Prev

4. Surah An-Nis' سورة النساء

Next



تفسير ابن كثير - النساء - An-Nisa -
 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
الأية
1
 
سورة النساء قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير وزيد بن ثابت وروى من طريق عبدالله بن لهيعة عن أخيه عيسى عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا حبس } وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبدالله بن محمد شاكر حدثنا محمد بن بشر العبدي حدثنا مسعر بن كدام عن معن بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } الآية و{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الآية و{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } و{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك } الآية ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبدالرحمن سمع من أبيه فقد اختلف في ذلك. وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن رجل عن ابن مسعود قال: خمس آيات من النساء لهن أحب إلى من الدنيا جميعا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وقوله { وإن تك حسنة يضاعفها } وقوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقوله { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } رواه ابن جرير. ثم روى من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت أولهن { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب الله عليكم والله عليم حكيم } والثانية { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } والثالثة { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } ثم ذكر قول ابن مسعود سواء يعني في الخمسة الباقية- وروى الحاكم من طريق أبي نعيم عن سفيان بن عيينة عن عبيدالله بن أبي يزيد عن ابن أبي مليكة سمعت ابن عباس يقول: سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغير ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. يقول تعالى آمرا خلقه بتقواه وهي عبادته وحده لا شريك له ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بهـا من نفس واحدة وهي آدم عليه السلام { وخلق منها زوجها } وهي حواء عليها السلام خلقت من ضلعه الأيسر من خلقه وهو نائم فاستيقظ فرآها فأعجبته فأنس إليها وأنست إليه. وقال أبن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة عن ابن عباس قال: خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها في الرجل وخلق الرجل من الأرض لجعلت نهمته في الأرض فاحبسوا نساءكم. وفي الحديث الصحيح { إن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج } وقوله{ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } أي وذرأ منهما أي من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. ثم قال تعالى { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } أي واتقوا الله بطاعتكم إياه قال إبراهيم ومجاهد والحسن { الذي تساءلون به } أي كما يقال أسألك بالله وبالرحم. وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به واتقوا الأرحام إن تقطعوها ولكن بروها وصلوها قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد. وقرأ بعضهم { والأرحام } بالخفض على العطف على الضمير في به أي تساءلون بالله وبالأرحام كما قال مجاهد وغيره. وقوله { إن الله كان عليكم رقيبا } أي هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم كما قال { والله على كل شيء شهيد }. وفي الحديث الصحيح { اعبدالله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك } وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبدالله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر-. وهم مجتابو النمار أي من عريهم وفقرهم - قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة حتى ختم } الآية. ثم قال { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد } ثم حضهم على الصدقة فقال { تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره }. وذكره تمام الحديث وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها { يا أيها الناس اتقوا ربكم } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
الأية
2
 
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم ولهذا قال { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } قال سفيان الثوري عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك وقال سعيد بن جبير: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم يقول: لا تبدلوا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام وقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولا وتأخذ سمينا. وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زيفا وتأخذ جيدا. وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف يقول درهم بدرهم. وقوله { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } قال مجاهد وسعيد بن جبير وابن سيرين ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا. وقوله { إنه كان حوبا كبيرا } قال ابن عباس: أي إثما عظيما. وروى ابن مردوية عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { حوبا كبيرا } قال { إثما كبيرا { ولكن في إسناده محمد بن يوسف الكندي وهو ضعيف وروى هكذا عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وأبي مالك وزيد بن أسلم وأبي سنان مثل قول ابن عباس وفي الحديث المروي في سنن أبي داود { اغفر لنا حوبنا وخطايانا } وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى عيينة عن ابن سيرين عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم { يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوبا { قال ابن سيرين: الحوب الأثم. ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبدالباقي حدثنا بشر بن موسى حدثنا هودة بن خليفة حدثنا عوف عن أنس أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال { إن طلاق أم أيوب لحوب } فأمسكها ثم روى ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم عن حميد الطويل سمعت أنس بن مالك أيضا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سليم أمرأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم { إن طلاق أم سليم لحوب } فكف. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا
الأية
3
 
وقوله } وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى أي إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه { وإن خفتم ألا تقسطوا } أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ثم قال البخاري: حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله { ويستفتونك في النساء } قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى { وترغبون أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال وقوله { مثنى وثلاث ورباع } أي انكحوا من شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين وإن شاء ثلاثا وإن شاء أربعا كما قال الله تعالى { جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } أي منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه بخلاف قصر الرجال على أربع فمن هذه الآية كما قال ابن عباس وجمهور العلماء لأن المقام مقام امتنان وإباحة فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكى عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع وقال بعضهم: بلا حصر وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيح وإما إحدى عشرة كما قد جاء في بعض ألفاظ البخاري. وقد علقه البخاري وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة ودخل منهن بثلاث عشرة واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من الأمة لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع ولنذكر الأحاديث في ذلك. قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري قال ابن جعفر في حديثه; أنبأنا ابن شهـاب عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم { اختر منهن أربعا } فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ذلك عمر فقال: إنى لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك ولعلك لا تلبث إلا قليلا وأيم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك ولأمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال. وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدار قطني والبيهقي وغيرهم من طرق عن إسماعيل ابن علية وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وعيسى بن يونس وعبدالرحمن بن محمد المحاربي والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ عن معمر بإسناده مثله إلى قوله { اختر منهن أربعا } وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد: وهي زيادة حسنة وهي مضاعفة لما علل البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي حيث قال بعد روايته له سمعت البخاري يقول: هذا الحديث غير محفوظ والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري حدثت عن محمد بن أبي سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة - فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال وهذا التعليل فيه نظر والله أعلم - وقد رواه عبدالرزاق عن معمر عن الزهري مرسلا وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلا وقال أبو زرعة: هو أصح. وقال البيهقي ورواه عقيل عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد عن محمد بن يزيد. وقال أبو حاتم وهذا وهم إنما هو الزهري عن محمد بن أبي سويد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكره. قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة عن الزهري عن محمد ابن أبى سويد وهذا كما علله البخاري والإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقات على شرط الشيخين. ثم روى من غير طريق معمر بل والزهري. قال البيهقي: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ حدثنا أبو عبدالرحمن النسائي ويزيد بن عمر بن يزيد الجرمي أخبرنا يوسف بن عبيدالله حدثنا سرار بن مجشر عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا هكذا أخرجه النسائي في سننه. قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة وكذا وثقه ابن معين قال أبو علي: وكذلك رواه السميدع بن وهب عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس وعروة بن مسعود الثقفي وصفوان بن أمية يعني حديث غيلان بن سلمة فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال فإذا كان هذا في الدوام ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى والله سبحانه أعلم بالصواب { حديث آخر في ذلك { روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن خميصة بن الشمردلي وعند ابن ماجه بنت الشمردل وحكى أبو داود أن منهم من يقول الشمرذل بالذال المعجمة عن قيس بن الحارث وعند أبي داود في رواية الحارث بن قيس أن عميرة الأسدي قال أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال { اختر منهن أربعا }. وهذا الإسناد حسن: وهذا الاختلاف لا يضر مثله لما للحديث من الشواهد { حديث آخر في ذلك } قال الشافعي في مسنده أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول أخبرني عبد المجيد عن ابن سهل بن عبدالرحمن عن عوف بن الحرث عن نوفل بن معاوية الديلي قال أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم { اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى } فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها. فهذه كلها شواهد لحديث غيلان كما قاله البيهقي. وقوله { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم }. أي إن خفتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن كما قال تعالى { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري السراري فإنه لا يجب قسم بينهن ولكن يستحب فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج وقوله { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال بعضهم ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي وهو مأخوذ من قوله تعالى { وإن خفتم عيلة } أي فقرا { فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } وقال الشاعر: فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وتقول العرب عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر. ولكن في هذا التفسير ههنا نظر فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا والصحيح قول الجمهور { ذلك أدنى ألا تعولوا } أي لا تجوروا يقال عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار ; وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة: بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل وقال هشيم عن أبي إسحاق كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان أعول. رواه ابن جرير وقد روى ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن حبان في صحيحه من طريق عبدالرحمن بن أبى إبراهيم وخثيم حدثنا محمد بن شعيب عن عمرو بن محمد بن زيد عن عبدالله بن عمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال { لا تجوروا } قال ابن أبي حاتم قال أبي هذا خطأ والصحيح عن عائشة موقوف قال ابن أبي حاتم وروى عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وابن رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدى ومقاتل بن حيان أنهم قالوا لا تميلوا وقد استشهد عكرمة ببيت أبي طالب الذي قدمناه ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدا واختار ذلك.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا
الأية
4
 
وقوله تعالى { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس النحلة المهر وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة نحلة فريضة وقال مقاتل وقتادة وابن جريج نحلة دأي فريضة زاد ابن جريج مسماة وقال ابن زيد النحلة في كلام العرب الواجب يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حق ومضمون كلامهم أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتما وأن يكون طيب النفس بذلك كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبا كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبا ولهذا قال { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن السدي عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع بها عسلا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئا مريئا شفاء مباركا. وقال هشيم عن سيار عن أبي صالح كان الرجل إذ زوج بنته أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك ونزل وآتوا النساء صدقاتهن نحلة. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل الحميدي حدثنا وكيع عن سفيان عن عمير الخثعمي عن عبدالملك بن المغيرة عن عبدالرحمن بن مالك السلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قالوا يا رسول الله فما العلائق بينهم قال { ما تراضى عليه أهلوهم }. وقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطاة عن عبدالملك بن المغيرة عن عبدالرحمن بن السلماني عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { أنكحوا الأيامى } ثلاثا فقام إليه رجل فقال يا رسول الله فما العلائق بينهم ؟ قال { ما تراضى عليه أهلوهم } ابن السلماني ضعيف ثم فيه انقطاع أيضا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
الأية
5
 
ينهى سبحانه وتعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام فتارة يكون الحجر للصغير فإن الصغير مسلوب العبارة وتارة يكون الحجر للجنون وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين وتارة للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } قال هم بنوك والنساء وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عيينة والحسن والضحاك هم النساء والصبيان وقال سعيد بن جبير هم اليتامى. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة هم النساء. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبى العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن النساء سفهاء إلا التي أطاعت قيمها } . ورواه ابن مردوية مطولا. وقال ابن أبي حاتم ذكر عن مسلم بن إبراهيم حدثنا حرب بن شريح عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم { قال هم الخدم وهم شياطين الإنس وقوله { وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تنظر إلى ما في أيديهم ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم. وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه وقال مجاهد { وقولوا لهم قولا معروفا } يعني في البر والصلة. وهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة ومن تحت الحجر بالفعل من الإنفاق في الكساوي والأرزاق بالكلام الطيب وتحسين الأخلاق.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ۚ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا
الأية
6
 
