع معلقته.(23) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 188.(24) أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في"فتنتهم" ، وهي قراءتنا في مصحفنا ، قراءة حفص. وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا ، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف 7: 273-275. وانظر تفسير أبي حيان 4: 95 .(25) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف قريبًا ص 297 ، رقم: 2 ، والمراجع هناك.(26) انظر معاني القرآن للفراء 1: 330.(27) انظر ما سلف رقم: 9520 - 9522 { ج 8: 373 ، 374).

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
    +/- -/+  
الأية
24
 
القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر، يا محمد، فاعلم، كيف كذَب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثانَ والأصنامَ، في الآخرة عند لقاء الله = على أنفسهم بقيلهم: " والله يا ربنا ما كنا مشركين ", واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها يتخلّقون في الدنيا، (28) من الكذب والفرية . * * * ومعنى " النظر " في هذا الموضع، النظر بالقلب، لا النظر بالبصر. وإنما معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة . * * * وقال: " كذبوا ", ومعناه: يكذبون, لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها، صار كالشيء الذي قد كانَ ووُجد . * * * =" وضل عنهم ما كانوا يفترون " ، يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها, فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت, [وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء] , (29) ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله، وعبادتهم إياها، وإشراكهم إياها في سلطان الله, فضلت عنهم, وعوقب عابدُوها بفريتهم. * * * وقد بينا فيما مضى أن معنى " الضلال "، الأخذ على غير الهدى. (30) * * * وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة الله يومئذ. ذكر الرواية بذلك: 13140 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو, عن مطرّف, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: سمعت الله يقول: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , (31) وقال في آية أخرى: وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ، [سورة النساء: 42] ؟ قال ابن عباس: أما قوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام: قالوا: " تعالوا نجحد "، فقالوا: " وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم،" وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ". (32) 13141 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: قول أهل الشرك، حين رأوا الذنوب تغفر, ولا يغفر الله لمشرك =" انظر كيف كذبوا على أنفسهم "، بتكذيب الله إياهم . 13142- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه . 13143 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، ثم قال: وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ، [سورة النساء: 42] ، بجوارحهم . 13144 - حدثنا ابن وكيع, قال ، حدثنا أبي, عن حمزة الزيات, عن رجل يقال له هشام, عن سعيد بن جبير: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : حلفوا واعتذروا, قالوا: " والله ربنا ". (33) 13145- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان, عن سعيد بن جبير قال، أقسموا واعتذروا: " والله ربنا ". 13146- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن حمزة الزيات, عن رجل يقال له هشام, عن سعيد بن جبير، بنحوه . 13147- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن سفيان بن زياد العُصْفري, عن سعيد بن جبير في قوله: " والله ربنا ما كنا مشركين " والله : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد, قال من فيها من المشركين: " تعالوا نقول: لا إله إلا الله, لعلنا نخرج مع هؤلاء ". قال: فلم يصدَّقوا . قال: فحلفوا: " والله ربنا ما كنا مشركين ". قال: فقال الله: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ". (34) 13148 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي: يشركون. (35) 13149- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المنهال بن عمرو, عن سعيد عن جبير, عن ابن عباس في قوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم, قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: " والله ربنا ما كنا مشركين ". فسئلوا, فقالوا ذلك, فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم, فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك: " لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا ". 13150- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا مسلم بن خلف, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة، لما رأوا أهلُ الشرك أهلَ التوحيد يغفر لهم (36) فيقولون: " والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ". (37) 13151- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز, قال حدثنا سفيان عن رجل, عن سعيد بن جبير: أنه كان يقول: " والله ربِّنا ما كنا مشركين "، يخفضها. قال : أقسموا واعتذروا = قال الحارث قال، عبد العزيز, قال سفيان مرة أخرى: حدثني هشام, عن سعيد بن جبير . ------------------------الهوامش :(28) في المطبوعة: " بها متخلقين" ، وفي المخطوطة: " بها متخلقون" ، وهذا صواب قراءتها.(29) هكذا جاء في المطبوعة ما وضعته بين القوسين ، وهو في المخطوطة: "وعبدوا الذين كانوا يعبدونها إصرا" ، غير منقوطة. ولم أهتد إلى الصواب ، وأخشى أن يكون سقط من الكلام سطر أو بعضه ، فلذلك آثرت أن أضع ما في المطبوعة بين قوسين ، ولأني في ريبة من أمره.