Prev

6. Surah Al-An'm سورة الأنعام

Next



تفسير ابن كثير - الأنعام - Al-An`am -
 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
الأية
1
 
اسورة الأنعام قال العوفي وعكرمة وعطاء عن ابن عباس أنزلت سورة الأنعام بمكة. وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبدالعزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: نزلت الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح وقال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وسلم جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة. وقال شريك عن ليث عن شهر عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد طبقوا ما بين السماء والأرض. وقال السدي عن مرة عن عبدالله قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة وروي نحوه من وجه آخر عن ابن مسعود. وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبدالله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا: حدثنا محمد بن عبدالوهاب العبدي أخبرنا جعفر بن عون حدثنا إسماعيل بن عبدالرحمن السدي حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال { لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق } ثم قال صحيح على شرط مسلم. وقال أبو بكر بن مردوية: حدثنا محمد بن عمر حدثنا إبراهيم بن دستوريه الفارسي حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة الرقاشي عن نافع بن مالك بن أبي سهيل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج } ورسول الله يقول { سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم } ثم روى ابن مردوية عن الطبراني عن إبراهيم بن نائلة عن إسماعيل بن عمر عن يوسف بن عطية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد }. يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده. وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور لكونه أشرف كقوله تعالى { عن اليمين والشمائل } وكما قال في آخر هذه السورة { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ثم قال تعالى { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده وجعلوا له شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
الأية
2
 
وقوله تعالى { هو الذي خلقكم من طين{ يعني أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب وقوله { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } قال سعيد بن جبير عن ابن عباس { ثم قضى أجلا } يعني الموت { وأجل مسمى عنده } يعني الآخرة وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم وقول الحسن في رواية عنه { ثم قضى أجلا } وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت { وأجل مسمى عنده } وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث هو يرجع إلى ما تقدم وهو تقدير الأجل الخاص وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة وعن ابن عباس ومجاهد { ثم قضى أجلا } يعني مدة الدنيا { وأجل مسمى عنده } يعني عمر الإنسان إلى حين موته وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } الآية وقال عطية عن ابن عباس { ثم قضى أجلا } يعني النوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة { وأجل مسمى عنده } يعني أجل موت الإنسان وهذا قول غريب ومعني قوله { عنده } أي لا يعلمه إلا هو كقوله { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } وكقوله { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها } وقوله تعالى { ثم أنتم تمترون } قال السدي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
الأية
3
 
وقوله تعالى { وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين تعالى عن قولهم علوا كبيرا بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفى الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض وعلى هذا فيكون قوله { يعلم سركم وجهركم } خبرا أو حالا. { والقول الثاني } أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر فيكون قوله يعلم متعلقا بقوله { في السموات وفي الأرض } تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون والقول الثالث أن قوله { وهو الله في السموات } وقف تام ثم استأنف الخبر فقال { وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } وهذا اختيار ابن جرير وقوله { ويعلم ما تكسبون } أي جميع أعمالكم خيرها وشرها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
الأية
4
 
يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين أنهم كلما أتتهم آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله الكرام فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
الأية
5
 
وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب وليجدن غبه وليذوقن وباله. ثم قال تعالى واعظا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا وأكثر أموالا وأولادا واستعلاء في الأرض وعمارة لها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ
الأية
6
 
فقال { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود ولهذا قال { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } أي شيئا بعد شيء { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } أي كثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجا وإملاء لهم { فأهلكناهم بذنوبهم } أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } أي فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } أي جيلا آخر لنختبرهم فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم فما أنتم بأعز على الله منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
الأية
7
 
يقول تعالى مخبرا عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } أي عاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك لقال { الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } وكقوله تعالى { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم } .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ
الأية
8
 
{ وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أي ليكون معه نذيرا قال الله تعالى { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب.كما قال الله تعالى { ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } وقوله { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ
الأية
9
 
أي لو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا أي لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون علي أنفسهم في قبول رسالة البشري كقوله تعالى { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منه ليدعو بعضهم بعضا وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال كما قال تعالى { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم } الآية قال الضحاك عن ابن عباس في الآية: يقول لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
الأية
10
 
هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه ووعد له للمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
الأية
11
 
أي فكروا في أنفسكم وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الأية
12
 
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهما وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة كما ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي وقوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } هذه اللام هي الموطئة للقسم فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده { إلى ميقات يوم معلوم } وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه أي لا شك فيه عند عباده المؤمنين فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون وقال ابن مردوية عن تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة حدثنا عباس بن محمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا محصن بن عتبة اليماني عن الزبير بن شبيب عن عثمان بن حاضر عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين هل فيه ماء قال { والذي نفسي بيده إن فيه لماء إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء } هذا حديث غريب. وفي الترمذي { إن لكل نبي حوضا وأرجو أن أكون أكثرهم واردا } وقوله { الذين خسروا أنفسهم{ أي يوم القيامة { فهم لا يؤمنون } أي لا يصدقون بالمعاد ولا يخافون شر ذلك اليوم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
الأية
13
 
ثم قال تعالى { وله ما سكن في الليل والنهار } أي كل دابة في السموات والأرض الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه وتدبيره لا إله إلا هو { وهو السميع العليم } أي السميع لأقوال عباده العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأية
14
 
{ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض } كقوله { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له فإنه فاطر السموات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق { وهو يطعم ولا يطعم } أي وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم كما قال تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الآية وأقر بعضهم ههنا { وهو يطعم ولا يطعم } أي لا يأكل وفي حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم على طعام فانطلقنا معه فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال { الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومن علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا من الشراب وكسانا من العري وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافئ ولا مكفور ولا مستغنى عنه الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام وسقانا من الشراب وكسانا من العري وهدانا من الضلال وبصرنا من العمى وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين } { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي من هذه الأمة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
الأية
15
 
يعني يوم القيامة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
الأية
16
 
{ من يصرف عنه } أي العذاب { يومئذ فقد رحمه } يعني فقد رحمه الله { وذلك هو الفوز المبين } كقوله { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } والفوز حصول الربح ونفي الخسارة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
17
 
يقول تعالى مخبرا أنه مالك الضر والنفع وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } كقوله تعالى { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول { لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
الأية
18
 
ولهذا قال تعالى { وهو القاهر فوق عباده } أي هو الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة وعنت له الوجوه وقهر كل شيء ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه { وهو الحكيم{ أي في جميع أفعاله { الخبير } بمواضع الأشياء ومحالها فلا يعطي إلا من يستحق ولا يمنع إلا من يستحق.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
الأية
19
 
ثم قال { قل أي شيء أكبر شهادة } أي من أعظم الأشياء شهادة { قل الله شهيد بيني وبينكم } أي هو العالم بما جئتكم به وما أنتم قائلون لي { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } أي هو نذير لكل من بلغه كقوله تعالى { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب في قوله { ومن بلغ } من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم زاد أبو خالد وكلمه. ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وقال عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى { لأنذركم به ومن بلغ } أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله } وقال الربيع بن أنس حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينذر بالذي أنذر وقوله { أئنكم لتشهدون } أيها المشركون أي { أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد } كقوله { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } { قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الأية
20
 