وقوله تعالى { وابتلوا اليتامى } قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل أي اختبروهم { حتى إذا بلغوا النكاح } قال مجاهد يعني الحلم. قال الجمهور من العلماء البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد. وفي سنن أبي داود عن علي قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل }. وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { رفع القلم عن ثلاثه الصبي حتى يحتلم أو يستكمل خمس عشرة سنة. وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق } وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. فقال عمر بن عبدالعزيز لما بلغه هذا الحديث إن هذا الفرق بين الصغير والكبير واختلفوا في نبات الشعر الخشن حول الفرج وهى الشعرة هل يدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه فلا يعالجها والصحيح أنها بلوغ في الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد على عطية القرظي قال عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فأمر من ينظر من أنبت فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلي سبيله فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه وقال الترمذي حسن صحيح وإنما كان كذلك لأن سعد بن معاذ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وقال أبو عبيد في الغريب حدثنا ابن علية عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمر أن غلاما ابتهر جارية في شعره فقال عمر انظروا إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد قال أبو عبيد ابتهرها أي قذفها والابتهار أن يقول فعلت بها وهو كاذب. فإن كان صادقا فهو الابتيار قال الكميت في شعره. قبيح بمثلي نعت الفتاة إما ابتهارا وإما ابتيارا وقوله عز وجل { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } قال سعيد بن جبير يعني صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة وهكذا قال الفقهاء إذا بلغ الغلام مصلحا لدينه وماله انفك الحجر عنه فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه وقوله { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } ينهي تعالى { عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية { إسرافا وبدارا } أي مبادرة قبل بلوغهم. ثم قال تعالى { ومن كان غنيا فليستعفف } عنه ولا يأكل منه شيئا. وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } قال ابن أبي حاتم حدثنا الأشج حدثنا عبدالله بن سليمان حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة { ومن كان غنيا فليستعفف } نزلت في مال اليتيم. حدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه. وحدثنا أبي حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري عن إسحاق بن عبدالله بن نمير عن هشام به. قال الفقهاء: له أن يأكل من أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته. واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين { أحدهما } لا لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا ; وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. قال أحمد: حدثنا عبدالوهاب حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لي مال ولي يتيم ؟ فقال { كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك - أو قال - تفدي مالك بماله } شك حسين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر حدثنا حسين المكتب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيما عنده مال وليس لي مال آكل من ماله ؟ قال { كل بالمعروف غير مسرف } . ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حسين المعلم وروى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي عن جعفر بن سليمان عن أبي عامر الخزاز عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلا قال: يا رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال { مما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالا } وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما وإن لهم إبلا ولي إبل وأنا أمنح من إبلي فقراء فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسعى عليها فاشرب غير مضل بنسل ولا ناهك في الحب ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد به. وبهذا القول وهو عدم أداء البدل يقول عطاء أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. { والثاني } نعم لأن مال اليتيم على الحظر وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر لا عند الحاجة. وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثه بن مضرب قال: قال عمر رضي الله عنه: إنى أنزلت نفسي من هذا المال منزلة والي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت استقرضت فإذا أيسرت قضيت. طريق أخرى قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر رضي الله عنه: إنما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته وإن استغنيت استعففت إسناد صحيح. وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } يعني القرض. قال وروى عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك. وروى من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله{ فليأكل بالمعروف } قال يأكل بثلاث أصابع ثم قال حدثنا أحمد بن سنان حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } قال يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. قال وروى عن مجاهد وميمون بن مهـران في إحدى الروايات والحاكم نحو ذلك. وقال عامر الشعبي لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب حدثنا نافع بن أبى نعيم القاري قال سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } الآية. فقال ذلك في اليتيم إن كان فقيرا أنفق عليه بقدر فقره ولم يكن للولى منه شيء وهذا بعيد من السياق لأنه قال { ومن كان غنيا فليستعفف } يعني من الأولياء ومن كان فقيرا أي منهم فليأكل بالمعروف أى بالتي هي أحسن كما قال في الآية الأخرى { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } أي لا تقربوه إلا مصلحين له فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف. وقوله فإذا دفعتم إليهم أموالهم يعني بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذ سلموا إليهم فإذا دفعتم إليهم أموالهم { فأشهدوا عليهم } وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه ثم قال { وكفى بالله حسيبا } أي وكفى بالله محاسبا وشاهدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم لأموالهم هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال } يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَفْرُوضًا
الأية
7
 
قال سعيد بن جبير وقتادة كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا فأنزل الله { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } الآية. أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية أو ولاء فإنه لحمة كلحمة النسب. وروى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال أتت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء فأنزل الله تعالى { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } الآية. وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر والله أعلم وقوله{ وإذا حضر القسمة } الآية. قيل المراد حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث { واليتامى والمساكين } فليرضخ لهم من التركة نصيب وإن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام وقيل يستحب واختلفوا هل هو منسوخ أم لا على قولين فقال البخاري حدثنا أحمد بن حميد أخبرنا عبدالله الأشجعي عن سفيان عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس في الآية. قال هى محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس. وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا عباد بن العوام عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال هي قائمة يعمل بها وقال الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية. قال هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم وهكذا روى عن ابن مسعود وأبي موسى وعبدالرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن. وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر إنها واجبة وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن إسماعيل ابن علية عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين قال ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت فأطعم أصحاب هذه الآية. فقال لولا هذه الآية لكان هذا من مالي وقال مالك فيما يروى عنه في التفسير من جزء مجموع عن الزهري أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله وقال الزهري هي محكمة. وقال مالك عن عبدالكريم عن مجاهد قال هي حق واجب ما طابت به الأنفس. { ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم { قال عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة أن أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبدالرحمن وعائشة حية فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه قالا وتلا { وإذا حضر القسمة أولو القربى } قال القاسم فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية يزيد الميت يوصي لهم. رواه ابن أبي حاتم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
الأية
8
 
{ ذكر من قال إن هذه الآية منسوخة بالكلية } قال سفيان الثوري عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { وإذا حضر القسمة } قال منسوخة. قال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال في هذه الآية { وإذا حضر القسمة أولوا القربى } نسختها الآية التي يعدها { يوصيكم الله في أولادكم } وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية { وإذا حضر القسمة أولو القربى } كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفي رواهن ابن مردوية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في فوله { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين } نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وحدثنا أسيد بن عاصم حدثنا سعيد بن عامر عن همام حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال إنها منسوخة قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطي منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة ثم نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء. وقال مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب هي منسوخة نسختها المواريث والوصية. وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبدالرحمن أنهم قالوا إنها منسوخة وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم وقد اختار ابن جرير ههنا قولا غريبا جدا وحاصله أن معنى الآية عنده { وإذا حضر القسمة } أي وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت { فارزقوهم منه وقولوا } لليتامى والمساكين إذا حضروا { قولا معروفا { هذا معنى ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار وفيه نظر والله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس وإذا حضر القسمة هي قسمة الميراث وهكذا قال غير واحد والمعنى على هذا لا على مـا سلكه ابن جرير رحمه الله بـل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم يائسون لا شيء يعطونه فأمر الله تعالى وهو الرءوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برا بهم وصدقة عليهم وإحسانا إليهم وجبرا لكسرهم. كما قال الله تعالى { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده } وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة كما أخبر به عن أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين أي بليل. وقال { فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } فـ{ دمر عليهم وللكافرين أمثالها } فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه ولهذا جاء في الحديث { ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته } أي منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
الأية
9
 
وقوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم الآية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة وهكذا قال مجاهد وغير واحد وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله إنى ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي قال { لا { قال: فالشطر قال { لا } قال فالثلث قال { الثلث ; والثلث كثير } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس } وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال { الثلث والثلث كثير } قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث وقيل: المراد بالآية فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى { ولا يأكلوها إسرافا وبدارا } حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلما فإنما يأكل في بطنه نارا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
الأية
10
 
ولهذا قال إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا أي إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة - وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { اجتنبوا السبع الموبقات - قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال- الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات } قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبى حدثنا عبيدة أخبرنا عبدالعزيز بن عبدالصمد العمي حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال { انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير: رجال كل رجل منهم له مشفر كمشفر البعير وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في أحدهم حتى يخرج من أسفله ولهم جؤار وصراخ قلت: يا جبريل من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا يونس بن بكير حدثنا زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا } قيل يا رسول الله من هم؟ قال { ألم تر أن الله قال: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } الآية } رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة عن عقبة بن مكرم وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن علي بن المثنى عن عقبة بن مكرم. قال ابن مردويه: حدثنا عبدالله بن جعفر حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو عامر العبدي حدثنا عبدالله بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد عن المقري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم } أي أوصيكم باجتناب مالهما وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
الأية
11
 
هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السور هن آيات علم الفرائض وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة والحجاج بين الأئمة فموضعه كتب الأحكام والله المستعان. وقد ورد الترغيب في تعليم الفرائض وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك روى أبو داود وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن عبدالرحمن بن رافع التنوخي عن عبدالله بن عمرو مرفوعا { العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة }. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي { رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعيف. وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمى الفرائض نصف العلم لأنه يبتلى به الناس كلهم.وقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج به ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر. حديث آخر في سبب نزول الآية قال أحمد: حدثنا زكريا بن عدي حدثنا عبيدالله هو ابن عمرو الرقي عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا إن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: فقال { يقضي الله في ذلك } فنزلت آية الميراث فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: { أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك } وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبدالله بن محمد بن عقيل به قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه. والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات وإنما كان يرث كلالة ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعا للبخاري فإنه ذكره ههنا والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية والله أعلم. فقوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين } أي يأمركم بالعدل فيهم فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث وفاوت بين الصنفين فجعل للذكر مثل حظ الأنثين وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى. وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين } أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها حيث أوصى الوالدين بأولادهم فعلم أنه أرحم بهم منهم كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم لأصحابه { أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك } ؟ قالوا: لا يا رسول الله قال { فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها } وقال البخاري ههنا: حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للزوجة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع وقال العوفي عن ابن عباس { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن وتعطى الابنة النصف ويعطى الغلام الصغير وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه أو نقول له فيغير فقالوا: يا رسول الله تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئا وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا وقوله { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } قال بعض الناس: قوله فوق زائدة وتقديره فإن كن نساء اثنتين كما في قوله { فاضربوا فوق الأعناق { وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه وهذا ممتنع: ثم قوله { فلهن ثلثا ما ترك { لو كان المراد ما قالوه لقال فلهما ثلثا ما ترك وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين بالطريق الأولى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين فدل الكتاب والسنة على ذلك وأيضا فإنه قال { وإن كانت واحدة فلها النصف { فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضا فلما حكم به للواحدة على انفرادها دل على أن البنتين في حكم الثلاث والله أعلم وقوله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس { إلى آخره الأبوان لهما في الإرث أحوال { أحدها } أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة فرض لها النصف وللأبوين لكل واحد منهما السدس وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب { الحال الثاني { أن ينفرد الأبوان بالميراث فيفرض للأم الثلث والحالة هذه ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض فيكون قد أخذ ضعفي ما حصل للأم وهو الثلثان فلو كان معهما زوج أو زوجة ويأخذ الزوج النصف والزوجة الربع ثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأم بعد ذلك ؟ على ثلاثة أقواله: { أحدها { أنها تأخذ ثلث الباقي في المسئلتين لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب الباقي ثلثيه هذا قول عمر وعثمان وأصح الروايتين عن علي وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء. { والثاني { أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث { فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا وهو قول ابن عباس. وروى عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهري واختاره أبو الحسين محمد بن عبدالله بن اللبان البصري في كتابه الإيجاز في علم الفرائض وهذا فيه نظر بل هو ضعيف لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبدء بجميع التركة وأما هنا فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ويبقى الباقي كأنه جميع التركة فتأخذ ثلثه. { والقول الثالث { أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسئلة الزوجة خاصة فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة فيبقى خمسة للأب. وأما في مسئلة الزوج فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة للأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين وهو مركب من القولين الأولين وهو ضعيف أيضا والصحيح الأول والله أعلم. والحال الثالث من أحوال الأبوين وهو اجتماعهما مع الأخوة سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم فإنهم لا يرثون مع الأب شيئا ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس فيفرض لها مع وجودهم السدس فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث قال الله تعالى { فإن كان له إخوة { فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به والمنقول عنهم خلافه وقد روى عبدالرحمن بن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه قال: الأخوان تسمى إخوة وقد أفردت لهذه المسئلة جزءا على حدة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدالعزيز بن المغيرة حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة نحوه وقوله { فإن كان له إخوة فلأمه السدس { أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد عن الثلث ويجبها ما فوق ذلك وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم ونفقته عليهم دون أمهم وهذا كلام حسن. لكن روى عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم وهذا قول شاذ رواه ابن جرير في تفسيره فقال: حدثنا الحسن بن يحيى حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن أبي طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: السدس الذي حجبته الأخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم.ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة. وقد حدثني يونس أخبرنا سفيان أخبرنا عمرو عن الحسن بن محمد عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. وقوله { من بعد وصية يوصي بها أو دين { أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة وروى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن الحارث بن عبدالله الأعور عن علي بن أبي طالب قال: إنكم تقرأون { من بعد وصية يوصي بها أو دين } وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث وقد تكلم فيه بعض أهل العلم { قلت { لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب فالله أعلم وقوله { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } أي إنما فرضنا للآباء والأبناء وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية كما تقدم عن ابن عباس إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء بحسبهم لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه مالا يأتيه من ابنه وقد يكون بالعكس ولذا قال { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } أي أن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر فلهذا فرضنا لهذا وهذا وساوينا بين القسمين في أصل الميراث والله أعلم وقوله { فريضة من الله } أي هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض هو فرض من الله حكم به وقضاه والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها ومعطي كلا ما يستحقه بحسبه ولهذا قال { إن الله كان عليما حكيما } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
الأية
12
 
