Prev

5. Surah Al-M'idah سورة المائدة

Next



تفسير ابن كثير - المائدة - Al-Ma`ida -
 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
الأية
1
 
سورة المائدة. قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية شيبان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت إني لآخذه بزمام العضباء ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة وروى ابن مردوية من حديث صباح بن سهل عن عاصم الأحول قال: حدثني أم عمرو عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنزلت عليه سورة المائدة فانطلق عنق الراحلة من ثقلها. وقال أحمد أيضا: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله بن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على وآله وسلم سوره المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل منها تفرد به أحمد وقد روى قتيبة عن عبد الله بن وهب عن حيي عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت { إذا جاء نصر الله والفتح { وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الحاكم أيضا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا يحيى بن نصر قال قرئ على عبد الله بن وهب أخبرنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم فقالت أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح وزاد وسألتها عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت القرآن. ورواه النسائي من حديث ابن مهدي. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا مسعر حدثني معن وعوف أو أحدهما أن رجل أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلي فقال إذا سمعت الله يقول { يا أيها الذين آمنوا } فارعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري قال: إذا قال الله } يا أيها الذين آمنوا { افعلوا فالنبي- صلى الله عليه وسلم- منهم وحدثنا أحمد بن سنان حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن { يا أيها الذين آمنوا { فهو في التوراة يا أيها المساكين. فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي حدثنا معاوية يعني ابن هشام عن عيسى بن راشد عن علي بن بذيمة عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية { يا أيها الذين آمنوا { إلا أن عليا سيدها وشريفها وأميرها وما من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا عليا بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة وفي إسناده نظر. وقال البخاري عيسى بن راشد هذا مجهول وخبره منكر قلت وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل قوله فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلاعليا إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي ونزل قوله { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم } الآية. وفي كون هذا عتابا نظر فإنه قد قيل إن الأمر كان ندبا لا إيجابا ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل فلم يصدر من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضا فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: هذا بيان من الله ورسوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } فكتب الآيات منها حتى بلغ { إن الله سريع الحساب { وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا يونس بن بكر حدثنا محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: هذا كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا أمره فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود { عهد من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قوله تعالى { أوفوا بالعقود { قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } يعني العهود يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله ولا تغدروا ولا تنكثوا ثم شدد في ذلك فقال تعالى { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل { إلى قوله { سوء الدار { وقال الضحاك: { أوفوا بالعقود { قال: ما أحل الله وحرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم- والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وقال زيد بن أسلم: { أوفوا بالعقود { قال هي ستة: عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين وقال محمد ابن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية وشركة المفاوضة وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية { أوفوا بالعقود { قال فهذه تدل على لزوم العقد وثوبته فيقتضي نفى خيار المجلس وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور: والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا } وفي لفظ آخر للبخاري } إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا } وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع وليس هذا منافيا للزوم العقد بل هو من مقتضياته شرعًا فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. وقوله تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام { هى: الإبل والبقر والغنم قاله: أبو الحسن وقتادة وغير واحد قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت و قد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجاهد عن أبي الودَّاك جبير بن نوفل عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال: { كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه } وقال الترمذي: حديث حسن قال أبو داود حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عتاب بن بشير حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: { ذكاة الجنين ذكاة أمه } تفرد به أبو داود وقوله { إلا ما يتلى عليكم { قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك قوله { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع { فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض ولهذا قال { إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب } يعني منها فإنه حرام لا يمكن إستدراكه وتلاحقه ولهذا قال تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } أى إلا ما سيتلى عليكم من تحريمه بعضها في بعض الأحوال وقوله تعالى } غير محلي الصيد وأنتم حرم { قال بعضهم هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم وما يعم الوحش كالظباء والبقر والحمر فاستثنى من الإنسي ما تقدم واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام وقيل المراد أحلننا لكم الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام لقوله { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد وهكذا هنا أى كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه ولهذا قال تعالى { إن الله يحكم ما يريد }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الأية
2
 
ثم قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدى والبدن من شعائر الله وقيل شعائر الله محارمه: أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى ولهذا قال تعالى { ولا الشهر الحرام } يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من ابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم كما قال تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وقال تعالى { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } الآية. وفي صحيح البخاري عن أبى بكرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال في حجة الوداع: { إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان }. وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى { ولا الشهر الحرام } يعني لا تستحلوا القتال فيه وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري واختارهم ابن جرير أيضا وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم واحتجوا بقوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم { والمراد أشهر التسير الأربعة قالوا فلم يستثن شهرا حراما من غيره وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة قال وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخـر له موضع أبسط من هذا وقوله تعالى { ولا الهدى ولا القلائد } يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام وليعلم أنها هدى إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ولهذا لما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعا ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين ثم أشعر هديه وقلده وأهل للحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان كما قال تعالى { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب { وقال بعض السلف: إعظامها استحسانها واستسمانها قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن وقال مقاتل بن حيان قوله } ولا القلائد { فلا تستحلوه وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به. رواه ابن أبي حاتم ثم قال حدثنا محمد بن عمار حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسن عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم { وحدثنا المنذر بن شاذان حدثنا زكريا بن عدى حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائده شيء؟ قال لا وقال عطاء كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون فنهى الله عن قطع شجره وكذا قال مطرف بن عبد الله. وقوله تعالى { ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغب في رسوله فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهجوه قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله { يبتغون فضلا من ربهم }: يعني بذلك التجارة وهذا كما تقدم في قوله { ليس عليكـم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم { وقوله { ورضوانا { قال ابن عباس يترضون الله بحبهم ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله عز وجل { ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ". وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس وإن هذا الحكم منسوخ في حقهم والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا { ولهذا بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام تسع لما أمر الصديق على الحجيج عليا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله { ولا آمين البيت الحرام { يعني من توجه قبل البيت الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعدها { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا { الآية وقال تعالى { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله { وقال { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر { فنفى المشركين من المسجد الحرام وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة في قوله { ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام { قال منسوخ كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر فلم يعرض له أحد فإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم { وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله } ولاالقلائد } يعني إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوهم قال ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك قال الشاعر: ألم تقتلا الحرجين إذ أعورا لكم يمران بالأيدي اللحاء المضفرا وقوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا } أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد وهذا أمر بعد الحظر والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي فإن كان واجبا رده واجبا وإن كان مستحبا فمستحب أو مباحا فمباح ومن قال إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرنا كما اختاره بعض علماء الأصول والله أعلم. وقوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا { من القراء من قرأ أن صدوكم بفتح الألف من أن ومعناها ظاهر أي لا يحملنكم بعض من كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد وهذه الآية كما سيأتي من قوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى { أى لا يحملنكم بعض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه والعدل به قامت السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سهل بن عفان حدثنا عبد الله بن جعفر عن زيد بن أسلم قال كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم الناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- نصد هؤلاء كما صدك أصحابهم فأنزل الله هذه الآية والشنآن هو البغض قاله ابن عباس وغيره وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنا بالتحريك مثل قولهم جمزان ودرجان ورقلان من جمز ودرج ورقل وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول شنان ولم أعلم أحدا قرأ بها ومنه قول الشاعر: وما العيش إلا ما تحب وتشتهي وإن لام فيه ذو الشنان وفندا وقوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان { يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر علي الباطل والتعاون على المآثم والمحارم قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله والعدوان مجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفى غيركم وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- { انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما ؟ قال تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره }. انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- { انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه }. وقال أحمد: حدثنا يزيد حدثنا سفيان بن سعيد عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن رجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: { المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم }. وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: { المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم }. وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجة من طريق إسحاق بن يوسف كلاهما عن الأعمش به وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي حدثنا بكر بن عبد الرحمن حدثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن فضيل بن عمرو عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: { الدال على الخير كفاعله } ثم قال لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد قلت وله شاهد في الصحيح } من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا } وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن زريق الحمصي حدثنا أبي حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن ثمران بن صخر حدثه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: { من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
3
 