(30) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف 10: 124 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(31) في المطبوعة: " أتى رجل ابن عباس فقال ، قال الله: والله ربنا . . ." ، أما المخطوطة ففيها خرم ، كان فيها: " أتى رجل ابن عباس وقال في آية أخرى" ، ولذلك تصرف ناشر المطبوعة. والذي أثبته هو الصواب ، وهو نص الأثر الذي رواه أبو جعفر قديمًا ، كما سيأتي في التخريج. وقد صححت حروفًا في هذا الخبر من الأثر السالف ولم أشر إليها هنا.(32) الأثر: 13140 - مضى هذا الخبر برقم: 9520 { ج 8: 373).هذا وقد اختصر أبو جعفر أخبار ابن عباس هذه ، فإنه روى هناك خبرين آخرين رقم: 9521 ، 9522 ، تبين منهما أن السائل هو نافع بن الأزرق ، وكان يأتي ابن عباس ليلقى عليه متشابه القرآن. وهذا من ضروب اختصار أبي جعفر في تفسيره هذا. وأيضًا فإنه سيأتي هنا آثار في تفسير آية سورة النساء: 42 { ج 8: 371 - 375) لم يذكرها هناك ، كما سترى في الآثار التالية.(33) الأثر: 13144 -"هشام" ، الذي يروي عنه"حمزة الزيات" ، لم أعرفه.(34) الأثر: 13147 -"سفيان بن زياد العصفري" ، مضى برقم: 2331.(35) في المطبوعة: " يشركون به" بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.(36) في المطبوعة: " لما رأى أهل الشرك" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لغة من لغات العرب جائزة.(37) الأثر: 13150 -"مسلم بن خلف" ، لم أجد له ترجمة ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
    +/- -/+  
الأية
25
 
القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ من قومك، يا محمد =" من يستمع إليك ", يقول: من يستمع القرآن منك, ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه, ولا يفقه ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه, ولا يتدبره، ولا يصغي له سمعه، ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنـزيله الذي أنـزله عليك, إنما يسمع صوتك وقراءَتك وكلامك, ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه " أكنّة ". * * * = وهي جمع " كنان "، وهو الغطاء، مثل: " سِنان "،" وأسنة ". يقال منه: " أكننت الشيءَ في نفسي " ، بالألف," وكننت الشيء "، إذا غطيته, (38) = ومن ذلك: بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، [سورة الصافات: 49] ، وهو الغطاء, (39) ومنه قول الشاعر: (40) تَحْــــتَ عَيْــــنٍ, كِنَانُنَـــا ظِــــلُّ بُــــرْدٍ مُرَحَّــــلُ (41) يعني: غطاؤُهم الذي يكنُهم. (42) * * * =" وفي آذانهم وقرًا "، يقول تعالى ذكره: وجعل في آذانهم ثِقلا وصممًا عن فهم ما تتلو عليهم، والإصغاء لما تدعوهم إليه. * * * والعرب تفتح " الواو " من " الوَقْر " في الأذن، وهو الثقل فيها= وتكسرها في الحمل فتقول: " هو وِقْرُ الدابة ". ويقال من الحمل: " أوقرْتُ الدَّابة فهي مُوقَرة " = ومن السمع: " وَقَرْتُ سمعه فهو موقور ", ومنه قول الشاعر: (43) وَلِي هَامَةٌ قَدْ وَقَّر الضَّرْبُ سَمْعَهَا وقد ذكر سماعًا منهم: " وُقِرَتْ أذنه "، إذا ثقلت " فهي موقورة " =" وأوقرتِ النخلةُ، فهي مُوقِر " كما قيل: " امرأة طامث، وحائض ", لأنه لا حظّ فيه للمذكر. فإذا أريد أن الله أوقرها، قيل " مُوقَرةٌ". * * * وقال تعالى ذكره: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " ، بمعنى: أن لا يفقهوه, كما قال: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176] ، بمعنى: أن لا تضلوا, (44) لأن " الكنّ" إنما جعل على القلب، لئلا يفقهه، لا ليفقهه. (45) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: 13152 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا " ، قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا, كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدري ما يُقَال لها. 13153 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا " ، أما " أكنة "، فالغطاءُ أكنّ قلوبهم، لا يفقهون الحق =" وفي آذانهم وقرًا " ، قال: صمم . 13154 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " ومنهم من يستمع إليك "، قال: قريش . 13155 - حدثني المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله . * * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام, الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك =" كل آية " ، يقول: كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجَا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك (46) =" لا يؤمنوا بها " ، يقول: لا يصدّقون بها، ولا يقرّون بأنها دالّة على ما هي عليه دالة =" حتى إذا جاءوك يجادلونك " ، يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به =" يجادلونك ", يقول: يخاصمونك (47) =" يقول الذين كفروا " ، يعنى بذلك: الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها, يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم =" إن هذا إلا أساطير الأوّلين " ، أي: ما هذا إلا أساطير الأوّلين. * * * و " الأساطير " جمع " إسْطارة " و " أُسطُورة " مثل " أفكوهة " و " أضحوكة " = وجائز أن يكون الواحد " أسطارًا " مثل " أبيات "، و " أبابيت "، و " أقوال وأقاويل ", (48) من قول الله تعالى ذكره: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ، [سورة الطور: 2] . من: " سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرا ". * * * فإذ كان من هذا: فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأوَّلون. * * * وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأوّلونه بهذا التأويل, ويقولون: معناه: إنْ هذا إلا أحاديث الأوّلين . 