ثم قال تعالى مخبرا عن أهل الكتاب أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفتة وبلده ومهاجره وصفة أمته ولهذا قال بعده { الذين خسروا أنفسهم } أي خسروا كل الخسارة { فهم لا يؤمنون } بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ونوهت به في قديم الزمان وحديثه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
الأية
21
 
ثم قال { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته } أي لا أظلم ممن تقول على الله فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا يفلح هذا ولا هذا لا المفتري ولا المكذب.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
الأية
22
 
يقول تعالى مخبرا عن المشركين { يوم نحشرهم جميعا } يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها قائلا لم { أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون } كقوله تعالى في سورة القصص { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
الأية
23
 
وقوله تعالى { ثم لم تكن فتنتهم } أي حجتهم إلا أن قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين } قال الضحاك عن ابن عباس { ثم لم تكن فتنتهم } أي حجتهم. وقال عطاء الخراساني عنه أي معذرتهم. وكذا قال قتادة وقال ابن جريج عن ابن عباس أي قيلهم وكذا قال الضحاك وقال عطاء الخراساني { ثم لم تكن فتنتهم } بليتهم حين ابتلوا { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا عما سلف منهم الشرك بالله { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال يا ابن عباس سمعت الله يقول { والله ربنا ما كنا مشركين } قال: أما قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة فقالوا تعالوا فلنجحد فيجحدون فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا ونزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه. وقال الضحاك عن ابن عباس: هذه في المنافقين وفيه نظر فإن هذه الآية مكية والمنافقون إنما كانوا بالمدينة والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له{ الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
الأية
24
 
وكذا قال في حق هؤلاء { انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } كقوله { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
الأية
25
 
وقوله { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } أي يجيئون ليستمعوا قراءتك ولا تجزي عنهم شيئا لأن الله { جعل على قلوبهم أكنة } أي أغطية لئلا يفقهوا القرآن { وفي آذانهم وقرا } أي صما عن السماع النافع لهم كما قال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء الآية. وقوله { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } أي مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين لا يؤمنوا بها فلا فهم عندهم ولا إنصاف كقوله تعالى { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } الآية وقوله تعالى { حتى إذا جاءوك يجادلونك } أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل { يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين } أي ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
الأية
26
 
وقوله { وهم ينهون عنه وينأون عنه } في معنى ينهون عنه قولان { أحدهما } أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن { وينأون عنه } أي ويبعدونهم عنه فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { وهم ينهون عنه } يردون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به. وقال محمد بن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وينهون عنه وكذا قال قتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد وهذا القول أظهر والله أعلم وهو اختيار ابن جرير. { والقول الثاني } رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس يقول في قوله { وهم ينهون عنه } قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى. وكذا قال القاسم بن مخيمرة وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار وغيره أنها نزلت في أبي طالب. وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر رواه ابن أبي حاتم وقال محمد بن كعب القرظي { وهم ينهون } عنه أي ينهون الناس عن قتله وقوله { وينأون عنه } أي يتباعدون منه { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } أي وما يهلكون بهذا الصنيع ولا يعود وباله إلا عليهم وهم لا يشعرون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الأية
27
 
يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال فعند ذلك قالوا { يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ليعملوا عملا صالحا ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
الأية
28
 
قال الله تعالى { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } أي بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة كما قال قبله بيسير { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه كقوله مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر } الآية وقوله تعالى مخبرا عن فرعون وقومه { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت فقال { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } وعلى هذا فيكون إخبارا عن قول المنافقين في الدار الآخرة حين يعاينون العذاب فظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق والله أعلم وأما معنى الإضراب في قوله { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء ما كانوا عليه من الكفر فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار ولهذا قال { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } أي في طلبهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان ثم قال مخبرا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة { وإنهم لكاذبون } إي في قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
الأية
29
 
ثم قال مخبرا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة { وإنهم لكاذبون } إي في قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين أي لعادوا لما نهوا عنه ولقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا أي ما هي إلا هذه الحياة الدنيا لا معاد بعدها ولهذا قال { وما نحن بمبعوثين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
الأية
30
 
ثم قال { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } أي أوقفوا بين يديه قال { أليس هذا بالحق } أي أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون { قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي بما كنتم تكذبون به فذوقوا اليوم مسه { أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
الأية
31
 
يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقائه وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة وعن ندامته على ما فرط من العمل وما أسلف من قبح الفعل ولهذا قال { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة وعلى الأعمال وعلى الدار الآخرة أي في أمرها وقوله { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون } أي يحملون وقال قتادة يعملون وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي مرزوق قال: يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره كأقبح صورة رأيتها وأنتنه ريحا فيقول من أنت فيقول أو ما تعرفني فيقول لا والله إلا إن الله قبح وجهك وأنتن ريحك فيقول أنا عملك الخبيث هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا هلم أركبك فهو قوله { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } الآية وقال أسباط عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح وعليه ثياب دنسة حتى يدخل معه قبره فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك قال كذلك كان عملك قبيحا قال ما أنتن ريحك قال كذلك كان عملك منتنا قال ما أدنس ثيابك قال فيقول إن عملك كان دنسا قال له من أنت ؟ قال عملك قال فيكون معه في قبره فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات وأنت اليوم تحملني قال فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار; فذلك قوله { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
32
 
وقوله { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } أي إنما غالبها كذلك { وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
الأية
33
 
يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أي قد أحطنا علما بتكذيبهم ولك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } كما قال تعالى في الآية الأخرى { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } وقوله { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم كما قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } رواه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة حدثنا بشر بن المبشر الواسطي عن سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه قال له رجل ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ فقال والله إني لأعلم إنه لنبي ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ وتلا أبو يزيد { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } وقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله و يجحدون; وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل هو وأبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق ولا يشعر أحد منهم بالآخر فاستمعوها إلى الصباح فلما هجم الصبح تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال كل منهم للآخر ما جاء بك ؟ فذكر له ما جاء به ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم لئلا يفتتنوا بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان لما سبق من العهود فلما أصبحوا جمعتهم الطريق فتلاوموا ثم تعاهدوا أن لا يعودوا فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد قال يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال ماذا سمعت؟ قال تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه قال فقام عنه الأخنس وتركه. وروى ابن جرير من طريق أسباط عن السدي في قوله { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته قفوا حتى ألقى أبا الحكم فإن غلب محمد رجعتم سالمين وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمى الأخنس وكان اسمه أبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل فخلا به فقال يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا؟ فقال أبو جهل ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
الأية
34
 
وقوله { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ووعد له بالنصر كما نصروا وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة بعدما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة ولهذا قال { ولا مبدل لكلمات الله } أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين كما قال { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } وقال تعالى { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } وقوله { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } أي من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
الأية
35
 