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي مامات من الحيوان حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد وما ذاك إلا لما فيها من المضرة لما فيها من الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن فلهذا حرمها الله عز وجل ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها لما رواه مالك في موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سئل عن ماء البحر فقال: { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } وهكذا الجراد لما سيأتي من الحديث وقوله { الدم { يعني به المسفوح كقوله { أو دما مسفوحا { قاله ابن عباس وسعيد بن جبير قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي حدثنا محمد بن سعيد بن سابق حدثنا عمرو يعني ابن قيس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه فقالوا: إنه دم فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة قالت إنما نهى عن الدم السافح وقد قال أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: { أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال } . وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا قلت وثلاثتهم كلهم ضعفاء ولكن بعضهم أصلح من بعض وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات عن زيد بن أسلم عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه قال الحافظ أبوزرعة الرازي: وهو أصح وقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسن حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا بشير بن شريح عن أبي غالب عن أبي أمامة وهو صدى بن عجلان قال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقال هلم يا صدى فكل قال: قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه قالوا وما ذاك فتلوت عليهم هذه الآية { حرمت عليكم الميتة والدم } الآية. ورواه الحافظ أبن بكر بن مردوية من حديث ابن أبي الشوارب بإسناد مثله وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون علي فقلت ويحكم اسقوني شربة من ماء فإنى شديد العطش قال وعلي عباءتي فقالوا: لا ولكن ندعك حتى تموت عطشا قال فاغتممت وضربت برأسي في العباء ونمت على الرمضاء في حر شديد قال فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه فأمكنني منه فشربته فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تيك الشربة ورواه الحكم في مستدركه عن علي ابن حماد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري حدثنا صدقة بن هرم عن أبي غالب عن أبي أمامة وذكر نحوه وزاد بعد قوله بعد تيك الشربة فسمعتهم يقولون أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة فأتوني بمذقة فقلت لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق. وإياك والميتات لا تقربنهـا ولا نأخذن عظما حديدا فتفصدا أي لا تفعل فعل الجاهلية وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه فيقصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة ثم قال الأعشى: وذا النصب المنصوب لا تأتينه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا { قوله ولحم الخنزير } يعني إنسيه ووحشيه واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله { فإنه رجس أو فسقا } يعنون قوله تعالى { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس { أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه وهذا بعيد من حيث اللغة فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطرد وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: { من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه } فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره وفي الصحيحين أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: { إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: لا هو حرام } وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم نهانا عن الميتة والدم وقوله { وما أهل لغير الله } أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمدا أو نسيانا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام. وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن السنجاني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال نزل آدم بتحريم أربع { الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به { وإن هذه الأربعة أشياء لم تحل قط ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم فلما بعث الله عيسى ابن مريم- عليه السلام- نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم وأحلت لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه وهذا أثر غريب. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ربعي عن عبد الله قال سمعت الجارود بن أبي سبرة قال: هو جدي قال كان رجل من بني رباح يقال له ابن وائل وكان شاعرا نافر غالبا أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء فلما وردت الماء قاما إليها بسيفيهما فجعلا يكشفان عراقيبها قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم قال: وعلي بالكوفة قال: فخرج علي على بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- البيضاء وهو ينادي يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها فإنها أهل بها لغير الله هذا أثر غريب ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود حدثنا هارون بن عبد الله ثنا ابن حماد ابن مسعدة عن عوف عن أبي ريحانة عن ابن عباس قال نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن معاقرة الأعراب ثم قال أبو داود محمد بن جعفر هو غندر أوقفه على ابن عباس تفرد به أبو داود وقال أبو داود أيضا حدثنا هرون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا جرير بن حازم عن الزبير بن حريث قال سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل ثم قال أبو داود أكثر من رواه غير ابن جرير لا يذكر فيه ابن عباس تفرد به أيضا قوله { والمنخنقة { وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما اتفاقا بأن تتخبل في وثاقتها فتموت فهي حرام وأما { الموقوذة { فهي التي تغـرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت كما قال ابن عباس وغير واحد عن التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت يارسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمعراض ونحوه بحده فأحله وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحله وهذا مجمع عليه عند الفقهاء واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين هما قولان للشافعي رحمه الله { أحدهما { لا يحل كما في السهم والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ { والثاني { أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل فدل على إباحة ما ذكرناه لأنه قد دخل في العموم وقد فررت لهـذه المسألة فصلا فليكتب ههنا. " فصل { اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه أو صدمه هل يحل أم لا؟ على قولين: { أحدهما } أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم { وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي رحمه الله وصححه بعض المتأخرين منهم: كالنووي والرافعي { قلت { وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم و المختصر فإنه قال: في كلا الموضعين يحتمل معنيين ثم وجه كلا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه فأطلقوا في المسألة قولين عنه اللهم إلا أنه في بحثه للقول بالحل رشحه قليلا ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم والقول بذلك أعني الحل نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه ولم يذكر غير ذلك وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وهذا غريب جدا وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم إلا أنه من تصرفه رحمه الله ورضي عنه. { والقول الثاني { أن ذلك لا يحل وهو أحد القولين عن الشافعي رحمه الله واختاره المزني ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهذا القول أشبه بالصواب والله أعلم لأنه أجرى على القواعد الأصولية وأمس الأصول الشرعية واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج قلت: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب قال: { ما أنهر الدم تذكر اسم الله عليه فكلوه } الحديث بتمامه وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان واردا على سبب خاص فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع كما سئل- عليه السلام- عن التبع وهو نبيذ العسل فقال: { كل شراب أسكر فهو حرام } أفيقول فقيه إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل وهكذا هذا كما سألوه عن شيء من الذكاة فقال لهم كلاما عاما يشمل ذاك المسئول عنه وغيره لأنه- عليه السلام- كان قد أوتي جوامع الكلم إذا تقرر هذا فما صدمه الكلب أو غمه بثقله ليس مما أنهر دمه فلا يحل لمفهوم هذا الحديث فإن قيل هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء لأنهم إنما سألوه عن الأدلة التي يذكى بها ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: { ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة } والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه وإلا لم يكن متصلا فدل على أن المسئول عنه هوالآ لة فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضا حيث يقول: { ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه { ولم يقل فاذبحوا به فهذا يؤخذ منه الحكمان معا يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها وحكم المذكى وأنه لابد من أنهار دمه بآلة ليست سنا ولا ظفرا هذا مسلك. والمسلك الثاني: طريقة المزني وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل وإن خزق فكل والكلب جاء مطلقا فيحمل على ما قيد هناك من الخزق لأنهما أشتركا في الموجب وهو الصيد فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل بل هذا أولى وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة فلابد لهم من جواب عن هذا. وله أن يقوله هذا قتله الكلب بثقله فلم يحل قياسا على ما قتله السهم بعرضه والجامع أن كلا منهما آلة للصيد وقد مات بثقله فيهما ولا يعارض ذلك بعموم الآية لأن القياس مقدم على العموم كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور وهذا مسلك حسن أيضا { مسلك آخر { وهو: أن قوله تعالى { فكلوا مما أمسكن عليكم { عام فيما قتلن بجرح أو غيره لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيه لا يخلو إما أن يكون نطيحا أو في حكمه أو منخنقا أو في حكمه وأياما كان فيجب تقديم هذه الآية على تلك الوجوه { أحدها } أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله ولم نعلم أحدا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية فقال ابن الوقيذ: معتبر حالة الصيد والنطيح ليس معتبرا فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل به وهو محظور عند كثير من العلماء { الثاني } أن تلك الآية { فكلوا مما أمسكن عليكم { ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ { المسلك الآخر { أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات فلا محل قياسا على الميتة { المسلك الآخر { أن أية التحريم أعني قوله { حرمت عليكم الميتة { إلى آخرها محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة أعني قوله تعالى { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات { الآية فينبغي أن لا يكون بينهـا تعارض أصلا وتكون السنة جاءت لبيان ذلك وشاهد ذلك قصة السهم فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية وهو ما إذا خزقه المعراض يكون حلالا لأنه من الطيبات وما دخل في حكم تلك الآية آية التحريم وهو ما إذا أصابه بعض فلا يؤكل لأنه وقيذ فيكون أحد أفراد آية التحريم وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب فهو داخل في حكم آية التحليل وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله فهو نطيح أو في حكمه فلا يكون حلالا { فإن قيل { فلم لا فصل في حكم الكلب فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال وإن لم يجرحه فهو حرام { فالجـواب { أن ذلك نادر لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا وأما اصطدامه هو والصيد فنادر وكذا قتله إياه بثقله فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأما السهم والمعراض فتارة مخطئ لسوء رمي راميه أو للهو أو نحو ذلك بل خطؤه أكثر من إصابته فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا والله أعلم. ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال:: إن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه } وهذا صحيح ثابت في الصحيحين وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب حكى ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وبه قال الحسن والشعبي والنخعي وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيـره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكب حتى قال سعيد وسلمان وأبوهريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعه وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم وأما في الجديد إلى قولين قال ذلك: الإمام أبو نضر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال في صيد الكلب: { إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك } ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله فذكر نحوه وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي حدثنا عبد العزيز بن موسى هو اللاجونى حدثنا محمد بن دينار هو الطاحي عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فليأكل ما بقي ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه أبو قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب عن سلمان موقوفا. وأما الجمهور فقدموا حديث عدي على ذلك وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره. وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجئ فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه والله أعلم. فأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكب فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور ولا يحرم عند الآخرين واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير وقال الشيخ أبو علي في الإفصاح: إذا قلنا يحرم ما أكل منه الكلب ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي رحمه الله على التسوية بينهما والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما المتردية فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك فلا تحل قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المتردية التي تسقط من جبل وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر. وأما النطيحة فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة أي منطوحة وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث فيقولون عين كحيل وكف خضيب ولا يقولون كف خضيبة ولا عين كحيلة وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم طريقة طويلة وقال بعضهم إنما أتى بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام وقوله تعالى { وما أكل السبع { أى ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب فأكل بعضها فماتت بذلك فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها فلا تحل بالإجماع وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين وقوله { إلا ماذكيتم { عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة وذلك إنما يعود على قوله { والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع { قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله { إلا ماذكيتم { يقول إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه فهو ذكي. وكذا روى عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن علي في الآية إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها فكل. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم وعباد قالا: حدثنا حجاج عن حصين عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها وهكذا روى عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد أن المذكاة من تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال وهذا مذهب جمهور الفقهاء وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. قال ابن وهب سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها فقال: مالك لا أرى أن يذكى أي شيء يذكى منها؟ وقال أشهب سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل فقال: إن كان قد بلغ الشحرة فلا أرى أن يؤكل وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا قيل له وثب عليه فدق ظهره فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه قيل له فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء فقال: إذا شق بطنها فلا أى أن تؤكل هذا مذهب مالك رحمه الله. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية والله أعلم. وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ فقال: { ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة } وفى الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعا وفيه نظر وروى عن عمر موقوفا وهو أصح } ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق } فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العسراء الدارمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال } لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك }. وهو حديث صحيح ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة وقوله } وما ذبح على النصب { قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة قال ابن جريج: وهي ثلثمائة وستون نصبا كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب وكذا ذكره غير واحد فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله وينبغي أن يحمل هذا على هذا لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله وقوله تعالى { وأن تستقسموا بالأزلام } أي حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام واحدها زلم وقد تفتح الزاي فيقال زلم وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها مكتوب أفعل وعلى الآخر لا تفعل والثالث غفل ليس عليه شيء. ومن الناس من قال مكتوب على الواحد أمرنى ربي وعلى الآخر نهاني ربي والثالث غفل ليس عليه شيء فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله أو النهى تركه وإن طلع الفارغ أعاد والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا الحجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس { وأن تستقسموا بالأزلام { قال والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور وكذا روى عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان وقال ابن عباس هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور وذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له هبل منصوب على بئر داخل الكعبة فيها موضع الهدايا وأموال الكعبة فيه كان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه وثبت في الصحيحين أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل مصوَّرين فيها وفي أيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا. وفي الصحيح أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبى بكر وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين قال فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا يضرهم قال فعصيت الأزلام وأتبعتهم ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة كل ذلك يخرج الذي يكره لا يضرهم كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك. وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد عن رقية عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- { لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا: وقال مجاهد في قوله وأن تستقسموا بالأزلام قال هي سهام العرب وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون. وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار فيه نظر اللهم إلا أن يقال إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء- إلى قوله- منتهون } . وهكذا قال ههنا { وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول: { إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسميه باسمه- خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري أو- قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لى فيه اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به { لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي وقوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم { قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس يعني يئسوا أن يراجعوا دينهم. وكذا روى عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: { إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم } ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله ولهذا قال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدا إلا الله فقال { فلا تخشوهم واخشون } أي لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم وأظفركم بهم وأشف صدوركم منهم وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة وقوله } اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا { هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأوامر والنواهي فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة ولهذا قال تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } أي فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام وأنزل به أشرف كتبه. وقال علي بن أبي طليحة عن ابن عباس قوله { اليوم أكملت لكم دينكم { وهو الإسلام أخبر الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا. وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ورجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك الحجة فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل فمال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الراحلة فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن فبركت فأتيته فسجيت عليه بردا كان علي. وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما رواهما ابن جرير ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن فضيل عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت } اليوم أكملت لكم دينكم } وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال صلي الله عليه وسلم: صدقت. ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت } إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء } وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال وأي آية؟ قال قوله { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي { فقال عمر: والله إنى لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والساعة التي نزلت فيها على رسول الله عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضا مسلم والترمذي والنسائي أيضا من طرق عن قيس بن مسلم ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري عن قيس عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: الله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا فقال عمر: إنى لأعلم حين أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث أنزلت يوم عرفة وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا { اليوم أكملت لكم دينكم { الآية وشك سفيان رحمه الله إن كان في الرواية فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري رحمه الله. فإن هذا أمر معلوم مقطوع به لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا من الفقهاء وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها والله أعلم. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب ابن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا رجاء بن أبي سلمة أخبرنا عبادة بن نسي أخبرنا أميرنا إسحاق قال أبو جعفر بن جرير- وهو إسحاق بن حرشة- عن قبيصة يعني- ابن أبي ذئب- قال: قال كعب لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه فقال عمر: أي آية يا كعب ؟ فقال { اليوم أكملت لكم دينكم { فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه فنزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر حدثنا قبيصة حدثنا حماد بن سلمة عن عمار هو مولى بني هاشم أن ابن عباس قرأ { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا { فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين يوم عيد ويوم جمعة. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل حدثنا موسى بن هارون حدثنا يحيى الحماني حدثنا قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سليمان عن أبي عمر البزار عن أبى الحنيفة عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو قائم عشية عرفة { اليوم أكملت لكم دينكم { وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر- إسماعيل بن عمرو السكوني- حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن عياش حدثنا عمرو بن قيس السكوني أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم { حتى ختمها فقال نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة. وروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن موسى بن دحية عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: نزلت هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا { يوم عرفة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقف على الموقف فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش بن عبد الله الصغاني عن ابن عباس قال: ولد نبيكم يوم الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وفتح بدرا يوم الاثنين وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين اليوم أكملت لكم دينكم. ورفع الذكر يوم الاثنين فإنه أثر غريب وإسناده ضعيف. وقد رواه الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصغاني عن ابن عباس قال: ولد النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين هذا لفظ أحمد ولم يذكر نزول المائدة يوم الأثنين فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين كما تقدم فاشتبه على الراوي والله أعلم.وقال ابن جرير: وقد قيل ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس ثم روى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { اليوم أكملت لكم دينكم { يقول ليس بيوم معلوم عند الناس قال: وقد قيل إنها نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مسيره إلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبى جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قلت وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم غدير خم حين قال لعلي } من كنت مولاه فعلي مولاه } ثم رواه عن أبي هريرة وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه- عليه السلام- من حجة الوداع ولا يصح لا هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وسمرة بن جندب رضي الله عنه وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء واختاره ابن جرير الطبري رحمه الله وقوله { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } أي فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله والله غفور رحيم له لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفرله وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته } لفظ ابن حبان وفي لفظ لأحمد } من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة }. ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها وقد يكون مندوبا وقد يكون مباحا بحسب الأحوال واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود ؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيدا وهو محرم هل يتناول الميتة أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين هما للشافعي رحمه الله وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم بل متى اضطر إلى ذلك جاز له وقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا بها الميتة ؟ فقال: { إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفوا بها بقلا فشأنكم بها } تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن مسلم بن يزيد عن أبي واقد به ومنهم من رواه عن الأوزاعي عن حسان عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد به. ورواه ابن جرير عن هناد بن السري عن عيسى بن يونس عن حسان عن رجل قد سمي له فذكره ورواه أيضا عن هناد عن ابن المبارك عن حسان مرسلا وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه فكان فيه: ويجزي من الأضرار غبوق أو صبوح. حدثنا أبو كريب حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي حدثنا الحسن أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: { إلى متى يروي أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم { حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق حدثني عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عروة بن الزبير عن جدته أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { يحل لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه } فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه } فقال الأعرابي ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته فقال: صلى الله عليه وسلم: { إذا رويت كنت أهلك غبوقا من الليل فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك فإنه ميسور كله فليس فيه حرام ومعنى قوله } ما لم تصطحبوا } يعني به الغداء { وما لم تغتبقوا } يعني به العشاء { أو تحتفئوا بقلا فشأنكم بها } فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف يعني قوله أو تحتفئوا على أربعة أوجه: تحفؤا بالهمزة وتحتفيوا بتخفيف الياء والحاء وتحتفوا بتشديد وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف ويحتمل الهمز كذا رواه في التفسير. { حديث آخر } قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبدالله حدثنا الفضل بن دكين حدثنا وهب بن عقبة العامري سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا من الميتة قال: { ما طعامكم { قلنا نصطبح ونغتبق قال أبو نعيم: فسره لي عقبة قدح غدوة وقدح عشية قال: ذاك وأبي الجوع وأحل لهم الميتة على هذه الحال. تفرد به أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع ولا يتقيد ذلك بسد الرمق والله أعلم. { حديث آخر { قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سماك عن جابر عن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده فقال له رجل إن ناقتي ضلت فإن وجدتها فامسكها فوجدها ولم يجد صاحبها فمرضت فقالت له امرأته انحرها فأبى فنفقت فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله قال: لا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال: { هل عندك غنى يغنيك } قال: لا قال: { فكلوها } قال فجاء صاحبها فأخبره الخير فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك. تفرد به وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم. وقوله { غير متجانف لإثم } أي متعاط لمعصية الله فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر كما قال في سورة البقرة { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم { وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر لأن الرخص لا تنال بالمعاصي والله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الأية
4
 