13156 - حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس . 13157 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, أمّا " أساطير الأوّلين " ، فأسَاجيع الأولين. (49) * * * وكان بعض أهل العلم = وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى = بكلام العرب يقول: " الإسطارةُ" لغةٌ، ومجازُها مجازُ الترهات. (50) * * * وكان الأخفش يقول: قال بعضهم : واحده " أسطورة ". وقال بعضهم: " إسطارة ". قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد, نحو " العباديد " (51) و " المَذَاكير "، و " الأبابيل ". (52) قال : وقال بعضهم: واحد " الأبابيل "،" إبِّيل "، وقال بعضهم: " إبَّوْل " مثل " عِجَّوْل ", (53) ولم أجد العرب تعرف له واحدًا, وإنما هو مثل " عباديد " لا واحد لها. وأما " الشَّماطيط"، فإنهم يزعمون أن واحده " شمطاط". (54) قال: وكل هذه لها واحد, إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به, لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعًا. (55) قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول: " أرسل خيله أبابيل ", تريد جماعات, فلا تتكلم بها بواحدة. (56) وكانت مجادلتهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في هذه الآية، فيما ذُكِر, ما:- 13158 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " حتى إذا جاءوك يجادلونك " الآية، قال: هم المشركون، يجادلون المسلمين في الذَّبيحة, يقولون: " أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون, وأما ما قتل الله فلا تأكلون! وأنتم تتَّبعون أمرَ الله تعالى ذكره "! (57) ------------------------الهوامش :(38) انظر ما سلف 5: 102 ، 103.(39) الأجود أن يقال: " وهو المغطى" ، وكأنه كان كذلك ، وكأن الذي في المطبوعة والمخطوطة تحريف. ولكن ربما عبر القدماء بمثل هذا التعبير ، ولذلك تركته على حاله. وقد قال الطبري في ج 5: 102 ، وذكر الآية: " أي: مخبوء".(40) هو عمر بن أبي ربيعة.(41) ليس في ديوانه ، ولكنه من قصيدته التي في ديوانه: 125 - 126 ، وهو في الأغاني 1: 184 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 46 ، 188 ، واللسان { كنن) ، وغيرها. من أبياته التي أولها: هَــــاجَ ذَا القَلَـــبَ مَـــنْزِلُ دَارِسُ الآيِ مُحْـــــــــــوِلُ وقبله في رواية أبي الفرج في أغانيه. أرْسَــلَتْ تَسْـتَحِثّى وَتُفَـدِّي وتَعْـذُل أَيُّنَـا بَـاتَ لَيْلَـةً بَيْـنَ غُصْنَيْنِ يُوبَلُ وروايته للبيت: تَحْــــتَ عَيْــــنٍ، يُكِنُّنَــــا بُــــرْدُ عَصْــــبٍ مُهَلْهَـــل ورواية ابن بري ، وصحح رواية أبي عبيدة وأبي جعفر: تَحْــــتَ عَيْــــنٍ، كِنَانُنَـــا بُــــرْدُ عَصْــــبٍ مُرَحَّـــلُ "العين" في البيت السحاب. و"المرحل من الثياب ، الذي عليه تصاوير الرحال.(42) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 188 ، وهو شبيه بنص كلامه.(43) لم أهتد إلى قائله ، وإن كنت أذكر أني قرأت هذا الشعر في مكان.(44) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.(45) انظر تفسير"فقه" فيما سلف 8: 557. (46) انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة { أيي).(47) انظر تفسير"جادل" فيما سلف 4: 141/9 : 190 ، 193.(48) يعني بقوله: " أسطارًا" ، جمع"سطر" ، كما هو بين.(49) "الأساجيع" جمع"أسجوعة": يراد به الكهان على هيئة كلامهم.(50) في المطبوعة: " لغة ، الخرافات والترهات" غير ما في المخطوطة ، وهو نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 189. وهذا من سيئ العبث بالكتب!(51) في المطبوعة: " عباييد" ، وهو صواب ، إلا أني أثبت ما في المخطوطة. يقال: " جاء القوم عباديد ، وعبابيد" ، أي متفرقون.(52) "المذاكير" ، يقال في الفرد أيضًا. وفي الخبر أن عبدًا أبصر جارية لسيده ، فجب السيد مذاكيره = فاستعمله لرجل واحد ، وأراد به شيئه ، وما تعلق به. و"أبابيل": جماعات من هنا ، وجماعات من هنا.(53) يقال: " عجل" و"عجول" { بكسر العين ، وتشديد الجيم المفتوحة ، وسكون الواو): ولد البقرة ، وجمعه"عجاجيل".(54) "شماميط": قطع متفرقة ، يقال: " ذهب القوم شماميط": إذا تفرقوا أرسالا.(55) في المطبوعة: " جمعا" ، وأثبت ما في المخطوطة.(56) في المطبوعة: " فلا تتكلم بها موحدة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد كرهت عبث الناشر بنص أبي جعفر!!(57) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت منه نسختنا ، وفيها ما نصه: " يتلوه القولُ في تأويل قوله {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَونَ عَنْهُ وَإنْ يُهْلِكُونَ} {إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وَصَلَّى اللهُ على مُحَمدٍ النبيِّ وَعَلى آلِهِ وَسَلّم كثيرًا الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينِ" ثم يتلوه ما نصه: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ رَبِّ يَسِّرْ".رْ" .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
    +/- -/+  
الأية
26
 