ثم قال تعالى { وإن كان كبر عليك إعراضهم } أي إن كان شق عليك إعراضهم عنك { فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: النفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية أو تجعل لك سلما في السماء فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيتهم به فافعل وكذا قال قتادة والسدي وغيرهما; وقوله { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } كقوله تعالى { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } الآية قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
الأية
36
 
وقوله تعالى { إنما يستجيب الذين يسمعون } أي إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه كقوله { لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين } وقوله { والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد فقال { والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الأية
37
 
يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم كانوا يقولون لولا نزل عليه آية من ربه أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون كقولهم { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } الآيات { قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي هو تعالى قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة كما قال تعالى { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } وقال تعالى { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
الأية
38
 
وقوله { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } قال مجاهد: أى أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة الطير أمة والإنس أمة والجن أمة وقال السدي { إلا أمم أمثالكم } أي خلق أمثالكم. وقوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } أي الجميع علمهم عند الله ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره سواء كان بريا أو بحريا كقوله { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } أي مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها وحاصر لحركاتها وسكناتها وقال تعالى { وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: قل الجراد في سنة من سني عمر رضي الله عنه التي ولي فيها فسأل عنه فلم يخبر بشيء فاغتم لذلك فأرسل راكبا إلى كذا وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ قال فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه فلما رآها كبر ثلاثا ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { خلق الله عز وجل ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه }. وقوله { ثم إلى ربهم يحشرون } قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في قوله { ثم إلى ربهم يحشرون } قال حشرها الموت وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن عكرمة عن ابن عباس قال: موت البهائم حشرها وكذا رواه العوفي عنه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله. { والقول الثاني } أن حشرها بعثها يوم القيامة لقوله { وإذا الوحوش حشرت } وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سليمان عن منذر الثوري عن أشياخ لهم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان فقال { يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان ؟ } قال لا قال لكن الله يدري وسيقضي بينهما ورواه عبدالرزاق عن معمر عن الأعمش عمن ذكره عن أبي ذر قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنزان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون فيم انتطحتا؟ قالوا لا ندري قال { لكن الله يدري وسيقضي بينهما } رواه ابن جرير ثم رواه من طريق منذر الثوري عن أبي ذر فذكره وزاد قال أ بو ذر ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما وقال عبدالله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه حدثني عباس بن محمد وأبو يحيى البزار قالا: حدثنا حجاج بن نصير حدثنا شعبة عن العوام بن مزاحم من بني قيس بن ثعلبة عن أبي عثمان النهدي عن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة } وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة في قوله { إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فلذلك يقول الكافر { يا ليتني كنت ترابا } وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
39
 
وقوله { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات } أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع أبكم وهو الذي لا يتكلم وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه كقوله { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون } وكما قال تعالى { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } ولهذا قال { من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } أي هو المتصرف في خلقه بما يشاء.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الأية
40
 
يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد المتصرف في خلقه بما يشاء وأنه لا معقب لحكمه ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء ولهذا قال { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } أي أتاكم هذا أو هذا { أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه ولهذا قال { إن كنتم صادقين } أي في اتخاذكم آلهة معه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
الأية
41
 
{ بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون } أي في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
الأية
42
 
وقوله { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء } يعني الفقر والضيق في العيش { والضراء } وهي الأمراض والأسقام والآلام { لعلهم يتضرعون } أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الأية
43
 
قال الله تعالى { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا { ولكن قست قلوبهم } أي ما رقت ولا خشعت { وزين لهم الشيطان ما كانو يعملون } أي من الشرك والمعاندة والمعاصي { فلما نسوا ما ذكروا به } أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم عياذا بالله من مكروه ولهذا قال { حتى إذا فرحوا بما أوتوا } من الأموال والأولاد والأرزاق { أخذناهم بغتة } أي على غفلة { فإذا هم مبلسون } أي آيسون من كل خير قال الوالبي عن ابن عباس المبلس الآيس. وقال الحسن البصري من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ
الأية
44
 
ثم قرأ { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } قال مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا رواه ابن أبي حاتم وقال قتادة: بغت القوم أمر الله وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون رواه ابن أبي حاتم أيضا. وقال مالك عن الزهري { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } قال أرجاء الدنيا وسترها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هشام بن عمار حدثنا عراك بن خالد بن يزيد حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول { إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا أراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة } { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون }.كما قال { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } ورواه أحمد وغيره.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الأية
45
 
لا يوجد تفسير لهذه الأية .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
الأية
46
 
يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المكذبين المعاندين { أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } أي سلبكم إياها كما أعطاكموها كما قال تعالى { هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار } الآية ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي ولهذا قال { وختم على قلوبكم } كما قال { أمن يملك السمع والأبصار } وقال { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } وقوله { من إله غير الله يأتيكم به } أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم لا يقدر على ذلك أحد سواه ولهذا قال { انظر كيف نصرف الآيات } أي نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ثم هم يصدفون أي ثم هم مع هذا البيان يصدفون أي يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه. قال العوفي عن ابن عباس: يصدفون أي يعدلون. وقال مجاهد وقتادة: يعرضون. وقال السدي: يصدون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ
الأية
47
 
وقوله تعالى { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } أي وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم { أو جهرة } أي ظاهرا عيانا { هل يهلك إلا القوم الظالمون } أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون كقوله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الأية
48
 
وقوله { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } أي مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات ولهذا قال { فمن آمن وأصلح } أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به وصلح عمله باتباعه إياهم { فلا خوف عليهم } أي بالنسبة لما يستقبلونه { ولا هم يحزنون } أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها الله وليهم فيما خلفوه وحافظهم فيما تركوه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
الأية
49
 
ثم قال { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } أي ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل وخرجوا عن أوامر الله وطاعته وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ
الأية
50
 
يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } أي لست أملكها ولا أتصرف فيها { ولا أعلم الغيب } أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله عز وجل ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ولا أقول لكم إني ملك أي ولا أدعي أني ملك إنما أنا بشر من البشر يوحى إلي من الله عز وجل شرفني بذلك وأنعم علي به ولهذا قال { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه { قل هل يستوي الأعمى والبصير } أي هل يستوي من اتبع الحق وهدى إليه ومن ضل عنه فلم ينقد له { أفلا تتفكرون } وهذه كقوله تعالى { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
الأية
51
 
وقوله { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد { الذين هم من خشية ربهم مشفقون الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب } { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } أي يوم القيامة { ليس لهم } أي يومئذ { من دونه ولي ولا شفيع } أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لعلهم يتقون } أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله عز وجل { لعلهم يتقون } فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
الأية
52
 
وقوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه{ أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كقوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وقوله { يدعون ربهم } أي يعبدونه ويسألونه { بالغداة والعشي } قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة المراد به الصلاة المكتوبة وهذا كقوله { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } أي أتقبل منكم وقوله { يريدون وجهه } أي يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات وقوله { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } كقول نوح عليه السلام في جواب الذين { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } أي إنما حسابهم على الله عز وجل وليس علي من حسابهم من شيء كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله { فتطردهم فتكون من الظالمين } أي إن فعلت هذا والحالة هذه قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط هو ابن محمد حدثني أشعث عن كردوس عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل فيهم القرآن { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } إلى قوله { أليس الله بأعلم بالشاكرين } ورواه ابن جرير من طريق أشعث عن كردوس عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بينا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - وكذلك فتنا بعضهم ببعض } إلى آخر الآية وقال ابن أبي حاتم: حدثنا ابن سعيد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا عمرو بن محمد العنقزي حدثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود عن خباب في قول الله عز وجل { لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم في نفر في أصحابه فأتوه فخلوا به وقالوا إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال { نعم } قالوا فاكتب لنا عليك كتابا قال فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل فقال { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه ورواه ابن جرير من حديث أسباط به وهذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر وقال سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: قال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن مسعود قال كنا نستبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا فنزلت { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان وقال على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
الأية
53
 
وقوله { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } أي ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل كما قال قوم نوح لنوح { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } الآية وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فقال هم أتباع الرسل. والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم وكانوا يقولون أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أي ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرا ويدعنا كقولهم { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } وكقوله تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } قال الله تعالى في جواب ذلك { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } وقال في جوابهم حين قالوا { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم كما قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين { وفي الحديث الصحيح إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة في قوله { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } الآية قال: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له قال فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون من قولهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } إلى قوله { أليس الله بأعلم بالشاكرين } قال: وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القارئ وواقد بن عبدالله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبدالمطلب وأشباههم من الحلفاء فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } الآية فلما نزلت أقبل عمر رضي الله عنه فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر من مقالته;.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
54
 
فأنزل الله عز وجل { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } الآية وقوله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم } أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم ولهذا قال { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلا منه وإحسانا وامتنانا { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } قال بعض السلف كل من عصى الله فهو جاهل وقال معتمر بن سليمان عن الحكم عن أبان عن عكرمة في قوله { من عمل منكم سوءا بجهالة } قال الدنيا كلها جهالة رواه ابن أبي حاتم { ثم تاب من بعده وأصلح } أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل { فأنه غفور رحيم } قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لما قضى الله على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي } أخرجاه في الصحيحين وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ورواه موسى عن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة وكذا رواه الليث وغيره عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقد روى ابن مردوية من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتابا من تحت العرش إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم عتقاء الله } وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن عاصم بن سليمان عن أبي عثمان النهدي عن سليمان في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة قال: إنا نجد في التوراة عطفتين إن الله خلق السموات والأرض وخلق مائة رحمة أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة قال فيها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها يتباذلون وبها يتزاورون وبها تحن الناقة وبها تبح البقرة وبها تثغو الشاة وبها تتتابع الطير وبها تتتابع الحيتان في البحر فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ورحمته أفضل وأوسع وقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله { ورحمتي وسعت كل شيء } ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل { أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا } ثم قال { أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم } وقد رواه الإمام أحمد من طريق كميل بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
الأية
55
 
يقول تعالى وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد { كذلك نفصل الآيات } أي التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها { ولتستبين سبيل المجرمين } أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل وقرئ { ولتستبين سبيل المجرمين } أي ولتستبين يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
الأية
56
 
لا يوجد تفسير لهذه الأية .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ
الأية
57
 
وقوله { قل إني على بينة من ربي } أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي { وكذبتم به } أي بالحق الذي جاءني من الله { ما عندي ما تستعجلون به } أي من العذاب { إن الحكم إلا لله } أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك وإن شاء أنظركم وأجلكم لما له في ذلك من الحكمة العظيمة ولهذا قال { يقص الحق وهو خير الفاصلين } أي وهو خير من فصل القضايا وخير الفاتحين في الحكم بين عباده.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
الأية
58
 
وقوله { قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم } أي لو كان مرجع ذلك إلي لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك { والله أعلم بالظالمين } فإن قيل فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا وهذا لفظ مسلم فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم وسأل لهم التأخير لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية { قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين } فالجواب والله أعلم أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
الأية
59
 
وقوله تعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } قال البخاري: حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال له { خمس لا يعلمهن إلا الله } ثم قرأ { إن الله عنده علم الساعة } الآية. وقوله { ويعلم ما في البر والبحر } أي يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وما أحسن ما قال الصرصري: فلا بخفي عليه الذر إما تراءى للنواظر أو توارى وقوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات فما ظنك بالحيوانات ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم كما قال تعالى { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور }.وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق حدثنا حسان النمري عن ابن عباس في قوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } قال ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها رواه ابن أبي حاتم وقوله { ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن المسور الزهري حدثنا مالك بن سعير حدثنا الأعمش عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا وعليها ملك موكل يأتي الله بعلمها رطوبتها إذا رطبت ويبوستها إذا يبست وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد بن عبدالله الحساني عن مالك بن سعير به. ثم قال ابن أبي حاتم ذكر عن أبي حذيفة حدثنا سفيان عن عمرو بن قيس عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله النون وهي الدواة وخلق الألواح فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق أو رزق حلال أو حرام أو عمل بر أو فجور وقرأ هذه الآية { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } إلى آخر الآية قال محمد بن إسحاق عن يحيى بن النضر عن أبيه سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص يقول إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا يعني لكم لم تروا معهم نورا على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله عز وجل على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله عز وجل إليه في كل يوم ملكا من عنده أن احتفظ بما عندك.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الأية
60
 
يقول تعالى إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي } وقال تعالى { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم في حال سكونهم وحال حركتهم كما قال { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } وكما قال تعالى { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه } أي في الليل { ولتبتغوا من فضله } أي في النهار كما قال { وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } ولهذا قال تعالى ههنا { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ما كسبتم من الأعمال فيه { ثم يبعثكم فيه } أي في النهار قاله مجاهد وقتادة والسدي وقال ابن جريج عن عبدالله بن كثير أي في المنام والأول أظهر وقد روى ابن مردوية بسنده عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه } فذلك قوله { وهو الذي يتوفاكم بالليل }. وقوله { ليقضى أجل مسمى } يعني به أجل كل واحد من الناس { ثم إليه مرجعكم } أي يوم القيامة { ثم ينبئكم } أي فيخبركم { بما كنتم تعملون } أي ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ
الأية
61
 
وقوله { وهو القاهر فوق عباده } أي وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء { ويرسل عليكم حفظة } أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان كقوله { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله { وإن عليكم لحافظين } الآية وكقوله { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وقوله { إذ يتلقى المتلقيان } الآية وقوله { حتى إذا جاء أحدكم الموت } أي احتضر وحان أجله { توفته رسلنا } أي ملائكة موكلون بذلك قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم وسيأتي عند قوله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة وقوله { وهم لا يفرطون } أي في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل إن كان من الأبرار ففي عليين وإن كان من الفجار ففي سجين عياذا بالله من ذلك.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ
الأية
62
 