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها إما في بدنه أو في دينه أو فيهما استثناه في حالة الضرورة كما قال { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه { قال بعدها: { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات { كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير حدثني عبد الله بن لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله: قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات { قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس فقال: ليس هو من الطيبات وقوله تعالى { وما علمتم من الجوارح مكلبين } أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { وما علمتم من الجوارح مكلبين } وهن الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد والجوارح يعني الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباههـا. رواه ابن أبى حاتم ثم قال: وروى عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك وروى عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروى عن علي بن الحسين مثله ثم روى عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله وقرأ قوله { وما علمتم من الجوارح مكلبين { قال: وروى عن سعيد بن جبير نحو ذلك ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي ثم قال: حدثنا هناد حدثنا ابن أبي زائدة أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلافلا تطعمه قلت: والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب فلا فرق وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير واحتج في ذلك بما رواه عن هناد: حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: { ما أمسك عليك فكل } واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود { فقلت: ما بال الكلب الأسود من الحمار فقال: الكلب الأسود شيطان. وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم قال: { ما بالهم وبال الكلاب اقتلوا منها كل أسود بهيم } وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح من الجرح وهو الكسب كما تقول العرب فلان جرح أهله خيرا أي كسبهم خيرا ويقولون فلان لا جارح له أي لا كاسب له وقال الله تعالى { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ما كسبتم من خير وشر وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا زيد بن حباب حدثني يونس بن عبيدة حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع عن أبي رافع عن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب فقلت فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت فأنزل الله { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين { الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه فيأكل ما لم يأكل } وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن الحباب بإسناده عن أبى رافع قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه فأذن له فقال: قد أذن لك يا رسول الله قال { أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب } قال أبو رافع فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته فجاءوا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأنزل الله عز وجل } يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين { ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به وقال صحيح ولم يخرجاه وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويمر بن ساعدة فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية أنه في قتل الكلاب وقوله تعالى { مكلبين { يحتمل أن يكون حالا من الضمير في علمتم فيكون حالا من الفاعل ومحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو الجوارح أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها فيستدل بذلك والحالة هذه أن الجوارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره أنه لا يحل كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء ولهذا قاله { تعلمونهن مما علمكم الله { وهو أنه إذا أرسله استرسل وإذا أشلاه استشلى وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه ولهذا قال تعالى { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه { فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله حل الصيد وإن قتله بالإجماع وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتلن؟ قال وإن قتلن مالم يشركها كلب ليس منها فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فأصيب قلت له فإنى أرمي بالمعراض الصيد؟ فقال: { إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله } وفي لفظ لهما { إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته } وفي رواية لهما { فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه } فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث وحكى عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا. { ذكر الآثار بذلك { قال ابن جرير: حدثنا هناد حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال قال سلمان الفارسي كُلْ وإن أكل ثلثيه يعني الصيد إذا أكل منه الكلب وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر عن قتادة وكذا رواه محمد بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان. ورواه ابن جرير أيضا عن مجاهد بن موسى عن يزيد عن حميد عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم بن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل وإن أكل ثلثيه وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرنا مخرمة بن بكير عن أبيه عن حميد أن مالك بن خيثم الدؤلي أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب فقال: كل و إن لم يبق منه إلا حذيه يعني بضعة ورواه شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن بكير بن الأشج عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: كل وإن أكل ثلثيه وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا داود عن عامر عن أبي هريرة قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه فإن أكل ثلثيه وبه ثلثه فكله وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر قال سمعت عبد الله. وحدثنا هناد حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك أكل أو لم يأكل. وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبى هريرة وابن عمر وهو محكي عن علي وابن عباس واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري وهو قول الزهري وربيعة ومالك وإليه ذهب الشافعي في القديم وأومأ اليه في الجديد. وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعا فقال ابن جرير: حدثنا عمر أن ابن بكار الكلاعي حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاجوني حدثنا محمد بن دينار وهو الطاجي عن أبي إياس - معاوية بن قرة- عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه فيأكل ما بقي } ثم قال ابن جرير: وفي إسناد هذا الحديث نظر وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح لكن قد روي هذا المعنى مرفوعا من وجوه أخر فقال أبو داود: حدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك } فقال ذكيا وغير ذكي وإن أكل منه؟ قال نعم وإن أكل منه فقال: يا رسول الله أفتني في قوسي قال: { كل ما ردت عليك قوسك } قال ذكيا وغير ذكي؟ قال وإن تغيب عنك ما لم يصل أو تجد فيه أثرا غير سهمك قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال: { اغسلها وكل فيها } هكذا رواه أبو داود وقد أخرجه النسائي وكذا رواه أبو داود من طريق يونس بن سيف عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك } وهذان إسنادان جيدان وقد روى الثوري عن سماك بن حرب عن عدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { ما كان من كلب ضار أمسك عليك فكل } قلت: وإن أكل قال: { نعم } وروى عبد الملك بن حبيب حدثنا أسد بن موسى عن ابن أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بمثله فهذه آثار دالة على أنه يغتفر وإن أكل منه الكلب وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه كما تقدم عمن حكيناه عنهم. وقد توسط آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدى بن حاتم وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم { فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون أمسك على نفسه } وأما إن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل منه لجزعه فإنه لا يؤثر في التحريم وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني وهذا تفريق حسن وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه النهاية أن لو فصل مفصل هذا التفصيل وقد حقق الله أمنيته وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم وقال آخرون قولا رابعا في المسألة وهو التفرقة بين أكل الكلب فحرم لحديث عدي وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا أسباط بن محمد حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن حماد عن إبراهيم عن ابن عباس أنه قال في الطير إذا أرسلته فقتل فكل فإن الكلب إذا ضربته لم يعد وإن تعلم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب فإذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل وكذا قال إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا المحاربي حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدى بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فما يحل لنا منها ؟ قال:{ يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ثم قال: ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك } قلت: وإن قتل قال: { وإن قتل ما لم يأكل } قلت: يا رسول الله وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها قال فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك قال قلت إنا قوم نرمي فما يحل لنا قال: { ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت فكل } فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل ولم يشترط ذلك في البزاة فدل على التفرفة بينهما في الحكم والله أعلم. وقوله تعالى { فكلوا مما أمسكن عليكم وأذكروا اسم الله عليه { أي عند إرساله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم { إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك } وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا } إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله } ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث وهذا القول هو المشهور عن الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال كما قال السدي وغيره وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { واذكروا اسم الله عليه { يقول إذا أرسلت جارحك فقل بسم الله وإن نسيت فلاحرج وقال بعض الناس المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: { سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك } وفى صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا لاندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: { سموا الله أنتم وكلوا }. { حديث آخر } وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا هشام عن بديل عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم الله فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره } وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون به وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة فإنه لم يسمع منها هذا الحديث بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب أخبرنا هشام يعني ابن أبي عبد الله الدستوائي عن بديل عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم حدثته عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل طعاما في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين فقال: { أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره } رواه أحمد أيضا وأبو داود والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به وقال الترمذي حسن صحيح. { حديث آخر { وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جابر بن صبح حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي وصحبته إلى واسط فكان يسمي في أول طعامه وفي آخر لقمة يقول بسم الله أوله وآخره فقلت له إنك تسمي في أول ما تأكل أرأيت قولك في آخر ما تأكل بسم الله أوله وآخره فقال أخبرك أن جدي أمية بن مخشى وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول إن رجلا كان يأكل والنبي ينظر فلم يسم حتى كان في آخر طعامه لقمة قال بسم الله أوله وآخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه } وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري وثقه ابن معين والنسائي وقال أبو الفتح الأزدي لا تقوم به حجة. { حديث آخر { قال الإمام أحمد: حدثنا الأعمش عن خيثمة عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده وإنا حضرنا معه طعاما ما فجاءت جارية كأنما تدفع فذهبت تضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الشيطان مستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها وجاء بهذا الأعرابي ليستحل فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما } يعني الشيطان وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي حديث الأعمش. { حديث آخر { روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء } لفظ أبي داود. { حديث آخر { قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا نأكل وما نشبع قال: { فلعلكم تأكلون متفرقة اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه } ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الأية
5
 