يقول تعالى { ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن عن غير ولد } فإن كان لهن ولدا فلكم الربع مما تركن من بعد الوصية أو الدين وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية وبعده الوصية ثم الميراث وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ثم قال { ولهن الربع مما تركتم { إلى آخره وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن فيه وقوله { من بعد وصية { إلخ الكلام عليه كما تقدم وقوله تعالى { وإن كان رجل يورث كلالة { الكلاله مشتقة من الإكليل وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إنى لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. كذا رواه ابن جرير وغيره وقال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا محمد بن يزيد عن سفيان عن سليمان الأحول عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدا بعمر فسمعته يقول القول: ما قلت وما قلت وما قلت قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. وهكذا قال علي وابن مسعود وصح عن غير واحد عن ابن عباس وزيد بن ثابت وبه يقول الشعبي والنخعى والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم وقد حكى الإجماع عليه غير واحد وورد فيه حديث مرفوع قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك وهو أنه من لا ولد له والصحيح عنه الأول ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد. وقوله تعالى { وله أخ أو أخت } أي من أم كما هو في قراءة بعض السلف منهم سعد بن أبي وقاص وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه { فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث { وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه أحدها: أنهم يرثون من أدلوا به وهي الأم { والثاني { أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء { والثالث { لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن { الرابع { أنهم لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم - وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن الزهري قال: قضى عمر أن ميراث الأخوة من الأم بينهم للذكر مثل حظ الأنثى قال الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الآية هي التي قال الله تعالى فيها { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } واختلف العلماء في المسألة المشتركة وهي زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين فعلى قول الجمهور للزوج النصف وللأم أو الجدة السدس ولولد الأم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو أخوة الأم وقد وقعت هذه المسئلة في زمان أمير المؤمنين عمر فأعطى الزوج النصف والأم السدس وجعل الثلث لأولاد الأم فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم وصح التشريك عن عثمان وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاووس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبدالعزيز والثوري وشريك وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم بل يجعل الثلث لأولاد الأم ولا شيء لأولاد الأبوين والحالة هذه لأنهم عصبة وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وهو المشهور عن ابن عباس وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهذيل والإمام أحمد ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي رحمه الله في كتابه الإيجاز وقوله { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار } أي لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه أو يزيده على ما فرض الله له من الفريضة فمن سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمه وشرعه. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الإضرار في الوصية من الكبائر { وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة قال ابن عساكر: ويعرف بمغنى المساكين وروى عنه غير واحد من الأئمة وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه لكن رواه النسائي في سننه عن علي بن حجر عن علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا { الإضرار في الوصية من الكبائر } وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن عائذ بن حبيب عن داود بن أبي هند ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا وفي بعضها ويقرأ ابن عباس { غير مضار { قال ابن جرير والصحيح الموقوف ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث هل هو صحيح أم لا ؟ على قولين { أحدهما } لا يصح لأنه مظنة التهمة وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث { وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة والقول القديم للشافعي رحمهم الله وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبدالعزيز وهو اختيار أبي عبدالله البخاري في صحيحه واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها قال: وقال بعض الناس لا يجوز إقراره لسوء الظن بالورثة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث { وقال الله تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها { فلم يخص وارثا ولا غيره انتهى ما ذكره فمتى كان الإقرار صحيحا مطابقا لما في نفس الأمر جرى فيه هذا الخلاف ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة { غير مضار وصية من الله والله عليم حليم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الأية
13
 
أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها. ولهذا قال { ومن يطع الله ورسوله } أي فيها فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ
الأية
14
 
أي لكونه غير ما حكم الله به وضاد الله في حكمه وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم - قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن أشعث بن عبدالله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة }. قال ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم { تلك حدود الله - إلى قوله - عذاب مهين } قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه: حدثنا عبيدة بن عبدالله أخبرنا عبدالصمد حدثنا نصر بن علي الحراني حدثنا الأشعث بن عبدالله بن جابر الحداني حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الرجل ليعمل - أو المرأة - بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضران في الوصية فتجب لهما النار } وقال قرأ علي أبو هريرة من ههنا { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار- حتى بلغ - ذلك الفوز العظيم }. وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أشعث وأكمل به وقال الترمذي: حسن غريب وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
الأية
15
 
كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ولهذا قال: { واللاتي يأتين الفاحشة } يعني الزنا { من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم وكذا روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة وهو أمر متفق عليه - قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبدالله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال: { خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب والبكر بالبكر الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة }. وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة عن الحسن عن حطان عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه { خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم } . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن حطان بن عبدالله الرقاشي عن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي عرف ذلك في وجهه فأنزلت { أو يجعل الله لهن سبيلا } فلما ارتفع الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { خذوا خذوا قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة } . وقد روى الإمام أحمد أيضا هذا الحديث عن وكيع بن الجراح عن الحسن حدثنا الفضل بن دلهم عن قبيصة بن حرب عن سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم { وكذا رواه أبو داود مطولا من حديث الفضل بن دلهم ثم قال: وليس هو بالحافظ كان قصابا بواسط. حديث آخر } قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا عباس بن حمدان حدثنا أحمد بن داود حدثنا عمرو بن عبدالغفار حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { البكران يجلدان وينفيان والثيبان يجلدان ويرجمان والشيخان يرجمان }. هذا حديث غريب من هذا الوجه وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { البكران يجلدان وينفيان والثيبان يجلدان ويرجمان والشيخان يرجمان { هذا حديث غريب من هذا الوجه وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى وآله وسلم { لا حبس بعد سورة النساء { وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية واليهوديين ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الرجم ليس بحتم بل هو منسوخ على قولهم والله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا
الأية
16
 
وقوله تعالى { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } أي واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وغيرهما: أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبدالله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا- لا يكنى وكأنه يريد اللواط والله أعلم: وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به } وقوله { فإن تابا وأصلحا } أي أقلعا ونزعا عما كان عليه وصلحت أعمالهما وحسنت { فأعرضوا عنهما } أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له { إن الله كان توابا رحيما } وقد ثبت في الصحيحين { إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها } أي لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
الأية
17
 
يقول سبحانه وتعالى إنما يقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو بعد معاينة الملك يقبض روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب وقال قتادة عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة رواه ابن جرير. وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره. وقال ابن جريج أخبرني عبدالله بن كثير عن مجاهد قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. قال ابن جريج وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه. وقال أبو صالح عن ابن عباس من جهالته عمل السوء. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ثم يتوبون من قريب } قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته وهو مروي عن ابن عباس وقال الحسن البصري: { ثم يتوبون من قريب } ما لم يغرغر وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب } ذكر الأحاديث في ذلك { قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عياش وعصام بن خالد قال حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: { إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان به وقال الترمذي حسن غريب ووقع في سنن ابن ماجه: عن عبدالله بن عمرو وهو وهم إنما هو عبدالله بن عمر بن الخطاب { حديث آخر { قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبدالله بن الحسن الحراني حدثنا يحيى بن عبدالله البابلي حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي سمعت عطاء بن أبي رباح قال: سمعت عبدالله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه أدنى من ذلك وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه } حديث آخر قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونه وأخبرني رجل من ملحان يقال له أيوب قال سمعت عبدالله بن عمر يقول: من تاب قبل موته بعام تيب عليه ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. فقلت إنما قال الله { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } فقال إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وأبو عامر العقدي عن شعبة } حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عبدالرحمن بن السلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم { فقال الآخر أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم ؟ قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم } فقال الثالث أنت سمعت هذا من رسول صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم قال وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة } قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إن الله يقيل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه } وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عبدالرحمن بن السلماني فذكر قريبا منه } حديث آخر } قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا عمران بن عبدالرحيم حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر } [أحاديث في ذلك مرسلة] قال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر } هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله. وقد قال ابن جرير أيضا رحمه الله: حدثنا ابن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن العلاء بن زياد عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: { إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر } وحدثنا ابن بشار حدثنا عبدالأعلى عن سعيد عن قتادة عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكر مثله. { حديث آخر } قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا أبو داود حدثنا عمران عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبى قلابة فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله عز وجل: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري كلاهما عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { قال إبليس يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله عز وجل وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني } فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة ولهذا قال تعالى { فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما } وأما متى وقع الإياس من الحياة وعاين الملك وخرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر وبلغت الحلقوم وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
الأية
18
 
ولهذا قال { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن } وهذا كما قال تعالى { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده } الآيتين ; وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } الآية. وقوله { ولا الذين يموتون وهم كفار } يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض. قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس { ولا الذين يموتون وهم كفار } قالوا نزلت في أهل الشرك وقال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان حدثني أبي عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الله يقبل توبة عبده -أو يغفر لعبده- ما لم يقع الحجاب { قيل وما وقوع الحجاب ؟ قال { تخرج النفس وهي مشركة { ولهذا قال الله تعالى { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } أي موجعا شديدا مقيما.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا
الأية
19
 