القول في تأويل قوله : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " . فقال بعضهم: معناه: هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله, ينهونَ الناس عن اتباع محمّد صلى الله عليه وسلم والقبول منه =" وينأَوْن عنه "، يتباعدون عنه. * ذكر من قال ذلك: 13159 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث وهانئ بن سعيد، عن حجاج, عن سالم, عن ابن الحنفية: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال: يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيبونه, وينهون الناس عنه. (58) 13160 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، يعني : ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به =" وينأون عنه " ، يعني : يتباعدون عنه. 13161 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، أن يُتَّبع محمد، ويتباعدون هم منه. 13162 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه "، يقول: لا يلقونَه, ولا يَدَعُون أحدًا يأتيه. 13163 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول في قوله: " وهم ينهون عنه " ، يقول: عن محمد صلى الله عليه وسلم . 13164 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، جمَعُوا النهي والنأي. و " النأي"، التباعد. (59) وقال بعضهم: بل معناه: " وهم ينهون عنه " عن القرآن، أن يسمع له ويُعمَل بما فيه. ذكر من قال ذلك : 13165 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وهم ينهون عنه " ، قال: ينهون عن القرآن, وعن النبي صلى الله عليه وسلم =" وينأون عنه " ، ويتباعدون عنه. 13166 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " وهم ينهون عنه " ، قال: قريش، عن الذكر =" وينأون عنه " ، يقول: يتباعدون . 13167- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قريش، عن الذكر. =" ينأون عنه "، يتباعدون. 13168- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال: ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم, ويتباعدون عنه. 13169- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ينأون عنه " ، قال: " وينأون عنه "، يباعدونه. (60) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: وهم ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم =" وينأون عنه "، يتباعدون عن دينه واتّباعه . * ذكر من قال ذلك: 13170 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وقبيصة = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عمن سمع ابن عباس يقول: نـزلت في أبي طالب, كان ينهى عن محمد أن يُؤذَى، وينأى عما جاء به أن يؤمن به . 13171- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال: نـزلت في أبي طالب، ينهى عنه أن يؤذى، وينأى عما جاء به. 13172- حدثنا الحسن بن يحيى, قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عمن سمع ابن عباس: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال: نـزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذُوا محمدًا, وينأى عمّا جاء به. 13173- حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن القاسم بن مخيمرة قال: كان أبو طالب ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصدِّقه. (61) 13174 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ومحمد بن بشر, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن القاسم بن مخيمرة في قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال: نـزلت في أبي طالب = قال ابن وكيع، قال ابن بشر: كان أبو طالب ينهي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذَى ولا يصدّق به. 13175- حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير, عن أبي محمد الأسدي, عن حبيب بن أبي ثابت قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قول الله تعالى ذكره: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، نـزلت في أبي طالب، كان ينهى عن أذى محمد, وينأى عما جاء به أن يتّبعه. (62) 13176 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن القاسم بن مخيمرة في قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال: نـزلت في أبي طالب. 13177 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن عبد العزيز بن سياه, عن حبيب قال: ذاك أبو طالب, في قوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه ". (63) 13178 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني سعيد بن أبي أيوب قال، قال عطاء بن دينار في قول الله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه "، أنها نـزلت في أبي طالب, أنه كان ينهى الناسَ عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأى عما جاء به من الهدى. (64) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية, قولُ من قال: تأويلُه: " وهم ينهون عنه " ، عن إتباع محمد صلى الله عليه وسلم مَنْ سواهم من الناس, وينأون عن اتباعه. وذلك أن الآيات قبلَها جرت بذكر جماعة المشركين العادِلين به, والخبرِ عن تكذيبهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، والإعراض عما جاءهم به من تنـزيل الله ووحيه, فالواجب أن يكون قوله: " وهم ينهون عنه " ، خبرًا عنهم, إذ لم يأتنا ما يدُلُّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. بل ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدلّ على صحة ما قلنا، من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يكون خبرًا عن خاصٍّ منهم . * * * وإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الآية: وإن يرَ هؤلاء المشركون، يا محمد، كلَّ آية لا يؤمنوا بها, حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون: " إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأوَّلين وأخبارهم "! وهم ينهون عن استماع التنـزيل، وينأون عنك فيبعدون منك ومن اتباعك =" وإن يهلكون إلا أنفسهم " ، يقول: وما يهلكونَ بصدّهم عن سبيل الله، وإعراضهم عن تنـزيله، وكفرهم بربهم - إلا أنفسهم لا غيرها, وذلك أنهم يكسِبُونها بفعلهم ذلك، سخط الله وأليم عقابه، وما لا قِبَل لها به (65) =" وما يشعرون " ، يقول: وما يدرون ما هُمْ مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم. (66) * * * والعرب تقول لكل من بعد عن شيء: " قد نأى عنه, فهو ينأى نَأْيًا ". ومسموع منهم: " نأيتُكَ"، (67) بمعنى: " نأيت عنك ". وأما إذا أرادوا: أبعدتُك عني, قالوا: " أنأيتك ". ومن " نأيتك " بمعنى: نأيتُ عنك، قول الحطيئة: نَــــأَتْكَ أُمَامَـــةُ إلا سُـــؤَالا وَأَبْصَــرْتَ مِنْهَــا بِطَيْـفٍ خَيَـالا (68) -----------------------الهوامش :(58) الأثر: 13159 -"هانئ بن سعيد النخعي" ، صالح الحديث ، مترجم في الكبير 4/2/233 ، وابن أبي حاتم 4/2/102. و"حجاج" هو"حجاج بن أرطاة" ، مضى مرارًا. و"سالم" ، هو"سالم بن أبي الجعد" ، مضى أيضًا. و"ابن الحنفية" هو: " محمد بن علي بن أبي طالب" ، مضى أيضًا.