وقوله { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } قال ابن جرير { ثم ردوا } يعني الملائكة { إلى الله مولاهم الحق } ونذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الثاني } وهذا حديث غريب ويحتمل أن يكون المراد بقوله { ثم ردوا } يعني الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } وقال { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } إلى قوله { ولا يظلم ربك أحدا } ولهذا قال { مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
الأية
63
 
يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامة البرية وفي اللجج البحرية إذا هاجت الرياح العاصفة فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له كقوله { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } الآية. وقوله { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } الآية. وقوله { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون } وقال في هذه الآية الكريمة { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية } أي جهرا وسرا { لئن أنجانا } أي من هذه الضائقة { لنكونن من الشاكرين } أي بعدها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
الأية
64
 
قال الله { قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم } أي بعد ذلك { تشركون } أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
الأية
65
 
وقوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } لما قال ثم أنتم تشركون عقبه بقوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا } أي بعد إنجائه إياكم كقوله في سورة سبحان { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } قال ابن أبي حاتم ذكر عن مسلم بن إبراهيم حدثنا هارون الأعور عن جعفر بن سليمان عن الحسن في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } قال هذه للمشركين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعفى عنهم ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة. قال البخاري رحمه الله تعالى في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون } يلبسكم يخلطكم من الالتباس يلبسوا يخلطوا شيعا فرقا حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله قال لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر علي أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أعوذ بوجهك } { أو من تحت أرجلكم } قال { أعوذ بوجهك } { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه أهون - أو - أيسر.وهكذا رواه أيضا في كتاب التوحيد عن قتيبة عن حماد به ورواه النسائي أيضا في التفسير عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عدي أربعتهم عن حماد بن زيد به وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابرا عن النبي صلى الله عليه وسلم به. ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى الموصلي عن أبي خيثمة عن سفيان بن عيينة به ورواه ابن جرير في تفسيره عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بن عيينة به ورواه أبو بكر بن مردوية من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبدالحميد وعاصم بن علي عن سفيان بن عيينة به ورواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة كلاهما عن عمرو بن دينار به. { طريق آخر } قال الحافظ أبو بكر بن مردوية في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا مقدام بن داود حدثنا عبدالله بن يوسف حدثنا عبدالله بن لهيعة عن خالد بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أعوذ بالله من ذلك أو من تحت أرجلكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أعوذ بالله من ذلك } { أو يلبسكم شيعا } قال { هذا أيسر } وإن استعاذه لأعاذه. ويتعلق بهذه الآية أحاديث كثيرة. { أحدها } قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي مريم عن راشد هو ابن سعد المقرائي عن سعد بن أبي وقاص قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } فقال { أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد }.وأخرجه الترمذي عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن أبي مريم به ثم قال هذا حديث غريب. { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا يعلى هو ابن عبيد حدثنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين فصلينا معه فناجى ربه عز وجل طويلا ثم قال { سألت ربي ثلاثا سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها } انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عبدالله بن نمير كلاهما عن عبدالله بن نمير وعن محمد بن يحيى بن أبي عمرو عن مروان بن معاوية كلاهما عن عثمان بن حكيم به. { حديث آخر } قال الإمام أحمد قرأت على عبدالرحمن بن مهدي عن مالك عن عبدالله بن عبدالله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك أنه قال جاءنا عبدالله بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار- فقال لي هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا؟ فقلت نعم فأشرت إلى ناحية منه فقال هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت نعم فقال أخبرني بهن فقلت دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها قال صدقت فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة. ليس هو في شيء من الكتب الستة وإسناده جيد قوي ولله الحمد والمنة. { حديث آخر } قال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم بن عباد عن خصيف عن عبادة بن حنيف عن علي بن عبدالرحمن أخبرني حذيفة بن اليمان قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية قال فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن ثم التفت إلي فقال { حبستك يا حذيفة } قلت الله ورسوله أعلم قال إني سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني.رواه ابن مردوية من حديث محمد بن إسحاق { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا عبيدة بن حميد حدثني سليمان بن الأعمش عن رجاء الأنصاري عن عبدالله بن شداد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لي خرج قبل قال فجعلت لا أمر بأحد إلا قال مر قبل حتى مررت فوجدته قائما يصلي قال فجئت حتى قمت خلفه فأطال الصلاة فلما قضى صلاته قلت يا رسول الله قد صليت صلاة طويلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني صليت صلاة رغبة ورهبة إني سألت الله عز وجل ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي غرقا فأعطاني وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا ليس منهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي.ورواه ابن ماجه في الفتن عن محمد بن عبدالله بن نمير وعلي بن محمد كلاهما عن أبي معاوية عن الأعمش به. ورواه ابن مردوية من حديث أبي عوانة عن عبدالله بن عمير عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله أو نحوه. { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبدالله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج أن الضحاك بن عبدالله القرشي حدثه عن أنس بن مالك أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال إني صليت صلاة رغبة ورهبة وسألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي.ورواه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة عن ابن وهب به. { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب بن أبي حمزة قال: قال الزهري حدثني عبدالله بن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن عبدالله بن خباب عن أبيه خباب بن الأرت مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة صلاها كلها حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته فقلت يا رسول الله لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها.ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبى حمزة به. ومن وجه آخر وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن صالح بن كيسان والترمذي في الفتن من حديث النعمان بن راشد كلاهما عن الزهري به وقال حسن صحيح. { حديث آخر } قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره حدثني زياد بن عبدالله المزني حدثنا مروان بن معاوية الفزاري حدثنا أبو مالك حدثني نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود فقال قد كانت صلاة رغبة ورهبة سألت الله عز وجل فيها ثلاثا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان قبلكم فأعطانيها وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم فأعطانيها وسألت الله أن لا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها قال أبو مالك فقلت له أبوك سمع هذا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال نعم سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم { حديث آخر } قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق قال: قال معمر أخبرني أيوب عن أبي قلابة عن الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء الرحبي عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر وإني سألت ربي عز وجل أن لا يهلك أمتي بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فقال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وبعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة ليس في شيء من الكتب الستة وإسناده جيد قوي وقد رواه ابن مردوية من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة ثلاثتهم عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه والله أعلم. { حديث آخر } قال الحافظ أبو بكر بن مردوية حدثنا عبدالله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا حدثنا أحمد بن عبدالجبار حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه قال وكان أبوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أصحاب الشجرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود قال فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه فلما فرغ قال له بعض القوم يا رسول الله لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض إنه ينزل عليك قال لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوا يستبيحها فأعطانيها وسألته أن لا يلبسكم شيعا وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها قال: قلت له أبوك سمعها من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال نعم سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدد أصابعي هذه عشر أصابع. { حديث أخر } قال الإمام أحمد حدثنا يونس هو ابن محمد المؤدب حدثنا ليث هو ابن سعد عن أبي وهب الخولاني عن رجل قد سماه عن أبى بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سألت ربي عز وجل أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها وسألت الله عز وجل أن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. { حديث آخر } قال الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا أبو حذيفة الثعلبي عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة السوائي عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة فقلت يا رب لا تهلك أمتي جوعا فقال هذه لك قلت يا رب لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم يعني أهل الشرك فيجتاحهم قال ذلك لك قلت يا رب لا تجعل بأسهم بينهم فمنعني هذه. { حديث آخر } قال الحافظ أبو بكر بن مردوية حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم عن أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا أبو الدرداء المروزي حدثنا إسحاق بن عبدالله بن كيسان حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال دعوت ربي عز وجل أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع الله عنهم اثنتين وأبى على أن يرفع عنهم اثنتين دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأبى الله أن يرفع اثنتين القتل والهرج.{ طريق أخرى } عن ابن عباس أيضا قال ابن مردوية حدثنا عبدالله بن محمد بن يزيد حدثني الوليد بن أبان حدثنا جعفر بن منير حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد حدثنا عمرو بن قيس عن رجل عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكـم بأس بعض قال فقام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم قال اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعا ولا تذق بعضهم بأس بعض قال فأتاه جبريل فقال يا محمد إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم. { حديث آخر } قال ابن مردوية حدثنا أحمد بن محمد بن عبدالله البزار حدثنا عبدالله بن أحمد بن موسى حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد حدثنا عمرو بن محمد العنقزي حدثنا أسباط عن السدي عن أبي المنهال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان عن عمرو بن محمد العنقزي به نحوه. { طريق آخر } وقال ابن مردوي حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذئاب سمع أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني وسألته أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاني وسألته أن لايلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني.ثم رواه ابن مردوية بإسناده عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحوه ورواه البزار من طريق عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. ورواه البزار من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. { أثر آخر } قال سفيان الثوري عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال أربع في هذه الأمة قد مضت اثنتان وبقيت اثنتان { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال الرجم { أو من تحت أرجلكم } قال الخسف { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال سفيان يعني الرجم والخسف وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال فهي أربع خلال منها اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وذاق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان الرجم والخسف ورواه أحمد عن وكيع عن أبي جعفر ورواه ابن أبي حاتم وقال ابن أبي حاتم حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله { قل هو القادر على أن يبعث } الآية. قال حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد وغير واحد في قوله { عذابا من فوقكم } يعني الرجم { أو من تحت أرجلكم } يعني الخسف. وهذا هو اختيار ابن جرير ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } قال كان عبدالله بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر يقول ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم أن الله يقول { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحدا { أو من تحت أرجلكم } لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. { قول ثان } قال ابن جرير وابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبدالأعلى أخبرنا ابن وهب سمعت خلاد بن سليمان يقول سمعت عامر بن عبدالرحمن يقول إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } فأئمة السوء { أو من تحت أرجلكم } فخدم السوء وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { عذاب من فوقكم } يعني أمراءكم { أو من تحت أرجلكم } يعني عبيدكم وسفلتكم وحكى ابن أبي حاتم عن أبي سنان وعمرو بن هانئ نحو ذلك. قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى وهو كما قال ابن جرير رحمه الله ويشهد له بالصحة قوله تعالى { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير } وفي الحديث { ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ } وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وقوله { أو يلبسكم شيعا } يعني يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين. قال الوالبي عن ابن عباس يعني الأهواء وكذا قال مجاهد وغير واحد وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة }.وقوله تعالى { ويذيق بعضكم بأس بعض } قال ابن عباس وغير واحد يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل. وقوله تعالى { انظر كيف نصرف الآيات } أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها { لعلهم يفقهون } أي يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه. قال زيد بن أسلم لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف } قالوا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال { نعم } فقال بعضهم لا يكون هذا أبدا أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون فنزلت { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون } رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
الأية
66
 