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات قال بعده { اليوم أحل لكم الطيبات { ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى فقال { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم { قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان: يعني ذبائحهم وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت لا أعطي اليوم من هذا أحدا والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة وهذا ظاهر واستدل به الفقهاء: الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله لقوله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم { قالوا: وهذا ليس من طعامهم واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث وفي ذلك نظر لأنه قضية عين ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما والله أعلم وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه وأثر ذلك في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي أبهره وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمته وكان اسمها زينب فقتلت بشر بن البراء..... ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة يعني ودكا زنخا وقال ابن أبي حاتم قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد أخبرنا محمد بن شعيب أخبرني النعمان بن المنذر عن مكحول قال أنزل الله { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه { ثم نسخه الرب عز وجل ورحم المسلمين فقال { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب { فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة بل يأكلون الميتة به بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولي العلماء ونصارى العرب: كبني تغلب وتوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور. وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن أيوب عن محمد بن عبيدة قال: قال علي: لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر وكذا قالت غير واحد من الخلف والسلف. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه يعني في هذه المسألة وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" سنوا بهم سنة أهل الكتاب } ولكن لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل وقوله تعالى { وطعامكم حل لهم } أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها والأول أظهر في المعنى أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي بن سلول حين مات ودفنه فيه قالوا لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأما الحديث الذي فيه: { لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي { فمحمول على الندب والاستحباب والله أعلم. وقوله { والمحصنات من المؤمنات } أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات وذكر هذا توطئة لما بعده وهو قوله تعالى } والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم { فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء حكاه ابن جرير عن مجاهد وإنما قال مجاهد المحصنات الحرائر فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه ومحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة كما قال في الرواية الأخرى عنه وهو قول الجمهور ههنا وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: { حشفا وسوء كيلة } والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا كما قال تعالى في الآية الأخرى { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان { ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم { هل يعم كل كتابية عفيفة سواء كانت حرة أو أمة حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة وقيل المراد بأهل الكتاب ههنا الإسرائيليات وهو مذهب الشافعي وقيل المراد بذلك الذميات دون الحربيات لقوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } الآية وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى وقد قال الله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } الآية وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب حدثنا القاسم بن مالك يعني المزني حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي مالك الغفاري قال نزلت هذه الآية { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن { قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم { فنكح الناس نساء أهل الكتاب وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم { فجعلوا هذه مخصصة في سورة البقرة { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن { إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أصل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة { وكقوله { وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا { الآية وقوله { إذا آتيتموهن أجورهن } أي مهورهن أي كما هن محصنات عفائف فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس وقد أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما وترد عليه ما بذل لها من المهر رواه ابن جرير عنهم وقوله { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان { فكما شرط الإحصان في النساء وهي العفة عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل محصنا عفيفا ولهذا قال غير مسافحين وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ولا متخذي أخدان أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن كما تقدم في سورة النساء سواء ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذه الآية وللحديث لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا سليمان بن حرب حدثنا أبو هلال عن قتادة عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب لقد هممت أن لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك وقد يقبل منه إذا تاب وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين { ولهذا قال تعالى ههنا { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الأية
6
 