قال البخاري حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس قال الشيباني وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } قال كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها; فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } هكذا ذكره البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبى إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان عن عكرمة وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء كوفي أعمى كلاهما عن ابن عباس بما تقدم وقال أبو داود حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت المروزي حدثني علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فأحكم الله تعالى عن ذلك أي نهى عن ذلك تفرد به أبو داود وقد رواه عن غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. وروى وكيع عن سفيان عن علي بن نديمة عن مقسم عن ابن عباس كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبا كان أحق بها فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها }. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها { قال كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها وروى العوفي عنه عن الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره وحبسها عنده حتى تفتدى منه بفدية. فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها }. وقال زيد بن أسلم في الآية عن أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها من أراد وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله المؤمنين عن ذلك رواه ابن أبي حاتم وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا موسى بن إسحاق حدثنا علي بن المنذر. حدثنا محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان لهم ذلك في الجاهلية فأنزل الله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها }. ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم فنزلت { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } الآية. وقال ابن جريج قال مجاهد كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه. وقال ابن جريج قال عكرمة نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس توفي عنها أبو قيس بن الأسلت فجنح عليها ابنه فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقالت يا رسول الله: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح ! فأنزل الله هذه الآية وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبا فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا نجت فأنزل الله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها }. وقال مجاهد في الآية: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه رواه ابن أبى حاتم ثم قال وروى عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان نحو ذلك. قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد ومن وافقه وكل ما كان فيه نوع من ذلك والله أعلم وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي لا تضاروهن في العشرة لتترك ما أصدقتها أو بعضه أو حقا من حقوقها عليك أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والإضرار. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ولا تعضلوهن } يقول ولا تقهروهن { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير وقال ابن المبارك وعبدالرزاق أخبرنا معمر أخبرني سماك بن الفضل عن ابن السلماني قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية والأخرى في أمر الإسلام. قال عبدالله بن المبارك يعني قوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } في الجاهلية { ولا تعضلوهن } في الإسلام وقوله { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ; والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح السدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال يعني بذلك الزنا يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها كما قال تعالى في سورة البقرة { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله } الآية وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها وهذا جيد والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فأحكم الله عن ذلك أي نهى عن ذلك. قال عكرمة والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية ولكن نهى المسلمون عن فعله في الإسلام. وقال عبدالرحمن بن زيد كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد فإذا جاء الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها. قال فهذا قوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } الآية وقال مجاهد في قوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } هو كالعضل في سورة البقرة. وقوله تعالى { وعاشروهن بالمعروف } أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { خيركم خيركم لأهله ; وأنا خيركم لأهلي { وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر ; يداعب أهله ; ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائسة أم المؤمنين رضي الله عنها يتودد إليها بذلك قالت سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم ; ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني فقال { هذه بتلك { ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام ولله الحمد. وقوله تعالى { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } أي فعسى أن يكون صبركم في إمساكهن مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس في هذه الآية هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدا ويكون في ذلك الولد خير كثير وفي الحديث الصحيح { لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها آخر }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
الأية
20
 
وقوله تعالى { وإن أردتم استبدال زوح مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئا ولو كان قنطارا من مال وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا. وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت إليك علق القربة ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيربن عن أبي العجفاء واسمه هرم بن سيب البصري وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. { طريق أخرى عن عمر { قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن عبدالرحمن عن خالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم ؟ قال: نعم فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال: وأي ذلك ؟ فقالت: أما سمعت الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا { الآية قال: فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إنى كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل إسناده جيد قوي { طريقة أخرى { قال ابن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبدالرزاق عن قيس بن ربيع عن أبي حصين عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا { من ذهب - قال وكذلك هي في قراءة عبدالله بن مسعود - فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته { طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع } قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبدالله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة- في أنفها فطس- ما ذاك لك قال: ولم ؟ قالت: إن الله قال { وآتيتم إحداهن قنطارا { الآية فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ ولهذا قال منكرا { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضيت إليك قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع- وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما { الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب { قالها ثلاثا فقال الرجل: يا رسول الله مالي -يعني ما أصدقها- قال { لا مال لك إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها { وفي سنن أبي داود وغيره عن نضرة بن أبي نضرة أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها فإذا هي حامل من الزنا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقضى لها بالصداق وفرق بينهما وأمر بجلدها وقال { الولد عبد لك والصداق في مقابلة البضع } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
الأية
21
 
ولهذا قال تعالى { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } وقوله تعالى { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } روى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن المراد بذلك العقد وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس في قوله { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } قال إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي نحو ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في الآية هو قوله { أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله { فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة قال: وكان فيما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به قال له { وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي { رواه ابن أبى حاتم وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: { واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا
الأية
22
 
وقوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء { الآية يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم وإعظاما واحتراما أن توطأ من بعده حتى أنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا قيس بن الربيع حدثنا أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: لما توفي أبو قيس - يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك ولكن آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبا قيس توفي فقال: { خيرا { ثم قالت إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه وإنما كنت أعده ولدا فما ترى ؟ فقال لها { ارجعي إلى بيتك { قال: فنزلت { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء { الآية وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا حسين حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عكرمة في قوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد الله ضمرة وكانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار وكانت عند أبيه خلف وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في الجاهلية ولهذا قال { إلا ما قد سلف { كما قال { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف { قال وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة تزوج بامرأة أبيه فأولدها ابنه النضر بن كنانة قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم { ولدت من نكاح لا من سفاح { قال: فدل على أنه كان سائغا لهم ذلك فأراد أنهم كانوا يعدونه نكاحا فقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبدالله المخزومي حدثنا قراد حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين فأنزل الله تعالى { ولا: تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } { وأن تجمعوا بين الأختين { وهكذا قال عطاء وقتادة ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كتابه نظر والله أعلم وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة مبشع غاية التبشع ولهذا قال تعالى { إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا { وقال { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن { وقال { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا { فزاد ههنا { ومقتا } أي بغضا أي هو أمر كبير في نفسه ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته فإن الغالب أن من يتزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو كالأب بل حقه أعظم من حق الأباء بالإجماع بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه. وقال عطاء بن أبي رباح في قوله { ومقتا } أي يمقت الله عليه { وساء سبيلا } أي وبئس طريقا لمن سلكه من الناس فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب عن خاله أبي بردة - وفي رواية ابن عمر وفي رواية عمه -أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أشعث عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: مر بي عمي الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: أي عم أين بعثك النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه. { مسألة } وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضا بذلك وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب فجعل يهوي به إلى متاعها ويقول نعم المتاع لو كان له متاع اذهب بها إلى يزيد بن معاوية ثم قال لا ادع لي ربيعة بن عمرو الحرسي وكان فقيها فلما دخل عليه قال إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له. ثم قال نعم ما رأيت ثم قال: ادع لي عبدالله بن مسعدة الفزاري فدعوته وكان آدم شديد الأدمة. فقال: دونك هذه بيض بها ولدك قال: وكان عبدالله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته ثم كان بعد ذلك مع معاوية على علي رضي الله عنه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
الأية
23
 
هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن سنان حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان بن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حرمت عليكم سبع نسبا وسبع صهرا وقرأ { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخـواتكم { الآية وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ثم قرأ { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت { فهن النسب وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى { وبناتكم { فإنها بنت فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وقد حكى عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتا شرعية فكما لم تدخل في قوله { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين { فإنها لا ترث بالإجماع فكذلك لا تدخل في هذه الآية والله أعلم وقوله تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبدالله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة { وفي لفظ لمسلم { يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب { وقال بعض الفقهاء كل ما يحرم من النسب يحرم من الرضاعة إلا أربع صور وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك لأنه يوجد مثل بعضها في النسب وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة ولله الحمد وبه الثقة. ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية وهذا قول مالك ويروى عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال } لا تحرم المصة والمصتان { وقال قتادة عن أبي الخليل عن عبدالله بن الحارث عن أم الفضل قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان { وفي لفظ آخر { لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان { رواه مسلم. وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور وهو مروى عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير رحمهم الله. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبدالله بن أبي بكر عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن { عشر رضعات معلومات يحرمن } ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ; وروى عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة نحو ذلك. وفي حديث سهلة بنت سهيل أن رسول الله صلى أمرها أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة خمس رضعات وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات وبهذا قال الشافعي وأصحابه ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله { يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } . ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحل كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط ولا ينتشر إلى ناحية الأب كما هو قول لبعض السلف على قولين تحريم هذا كله في كتاب الأحكام الكبيرة وقوله { وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم { أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على بنتها سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم حتى يدخل بأمها فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوح بنتها ولهذا قال { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم { في تزويجهن ; فهذا خاص بالربائب وحدهن وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها لقوله { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم { وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي وعبدالأعلى عن سعيد عن قتادة عن جلاس بن عمرو عن علي رضي الله تعالى عنه في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أيتزوج بأمها قال: هي بمنزلة الربيبة. وحدثنا ابن بشار حدثنا يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها. وفي رواية عن قتادة عن سعيد عن زيد بن ثابت أنه كان يقول: إذا ماتت فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل. وقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبدالرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن حفص عن مسلم بن عويمر الأجدع أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال: فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها وأمها ذات مال كثير فقال أبي: هل لك في أمها ؟ قال: فسألت ابن عباس وأخبرته ؟ فقال: انكح أمها قال: وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها فأخبرت أبي بما قالا فكتب إلى معاوية فأخبره بما قالا فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله ولا أحرم ما أحل الله وأنت وذاك والنساء سواها كثير فلم ينه ولم يأذن لي فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحنيها. وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن رجل عن عبدالله بن الزبير قال: الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم تدخل بالمرأة وفي إسناده مبهم. وقال ابن جريج أخبرني عكرمة بن كليد أن مجاهدا قال { وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم } أراد بهما الدخول جميعا فهذا القول كما ترى مروى عن علي وزيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس وقد توقف فيه معاوية وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي وقد روى عن ابن مسعود مثله ثم رجع عنه. قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري حدثنا عبدالرزاق عن الثوري عن أبي فروة عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود: أن رجلا من بني كمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته فاستفتى ابن مسعود فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها فتزوجها وولدت له أولادا ثم أتى ابن مسعود المدينة فسئل عن ذلك فأخبر أنها لا تحل له فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها. وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم بخلاف الأم فإنها تحرم بمجرد العقد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد حدثنا هارون بن عروة عن عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها { وروي { أنه قال: إنها مبهمة فكرهها ثم قال: وروى عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاووس وعكرمة وعطاء والحسن ومحكول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الفقهاء قديما وحديثا ولله الحمد والمنة - قال ابن جريج: والصواب قول من قال الأم من المبهمات لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما اشترطه مع أمهات الربائب مع أن ذلك أيضا إجماع الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه وقد روي بذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر غريب وفي إسناده نظر وهو ما حدثني به ابن المثنى حدثنا حبان بن موسى حدثنا ابن المبارك أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل فإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة { ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأما قوله تعالى { وربائبكم اللاتي في حجوركم { فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كان في حجر الرجل أو لم تكن في حجره. قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كقوله تعالى { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا { وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان - وفي لفظ لمسلم - عزة بنت أبي سفيان قال { أو تحبين ذلك{ ؟ قالت: نعم لست بك بمخلية وأحب من شاركني في خير أختي قال { فإن ذلك لا يحل لي } قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة قال { بنت أم سلمة { قالت: نعم قال: { إنها لو لم تكن ربيبتي في حجر ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن } . وفي رواية للبخاري { إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي { فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم. وقال ابن أبي حاتم: حدثتا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا هشام - يعني ابن يوسف - عن ابن جريج حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك فقلت: توفيت المرأة فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم وهي بالطائف قال: كانت في حجرك ؟ قلت: لا هي بالطائف قال: فانكحها قلت: فأين قول الله { وربائبكم اللاتي في حجوركم ؟ { قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم وهو قول غريب جدا وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك رحمه الله واختاره ابن حزم وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله فاستشكله وتوقف في ذلك والله أعلم. وقال ابن المنذر: حدثنا علي بن عبدالعزيز حدثنا الأثرم عن أبي عبيدة قوله { اللاتي في حجوركم { قال: في بيوتكم وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى فقال عمر: ما أحب أن أجيزهما جميعا يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني وهذا منقطع. وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص عن طاووس عن طارق بن عبدالرحمن عن قيس قال: قلت لابن عباس أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له ؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله وقال الشيخ أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح قال { وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم } وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن ابن عمر وابن عباس وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة وكذا قال قتادة عن أبي العالية. ومعنى قوله { اللاتي دخلتم بهن { أى نكحتموهن قاله ابن عباس وغير واحد وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها قالت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها ؟ قال: هو سواء وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وقوله تعالى { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية كما قال تعالى { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم { الآية وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم { قال: كنا نحدث والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك فأنزل الله عز وجل { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ونزلت { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ونزلت { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم { وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا خالد بن الحارث عن الأشعث عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات { وحلائل أبنائكم } { وأمهات نسائكم } ثم قال: وروى عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك { قلت { معنى مبهمات أي عامة في المدخول بها وغير المدخول فتحرم بمجرد العقد عليها وهذا متفق عليه فإن قيل فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور ومن الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه ؟ فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب { وقوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف { الآية أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف كما قال { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى { فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما. رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن لهيعة وأخرجه أبو داود والترمذي أيضا من حديث يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أبي وهب الجشاني قال الترمذي واسمه دليم بن الهوشع عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه به وفي لفظ للترمذي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم { اختر أيتهما شئت { ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد رواه ابن ماجه أيضا بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدالسلام بن حرب عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة عن أبي وهب الجشاني عن أبي خراش الرعيني قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية فقال { إذا رجعت فطلق إحداهما { قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز ويحتمل أن يكون غيره فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبدالله بن يحيى بن محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني حدثنا هيثم بن خارجة حدثنا يحيى بن إسحاق عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة عن زر بن حكيم عن كثير بن مرة عن الديلمي قال: قلت يا رسول الله إن تحتي أختين قال: { طلق أيهما شئت { فالديلمي المذكور أولا هو الضحاك بن فيروز الديلمي رضي الله عنه وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبئ لعنه الله وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عبدالله بن أبي عنبة - أو عتبة - عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين فكرهه فقال له يعني السائل يقول الله تعالى { إلا ما ملكت أيمانكم } فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك وقال الإمام مالك عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية وما كنت لأمنع ذلك فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا وقال مالك: قال ابن شهاب أراه علي بن أبي طالب قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك قال ابن عبدالبر النمري رحمه الله في كتاب الاستذكار: إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبدالملك بن مروان وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه أن خلف بن مطرف حدثهم حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة قالوا: حدثنا أبو زيد عبدالرحمن بن إبراهيم حدثنا أبو عبدالرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي حدثني عمي إياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت إن لي أختين مما ملكت يميني اتخذت إحداهما سرية فولدت لى أولادا ثم رغبت في الأخرى فما أصنع. فقال علي رضي الله عنه: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى. قلت: فإن ناسا يقولون بل تزوجها ثم تطأ الأخرى فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها. أو مات عنها أليس ترجع إليك ؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد أو قال إلا الأربع ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة رجل ولم يصب من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن العباس حدثني محمد بن عبدالله بن المبارك المخرمي حدثنا عبدالرحمن بن غزوان حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب حرمتهما آية وأحلتهما آية -يعني الأختين قال ابن عباس: يحرمن علي قرابتي منهن ولا يحرمن قرابة بعضهن من بعض يعني الإماء وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين فلما جاء الإسلام أنزل الله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } يعني في النكاح ثم قال أبن عمر: وروى الإمام أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن سلمة عن هشام عن ابن سيرين عن ابن مسعود قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد وعن ابن مسعود والشعبي نحو ذلك قال أبو عمرو قد روى مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس ولكن اختلف عليهم ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز والعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام والمغرب إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس وقد ترك من يعمل ذلك ظاهرا ما اجتمعنا عليه وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم } إلى آخر الآية أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء وكذلك يجب أن يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب وكذلك هو عند جمهورهم وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
الأية
24
 