(59) في المخطوطة: " والنهي التباعد" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة بلا شك.(60) في المطبوعة: " يبعدون" ، وفي المخطوطة: "يبعدونه" ، وآثرت قراءتها كما أثبتها.(61) الأثر: 13173 -"القاسم بن مخيمرة الهمداني" ، "أبو عروة" ، روى عن عبد الله بن عمرو ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي أمامة ، وغيرهم من التابعين. ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير 4/1/167 ، وابن أبي حاتم 3/2/120.(62) الأثر: 13175 -"أبو محمد الأسدي" ، لم أعرف من هو ، ولم أجد من يكنى به. وأخشى أن يكون هو"عبد العزيز بن سياه الأسدي" ، الآتي في الأثر رقم: 13177 و"عبد العزيز" يروي عنه يونس بن بكير.(63) الأثر: 13177 -"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، مضى مرارًا كثيرة. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " عبد الله بن موسى" ، وهو خطأ محض. و"عبد العزيز بن سياه الأسدي" ، ثقة ، محله الصدق ، وكان من كبار الشيعة. وروى عنه عبيد الله بن موسى ، ويونس بن بكير ، ووكيع ، وغيرهم. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/383. وانظر التعليق على الأثر السالف ، فإني أرجح أن"أبا محمد الأسدي" ، كنية: " عبد العزيز بن سياه الأسدي".(64) الأثر: 13178 -"سعيد بن أبي أيوب الخزاعي المصري" ، وهو"سعيد بن مقلاص" ، ثقة ثبت. ومضى في الأثرين رقم: 5615 ، 6743 ، غير مترجم. مترجم في التهذيب ، والكبير2/1/419 ، وابن أبي حاتم 2/1/66. و"عطاء بن دينار المصري" ، من ثقات أهل مصر ، مضى برقم: 160.(65) انظر تفسير"الهلاك" فيما سلف قريبًا ص: 263.(66) انظر تفسير"شعر" فيما سلف 1: 277 ، 278/6 : 502.(67) في المطبوعة: " مسموع منهم: نأيت" ، خطأ ، صوابه في المخطوطة.(68) ديوانه: 31 ، من قصيدته التي مدح بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، معتذرًا له من هجاء الزبرقان بن بدر ، وبعد البيت: خَيَــالا يَــرُوعُكَ عِنْــدَ المَنَــا مِ وَيَــأْبَى مَــعَ الصُّبْـحِ إِلا زَوَالا كِنَانيَّــــةٌ، دَارُهَـــا غَرْبَـــةٌ تُجِــدُّ وِصَــالا وتُبْــلِي وصَـالا .

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
    +/- -/+  
الأية
27
 
القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: " ولو ترى " ، يا محمد، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحدين نبوّتك، الذين وصفت لك صفتهم =" إذ وُقفوا " ، يقول: إذ حُبِسوا =" على النار "، يعني: في النار- فوضعت " على " موضع " في" كما قال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة: 102] ، بمعنى في ملك سليمان. (69) * * * وقيل: " ولو ترى إذ وقفوا " ، ومعناه: إذا وقفوا = لما وصفنا قبلُ فيما مضى: أن العرب قد تضع " إذ " مكان " إذا ", و " إذا " مكان " إذ ", وإن كان حظّ" إذ " أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجد فقضي, وحظ " إذا " أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد, (70) ولكن ذلك كما قال الراجز، وهو أبو النجم: مَــدَّ لَنَــا فِـي عُمْـرِهِ رَبُّ طَهَـا ثُــمَّ جَــزَاهُ اللـهُ عَنَّـا إذْ جَـزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلَى (71) فقال: " ثم جزاه الله عنا إذ جزى " فوضع،" إذ " مكان " إذا ". * * * وقيل: " وقفوا "، ولم يُقَل: " أُوقِفوا ", لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب. يقال: " وقَفتُ الدابة وغيرها "، بغير ألف، إذا حبستها. وكذلك: " وقفت الأرضَ"، إذا جعلتها صدقةً حَبيسًا, بغير ألف، وقد:- 13179- حدثني الحارث, عن أبي عبيد قال: أخبرني اليزيديّ والأصمعي، كلاهما, عن أبي عمرو قال: ما سمعت أحدًا من العرب يقول: " أوقفت الشيء " بالألف. قال: إلا أني لو رأيت رجلا بمكانٍ فقلت: " ما أوقفك ها هنا؟"، بالألف، لرأيته حسنًا. (72) =" فقالوا يا ليتنا نردّ"، يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم، إذ حُبسوا في النار: " يا ليتنا نردّ"، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله =" ولا نكذب بآيات ربنا " ، يقول: ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها =" ونكون من المؤمنين " ، يقول: ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله, متَّبعي أمره ونهيه. * * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين: { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، بمعنى: يا ليتنا نردُّ, ولسنا نكذب بآيات ربنا، ولكنّا نكون من المؤمنين. * * * وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بمعنى: يا ليتنا نرد, وأن لا نكذب بآيات ربنا، ونكونَ من المؤمنين. وتأوَّلوا في ذلك شيئًا:- 13180 - حدثنيه أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج, عن هارون قال: في حرف ابن مسعود: { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ) بالفاء . * * * وذكر عن بعض قرأة أهل الشام، أنه قرأ ذلك: { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ) بالرفع { وَنَكُونَ) بالنصب، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردَّ، وأن يكونوا من المؤمنين, وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا . * * * واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا. فقال بعض نحويي البصرة: " ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين "، نصبٌ، لأنه جواب للتمني, وما بعد " الواو " كما بعد " الفاء ". قال: وإن شئت رفعتَ وجعلته على غير التمني, كأنهم قالوا: ولا نكذِّبُ والله بآيات ربنا, ونكونُ والله من المؤمنين. هذا، إذا كان على ذا الوجه، كان منقطعًا من الأوّل. قال: والرفع وجهُ الكلام , لأنه إذا نصب جعلها " واوَ" عطف. فإذا جعلها " واو " عطف, فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذِّبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. قال: وهذا، والله أعلم، لا يكون, لأنهم لم يتمنوا هذا, إنما تمنوا الردّ , وأخبروا أنهم لا يكذبون، ويكونون من المؤمنين. * * * وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو نصب " نكذب " و " نكون " على الجواب بالواو، لكان صوابًا. قال: والعرب تجيب ب " الواو "، و " ثم ", كما تجيب بالفاء. يقولون: " ليت لي مالا فأعطيَك "," وليت لي مالا وأُعْطيَك "،" وثم أعطيَك ". قال: وقد تكون نصبًا على الصَّرف, كقولك: " لا يَسَعُنِي شيء ويعجِزَ عَنك. (73) * * * وقال آخر منهم: لا أحبُّ النصب في هذا, لأنه ليس بتمنٍّ منهم, إنما هو خبرٌ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنِّي. * * * وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب " بالواو " , وبحرف غير " الفاء ". وكان يقول: إنما " الواو " موضع حال, لا يسعني شيء ويضيقَ عنك "، أي: وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصَّرف في جميع العربية. قال: وأما " الفاء " فجواب جزاء: " ما قمت فنأتيَك "، أي: لو قمت لأتينَاك. قال: فهذا حكم الصرف و " الفاء ". قال: وأمّا قوله: " ولا نكذب "، و " نكون " فإنما جاز, لأنهم قالوا: " يا ليتنا نرد "، في غير الحال التي وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم في تلك, فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا في تلك الحال. * * * قال أبو جعفر: وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا: ولو ترى إذ وقفوا على النار, فقالوا: قد وقفنا عليها مكذِّبين بآيات ربِّنا كفارًا, فيا ليتنا نردّ إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا. وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنـزيل, وذلك قول الله تعالى ذكره: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة, والتكذيب لا يقع في التمني. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنَّه لم يتدبر التأويل، ولَزِم سَنَن العربيّة. * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بالرفع في كليهما, بمعنى: يا ليتنا نردّ, ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا, ولكنا نكون من المؤمنين= على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا, لا على التمنّي منهم أن لا يكذِّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه, وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني، لاستحال تكذيبهم فيه, لأن التمني لا يكذَّب, وإنما يكون التصديقُ والتكذيبُ في الأخبار. * * * وأما النصب في ذلك, فإني أظنّ بقارئه أنه توخَّى تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه, (74) وذلك قراءته ذلك: { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء كذلك، لا شك في صحة إعرابه. ومعناه في ذلك: أن تأويله إذا قرئ كذلك: لو أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا, ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَى من حكى عن العرب من السماع منهم الجوابَ بالواو، و " ثم " كهيئة الجواب بالفاء، صحيحًا, فلا شك في صحّة قراءة من قرأ ذلك: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ نصبًا على جواب التمني بالواو, على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلا فإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنـزيل. ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحًا, بل المعروف من كلامها: الجوابُ بالفاء، والصرفُ بالواو. * * * ------------------------الهوامش :(69) انظر تفسير"على" بمعنى"في" فيما سلف 1: 299/ 2 : 411 ، 412/11 : 200 ، 201 ومواضع أخرى ، التمسها في فهارس النحو والعربية.(70) انظر"إذا" و"إذ" فيما سلف ص: 236 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(71) مضى بيتان منها فيما سلف ص: 235 ، والبيت الأول من الرجز ، في اللسان { طها) وقال: " وإنما أراد: رب طه ، فحذف الألف". وكان رسم"طها" في المطبوعة والمخطوطة: " طه" ، فآثرت رسمها كما كتبها صاحب اللسان { طها).(72) الأثر: 13179 - انظر هذا الخبر في لسان العرب"وقف". وكان في المطبوعة: "الحارث بن أبي عبيد" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة. وقد مضى هذا الإسناد مرارًا.(73) "الصرف" ، مضى تفسيره فيما سلف 1: 569 ، تعليق: 1/3: 552 ، تعليق: 1/7: 247 ، تعليق: 2.(74) في المطبوعة: " فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله" ، وهو كلام غث. وفي المخطوطة: " . . . أنه برحا تأويل قراءة عبد الله" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
    +/- -/+  
الأية
28
 