قال كثيرون من السلف في قوله { إذا قمتم إلى الصلاة } يعني وأنتم محدثون وقال آخرون إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وكلاهما قريب وقال آخرون بل المعنى أعم من ذلك فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة ولكن هو في حق المحدث واجب وفي حق المتطهر ندب وقد قيل إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام ثم نسخ.وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله قال: { إني عمدا فعلته يا عمر { وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد ووقع في سنن ابن ماجه عن سفيان عن محارب بن دثار بدل علقمة بن مرثد كلاهما عن سليمان بن بريدة به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين فقلت: أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه وكذا رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن توبة عن زياد البكائي وقال أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحق حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل حدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك كان يفعله حتى مات وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عوف الجمعي عن أحمد بن خالد الذهني عن محمد بن إسحق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ثم قال أبو داود: ورواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق فقال عبيد الله بن عمر يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد وأيا ما كان فهو إسناد صحيح وقد صرح ابن إسحق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان فزال محذور التدليس لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد عن ابن إسحق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن محمد بن يحيى بن حبان به والله أعلم وفي فعل ابن عمر هذا ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك كما هو مذهب الجمهور. وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة حدثنا أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت مسعود بن علي الشيباني سمعت عكرمة يقول كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة { الآية وحدثنا ابن المثنى حدثني وهب ابن جرير أخبرنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: رأيت عليا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه ثم مسح برأسه ورجليه وقال هذا وضوء من لم يحدث وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم من مغيرة عن إبراهيم أن عليا اكتال من حب فتوضأ وضوءا فيه تجوز فقال هذا وضوء من لم يحدث.وهذه طرق جيدة عن علي يقوي بعضها بعضا. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن يسار حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فية تجوز خفيفا فقال هذا وضوء من لم يحدث وهذا إسناد صحيح.وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة وأما ما رواه أبو داود الطيالسي عن أبي هلال عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء فهو غريب عن سعيد بن المسيب ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قال: قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو بن عامر وقال ابن جرير: حدثنا أبو سعيد البغدادي حدثنا إسحق بن منصور عن هريم عن عبد الرحمن بن زياد هو الأفريقي عن عطيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات { ورواه أيضا من حديث عيسى بن يونس عن الأفريقي عن أبي عطيف عن ابن عمر فذكره وفيه قصة وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الأفريقي به نحوه وقال الترمذي وهو إسناد ضعيف. وقال ابن جرير: وقد قال قوم إن هذه الآية نزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن جابر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول لا نكلمه ولا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت آية الرخصة { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة { الآية ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم عن أبي كريب به نحوه وهو حديث غريب جدا وجابر هذا هو ابن زيد الجعفي ضعفوه وقال أبو داود حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم إليه طعاما فقالوا ألا نأتيك بوضوء فقال: { إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة { وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع والنسائي عن زياد بن أيوب عن إسماعيل وهو ابن علية وقال الترمذي: هذا حديث حسن وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بطعام فقيل يا رسول الله ألا تتوضأ فقال لم أصل فأتوضأ وقوله } فاغسلوا وجوهكم { قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم { على وجوب النية في الوضوء لأن تقدير الكلام إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها كما تقول العرب إذا رأيت الأمير فقم أي له وقد ثبت في الصحيحين حديث { الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى { ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه { ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده { وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا وفى النزعتين والتحذيف خلاف هل هما الرأس أو الوجه وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان { أحـدهما { أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة.وروي في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا مغطيا لحيته فقال اكشفها فإن اللحية من الوجه وقال مجاهد هي من الوجه ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته طلع وجهه ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة.وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا إسرائيل عن عامر بن حمزة عن شقيق قال: رأيت عثمان يتوضأ فذكر الحديث قال وخلل اللحية ثلاثا حين غسل وجهه ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الذي رأيتموني فعلت رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق وقال الترمذي: حسن صحيح وحسنه البخاري. وقال أبو داود: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا أبو المليح حدثنا الوليد بن زوران عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته وقال { هكذا أمرني به ربي عز وجل { تفرد به أبو داود.وقد روي هذا الوجه من غير وجه عن أنس قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن علي وغيره وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي ثم عن النخعي وجماعة من التابعين وقد ثبت عن النبي من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه إذا توضأ تمضمض واستنشق فاختلف الأئمة في ذلك هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { للمسيء صلاته توضأ كما أمرك الله { أو يجبان في الغسل دون الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { من توضأ فليستنشق { وفي رواية } إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر { والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا يعني أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمن ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى ثم مسح رأسه ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يتوضأ.ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به وقوله { وأيديكم إلى المرافق } أي مع المرافق كما قال تعالى { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا { وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي من طريق القاسم بن محمد عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ولكن القاسم هذا متروك الحديث وجده ضعيف والله أعلم. ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل { وفي صحيح مسلم عن قتادة عن خلف بن خليفة عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء وقوله تعالى { وامسحوا برءوسـكم { اختلفوا في هذه الباء هل هي للإلصاق وهو الأظهر أو للتبعيض وفيه نظر على قولين ومن الأصوليين من قال هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة وقد ثبت في الصحيحين عن طريق مالك عن عمرو بن يحيى وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم مضمض واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يدية مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. وفي حديث عبد خير عن علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معدي كرب في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس وهو مقدار الناصية.وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ويتقدر ذلك بحد لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه فلما قضى حاجته قال هل معك ماء فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة فأخرج يده من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة ونحن نقول بذلك أنه يقع عن الموقع كما وردت بذلك أحاديث كثيرة وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين فهذا أولى وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة والله أعلم.ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثا كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين: فقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمن إلى المرفق ثلاثا ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: { من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه { أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق الزهري نحو هذا.وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن عثمان في صفة الوضوء ومسح برأسه مرة واحدة وكذا من رواية عبد خير عن علي مثله.واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا عبد الرحمن بن وردان حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه ولم يذكر المضمضة والاستنشاق قال فيه ثم مسح رأسه ثلاثا ثم غسل رجليه ثلاثا ثم قال: رأيت رسول الله توضأ هكذا وقال: من توضأ هكذا كفاه تفرد به أبو داود ثم قال وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة قوله { وأرجلكم إلى الكعبين { قرئ وأرجلكم بالنصب عطفا على فاغسلوا وجوهكم وأيديكم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو سلمة حدثنا وهب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قرأها وأرجلَكم يقول: رجعت إلى الغسل. وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد وإبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإبراهيم التيمي نحو ذلك وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل كما قاله السلف.ومن ههنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب بل لو غسل قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ثم وجهه أجزأه ذلك لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء والواو لا تدل على الترتيب وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقا فمنهم من قال الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إلى الصلاة لأنه مأمور به بفاء التعقيب وهي مقتضية للترتيب ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولا ثم لا يجب الترتيب بعده بل القائل اثنان: أحدهما يوجب الترتيب كما هو واقع في الآية والآخر يقول لا يجب الترتيب مطلقا والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء فوجب الترتيب فيما بعده لإجماع الأفارق ومنهم من قال لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء ثم نقول بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي هي دالة على الترتبب شرعا فيما من شأنه أن يرتب والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى { إن الصفا والمروة من شعائر الله { ثم قال: { أبدأ بما بدأ الله به { لفظ مسلم ولفظ النسائي { ابدءوا بما بدأ الله } وهذا لفظ أمر وإسناده صحيح فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعا والله أعلم. ومنهم من قال لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب فقطع النظير عن النظير وأدخل الممسوح بين المغسولين دل ذلك على إرادة الترتيب ومنهم من قال لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله توضأ مرة مرة ثم قال: { هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به } قالوا: فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتبا فيجب الترتيب أو يكون توضأ غير مرتب فيجب عدم الترتيب ولا قائل به فوجب ما ذكرناه وأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ وأرجلِكم بالخفض فقد احتج بها الشيعة فى قولهم بوجوب مسح الرجلين لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح فقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية حدثنا حميد قال قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده يا أبا حمزة إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه فذكر الطهور فقال اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطنهما وظهورهما وعراقيبهما. فقال أنس: وكذب الحجاج قال الله تعالى { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم { قال وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما إسناد صحيح إليه. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل حدثنا مؤمل حدثنا حماد حدثنا عاصم الأحول عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وهذا أيضا إسناد صحيح. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن قيس الخراساني عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو معمر المنقري حدثنا عبد الوهاب حدثنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين { قال هو المسح ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر - محمد بن علي- والحسن في إحدى الروايات وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات نحوه وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه قال: وكان يقوله وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح ثم قال الشعبي ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا وحدثنا ابن أبي زياد حدثنا يزيد أخبرنا إسماعيل قلت لعامر إن ناسا يقولون إن جبريل نزل بغسل الرجلين فقال نزل جبريل بالمسح فهذه آثار غريبة جدا وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام كما في قول: العرب جحر ضب خرب وكقوله تعالى { عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق { وهذا سائغ ذائع في لغة العرب شائع ومنهم من قال هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان قاله أبو عبد الله الشافعي رحمه الله ومنهم من قال هى دالة على مسح الرجلين ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنة وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضا لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروزبادي حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محوية العسكري حدثنا جعفر بن محمد القلانسي حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتى بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه ثم قام فشرب فضلته وهو قائم ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت وقال: { هذا وضوء من لم يحدث { رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضل وأضل وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضا ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسله للأحاديث وأوجب مسحهما للآية فلم يحقق مذهبه في ذلك فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما ولكنه عبر عن الدلك بالمسح فاعمتد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما فحكاه من حكاه كذلك ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه وإنما أراد الرجل ما ذكرته والله أعلم. ثم تأملت كلامه أيضا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتيى في قوله { وأرجلكم } خفضا على المسح وهو الدلك ونصبا على الغسل فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه. ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه قد تقدم في حديث أمير المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة وإما مرتين أو ثلاثا على اختلاف رواياتهم وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال: { هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به }. وفي الصحيح من رواية أبي عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته } أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار } وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار وروى الليث بن سعد عن حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عن عبد الله بن الحرث بن حرز أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار } رواه البيهقي والحاكم وهذا إسناد صحيح وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كريب أو شعيب بن أبي كريب قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جبل يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { ويل للعراقيب من النار } وحدثنا أسود بن عامر أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال: { ويل للأعقاب من النار } ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن شيبة عن أبي الأحوص عن أبى إسحاق عن سعيد به نحوه وكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن أبي كرب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ثم قال: حدثنا علي بن مسلم حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا حفص عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن رسول الله رأى قوما يتوضئون لم يصب أعقابهم الماء فقال: { ويل للعراقيب من النار } وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا أيوب بن عقبة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن معيقيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ويل للأعقاب من النار { تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثني علي بن عبد الأعلى حدثنا المحاربي عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ويل للأعقاب من النار { قال فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما.وحدثنا أبو كريب: حدثنا حسين عن زائدة عن ليث حدثني عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر قوما يصلون وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء فقال: { ويل للأعقاب من النار } قال فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئا لم يصبه الماء أعاد وضوءه ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى. وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر عن عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: { ارجع فأحسن وضوءك { وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحق الصنعاني حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب حدثنا جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ارجع فأحسن وضوءك { وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه عن حرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب به وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف لم يروه إلا ابن وهب وحدثنا موسى حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا بقية حدثني يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفى ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء ورواه أبو داود من حديث بقية وزاد والصلاة وهذا إسناد جيد قوي صحيح والله أعلم. وفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل بين أصابعه وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء فقال: { أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلاأن تكون صائما } . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال: قال أبو أمامة حدثنا عمرو بن عبسة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال: { ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتم ويستنشق وينتثر إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه } قال أبو أمامة: يا عمرو انظر ما تقول سمعت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة لقد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك. وهذا إسناد صحيح وهو في صحيح مسلم من وجه آخر وفيه ثم يغسل قدميه كما أمره الله فدل على أن القرآن يأمر بالغسل وهكذا روى أبو إسحاق السبعي عن الحرث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: { اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم { ومن ههنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قدميه الماء وهما في النعلين فدلكهما إنما أراد غسلا خفيفا وهما في النعلين ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين.وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه وهو من روايته عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه قلت ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل حدثنا يحيى عن شعبة حدثني يعلى عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه ثم قام إلى الصلاة وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى كلاهما عن هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث أنه كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه ولما كان القرآن آمرا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب ولكن لم يصح إسناده ثم الثابت عنه خلافه وليس كما زعموه قاله قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت. تفرد به أحمد وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل تفعل هذا؟ فقال نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة- لفظ مسلم -. وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولا منه وفعلا كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه أو التفصيل فيه كما هو مبسوط في موضعه وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر ولله الحمد وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان وهما مجمع مفصل الساق والقدم هذا لفظه فعند الأئمة رحمهم الله في كل قدم كعبان كما هو المعروف عند الناس وكما دلت عليه السنة ففي الصحيح من طريق حران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين واليسرى مثل ذلك وروى البخاري تعليقا مجزوما به وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسينى ابن الحرث الجدلي عن النعمان بن بشير قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه قال: { أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم { قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبة صاحبه ومنكبه بمنكبه. لفظ ابن خزيمة فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق حتى يحاذي كعب الآخر فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن موسى أخبرنا شريح عن يحيى بن الحرث التيميمي يعني الخابر قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد فوجدت الكعب فوق ظهر القدم وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم تنكيلا بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه. وقوله تعالى { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك لكن البخاري روى ههنا حديثا خاصا بهذه الآية الكريمة فقال: حدثنا يحيى بن سليمان حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا فاقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حسبت الناس في قلادة فتمنيت الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني وقد أوجعني ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم { إلى آخر الآية فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم. وقوله تعالى { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } أي فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ورحمة بكم وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير وقوله تعالى { ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } أي لعلكـم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعه والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشى فأدركت رسول الله قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: { ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة { قال: قلت ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه فقال: إني قد رأيتك جئت آنفا قال: { ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء } لفظ مسلم. وقال مالك: عن نهشل بن أبي صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب { رواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن مالك به وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان بن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه إلا خرجت خطاياه منهما فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه هذا لفظه وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن منصور عن سالم عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه وإذا غسل رجليه خرت خطاياه من رجليه. قال: شعبة ولم يذكر مسح الرأس وهذا إسناد صحيح. وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ورجليه } وروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والله أكبر تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصوم جنة والصبر ضياء والصدقة برهان والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها { وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور { وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبي المليح الهذلي يحدث عن أبيه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فسمعته يقول: { إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور ولا صدقة ولا صدقة من غلول { وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
الأية
7
 