وقوله تعالى { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات وهى المزوجات إلا ما ملكت أيمانكم يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق أخبرنا سفيان هو الثوري عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبيا من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج فسألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم { فاستحللنا فزوجهن وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن هشيم ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ثلاثتهم عن عثمان البتي ورواه ابن ماجه من حديث أشعث بن سوار عن عثمان البتي ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم عن أبي سعيد الخدري فذكره وهكذا رواه عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري به وروى من وجه آخر عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصابوا سبيا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن قال: فنزلت هذه الآية في ذلك { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم { وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة زاد مسلم وشعبة ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه وقال الترمذي هذا حديث حسن ولا أعلم أن أحدا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة - كذا قال وقد تابعه شعبة والله أعلم. وقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر وذكر مثل حديث أبي سعيد وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية وقال ابن جرير حدثنا ابن مثنى حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن مغيرة عن إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج ؟ قال: كان عبدالله يقول: بيعها طلاقها ويتلو هذه الآية { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم { وكذا رواه سفيان عن منصور ومغيرة والأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود قال: بيعها طلاقها وهو منقطع ورواه سفيان الثوري عن خليد عن أبي قلابة عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة قال أبي بن كعب وجابر بن عبدالله وابن عباس قالوا: بيعها طلاقها وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن خليد عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست بيعها طلاقها وعتقها طلاقها وهبتها طلاقها وبراءتها طلاقها وطلاق زوجها طلاقها: وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قوله { والمحصنات من النساء } قال: هذه ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك فبيعها طلاقها وقال معمر: وقال الحسن مثل ذلك وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن في قوله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم { قال: إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها فهذا قول هؤلاء من السلف وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها لأن المشتري نائب عن البائع والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث ; بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم ; فلما خيرها دل على بقاء النكاح وأن المراد من الآية المسببات فقط والله أعلم وقد قيل المراد بقوله { والمحصنات من النساء } يعني العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا ; حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة { والمحصنات من النساء { ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم. وقوله تعالى { كتاب الله عليكم } أي هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم يعني الأربع فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله { كتاب الله عليكم { يعني الأربع وقال إبراهيم { كتاب الله عليكم } يعني ما حرم عليكم. وقوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم { ما دون الأربع وهذا بعيد. والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: وأحل لكم ما وراء ذلكم يعني مما ملكت أيمانكم وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية وقوله تعالى { أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } أي تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي ولهذا قال { محصنين غير مسافحين { وقوله تعالى { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } أي كما تستمتعون بهن فأتوهن مهورهن في مقابلة ذلك كما قال تعالى { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } وكقوله تعالى { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة { وكقوله { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا { وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة وهو رواية عن الإمام أحمد وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤن { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجروهن فريضة { وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة ولكن الجمهور على خلاف ذلك والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صلى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول الله صلى يوم فتح مكة فقال { يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا { وفي رواية لمسلم في حجة الوداع وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام وقوله تعالى { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة { من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى قال: لا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تتراضوا على زيادة به وزيادة للجعل قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة وهو قوله تعالى { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها وليس بينهما ميراث فلا يرث واحد منهما صاحبه ومن قال بهذا القول الأول جعل معناه كقوله { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة { الآية أي إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبدالأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: زعم الحضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة يعني إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ واختار هذا القول ابن جرير وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة { والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها يعني في المقام أو الفراق. وقوله تعالى { إن الله كان عليما حكيما { مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
25
 