القول في تأويل قوله : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء العادلين بربهم، (1) الجاحدين نبوتك، يا محمد، في قيلهم إذا وقفوا على النار: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ = الأسَى والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك، (2) لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم, فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد, ففضحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم . يقول: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها " من قبل ذلك في الدنيا, فظهرت " وَلَوْ رُدُّوا " ، يقول: ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا =" لعادوا لما نهوا عنه " ، يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم =" وإنهم لكاذبون " ، في قيلهم: " لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين ", لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله. * * * وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: 13181 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " ، يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة، التي أخفوها في الدنيا . 13182 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " ، قال: من أعمالهم . 13183 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه " ، يقول: ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم, لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
    +/- -/+  
الأية
29
 
القول في تأويل قوله : وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين، العادلين به الأوثان والأصنام، الذين ابتدأ هذه السورة بالخبرعنهم. يقول تعالى ذكره: " وقالوا إنْ هي إلا حياتنا الدنيا " ، يخبر عنهم أنهم ينكرون أنّ الله يُحيي خلقه بعد أن يُميتهم, ويقولون: " لا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور بعد الفناء ". فهم بجحودهم ذلك، وإنكارهم ثوابَ الله وعقابَه في الدار الآخرة, لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية، لأنهم لا يرجون ثوابًا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعملٍ صالح بعد موت, ولا يخافون عقابًا على كفرهم بالله ورسوله وسيّئٍ من عمل يعملونه. (3) * * * وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار: أنهم لو ردُّوا إلى الدنيا لقالوا: " ما هي إلا حياتُنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ". 13184- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، وقالوا حين يردون: " إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ". -----------------------الهوامش :(1) في المطبوعة: " ما قصد هؤلاء" ، وهو لا شيء ولكن حمله عليه أنه في المخطوطة"ما هؤلاء العادلين" ، واستظهرت الصواب من قوله بعد: "لكن بهم الإشفاق".(2) السياق: " ما بهؤلاء العادلين بربهم . . . الأسى والندم . . .".(3) في المطبوعة: " وشيء من عمل" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
    +/- -/+  
الأية
30
 
القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " لو ترى " ، يا محمد، هؤلاء القائلين: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين =" إذ وقفوا " ، يوم القيامة، أي: حبسوا, (4) " على ربهم "، يعني على حكم الله وقضائه فيهم =" قال أليس هذا بالحق " ، يقول: فقيل لهم: أليس هذا البعثُ والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونَه في الدنيا، حقًّا ؟ فأجابوا، فقالوا: " بَلَى " والله إنه لحقّ =" قال فَذُوقُوا الْعَذَابَ" ، يقول: فقال الله تعالى ذكره لهم: فذوقوا العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون (5) =" بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" ، يقول: بتكذيبكم به وجحودكموه الذي كان منكم في الدنيا . --------------الهوامش :(4) انظر تفسير"وقف" فيما سلف قريبا ص: 316.(5) انظر تفسير"ذاق العذاب" فيما سلف ص: 47 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
    +/- -/+  
الأية
31
 
القول في تأويل قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " ، قد هلك ووُكس، في بيعهم الإيمان بالكفر (6) =" الذين كذبوا بلقاء الله ", يعني: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنةَ والنارَ, من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك =" حتى إذا جاءَتهم الساعة "، يقول: حتى إذا جاءتهم السَّاعة التي يَبْعث الله فيها الموتى من قبورهم. * * * وإنما أدخلت " الألف واللام " في" الساعة ", لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها, وأنها مقصود بها قصدُ الساعة التي وصفت. * * * ويعني بقوله: " بغتة " ، فجأةً، من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إيّاه. * * * يقال منه: " بغتُّه أبغته بَغْتةً"، إذا أخذته كذلك: * * * =" قالوا يا حَسْرتَنا على ما فرّطنا فيها " ، يقول تعالى ذكره: وُكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة من النار, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا، وتبيَّنوا خسارة صفقة بَيْعهم التي سلفت منهم في الدنيا، تندُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْن الذي غبنوه أنفسهم، وجليلِ الخسران الذي لا خسرانَ أجلَّ منه =" يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، يقول: يا ندامتنا على ما ضيّعنا فيها، يعني: صفقتهم تلك. (7) * * * و " الهاء والألف " في قوله: " فيها " ، من ذكر " الصفقة ", ولكن اكتفى بدلالة قوله: " قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله " عليها من ذكرها, إذ كان معلومًا أن " الخسران " لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. (8) * * * وإنما معنى الكلام: قد وُكس الذين كذبوا بلقاء الله, ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطه وعقوبته, ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ، تندمًا: " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ". * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك: 13185 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، أمّا " يا حسرتنا "، فندامتنا =" على ما فرطنا فيها "، فضيعنا من عمل الجنة . 