يقول تعالى مذكرا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته والقيام بدينه لإبلاغه عنه وقبوله منه فقال تعالى { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا { وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إسلامهم كما قالوا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وقال الله تعالى { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين { وقيل هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد لشرعه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقيل هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا { قاله مجاهد ومقاتل بن حيان والقول الأول أظهر وهو المحكي عن ابن عباس والسدي واختاره ابن جرير ثم قال تعالى { واتقوا الله { تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر من الأسرار والخواطر فقال { إن الله عليم بذات الصدور }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
الأية
8
 
قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله } أي كونوا قوامين بالحق لله عز وجل لا لأجل الناس والسمعة وكونوا { شهداء بالقسط } أي بالعدل لا بالجور وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال لا قال: { اتقوا الله واعدلوا في أولادكم - وقال - إنى لا أشهد على جور } قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة وقوله تعالى { ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقا كان أو عدوا ولهذا قال { اعدلوا هو أقرب للتقوى } أي أقرب إلى التقوى من تركه ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم { وقوله: هو أقرب للتقوى من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما في قوله تعالى { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا { وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون { أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولهذا قال بعده { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
الأية
9
 
{ وعد الله الدين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } أي لذنوبهم { وأجر عظيم { وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده لا ينالوها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم وهو تعالى الذي جعلها أسبابا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه فالكل منه وله فله الحمد والمنة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
الأية
10
 
ثم قال { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم { وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه بل هو الحكم العدل الحكيم القدير.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
الأية
11
 
وقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم { قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري ذكره عن أبي سلمة عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس العِضَاهِ يستظلون تحتها وعلق النبي سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فسله ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني قال: الله عز وجل قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله قال فشام الأعرابي السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فاخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه. وقال: معمر كان قتادة يذكر نحو هذا ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي وتأول { اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } الآية. وقصة هذا الأعرابي وهو غورث بن الحرث ثابتة في الصحيح وقال العوفي: عن ابن عباس في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم { وذلك أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاما ليقتلوهم فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام وأمر أصحابه فأتوه. رواه ابن أبي حاتم وقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف رواه ابن أبي حاتم وذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلما لرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ووكلوا عمرو بن جحش بن كعب بذلك وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه فأطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم على ما تمالئوا عليه فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه فأنزل الله في ذلك هذه الآية قوله تعالى { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه وحفظه من شر الناس وعصمه ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدوا إليهم فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
الأية
12
 
لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فبما هداهم له من الحق والهدى شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم وطردا عن بابه وجنابه وحجاجا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق وهو العلم النافع والعمل الصالح فقال تعالى { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا } يعني عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه. وقد ذكر ابن عباس عن ابن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبابرة فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب قال محمد بن إسحاق فكان من سبط روبيل شامون بن ركون ومن سبط شمعون شافاط بن حرى ومن سبط يهوذا كالب بن يوفنا ومن سبط تين ميخائيل بن يوسف ومن سبط يوسف وهو سبط إفرايم يوشع بن نون ومن سبط بنيامين فلطم بن دفون ومن سبط زبولون جدي بن شورى.ومن سبط منشا بن يوسف جدي بن موسى ومن سبط دان خملائيل بن حمل. ومن سبط أشار ساطور بن ملكيل ومن سبط نفثالي بحر بن وقسى ومن سبط يساخر لايل بن مكيد وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لم ذكره ابن إسحاق والله أعلم قال فيها فعلى بني روبيل اليصور بن سادون وعلى بن شمعون شموال بن صـورشكي وعلى بن يهوذا الحشون بن عمياذاب وعلى بن يساخر شال بن صاعون وعلى بن زبولون الياب بن حالوب وعلي بني أفرايم منشا بن عمنهور وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون وعلى بني بنيامين أيبدن بن جدعون وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي وعلى بني أشار نحايل بن عجران وعلى بني كان السيف بن عواييل وعلى بني نفتالي أجذع بن عمينان وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة كان فيهم اثنا عشر نقيبا: ثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن الحضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر ويقال: بدله أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك بن العجلان والبراء بن معرور وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حرام والمنذر بن عمر بن حنيش رضي الله عنهم وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له كما أورده ابن إسحاق رحمه الله والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كـم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال: نعم ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: { اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل } هذا حديث غريب من هذا الوجه وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا { ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي فسألت أي ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: { كلهم من قريش { وهذا لفظ مسلم ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم ولا يلزم من هذا نواليهم وتتابع أيامهم بل قد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه اسم أبيه فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية بل هو من هوس العقول السخيفة وتوهم الخيالات الضعيفة وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثنا عشر الأئمة الاثنا عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشر من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام وأن يقيم من صلبه اثنا عشر عظيما وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى { وقال الله إنى معكم } أي بحفظي وكلاءتي ونصري { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي { أي صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي { وعزرتموهم } أي نصرتموهم ووازرتموهم على الحق { وأقرضتم الله قرضا حسنا { وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته { لأكفرن عنكم سيآتكم } أي ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها { ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود وقوله { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل } أي فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشده وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه فقد أخطأ الطريق الواضح وعدل عن الهدى إلى الضلال ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الأية
13
 
قال { فبما نقضهم ميثاهم لعناهم } أي فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها { يحرفون الكلم عن مواضعه { أى فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا عليه ما لم يقل عياذا بالله من ذلك { ونسوا حظا مما ذكروا به } أي وتركوا العمل به رغبة عنه وقال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة فلا قلوب سليمة ولا فطر مستقيمة ولا أعمال قويمة { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } يعني مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالئوهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم { فاعف عنهم واصفح } وهذا هو عين البصر والظفر كما قال بعض السلف ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وبهذا يحمل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله يهديهم ولهذا قال تعالى } إن الله يحب المحسنين } يعني به الصفح عمن أساء إليك وقال قتادة: هذه الآية { فاعف عنهم واصفح { منسوخه بقوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
الأية
14
 
وقوله تعالى { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } أي ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم عليه السلام وليسوا كذلك أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض ففعلوا كما فعل اليهود خالفوا المواثيق ونقضوا العهود ولهذا قال تعالى { فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } أي فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة ولذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها فالملكية تكفر اليعقوبية وكذلك الآخرون وكذلك النسطورية والآريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ثم قال { وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله ورسوله وما نسبوه إلى الرب عز وجل وتعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا من جعلهم له صاحبة وولدا تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ
الأية
15
 
يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل فقال { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير } أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب { فكان الرجم مما أخفوه ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
16
 
فقال { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة { ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم { أي ينجيهم من المهالك ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور ويحصل لهم أحب الأمور وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
17
 
يقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد من عباد الله وخلق من خلقه أنه هو الله - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا - ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } أي لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك ثم قال { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء } أي جميع الموجودات ملكه وخلقه وهو القادر على ما يشاء لا يسئل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
الأية
18
 
قال تعالى ردا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل أنت ابني بكري فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام كما نقل النصارى من كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم يعني ربي وربكم ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام وإنما أرادوا من ذلك معزتهم له به وحظوتهم عنده ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى رادا عليهم { قل فلم يعذبكم بذنوبكم { أي لو كنتم كما تدعون أبناؤه وأحباؤه فلم أعددت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفي هذه الآية { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } وهذا الذي قاله حسن وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول ابني ابني وسعت فأخذته فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار قال فحفظهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { لا والله ما يلقي حبيبه في النار } تفرد به أحمد } بل أنتم بشر ممن خلق } أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } أي هو فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما } أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه } وإليه المصير } أي المرجع والمآب إليه فيحكم في عباده ما يشاء وهو العادل الذي لا يجور وروى محمد بن إسحق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آصا وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله فيهم { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه { إلى آخر الآية.رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ورويا أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله { وقالت النصارى نحن أبناء الله وأحباؤه { أما قولهم { نحن أبناء الله { فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد فيدخلهم النار فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجوهم فذلك قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
19
 