يقول تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا } أي سعة وقدرة { أن ينكح المحصنات المؤمنات } أي الحرائر العفائف. وقال ابن وهب: أخبرني عبدالجبار عن ربيعة { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات } قال ربيعة: الطول الهوى يعني ينكح الأمة إذا كان هواه فيها رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده { فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } أي فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون ولهذا قال { من فتياتكم المؤمنات } قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان. ثم أعترض بقوله { والله أعلم بأيمانكم بعضكم من بعض } أي هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور ثم قال: { فانكحوهن بإذن أهلهن } فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه كما جاء في الحديث { أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر { أي زان. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث { لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها { وقوله تعالى { وآتوهن أجورهن بالمعروف } أي وادفعوا مهورهن بالمعروف أي عن طيب نفس منكم ولا تبخسوا منه شيئا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات وقوله تعالى { محصنات } أي عفائف عن الزنا لا يتعاطينه ولهذا قال { غير مسافحات } وهن الزوانى اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة - وقوله تعالى { ولا متخذات أخدان } قال ابن عباس: { المسافحات } هن الزواني المعلنات يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة: وقال ابن عباس: ومتخذات أخدان يعني أخلاء وكذا روى عن أبى هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي قالوا: أخلاء وقال الحسن البصري يعني الصديق وقال الضحاك أيضا { ولا متخذات أخدان } ذات الخليل الواحد المقرة به نهى الله عن ذلك يعني تزويجها ما دامت كذلك وقوله تعالى { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } اختلف القراء في { أحصن فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبنى لما لم سم فاعله وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم ثم قيل: معنى القراءتين واحد واختلفوا فيه على قولين { أحدهما { أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام روى ذلك عن عبدالله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع قال: وإنما قلنا ذلك استدلالا بالسنة وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا مرفوعا قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن عبدالله حدثنا أبي عن أبيه عن أبي حمزة عن جابر عن رجل عن أبي عبدالرحمن عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم { فإذا أحصن } قال { إحصانها إسلامها وعفافها { وقال: المراد به ههنا التزويج قال: وقال علي اجلدوهن ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر قلت وفي إسناده ضعف وفيه من لم يسم ومثله لا تقوم به حجة وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها وقيل: المراد به ههنا التزويج وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي فيما رواه أبو الحكم بن عبدالحكم عنه. وقد روى ليث بن أبى سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر وإحصان العبد أن ينكح الحرة وكذا روى ابن أبى طلحه عن ابن عباس رواهما ابن جرير في تفسيره وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي. وقيل: معنى القراءتين متباين فمن قرأ أحصن بضم الهمزة فمراده التزويج ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام اختاره أبو جعفر ابن جرير في تفسيره وقرره ونصره ; والأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان ههنا التزويج لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } والله أعلم والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله { فإذا أحصن } أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره وعلى كل من القولين إشكاله على مذهب الجمهور وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة مزوجة أو بكرا مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنا من الإماء وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء فقدمناها على مفهـوم الآية. فمن ذلـك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا الحد على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أحسنت اتركها حتى تتماثل { وعند عبدالله بن أحمد عن غير أبيه { فإذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين { وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى يقول { إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر { ولمسلم } إذا زنت ثلاثا فليبعها في الرابعة } وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرنى عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا من ولائد الإمارة خمسين خمسين من الزنا. { الجواب الثاني { جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها وإنما تضرب تأديبا وهو المحكي عن ابن عباس رضى الله عنه وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الآية وهو من مفاهيم الشرط وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ قال { إن زنت فحدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير { قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة أخرجاه في الصحيحين وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عددكما أقت في المحصنة وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك والله أعلم - وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن سفيان عن مسعر عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } ليس على أمة حد حتى تحصن- يعني تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات { وقد رواه ابن خزيمة عن عبدالله بن عمران العابدي عن سفيان به مرفوعا وقال: رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس وكذا رواه ابن خزيمة عن عبدالله بن عمران وقال: مثل ما قاله ابن خزيمة قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان وحديث أبي هريرة عنه أجوبة { أحدها } أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعا بينه وبين هذا الحديث { الثاني } أن لفظة الحد في قوله { فليقم عليها الحد { مقحمة من بعض الرواة بدليل الجواب الثالث وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد وأيضا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه وكان قد شهد بدرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا زنت الأمة فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير " { الرابع } أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد في الحديث على الجلد لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب كما أطلق الحد على ضرب من زنا من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ وعلى جلد من زنا بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة ورجم الثيب أو اللائط والله أعلم. وقد روى ابن ماجه وابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج وهذا إسناد صحيح عنه ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلا لا حدا وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث وإن أراد أنها لا تضرب حدا ولا ينفي ضربها تأديبا فهو كقول ابن عباس رضي الله عنه ومن تبعه في ذلك والله أعلم. { الجواب الثالث { أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة كقوله تعالى { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } وكحديث عبادة بن الصامت { خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة { والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن عن الظاهري وهو في غاية الضعف لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب وهو خمسون جلدة فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال وهذا الشارع عليه السلام سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال { اجلدوها } ولم يقل مائة فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء وإلا فما الفائدة في قولهم ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت لكن لما علموا أحد الحكمين سألوا عن الآخر فبينه لهم كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم ثم قال { والسلام ما قد علمتم } وفي لفظ لما أنزل الله قوله { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } قالوا هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك وذكر الحديث وهكذا هذا السؤال. { الجواب الرابع { عن مفهوم الآية جواب أبي ثور وهو أغرب من قول داود من وجوه وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات الرجم وصولا يتناصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم بل قد قال أبو عبدالله الشافعي رحمه الله ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب والألف واللام في المحصنات للعهد وهن المحصنات المذكورات في أول الآية { من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات } والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض للتزويج بحرة وقوله { نصف ما على المحصنات من العذاب } يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تبعيضه وهو الجلد لا الرجم والله أعلم. وقد روى أحمد حديثا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعيد عن أبيه أن صفية قد زنت برجل من الحمس فولدت غلاما فادعاه الزاني فاختصما إلى عثمان فرفعهما إلى علي بن أبي طالب فقال علي أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم { الولد للفراش وللعاهر الحجر { وجلدهما خمسين خمسين وقيل بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى أي أن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكاح ولا بعده وإنما عليهن الجلد بالحالين في السنة قال ذلك صاحب الإفصاح وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبدالحكم وقد ذكر البيهقي في كتاب السنن والآثار عنه وهو بعيد عن لفظ الآية لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها وقال بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول في مذهب أحمد رحمه الله فأما قبل الإحصان فله ذلك والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة وهذا أيضا بعيد لأنه ليس في الآية ما يدل عليه ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف واوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور { إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها } ملخص الآية أنها إذا زنت أقوال. أحدها تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده وهل تنفي فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنها تنفي عنه. والثاني لا تنفي عنه مطلقا والثالث أنها تنفي نصف سنة وهو نصف نفي الحرة وهذا الخلاف في مذهب الشافعي وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال واما النساء فلا لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء والله أعلم والثاني أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبا غير محدود بعدد محصور وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان وإن أراد نفيه فيكون مذهبا بالتأويل. وإلا فهو كالقول الثاني القول الآخر أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين كما هو المشهور عن داود وهو أضعف الأقوال أنها تجلد قبل الإحصان خمسين وترجم بعده وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وقوله تعالى { ذلك لمن خشي العنت منكم } أي إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا وشق عليه الصبر عن الجماع وعنت بسبب ذلك كله فله حينئذ أن يتزوج بالأمة وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج غريبا فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي ولهذا قال { وإن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم } ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين فقالوا متى لم يكن الرجل مزوجا بحرة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضا سواء كان واجدا لطول حرة أم لا وسواء خاف العنت أم لا وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } أي العفائف وهو يعم الحرائر والإماء وهذه الآية عامة وهذه أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور والله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
الأية
26
 
يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم بما تقدم وذكره في هذه السورة وغيرها { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها { ويتوب عليكم } أي من الإثم والمحارم { والله عليم حكيم } أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا
الأية
27
 
وقوله { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا
الأية
28
 
{ يريد الله أن يخفف عنكم } أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم ولهذا أباح الإماء بشروط كما قال مجاهد وغيره { وخلق الإنسان ضعيفا } فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه { وخلق الإنسان ضعيفا } أي في أمر النساء وقال وكيع يذهب عقله عندهن وقال موسى الكليم عليه السلام لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء حين مر عليه راجعا من عند سدرة المنتهى فقال له: ماذا فرض عليكم فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة فقال له ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا فرجع فوضع عشرا ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا الحديث.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
الأية
29
 
ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا عبدالوهاب حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول إن رضيته أخذته وإلا رددت معه درهما قال هو الذي قال عز وجل فيه { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن حرب المصلي حدثنا ابن الفضيل عن داود الأبدي عن عامر عن علقمة عن عبدالله في الآية قال إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لما أنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قال المسلمون إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل أموالنا فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكيف للناس فأنزل الله بعد ذلك { ليس على الأعمى حرج } الآية وكذا قال قتادة وقوله تعالى { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال كما قال تعالى { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } وكقوله { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى }. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول لأنه يدل على التراضي نصا بخلاف المعاطاة فانها قد لا تدل على الرضا ولا بد وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا فصححوا بيع المعاطاة مطلقا ومنهم من قال يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعا وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم وقال مجاهد { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } بيعا أو عطاء يعطيه أحد أحدا ورواه ابن جرير ثم قال وحدثنا وكيع حدثنا أبي عن القاسم عن سليمان الجعفي عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما } هذا حديث مرسل ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا { وفي لفظ البخاري { إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا { وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه مال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها كما هو المشهور عن مالك رحمه الله وصححوا بيع المعاطاة مطلقا وهو قول في مذهب الشافعي ومنهم من قال يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه وقوله { ولا تقتلوا أنفسكم } أي بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل { إن الله كان بكم رحيما } أي فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبدالرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص رضي الله عنه انه قال: لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال { يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب { قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فذكرت قول الله عز وجل { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب به ورواه أيضا عن محمد بن أبي سلمة عن ابن وهب عن ابن لهيعة وعمر بن الحرث كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبدالرحمن بن جبير المصري عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عنه فذكر نحوه وهذا والله أعلم أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه حدثنا عبدالرحمن بن محمد بن حامد البلخي حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي حدثنا عبدالله بن عمر القواريري حدثنا يوسف بن خالد حدثنا زياد بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك فقال: يا رسول الله خفت أن يقتلني البرد وقد قال الله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم [تردى به] فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا }. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وكذلك رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وعن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } من قتل نفسه يشيء عذب به يوم القيامة } . وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن عن جندب بن عبدالله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا نحر بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله عز وجل عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
الأية
30
 
ولهذا قال تعالى { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما } أي ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه أي عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه { فسوف نصليه نارا } الآية. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا
الأية
31
 