يقول تعالى { وكذب به } أي بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان { قومك } يعني قريشا { وهو الحق } أي الذي ليس وراءه حق { قل لست عليكم بوكيل } أي لست عليكم بحفيظ ولست بموكل بكم كقوله { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } أي إنما علي البلاغ وعليكم السمع والطاعة فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
الأية
67
 
ولهذا قال { لكل نبأ مستقر } قال ابن عباس وغير واحد أي لكل نبأ حقيقة أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين كما قال { ولتعلمن نبأه بعد حين } وقال { لكل أجل كتاب } وهذا تهديد ووعيد أكيد ولهذا قال بعده { وسوف تعلمون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الأية
68
 
وقوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } أي بالتكذيب والاستهزاء { فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب { وإما ينسينك الشيطان } والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها فإن جلس أحد معهم ناسيا { فلا تقعد بعد الذكرى } بعد التذكر { مع القوم الظالمين } ولهذا ورد في الحديث { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه }.وقال السدي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله { وإما ينسينك الشيطان } قال إن نسيت فذكرت { فلا تقعد } معهم وكذا قال مقاتل بن حيان وهذه الآية هي المشار إليها في قوله { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } الآية. أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
الأية
69
 
وقوله { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } أي إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برئوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبدالله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن سعيد بن جبير. قوله { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } قال ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك أي إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم وقال آخرون بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله { إنكم إذا مثلهم } قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون قوله { ولكن ذكرى لهم لعلهم يتقون } أي ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
الأية
70
 
يقول تعالي { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا } أي دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم ولهذا قال وذكر به أي ذكر الناس بهذا القرآن وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة وقوله تعالى { أن تبسل نفس بما كسبت } أي لئلا تبسل قال الضحاك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي تبسل تسلم وقال الوالبى عن ابن عباس تفتضح. وقال قتادة تحبس وقال مرة وابن زيد تؤاخذ. وقال الكلبي تجزى وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى وحاصلها الإسلام للهلكة والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب كقوله { كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين } وقوله { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } أي لا قريب ولا أحد يشفع فيها كقوله { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } وقوله { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كقوله { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } الآية. وكذا قال ههنا { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
الأية
71
 
قال السدي قال المشركون للمسلمين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد فأنزل الله عز وجل { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا } أي في الكفر { بعد إذ هدانا الله } فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض يقول مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وعلي آله وسلم ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإسلام. رواه ابن جرير وقال قتادة { استهوته الشياطين في الأرض } أضلته في الأرض يعني استهوته سيرته كقوله { تهوي إليهم } وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } الآية. هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله عز وجل كمثل رجل ضل عن طريق تائها إذ ناداه مناد يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق فان اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان يقول مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة وقوله { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } هم الغيلان { يدعونه } باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها وهو يرى أنه في شيء فيصبح وقد رمته في هلكة وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل رواه ابن جرير وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد { كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران{ قال رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق وذلك مثل من يضل بعد أن هدي وقال العوفي عن ابن عباس قوله { كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب } هو الذي لا يستجيب لهدى الله وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحاد عن الحق وضل عنه وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس { إن الهدى هدى الله } والضلال ما يدعو إليه الجن. رواه ابن جرير ثم قال وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى قال: وهذا خلاف ظاهر الآية فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى فغير جائز أن يكون ضلالا وقد أخبر الله أنه هدى وهو كما قال ابن جرير فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران وهو منصوب على الحال أي في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة وله أصحاب على المحجة سائرون فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى وتقدير الكلام فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق ولهذا قال { قل إن هدى الله هو الهدى } كما قال { ومن يهد الله فما له من مضل } وقال { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين } وقوله { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
الأية
72
 