13186 - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا يزيد بن مهران قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " يا حسرتنا " ، قال: " يرى أهلُ النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا ". (9) * * * القول في تأويل قوله : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاء الله،" يحملون أوزارهم على ظهورهم ". وقوله: " وهم " من ذكرهم =" يحملون أوزارهم "، يقول: آثامهم وذنوبهم. * * * واحدها " وِزْر ", يقال منه: " وَزَر الرجل يزِر "، إذا أثم, قال الله: " ألا ساء ما يزرون ". (10) فإن أريد أنهم أُثِّموا، (11) قيل: " قد وُزِر القوم فهم يُوزَرُون، وهم موزورون ". * * * قد زعم بعضهم أن " الوِزْر " الثقل والحمل. ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد، ولا من رواية ثِقة عن العرب. * * * وقال تعالى ذكره: " على ظهورهم " ، لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكِب وغير ذلك, فبيَّن موضع حملهم ما يحملون منْ ذلك. * * * وذكر أنّ حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم، نحو الذي:- 13187 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلْمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبُه ريحًا, (12) فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن صورتك ! فيقول: كذلك كنت في الدنيا, أنا عملك الصالح, طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم! وتلا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، [سورة مريم: 85]. وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنُه ريحًا, فيقول، هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد قَبّح صورتك وأنتن ريحك ! فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا, أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك = وتلا " وهم يحملون أوزارهم على ظُهورهم ألا ساء ما يزرون ". (13) 13188 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، فإنه ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، (14) إلا جاء رجل قبيح الوجه، أسودُ اللون، مُنتن الريح، عليه ثياب دَنِسة, حتى يدخل معه قبره, فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحًا! قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنًا! قال: ما أدْنس ثيابك! قال فيقول: إن عملك كان دنسًا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذَّات والشهوات, فأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخلَه النار، فذلك قوله: " يحملون أوزارهم على ظهورهم ". * * * وأما قوله تعالى ذكره: " ألا ساء ما يزرون " ، فإنه يعني: ألا ساء الوزر الذي يزرون - أي: الإثم الذي يأثمونه بربهم، (15) كما:- 13189 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ألا ساء ما يزرون " ، قال: ساء ما يعملون . -----------------------الهوامش :(6) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ص: 294 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(7) انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف 3: 295/7 : 335.(8) في المطبوعة: " قد خسرت" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.(9) الأثر: 13186 -"يزيد بن مهران الأسدي" ، الخباز ، أبو خالد. صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: " يغرب". مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/290. وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 9 ، وقال: " أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والخطيب بسند صحيح ، عن أبي سعيد الخدري" ، وذكر الخبر.(10) في المطبوعة ، حذف قوله: " قال الله: ألا ساء ما يزرون".(11) "أثموا" بضم الهمزة وتشديد الثاء المكسورة ، بالبناء للمجهول أي: رموا بالإثم.(12) في المطبوعة: " استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحًا" ، وهو كلام غث غير مستقيم ، وكان في المخطوطة: " استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحًا" ، سقط من الناسخ ما أثبته"شيء" ، واستظهرته من قوله بعد: " يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا".(13) الأثر: 13187 -"الحكم بن بشير بن سلمان النهدي" ، ثقة ، مضى مرارًا رقم: 1497 ، 2872 ، 3014 ، 6171 ، 9646. وكان في المطبوعة هنا"سليمان" وهو خطأ ، صححته في المخطوطة ، والمراجع ، كما سلف أيضًا. و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى مرارًا ، رقم: 886 ، 1497 ، 3956 ، 6171 ، 9646. وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 9 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. وإسناد أبي حاتم فيما رواه ابن كثير في تفسيره 3: 303: "حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي مرزوق" ، وساق الخبر مختصرًا بغير هذا اللفظ.(14) في المطبوعة: " قال ليس من رجل ظالم يموت" ، وأثبت ما في المخطوطة.(15) كان في المطبوعة: " الذي يأثمونه كفرهم بربهم" ، زاد"كفرهم" ، وأفسد الكلام. وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض. وقد بينت آنفا معنى قوله"أثم فلان بربه" 4: 530 ، تعليق: 3/6: 92/11: 180 ، تعليق: 3.

 
Tafseer At-Tabariy  تفسير الطبري
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
    +/- -/+