وقوله تعالى { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } الآية أي إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة ولهذا قال { وندخلكم مدخلا كريما } وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا خالد بن أيوب عن معاومة بن قرة عن أنس رفعه قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا عز وجل ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر يقول الله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم } الآية. وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم عن مربع الضبي عن سلمان الفارسي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم { أتدري ما يوم الجمعة } قلت هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم قال { لكن أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة له ما بينها وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة } وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه. وقال أبو جعفر بن جرير حدثني المثنى حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني خالد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر أخبرني صهيب مولى الصواري أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال { والذي نفسي بيده } ثلاث مرات ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى فكان أحب إلينا من حمر النعم فقال: { ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ثم قيل له ادخل بسلام } . وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به ورواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه من حديث عبدالله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال به ثم قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه { تفسير هذه السبع } وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن هلال عن ثور بن زيد عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { اجتنبوا السبع الموبقات { قيل يا رسول الله وما هن؟ قال { الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات } { طريق أخرى عنه { قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فهد بن عوف حدثنا أبو عوانه عن عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { الكبائر سبع أولها الإشراك بالله ثم قتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنات والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة } فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب وهو ضعيف عند عدم القرينة ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي إملاء حدثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد حدثنا معاذ بن هانئ حدثنا حرب بن شداد حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبدالحميد بن سنان عن عبيد بن عمير عن أبيه يعني عمير بن قتادة رضي الله عنه أنه حدثه وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع { ألا إن أولياء الله المصلون من يقم الصلوات الخمس التي كتب الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه يرى أنه عليه حق ويعطي زكاة ماله يحتسبها ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها { ثم إن رجلا سأله فقال: يا رسول الله ما الكبائر ؟ فقال { تسع: الشرك بالله وقتل نفس مؤمن بغير حق وفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وقذف المحصنة وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ثم لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار مصانعها من ذهب { هكذا رواه الحاكم مطولا وقد أخرجه أبو داود والنسائي مختصرا من حديث معاذ بن هانئ به وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبدالحميد بن سنان { قلت { وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وقال البخاري في حديثه نظر وقد رواه ابن جرير عن سليمان بن ثابت الجحدري عن سالم بن سلام عن أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن عبيد بن عمير عن أبيه فذكره ولم يذكر في الإسناد عبدالحميد بن سنان والله أعلم { حديث آخر في معنى ما تقدم } قال ابن مردويه: حدثنا عبدالله بن جعفر حدثنا أحمد بن يونس حدثنا يحيى بن عبدالحميد حدثنا عبدالعزيز عن مسلم بن الوليد عن المطلب عن عبدالله بن حنطب عن ابن عمر قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال { لا أقسم لا أقسم { ثم نزل فقال: { أبشروا أبشروا من صلى الصوات الخمس واجتنب الكبائر السبع نودي من أبواب الجنة ادخل { قال عبد العزيز: لا أعلمه قال إلا { بسلام { وقال المطلب: سمعت من سأل عبدالله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن ؟ قال: نعم { عقوق الوالدين وأشراك بالله وقتل النفس ; وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وأكل الربا } . { حديث آخر في معناه { قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا زياد بن مخراق عن طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر فلقيت ابن عمر فقلت له: إنى أصبت ذنوبا لا أرها إلا من الكبائر قال: ما هي ؟ قلت: أصبت كذا وكذا قال: ليس من الكبائر قلت: وأصبت كذا وكذا قال: ليس من الكبائر قال: أشيء لم يسمه طيسلة ؟ قال: هي تسع وسأعدهن عليك: الإشراك بالله وقتل النفس بغير حقها والفرار من الزحف وقذف المحصنة وأكل الربا وأكل مال اليتيم ظلما وإلحاد في المسجد الحرام والذي يستسخر وبكاء الوالدين من العقوق. قال زياد وقال طيسلة لما رأى ابن عمر فرقى قال: أتخاف النار أن تدخلها ؟ قلت: نعم قال: وتحب أن تدخل الجنة ؟ قلت: نعم قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات } طريق أخرى { قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي أنا سلمة بن سلام حدثنا أيوب بن عتبة عن طيسلة بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع قلت: ما هي ؟ قال: الإشراك بالله وقذف المحصنة قال قلت: مثل قتل النفس قال: نعم ورغما وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا } . هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفا وقد رواه على بن الجعد عن أيوب بن عتبة عن طيسلة بن علي قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة وهو تحت ظل أراكة وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر ؟ فقال { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { هن سبع } قال قلت: وما هن قال { الإشراك بالله وقذف المحصنات } قال قلت: قبل الدم قال: نعم ورغما { وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا } . وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب عن أيوب بن عتبة اليماني وفيه ضعف والله أعلم. { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي حدثنا بقية عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من عبدالله لا يشرك به شيئا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة { فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال { الشرك بالله وقتل نفس مسلمة والفرار من الزحف } . ورواه أحمد أيضا والنسائي من غير وجه عن بقية { حديث آخر { روى ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف- عن الزهري عن الحافظ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال: كتب رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب { إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار في سبيل الله يوم الزحف وعقوق الوالدين ورمي المحصنة وتعلم السحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم } . { حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور { قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثني عبدالله بن أبي بكر قال سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال { الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين- وقال-ألا أنبئكم بأكبر الكائر ؟ قلنا بلى قال: الإشراك بالله وقول الزور- أو شهادة الزور { أخرجاه من حديث شعبة به وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه. { حديث آخر } أخرجه الشيخان من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم { ألا أنبئكم بأكبر الكبائر { ؟ قلنا بلى يا رسول الله قال { الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس فقال - ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور { فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت { حديث آخر } فيه ذكر قتل الوالد وهو ثابت في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم وفي رواية أكبر؟ قال { أن تجعل لله ندا وهو خلقك { قلت: ثم أي قال } أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك { قلت ثم أي قال { أن تزاني حليلة جارك { ثم قرأ { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر- إلى قوله - إلا من تاب } { حديث آخر { فيه ذكر شرب الخمر. قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبدالأعلى أنا ابن وهب حدثني ابن صخر أن رجلا حدثه عن عمرة بن حزم أنه سمع عبدالله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة وسأله رجل عن الخمر فقال والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب فسأله ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال { هي أكبر الكبائر وأم الفواحش من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته { غريب من هذا الوجه. { طريق أخرى { رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبدالعزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن سالم بن عبدالله عن أبيه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب وأناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه فأرسلوني إلى عبدالله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك فوثبوا إليه حتى أتوه في داره فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب خمرا أو يقتل نفسا أو يزني أو يأكل لحم خنزير أو يقتله فاختار شرب الخمر. وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا مجيبا { ما من أحد يشرب خمرا إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ولا يموت أحد في مثانته منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية { هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا وداود بن صالح هذا هو التمار المدني مولى الأنصار قال الإمام أحمد: لا أرى به بأسا وذكره ابن حبان في الثقات ولم أر أحدا جرحه. { حديث آخر { عن عبدالله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فراس عن الشعبي عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين أو قتل النفس - شعبة الشاك - واليمين الغموس } . ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة وزاد البخاري وشيبان كلاهما عن فراس { حديث آخر في اليمين الغموس { قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح كاتب الليث حدثنا الليث بن سعد حدثنا هشام بن سعيد عن محمد بن يزيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي عن أبي أمامة الأنصاري عن عبدالله بن أنيس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة }. وهكذا رواه أحمد في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث ابن سعد به. وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به وقال: حسن غريب وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف اسمه. وقد روي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبدالرحمن بن إسحاق المدنى عن محمد بن زيد عن عبدالله بن أبى أمامة عن أبيه عن عبدالله بن أنيس فزاد عبدالله بن أبي أمامة { قلت { هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان من طريق عبدالرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا فسح الله في أجله { حديث آخر { عن عبدالله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبدالله الأودي حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبدالرحمن عن عبدالله بن عمرو رفعه سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه مسعر على عبدالله بن عمرو قال { من الكبائر أن يشتم الرجل والديه { قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه ؟ قال { يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه { أخرجه البخاري عن أحمد بن يونس عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه عن عمه حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه { قالوا وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال { يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه { وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم به مرفوعا بنحوه وقال الترمذي صحيح. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } { حديث آخر في ذلك { قال ابن أبي حاتم حدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم حدثنا دحيم حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا زهير بن محمد عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أكبر الكبائر عرض الرجل المسلم والسبتان بالسبة { هكذا روى هذا الحديث وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم{ من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق ومن الكبائر السبتان بالسبة { وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبدالله بن العلاء بن زيد عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله { حديث آخر في الجمع بين الصلاتين من غير عذر } قال ابن أبي حاتم حدثنا أبى حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتي بابا من أبواب الكبائر } . وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف عن المعتمر بن سليمان به ثم قال حنش هو أبو علي الرحبي وهو حسين بن قيس وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أحمد وغيره. وروى ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد الصباح حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن حميد بن هلال عن أبي قتادة العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين - يعني بغير عذر- والفرار من الزحف والنهبة وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديما أو تأخيرا وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبا كبيرة فما ظنك بترك الصلاة بالكلية ولهذا روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة } . وفي السنن مرفوعا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال { العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر { وقال { من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله { وقال { من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله } { حديث آخر { فيه اليأس من روح الله والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل حدثنا أبي حدثنا شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر فقال { الشرك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله عز وجل والأمن من مكر الله وهذا أكبر الكبائر }. وقد رواه البزار عن عبدالله بن إسحاق العطار عن أبي عاصم النبيل عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال { الشرك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله عز وجل { وفي إسناده نظر والأشبه أن يكون موقوفا فقد روى عن ابن مسعود نحو ذلك وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا مطرف عن وبرة بن عبدالرحمن عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله. وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق عن وبرة عن أبي الطفيل عن عبدالله به ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل عن ابن مسعود وهو صحيح إليه بلا شك { حديث آخر } فيه سوء الظن بالله قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان حدثنا محمد بن مهاجر حدثنا أبو حذيفة البخاري عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله عز وجل حديث غريب جدا { حديث آخر } فيه التعرب بعد الهجرة قد تقدم من رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن رشدين حدثنا عمرو بن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن زياد بن أبي حبيب عن محمد بن سهل ابن أبي خيثمة عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول { الكبائر سبع ألا تسألوني عنهن ؟ الإشراك بالله وقتل النفس والفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وقذف المحصنة والتعرب بعد الهجرة } وفي إسناده نظر ورفعه غلط فاحش والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن سهيل بن أبي خيثمة عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد مسجد الكوفة وعلي رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر يقول: يا أيها الناس الكبائر سبع فأصاخ الناس فأعادها ثلاث مرات ثم قال: لم لا تسألوني عنها ؟ قالوا يا أمير المؤمنين ما هى ؟ قال: الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم وأكل الربا ; والفرار يوم الزحف ; والتعرب بعد الهجرة فقلت لأبي يا أبت التعرب بعد الهجرة كيف لحق ههنا ; قال يا بني وما أعظم من أن يهاجر الرجل حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه الجهاد خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابيا كما كان. { حديث آخر } قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم حدثنا أبو معاوية يعني سنان عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع { ألا إنهن أربع لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا { قال فما أنا بأشح عليهن إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه أحمد أيضا والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله { حديث آخر } تقدم من رواية عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { الإضرار في الوصية من الكبائر { والصحيح ما رواه غيره عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال ابن أبي حاتم هو صحيح عن ابن عباس من قوله { حديث آخر في ذلك } قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا أحمد بن عبدالرحمن حدثنا عباد بن عباد عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة أن أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا الكبائر وهو متكئ فقالوا: الشرك بالله وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وقذف المحصنة وعقوق الوالدين وقول الزور والغلول والسحر وأكل الربا فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم { فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية { في إسناده ضعف وهو حسن. { ذكر أقوال السلف في ذلك { قد تقدم ما روى عن عمر وعلي في ضمن الأحاديث المذكورة وقال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن ابن عون عن الحسن أن ناسا سألوا عبدالله بن عمرو بمصر فقالوا نرى أشياء من كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها لا يعمل بها فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك فقدم وقدموا معه فلقي عمر رضي الله عنه فقال متى قدمت ؟ فقال: منذ كذا وكذا قال: أبإذن قدمت ؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه فقال يا أمير المؤمنين إن ناسا لقوني بمصر فقالوا إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك قال: فاجمعهم لي قال فجمعتهم له قال ابن عون أظنه قال في بهو فأخذ أدناهم رجلا فقال أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك أقرأت القرآن كله ؟ قال نعم قال فهل أحصيته في نفسك ؟ فقال اللهم لا ! قال ولو قال نعم لخصمه. قال فهل أحصيته في بصرك ؟ فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك ؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات قال وتلا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } الآية. ثم قال هل علم أهل المدينة أو قال: هل علم أحد بما قدمتم قالوا لا قال لو علموا لوعظت بكم إسناد صحيح ومتن حسن وإن كان من رواية الحسن عن عمر وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري حدثنا علي بن صالح عن عثمان بن المغيرة عن مالك بن جرير عن علي رضي الله عنه قال: الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة والسحر وعقوق الوالدين وأكل الربا وفراق الجماعة ونكث الصفقة. وتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله عز وجل. وروى ابن جرير من حديث الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق والأعمش عن إبراهيم عن علقمة كلاهما عن ابن مسعود قال الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. ومنه حديث سفيان الثوري وشعبة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية ثم تلا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الآية قال ابن حاتم حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا يعلي بن عبيدة حدثنا صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري ومنع طروق الفحل إلا بجعل. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ { وفيهما عن النبي صلى اله عليه وسلم أنه قال { ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل { وذكر تمام الحديث وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا { من منع فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة } . وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي حدثنا أبو أحمد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر قال ابن أبي حاتم يعني قوله تعالى { على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن } الآية. وقال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة قال أتيت أنس بن مالك فكان فيما يحدثنا قال: لم أر مثل الذي أتانا عن ربنا ثم لم يخرج عن كل أهل ومال ثم سكت هنيهة ثم قال: والله لما كلفنا من ذلك أنه تجاوز لنا عما دون الكبائر وتلا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الآية. { أقوال ابن عباس في ذلك { روى ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه عن طاوس قال ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع فقال: أكثر من سبع وسبع قال فلا أدري كم قالها من مرة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن ليث عن طاوس قال: قلت لابن عباس ما السبع الكبائر قال هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. ورواه ابن جرير عن ابن حميد عن ليث عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال أرأيت الكبائر السبع التذي ذكرهن الله ما هن قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع وقال عبدالرزاق أنا معمر عن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال هن إلى السبعين أقرب وكذا قال أبو العالية الرياحي رحمه الله وقال ابن جرير حدثنا المثنى حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن قيس عن سعد عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس كم الكبائر سبع ؟ قال هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شبل به وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } قال الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا ابن فضيل حدثنا شبيب عن عكرمة عن ابن عباس قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار كبيرة وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين قال نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة وقد ذكرت الطرفة قال هي النظرة وقال أيضا حدثنا أحمد بن حازم أخبرنا أبو نعيم حدثنا عبدالله بن معدان عن أبي الوليد قال سألت ابن عباس عن النظرة وقال أيضا حدثنا أحم بن حازم أخبرنا أبو نعيم حدثنا عبدالله بن معدان عن أبي الوليد قال سألت ابن عباس عن الكبائر قال كل شيء عصى الله به فهو كبيرة { أقوال التابعين { قال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد قال سألت عبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها والفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا والبهتان قال ويقولون أعرابية بعد هجرة قال ابن عون فقلت لمحمد فالسحر ؟ قال إن البهتان يجمع شرا كثيرا وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحاق عن عبيد بن عمير قال الكبائر سبع ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله الإشراك بالله منهن { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح } الآية { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } الآية { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذين يتخبطه الشيطان من المس } و { الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } والفرار من الزحف { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } الآية والتعرب بعد الهجرة { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبين لهم الهدى } وقتل المؤمن { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } الآية وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضا في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه وقال ابن جرير: حدثنا المثنى حدثنا أبو حذيفة ; حدثنا شبل ; عن ابن أبي نجيح عن عطاء يعني ابن أبي رباح قال الكبائر سبع قتل النفس ; وأكل مال اليتيم ; وأكل الربا ; ورمي المحصنة وشهادة الزور ; وعقوق الوالدين ; والفرار من الزحف وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة ; حدثنا جرير عن مغيرة قال: كان يقال شتم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر قلت وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة وهو رواية عن مالك بن أنس رحمه الله وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحدا يبغض أبا بكر وعمر وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا يونس أنا ابن وهب أخبرني عبدالله بن عياش قال زيد بن أسلم في قول الله عز وجل { إن تجتبوا كبائر ما تنهون عنه } من الكبائر: الشرك بالله والكفر بآيات الله ورسوله ; والسحر ; وقتل الأولاد ; ومن ادعى لله ولدا أو صاحبة - ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل وأما كل ذنب يصلح معه دين ويقبل معه عمل فإن الله يغفر السيئات بالحسنات قال ابن جرير حدثنا بشر بن معاذ ; حدثنا يزيد حدثنا سعيد: عن قتادة { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الآية إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { اجتنبوا الكبائر ; وسددوا ; وأبشروا { وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس وعن جابر مرفوعا { شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي { ولكن في إسناده من جميع طرفه ضعف إلا ما رواه عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي { فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردا به من هذا الوجه عن عباس العنبري عن عبدالرزاق ثم قال هذا حديث حسن صحيح. وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الشفاعة { أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المتلوثين }. وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة فمن قائل هي ما عليه حد في الشرع ومنهم من قال هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبدالكريم بن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه ثم اختلف الصحابي رضي الله عنهم فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه أحدها أنها المعصية الموجبة للحد { والثاني } أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما يوجد لهم وإلى الأول أميل لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر { والثالث } قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره كل جريمة تنبيء بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة { والرابع } ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه وكل معصية توجب في جنسها حدا من قتل أو غيره وترك كل فريضة مأمور بها على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين هذا ما ذكره على سبيل الضبط ثم قال وفصل القاضي الروياني فقال الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق والزنا واللواطة وشرب الخمر والسرقة وأخذ المال غصبا والقذف وزاد في الشامل على السبع المذكورة شهادة الزور وأضاف إليها صاحب العدة أكل الربا والإفطار في رمضان بلا عذر واليمين الفاجرة وقطع الرحم وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم والخيانة في الكيل والوزن وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عن وقتها بلا عذر وضرب المسلم بلا حق والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدا; وسب أصحابه وكتمان الشهادة بلا عذر وأخذ الرشوة والقيادة بين الرجال والنساء والسعاية عند السلطان ومنع الزكاة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن بعد تعلمه وإحراق الحيوان بالنار وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب واليأس من رحمة الله والأمن من مكر الله ويقال الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن ومما يعد من الكبائر: الظهار وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة. ثم قال الرافعي وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي الذي بلغ نحوا من سبعين كبيرة وإذا قيل إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره وتتبع ذلك اجتمع منه شيء كثير وإذا قال كل ما نهى اللّه عنه فكثير جدا واللّه أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
الأية
32
 