{ وأن أقيموا الصلاة واتقوه } أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال { وهو الذي إليه تحشرون } أي يوم القيامة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
الأية
73
 
{ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق } أي بالعدل فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما وقوله { ويوم يقول كن فيكون } يعني يوم القيامة الذي يقول الله كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب ويوم منصوب إما على العطف على قوله واتقوه وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكونو إما على قوله { خلق السموات والأرض } أي وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهذا مناسبو إما على إضمار فعل تقديره واذكر يوم يقول كن فيكون وقوله { قوله الحق وله الملك } جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين وقوله { ويوم ينفخ في الصور } يحتمل أن يكون بدلا من قوله { ويوم يقول كن فبكون يوم ينفخ في الصور } ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله { وله الملك يوم ينفخ في الصور } كقوله { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } وكقوله { الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا } وما أشبه ذلك واختلف المفسرون في قوله { يوم ينفخ في الصور } فقال بعضهم المراد بالصور هنا جمع صورة أي يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير كما يقال سور لسور البلد وهو جمع سورة والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام قال ابن جرير والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ.رواه مسلم في صحيحه وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان التيمي عن أسلم العجلي عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي يا رسول الله ما الصور؟ قال قرن ينفخ فيه. وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أيي القاسم الطبراني في كتابه المطولات قال حدثنا أحمد بن الحسن المقري الإيلي حدثنا أبو عاصم النبيل حدثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو في طائفة من أصحابه فقال إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخصا بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الصور؟ قال القرن قلت كيف هو؟ قال عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض ينفخ فيه ثلات نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهى كقول الله { وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق } فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا ثم ترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح وهو الذي يقول { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة } فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأت الأقطار فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم ينادي بعضهم بعضا وهو الذي يقول الله تعالى { يوم التناد } فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت السماء فانتشرت نجومها وانخسف شمسها وقمرها قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك قال أبو هريرة يا رسول الله من استثنى الله عز وجل حين يقول { ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله } ؟ قال أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه - قال - وهو الذي يقول الله عز وجل { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } فيقومون في ذلك العذاب ما شاء الله إلا أنه يطول ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا وجاء ملك الموت إلى الجبار عز وجل فيقول يا رب قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة العرش وبقي جبريل وميكائيل وبقيت أنا فيقول الله عز وجل: ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل وميكائيل فيقول اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقى: فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة العرش فتموت ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض طي السجل للكتب ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات يقول أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاثا ثم هتف بصوته { لمن الملك اليوم } ثلات مرات فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه { لله الواحد القهار } يقول الله { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } فيبسطهما ويسطحهما ثم يمدهما مد الأديم العكاظي { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى من كان في بطنها كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت قال الله عز وجل ليحي حملة عرشي فيحيون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول ليحي جبريل وميكائيل فيحييان ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا وأرواح الكافرين ظلمة فيقبضها جميعا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنهم وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون { مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر } حفاة عراة غلفا غرلا فتقفون موقفا واحدا مقداره سبعون عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم فتبكون حتى تنقطع الدموع ثم تدمعون دما وتعرقون حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الأذقان وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا فتقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول ما أنا بصاحب ذلك فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاءوا نبيا أبى عليهم - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدا - قال أبو هريرة يا رسول الله وما الفحص؟ قال- قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول يا محمد فأقول نعم يا رب فيقول الله عز وجل ما شأنك وهو أعلم - فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم قال الله قد شفعتك أنا آتيكم أقضي بينكم - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسا شديدا فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم أفيكم ربنا؟ قالوا لا وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم أفيكم ربنا؟ فيقولون لا وهو آت ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة فيحمل عرشه يومئذ ثمانية - وهم اليوم أربعة - أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرض والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل في تسبيحهم يقولون سبحان ذي العرش والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته فيقول يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ثم يقول { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون } أو - بها تكذبون - شك أبو عاصم { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } فيميز الله الناس وتجثو الأمم. يقول الله تعالى { وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون } فيقضي الله عز وجل بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن فإذا فرغ من ذلك فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى قال الله لها كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر { يا ليتني كنت ترابا } ثم يقضي الله بين العباد فكان أول ما يقضي فيه الدماء ويأتي كل قتيل في سبيل الله ويأمر الله عز وجل كل من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه فيقول يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم - فيم قتلتهم؟ فيقول قتلتهم لتكون العزة لك فيقول الله له صدقت فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس ثم تمر به الملائكة إلى الجنة ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقول يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول- وهو أعلم - لم قتلتهم؟ فيقول يا رب قتلتهم لتكون العزة لي فيقول تعست ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء فإذا فرغ الله من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله إلا مثلت له آلهته بين يديه ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى ثم قادتهم آلهتهم إلى النار وهو الذي يقول { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون } فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فينصرف عنهم وهو الله الذي يأتيهم فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يأتيهم فيقول: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فيكشف لهم عن ساقه ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم فيخرون للأذقان سجدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر ثم يأذن الله لهم فيرفعون ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة أو كحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين أو كلمح البرق أو كمر الريح أو كجياد الخيل أو كجياد الركاب أو كجياد الرجال فناج سالم وناج مخدوش ومكردس على وجهه في جهنم فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول ما أنا بصاحب ذلك ويقول عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنب ويقول ما أنا بصاحب ذلك ويقول عليكم بموسى فإن الله قربه نجيبا وكلمه وأنزل عليه التوراة فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول لست بصاحب ذلك ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه فيقول ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن فأنطلق فآتى الجنة فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح لي فأحيا ويرحب بي فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا فيأذن الله لي من تحميده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع وسل تعطه فإذا رفعت رأسي يقول الله - وهو أعلم - ما شأنك؟ فأقول يا رب وعدتنى الشفاعة فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة فيقول الله قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والذي نفسي بيده ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة سبعين مما ينشئ الله عز وجل واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله في الدنيا فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون زوجا من سندس وإستبرق ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبدها له مرآة وكبده لها مرآة فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره وما تشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما أتى واحدة قالت له والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ولا في الجنة شيء أحب إلي منك. وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه حرم الله صورته عليها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقول يا رب شفعني فيمن وقع في النار من أمتي فيقول أخرجوا من عرفتم فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يأذن الله في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع فيقول الله أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيمانا فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يشفع الله فيقول أخرجوا من وجدتم في قلبه إيمانا ثلثي دينار ثم يقول ثلث دينار ثم يقول ربع دينار ثم يقول قيراطا ثم يقول حبة من خردل فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع حتى إن إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له. ثم يقول بقيت وأنا أرحم الراحمين فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأنهم حمم فيلقون على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل فما يلي الشمس منها أخيضر وما يلي الظل منها أصيفر فينبتون كنبات الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذر مكتوب في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب ما عملوا خيرا لله قط فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم ثم يقولون ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه الله عز وجل عنهم. ثم ذكر بطوله ثم قال هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة وقد اختلف فيه فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس ومنهم من قال فيه هو متروك وقال ابن عدي أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء قلت وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة وأما سياقه فغريب جدا ويقال إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقا واحدا فأنكر عليه بسبب ذلك وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث فالله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
الأية
74
 