يقول تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول بل هو المعقب لجميعهم ولهذا قال { على فترة من الرسل } أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم.وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة.ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة خمسمائة وستون سنة وقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة والمشهور هو القول الأول وهو أنها ستمائة سنة ومنهم من يقول ستمائة وعشرون سنة ولا منافاة بينهما فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية والآخر أراد قمرية وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا { أى قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إن أولى الناس بابن مريم لأنا ليس بيني وبينه نبي { وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن منان كما حكاه القضاعي وغيره والمقصود أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل وطموس من السبل وتغير الأديان وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان فكانت النعمة به أتم النعم والحاجة إليه أمر عمم فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته وإن ربي أمرني أن أعلمكم مما جهلتم مما علمني في يومي هذا كل مال نحلته عبادي حلال لأني خلقت عبادي حنفاء كلهم لأن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت: يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة فقال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق عليهم فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسا أمثاله وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأهل الجنة ثلاثة:ذو سلطان مقسط موفق متصلا ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق وأهل النار خمسة: الضيف الذي لا دين له والذين هم فيكم تبع أو تبعا- شك يحيى - لا يبتغون أهلا ولا مالا والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك وذكر البخل أو الكذب والشنظير الفاحش ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير.وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن قال: حدثني مطرف عن عياض بن حماد فذكره ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: لأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل وفي لفظ مسلم من أهل الكتاب فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء ولهذا قال تعالى { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } أي لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { والله على كل شيء قدير { قال ابن جرير معناه: إنى قادر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ
الأية
20
 
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام فيما ذكر به قومه نعم الله عليهم وآلائه لديهم في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة فقال تعالى { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء } أي كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم عليه السلام ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الاطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم { وجعلكم ملوكا { قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن الحكم أو غيره عن ابن عباس في قوله وجعلكم ملوكا قال: الخادم والمرأة والبيت وروى الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضا عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: المرأة والخادم { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين { قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ ثم قال الحكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحنبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين فقال عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال: ألك مسكن تسكنه قال نعم قال: فأنت من الأغنياء فقال: إن لك خادما فقال: فأنت من الملوك وقال الحسن البصرى: هل الملك إلا مركب من خادم ودار رواه ابن جرير ثم روي عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوا من هذا وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران وقال ابن شوذب كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم واستؤذن عليه فهو ملك وقال قتادة: كانوا أول من اتخذ الخدم وقال السدي في قوله { وجعلكم ملوكا { قال يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله رواه ابن أبي حاتم وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا: وهذا حديث غريب من هذا الوجه وقال ابن جرير: حدثنا الزبير بن بكار حدثنا أبو ضمرة- أنس بن عياض - سمعت زيد بن أسلم يقول: وجعلكم ملوكا فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من كان له بيت وخادم فهو ملك { وهذا مرسل غريب وقال مالك: بيت وخادم وزوجة وقد ورد في الحديث من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وقوله { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين { يعني عالمي زمانكم فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم كما قال { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين { وقال تعالى إخبارا عن موسى لما قالوا اجعل لنا إلها كما لهم إله { قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين { والمقصود أنهم كانوا أفضل زمانهم وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله وأكمل شريعة وأقوم منهاجا وأكرم نبيا وأعظم ملكا وأغزر أرزاقا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع مملكة وأدوم عزا قال الله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس { وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس { من سورة آل عمران وروى ابن جرير عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم فكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحدا { مع هذه الأمة والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا وقيل المراد } وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن السلوى ويظللهم به من الغمام وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات فالله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ
الأية
21
 
ثم قال تعال مخبرا عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا زمان موسى فوجدوا فيهـا قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها فأمرهم رسول الله - موسى عليه السلام- بالدخول إليها وبقتال أعدائهم وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون إلى مقصد مدة أربعين سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال: { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة } أي المطهرة وقال سفيان الثوري: عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: { ادخلوا الأرض المقدسة } قال هى الطور وما حوله وكذا قال مجاهد وغير واحد وروى سفيان الثوري عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال: هي أريحاء وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين وفي هذا نظر لأن أريحاء ليست هى المقصودة بالفتح ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون اللهم إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير عنه: لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس وقوله تعالى { التي كتب الله لكم } أي التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم { ولا ترتدوا على أدباركم } أي ولا تنكلوا عن الجهاد { فتنقلبوا خاسرين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
الأية
22
 
{ قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن تدخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } أي اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوما جبارين أي ذوي خلق هائلة وقوى شديدة وإننا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم وقد قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان قال: قال أبو سعيد قال عكرمة عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنا عشر عينا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم قال فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم فتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الاثنا عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب بهم إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال: لهم الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا فاذهبوا فأخبروا صاحبكم قال فوجدوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وفي هذا الإسناد نظر وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس لما نزل موسى وقومه بعث منهم اثنا عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكرهم الله فبعثهم ليأتوه بخبرهم فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كسائه فحمله حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه فاجتمعوا إليه فقالوا من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى بعثنا نأتيه بخبركم فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل فقالوا: لهم اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم هذا قدر فاكهتهم فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما رأوا فلما أمرهم موسى - عليه السلام- بالدخول عليهم وقتالهم قالوا: يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهادي حدثني يحيى بن عبد الرحمن قال: رأيت أنس بن مالك أخذ عصا فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين ثم قال: هكذا طول العماليق. وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم - عليه السلام- وأنه من طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع تحرير الحساب وهذا شيء يستحي من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن { ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا { وقال تعالى { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين } وقال تعالى { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم { وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبدل عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الأية
23
 
وقوله تعالى { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } أي فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى - صلى الله عليه وسلم- حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه وقرأ بعضهم { قال رجلان من الذين يخافون } أي ممن لهما مهابة وموضع من الناس ويقال إنهما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله فقالا { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم ودخلتم البلد التي كتبها لكم فلم ينفع ذاك فيهم شيئا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
الأية
24
 
{ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون { وهذا نكول منهم عن الجهاد ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء ويقال إنهم لما نكلوا عن الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر سجد موسى وهارون - عليهما السلام- قدام ملأ من بني إسرائيل إعظاما لما هموا به وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما ولاما قومهما على ذلك ويقال إنهم رجموهما وجرى أمر عظيم وخطر جليل وما أحسن ما أجاب به من الصحابة رضي الله عنهما يوم بدر رسول الله حين استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان فلما فات اقتناص العير واقترب منهم النفير وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض واليلب فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأحسن ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: { أشيروا علي أيها المسلمون { وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرضي بنا يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لقول سعد ونشطه ذلك. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قالوا: إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنها ههنا قاعدون { والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها برك إلى الغماد لاتبعناك ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد به ورواه ابن حبان عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معمر بن سليمان عن حميد به وقال: ابن مردويه أنا عبد الله بن جعفر أنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا محمد بن شعيب عن الحكم بن أيوب عن عبد الله بن ناسخ عن عتبة بن عبيد السلمي قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لأصحابه ألا تقاتلون ؟ قالوا نعم ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون { ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي - رضي الله عنه- كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثني سفيان عن مخارق بن عبد الله الأحمسي عن طارق - هو ابن شهاب- أن المقداد قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون { ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون هكذا رواه أحمد من هذا الوجه وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلى مما عدل به أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون { ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يشرق لذلك وسر بذلك. وهكذا رواه البخاري في المغازي وفي التفسير من طرق عن مخارق به ولفظه في كتاب التفسير عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون { ولكن امض ونحن معك فكأنه سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ثم قال البخاري: رواه وكيع عن سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم- وقال ابن جرير: حدثنا بشر حدثنا مجيد عن قتادة قال: ذكرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم { إنى ذاهب بالهدي فناحره عند البيت { فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذا قالوا لنبيهم { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون { ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فلما سمعها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تتابعوا على ذلك وهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بدر.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
الأية
25
 
قوله { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يعني لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام وقال داعيا عليهم { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } أي ليس أحد يطيعني منهم فيما أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين { قال العوفي: عن ابن عباس يعني اقض بيني وبينهم وكذا قال علي بن طلحة: عن ابن عباس وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم وافتح بيننا وبينهم وقال غيره: افرق افصل بيننا وبينهم كما قال الشاعر: يارب فافرق بينه وبيني أشد ما فرقت بين اثنين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
الأية
26
 
وقوله تعالى { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض { الآية. لما دعا عليهم موسى - عليه السلام- حين اكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم قدر مدة أربعين سنة فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران وهناك نزلت التوراة وشرعت لهم الأحكام وعملت قبة العهد ويقال لها قبة الزمان قال يزيد بن هارون: عن أصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير سألت ابن عباس عن قوله { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض { الآية. قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا قطعة من حديث الفتون ثم كانت وفاة هارون - عليه السلام- ثم بعده بمدة ثلاثة سنين وفاة موسى الكليم - عليه السلام- وأقام الله فيهم يوشع بن نون - عليه السلام- نبيا خليفة عن موسى بن عمران ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة ويقال إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب ومن ههنا قال بعض المفسرين في قوله { قال فإنها محرمة عليهم { هذا وقف تام وقوله { أربعين سنة } منصوب بقوله { يتيهون في الأرض { فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع بن نون عليه السلام أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم قال: إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي فحبسها الله تعالى حتى فتحها وأمر الله يوشع بن نون أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس أن يدخلوا بابها سجدا وهم يقولون حطة أي حط عنا ذنوبا فبدلوا ما أمروا به ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حبة في شعرة وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن أبي عمر العبدي حدثنا سفيان عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قوله { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض { قال فتاهوا أربعين سنة قال فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى وهو الذي افتتحها وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها ودنت الشمس للغروب فخشي أن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس إنى مأمور وإنك مأمورة فوقفت حتى افتتحها فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط فقربوه إلى النار فلم تأته فقال فيكم الغلول فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها وهذا السياق له شاهد في الصحيح وقد اختار ابن جرير أن قوله { فإنها محرمة عليهم { هو للعامل في أربعين سنة وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد قال: ثم خرجوا مع موسى عليه السلام ففتح بهم بيت المقدس ثم احتج على ذلك من قال بإجماع علماء أخيار الأولين أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام قال: فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق فدل على أنه كان بعد التيه قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى قال وما ذاك إلا بعد التيه لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه هذا استدل له ثم قال: حدثنا أبو كريب حدثنا ابن عطية حدثنا قيس بن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع فوثب فأصاب كعب عوج فقتله فكان جسرا لأهل النيل سنة وروي أيضا عن محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي إسحق عن نوف هو البكالي قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع وكان طول موسى عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ووثب في السماء عشرة أذرع فضرب عوجا فأصاب كعبه فسقط ميتا وكان جسرا للناس يمرون عليه. وقوله تعالى } فلا تأس على القوم الفاسقين { تسلية لموسى عليه السلام عنها أي لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به فإنهم مستحقون ذلك وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه عن خلقه في ذلك الزمان وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون لتقر به أعينهم وما بالعهد من قدم ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يترددون وهم البغضاء إلى الله وأعدائه ويقولون مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى الدار ذات الوقود ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود وقد فعل وله الحمد في جميع الوجود.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
الأية
27
 
يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيا عليه وحسدا له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل ففاز المقتول بوضع الآثار والدخول إلى الجنة وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين فقال تعالى { وأتل عليهم نبأ ابني أدم بالحق } أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف وقوله { بالحق } أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب ولا وهم ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان كقوله تعالى { إن هذا لهو القصص الحق } وقوله تعالى { نحن نقص عليك نبأهم بالحق { وقال { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق } وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف أن الله تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ولكن قالوا كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة فأراد أن يستأثر بها على أخيه فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا فمن تقبل منه فهي له فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. [ذكر أقوال المفسرين ههنا] قال السدي فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع وكان هابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكان له أخت أحسن من أخت هابيل وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه قال هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما أتى مكة ينظر إليهـا قال الله عز وجل هل تعلم أن لي بيتا في الأرض قال الله لا قال إن لي بيتا في مكة فآته فقال آدم للسماء احفظي ولدي بالأمانه فأبت وقال للأرض فأبت وقال للجبال فأبت فقال لقابيل فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قربا قربانا وكان قابيل يفخر عليه فقال أنا أحق بها منك هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصياح حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن خيثم قال: أقبلت مع حميد بن جبير فحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توأمها وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وولد له أنثى قبيحة دميمة فقال أخو الدميمة أنكحني أختك وأنكحك أختي فقال لا أنا أحق بأختي فقربا فربانا فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع فقتله. إسناد جيد وحدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقوله { إذ قربا قربانا { فقربا قربانهما فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض وصاحب الحرث بصبرة من طعامه فقبل الله الكبش فحزنه في الجنة أربعين خريفا وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام. إسناد جيد وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو قال إن ابني آدم الذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم وأنهم أمرا أن يقربا قربانا وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه وإن صاحب الحرث قرب أشد حرثه الكودن والزوان غير طيبة بها نفسه وأن الله عز وجل تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه وقال إسماعيل بن رافع المدنى القاص بلغني أن ابني آدم له أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم وكان أنتج له حمل في غنمه فأحبه حتى كان يؤثره بالليل وكان يحمله على ظهره من حبه حتى لم يكن له مال أحب إليه منه فلما أمر بالقربان قربه لله عز وجل فقبله الله منه فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم عليه السلام رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأنصاري حدثنا القاسم بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن علي بن الحسين قال قال آدم عليه السلام لهابيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان فقربا قربانا حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما فقربا وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكولة غنم خير ماله وكان قابيل صاحب زرع فقرب مشاقة من زرعه فانطلق آدم معهما ومعهما قربانهما فصعدا الجبل فوضعا قربانهما ثم جلسوا ثلاثتهم آدم وهما ينظران إلى القربان فبعث الله نارا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق فاحتمل قربان هابيل وترك قربان قابيل فانصرفوا وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه فقال: ويلك يا قابيل رد عليك قربانك فقال: أحببته فصليت على قربانه ودعوت له فتقبل قربانه ورد علي قرباني فقال قابيل لهابيل: لأقتلنك وأستريح منك دعا لك أبوك فصلى على قربانك فتقبل منك وكان يتواعده بالقتل إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه فقال آدم: يا قابيل أين أخوك ؟ قال: وبعثني له راعيا لا أدري فقال آم: ويلك يا قابيل انطلق فاطلب أخاك فقال قابيل في نفسه الليلة أقتله وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب فقال يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني لأقتلنك فقال هابيل قربت أطيب ما لي وقربت أنت أخبث مالك وإن الله لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل الله من المتقين فلما قالها غضب قابيل فرفع الحديدة وضربه بها فقال ويلك يا قابيل أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك فقتله فطرحه في حوبة من الأرض وحثى عليه شيئا من التراب. وروى محمد بن إسحق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل فسلم لذلك هابيل ورضي وأبى ذلك قابيل وكره تكرما عن أخت هابيل ورغب بأخته عن هابيل وقال نحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض وأنا أحق بأختي ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول كانت أخت قابيل من أحسن الناس فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه قال له أبوه يا بني قرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكان قابيل على بذر الأرض وكان هابيل على رعاية الماشية فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول قرب بقرة فأرسل الله نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله. رواه ابن جرير. وروى العوفي عن ابن عباس قال: من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله خبت النار فقربا قربانا وكان أحدهما راعيا وكان الآخر حراثا وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها وقرب الآخر بعض زرعه فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع لأن ابن آدم قال لأبيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي فلا والله لا ينظر الناس إلى وأنت خير مني فقال لأقتلنك فقال له أخوه ما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارئ في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن { إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين { فالسياق يقتضي إنه إنما غضب عليه وحسده بقبوله قربانه دونه ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب والله أعلم ولم يتقبل من قابيل. كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضا ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه وهذا خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيدا والله أعلم. ومعنى قوله { إنما يتقبل الله من المتقين { أي ممن اتقى الله في فعله وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زيد حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني صفوان بن عمرو عن تميم يعني ابن مالك المقري قال: سمعت أبا الدرداء يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها إن الله يقول { إنما يتقبل الله من المتقين { وحدثنا أبي حدثنا عمران حدثنا إسحق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون بن أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاوية فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر قلت من المتقون ؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
الأية
28
 
قوله { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين } يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة } إني أخاف الله رب العالمين } أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: { إنه كان حريصا على قتل صاحبه { وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قال: أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني ؟ فقال كن كابن آدم { وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعد وقال: هذا الحديث حسن وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلا قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي قلت وقال رواه أبو داود من طريقه فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا الفضل عن عياش ابن عباس عن بكير عن بشر بن سعيد عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديت قال: فقلت يا رسول الله أرأيت إن دخل بيتي وبسط يده ليقتلني قال فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: { كن كابن آدم { وتلا } لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين } قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين { لعثمان بن عفان رضي الله عنه رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن حرم حدثني أبو عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: ركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه وقال: { يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع قال قال: الله ورسوله أعلم قال: { تعفف { قال: { يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني القبر كيف تصنع { قلت: الله ورسوله أعلم قال: { اصبر { قال:{ يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع } قال: الله ورسوله أعلم قال: { اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك { قال: فإن لم أترك قال: { فائت من أنت منهم فكن منهم } قال: فآخذ سلاحي قال: { فإذا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك { ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي من طرق عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت به ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران عن المشعث بن طريف عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه قال أبو داود ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي قال: كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلا يقول سمعت هذا يقول في ناس مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فلألجنه فلئن دخل علي فلان لأقولن ها بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
الأية
29
 
وقوله { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين } قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله { إنى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } أي بإثم قتلي والله الذي عليك قبل ذلك قاله ابن جرير وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي وهذا قول وجدته عن مجاهد وأخشى أن يكون غلطا لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه يعني ما رواه سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد { إني أريد أن تبوء بإثمي { قال بقتلك إياي { وإثمك { قال بما كان منك قبل ذلك وكذا رواه عيسى بن أبي نجيح عن مجاهد بمثله وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك { يقول إنى أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمى فتبوء بهما جميعا { قلت { وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له } ما ترك القاتل على المقتول من ذنب { وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديث يشبه هذا ولكن ليس به فقال حدثنا عمرو بن علي حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني حدثنا يعقوب بن عبد الله حدثنا عتبة بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه { وهذا بهذا لا يصح ولو صح فمعناه إن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه فأما أن تحمل على القاتل فلا ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم.وأما ابن جرير فقال والصواب من القول في ذلك أن يقال إن تأويله إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي وذلك هو معنى قوله { إنى أريد أن تبوء بإثمي { وأما معنى وإثمك فهو إثمه يعني قتله وذلك معصية الله عز وجل في إعمال سواه وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه وأن الله عز وجل أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في خلقه فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ارتكبه قتيله هذا لفظه ثم أورد على هذا سؤالا حاصله كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه مع أن قتله له محرم؟ وأجاب بما حاصله أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالبا إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه قلت وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجر له لو انزجر ولهذا قال { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } أي تتحمل إثمي وإثمك { فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين { وقال ابن عباس: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الأية
30
 
قوله تعالى { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } أي فحسنت وسوّلت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة وهذا الزجر وقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر وهو محمد بن على بن الحسين أنه قتله بحديدة في يده وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن عبد الله وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فطوعت له نفسه قتل أخيه فطلبه لقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء رواه ابن جرير.وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقا وعضا كما تقتل السباع.وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر ففعل بأخيه مثل ذلك. رواه ابن أبي حاتم وقال عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله فجاءه إبليس فقال أتريد أن تقتله؟ قال نعم قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه قال فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعا فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل فقالت له: ويحك وأى شيء يكون القتل قال لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك قالت ذلك الموت قال فهو الموت فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهى تصيح فقال: مالك فلم يكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك وأنا وبني منها برآء رواه ابن أبي حاتم وقوله { فأصبح من الخاسرين } أي في الدنيا والآخرة وأي خسارة أعظم من هذه وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل } وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمشي به وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ ووجهه في الشمس حيثما دارت دار عليه في الصيف حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج قال: وقال عبد الله بن عمر وإنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن حكيم بن حكيم أنه حدث عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول إن أشقى الناس رجلا لابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شر وذلك أنه أول من سن القتل.وقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلما إلا وكان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه.ورواه ابن جرير أيضا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
الأية
31
 
وقوله تعالى { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين } قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة رضي الله عنهم: لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثى عليه فلما رآه قال { يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي { وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: جاء غراب إلى غراب ميت فحثى عليه من التراب حتى واراه فقال الذي قتل أخاه { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي { وقال الضحاك عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله الغرابين فرآهما يبحثان فقال { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب { فدفن أخاه وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتا لا يدري ما يصنع به ويحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب فقال { يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين { رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقال عطية العوفي: لما قتله فضمه إليه حتى أروح وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله.رواه ابن جرير وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول لما قتله سقط في يده أي ولم يدر كيف يواريه وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل في بني آدم وأول ميت { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين { قال: وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له الله عز وجل يا قابيل أين أخوك هابيل قال ما أدري ما كنت عليه رقيبا فقال الله إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن أنت ملعون في الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض وقوله }