قال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال قالت أم سلمة يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولنا نصف الميراث فأنزل الله { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ورواه الترمذي عن ابن أبى عمر عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله فذكره وقال غريب ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن أم سلمة قالت يا رسول الله فذكره ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن أبن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة يا رسول الله: لا نقاتل فنستشهد ولا نقطع الميراث فنزلت الآية ثم أنزل الله { أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } الآية. ثم قال ابن أبي حاتم وكذا روى سفيان بن عيينة يعني عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله. وروى عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك وروى ابن جرير من حديث ابن جرير عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا أنزلت في أم سلمة وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة قال نزلت هذه الآية في قول النساء ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون ونغزو في سبيل الله عز وجل وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية حدثني أحمد بن عبدالرحمن حدثني أبي حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل هكذا إن فعلت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة فأنزل الله هذه الآية { ولا تتمنوا } الآية. فإنه عدل مني وأنا صنعته وقال السدى في الآية أن رجالا قالوا إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان وقالت النساء إنا نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء فإنا لا نستطيع أن نقاتل ولو كتب علينا القتال لقاتلنا فأبى الله ذلك ولكن قال لهم سلوني من فضلي قال ليس بعرض الدنيا. وقد روى عن قتادة نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: ولا يتمنى الرجل فيقول ليت لو أن لي مال فلان وأهله فنهى اللّه عن ذلك ولكن يسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح { لاحسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء } فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية. وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا والآية نهت عن تمنى عين نعمة هذا يقول { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية لحديث أم سلمة وابن عباس وهكذا قال عطاء بن أبي رباح نزلت في النهي عن تمني ما لفلان وفي تمني النساء أن يكن رجالا فيغزون رواه ابن جرير ثم قال { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } أي كل له جزاء على عمله بحسبه إن خير فخير وإن شرا فشر هذا قول ابن جرير وقيل المراد بذلك في الميراث أي كل يرث بحسبه. رواه الترمذي عن ابن عباس ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم فقال اسألوا الله من فضله لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض فإن هذا أمر محتوم أي إن التمني لا يجدي شيئا ولكن سلوني من فضلي أعطكم فإني كريم وهاب. وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج }. ثم قال الترمذي كذا رواه حماد بن واقد وليس بالحافظ رواه ابن مردوية من حديث وكيع عن إسرائيل ثم رواه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وإن أحب عباد الله إلى الله الذي يحب الفرج } ثم قال { إن الله كان بكل شيء عليما } أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها وبمن يستحق الفقر فيفقره وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه ولهذا قال { إن الله كان بكل شيء عليما }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا
الأية
33
 
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم في قوله { ولكل جعلنا موالي } أي ورثة وعن ابن عباس في رواية أي عصبة قال ابن جرير والعرب تسمى ابن العم مولى كما قال الفضل بن عباس. مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا قال ويعني بقوله مما ترك الوالدان والأقربون من تركة والديه وأقربيه من الميراث فتأويل الكلام ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والده وأقربوه من ميراثهم له وقوله تعالى { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } أي والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فأتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات وقد كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينسوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. قال البخاري حدثنا الصلت بن محمد حدثنا أبو أمامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولكل جعلنا موالي قال ورثة { والذين عقدت أيمانكم كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت ثم قال { والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم } من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له ثم قال البخاري سمع أبو أسامة إدريس وسمع إدريس عن طلحة. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة حدثنا إدريس الأودي أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { والذين عقدت أيمانكم { الآية قال كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحم بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون نسخت ثم قال { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس قال { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول وترثني وأرثك وكان الأحياء يتحالفون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام } فلا يزيده الإسلام إلا شدة ولا عقد ولا حلف في الإسلام } فنسختها هذه الآية وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ثم قال وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا هم الحلفاء. وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا أبي نمير وأبو أسامة عن زكريا عن سعيد بن إبراهيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة }. وهكذا رواه مسلم ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا عن سعيد بن إبراهيم عن نافع عن جبير بن مطعم عن أبيه به وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثنا أبو كريب حدثنا مصعب بن المقدام عن إسرائيل عن يونس عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا حلف في الإسلام وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة وما يسرني أن لي حمر النعم وإنى نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة } هذا لفظ ابن جرير وقال ابن جرير أيض ا حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن عبدالرحمن بن إسحاق عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي فما أحب أن لي حمر النعم وأنا أنكثه } قال الزهري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لم يصب الإسلام حلفا إلا زاده شدة } قال { ولا حلف في الإسلام }. وقد ألف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل عن عبدالرحمن بن إسحاق عن الزهري بتمامه وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرني مغيرة عن أبيه عن شعبة بن التؤام عن قيس بن عاصم أنه سأل النبي صلى عن الحلف قال فقال { ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في الإسلام }. وهكذا رواه أحمد عن هشيم وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن داود بن أبي عبدالله عن ابن جدعان حدثه عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة } وحدثنا كريب حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح قام خطيبا في الناس فقال { يا أيها الناس ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ولا حلف في الإسلام } ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبدالرحمن بن الحرث عن عمرو بن شعيب به وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم { لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة } وهكذا رواه مسلم عن عبدالله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله ورواه أبو داود عن عثمان عن محمد بن أبي شيبة عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة ثلاثتهم عن زكريا وهو ابن أبي زائدة بإسناده مثله ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه به. وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبيه عن شعبة بن التوأم عن قيس بن عاصم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف فقال { ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في الإسلام } وكذا رواه شعبة عن مغيرة وهو ابن مقسم عن أبيه به وقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين قال كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد وكان يتيما في حجر أبي بكر فقرأت عليها { والذين عاقدت أيمانكم } فقالت لا ولكن { والذين عقدت أيمانكم } قالت إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبدالرحمن حين أبي أن يسلم فحلف أبو بكر أن لا يورثه فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف أمر اللّه أن يؤتيه نصيبه رواه ابن أبي حاتم وهذا قول غريب والصحيح الأول وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك وتقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد بن حنبل والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه ولهذا قال تعالى { ولكل جعلنا موالي مما ترك الولدان والأقربون } أي ورثه من قراباته من أبويه وأقربيه وهم يرثونه دون سائر الناس كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر } أي اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة وقوله { والذين عقدت أيمانكم } أي قبل نزول هذه الآية { فآتوهم نصيبهم } أي من الميراث فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له وقد قيل إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضا فلا توارث به كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة حدثنا إدريس الأودي أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فآتوهم نصيبهم قال من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة وكذا روى عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله { والذين عاقدت أيمانكم } قال كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر فأنزل الله تعالى { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا يقول إلا أن توصوا لهم بوصية فهي لهم جائزة من ثلث المال وهذا هو المعروف وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } وقال سعيد بن جبير فأتوهم نصيبهم أي من الميراث قال وعاقد أبو بكر مولى فورثه رواه ابن جرير وقال الزهري عن ابن المسيب نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم يورثونهم فأنزل الله فيهم فجعل لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى الموالى في ذي الرحم والعصبة وأبى الله أن يكون للمدعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية رواه ابن جرير وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله فأتوهم نصيبهم أي من النصرة والنصيحة والمعونة لا أن المراد فأتوهم نصيبهم من الميراث حتى تكون الآية منسوخة ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط فهي محكمة لا منسوخه وهذا الذي قاله فم نظر فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونه ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمة حتى نسخ ذلك فكيف يقول إن هذه الآية محكمة غير منسوخة والله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا
الأية
34
 
يقول تعالى { الرجال قوامون على النساء } أي الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت { بما فضل الله بعضهم على بعض } أي لأن الرجال أفضل من النساء والرجل خير من المرأة ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم { لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة } رواه البخاري من حديث عبدالرح