قال الضحاك عن ابن عباس إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان اسمه تارخ رواه ابن أبي حاتم وقال أيضا حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل حدثنا أبي حدثنا أبو عاصم شبيب حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } يعني بآزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه تارخ وأمه اسمها شاني وامرأته اسمها سارة وأم اسماعيل اسمها هاجر وهي سرية إبراهيم. وهكذا قال غير واحد من علماء النسب أن اسمه تارخ وقال مجاهد والسدي آزر اسم صنم قلت كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم وقال ابن جرير وقال آخرون هو سب وعيب بكلامهم ومعناه معوج ولم يسنده ولا حكاه عن أحد. وقد قال أبن أبي حاتم ذكر عن معتمر بن سليمان سمعت أبي يقرأ { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } قال بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام ثم قال ابن جرير والصواب أن اسم أبيه آزر ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارخ ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان كما لكثير من الناس أو يكون أحدهما لقبا وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم واختلف القراء في أداء قوله تعالى { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني أنهما كانا يقرآن { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } معناه يا آزر أتتخذ أصناما آلهة وقرأ الجمهور بالفتح إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله لأبيه أو عطف بيان وهو أشبه وعلى قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود فأما من زعم أنه منصوب لكونه معمولا لقوله { أتتخذ أصناما } تقديره يا أبت أتتخذ آزر أصناما آلهة فإنه قول بعيد في اللغة فإن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله لأن له صدر الكلام. كذا قرره ابن جرير وغيره وهو مشهور في قواعد العربية والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها ونهاه فلم ينته كما قال { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } أي أتتأله لصنم تعبده من دون الله { إني أراك وقومك } أي السالكين مسلكك { في ضلال مبين } أي تائهين لا يهتدون أين يسلكون بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم. وقال تعالى { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا } فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة حياته فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه كما قال تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبرهيم لأواه حليم } وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له آزر يا بني اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال يا إبراهيم انظر ما وراءك فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
الأية
75
 
وقوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض } أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله عز وجل في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كقوله { قل انظروا ماذا في السموات والأرض } وقوله { أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض } وقال { أفلم يروا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } وأما ما حكاه ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم. قالوا واللفظ لمجاهد فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن وزاد غيره فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي ويدعو عليهم فقال الله له إني أرحم بعبادي منك لعلهم أن يتوبوا أو يرجعوا. وروى ابن مردوية في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ وعلي ولكن لا يصح إسنادهما والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } فإنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله إنك لا تسطيع هذا فرده الله كما كان قبل ذلك فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانا ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة كما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه عن معاذ بن جبل في حديث المنام } أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت لا أدري يا رب فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثدي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك.وذكر الحديث. وقوله { وليكون من الموقنين } قيل الواو زائدة تقديره وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين كقوله { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } وقيل: بل هي على بابها أي نريه ذلك ليكون عالما وموقنا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
الأية
76
 
وقوله تعالى { فلما جن عليه الليل } أي تغشاه وستره { رأى كوكبا } أي نجما { قال هذا ربي فلما أفل } أي غاب قال محمد بن إسحاق بن يسار الأفول الذهاب وقال ابن جرير يقال أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا إذا غاب ومنه قول ذي الرمة: مصابيح ليست باللواتي تقودها دياج ولا بالآفلات الزوائل ويقال أين أفلت عنا بمعنى أين غبت عنا: قال { لا أحب الآفلين } قال قتادة علم أن ربه دائم لا يزول.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
الأية
77
 
{ فلما رأى القمر بازغا } أي طالعا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
الأية
78
 
{ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } أي هذا المنير الطالع ربي { هذا أكبر } أي جرما من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة { فلما أفلت } أي غابت { قال يا قوم إنى بريء مما تشركون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأية
79
 
أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي { للذي فطر السموات والأرض } أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق { حنيفا } أي في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد ولهذا قال { وما أنا من المشركين } وقد اختلف المفسرون في هذا المقام هل هو مقام نظر أو مناظرة فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر واختاره ابن جرير مستدلا بقوله { لئن لم يهدني ربي } الآية. وقال محمد بن إسحاق قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمرود بن كنعان لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه فأمر بقتل الغلمان عامئذ فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك وذكر أشياء من خوارق العادات كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشترى وزحل وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر ثم الزهرة فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال ومثل هذه لا تصلح للإلهية ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم ثم انتقل إلى الشمس كذلك فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما يقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع { قال يا قوم إني بريء مما تشركون } أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن فإن كانت آلهة فكيدون بها جميعا ثم لا تنظرون { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه كما قال تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرا في هذا المقام وهو الذي قال الله في حقه { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } الآيات وقال تعالى { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } وقال تعالى { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { كل مولود يولد على الفطرة } وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { قال الله إني خلقت عبادي حنفاء }.وقال الله في كتابه العزيز { فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } وقال تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ومعناه على أحد القولين كقوله { فطرت الله التي فطر الناس عليها } كما سيأتي بيانه فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ناظرا في هذا المقام بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
الأية
80
 
يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد وناظروه بشبه من القول أنه قال { أتحاجوني في الله وقد هدان } أي تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة وقوله { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا } أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا وأنا لا أخافها ولا أباليها فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون بل عاجلوني بذلك. وقوله تعالى { إلا أن يشاء ربي شيئا } استثناء منقطع أي لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل { وسع ربي كل شئ علما } أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا يخفى عليه خافية { أفلا تتذكرون } أي فيما بينته لكم أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود عليه السلام على قومه عاد فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الأية
81
 
وقوله { وكيف أخاف ما أشركتم } أي كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } قال ابن عباس وغير واحد من السلف أي حجة وهذا كقوله تعالى { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } وقوله تعالى { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } وقوله { فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } أي فأي الطائفتين أصوب الذي عبد من بيده الضر والنفع أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة لا شريك له.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
الأية
82
 
قال الله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة. قال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت { إن الشرك لظلم عظيم } وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على الناس فقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } إنما هو الشرك. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع وابن إدريس عن الأعمش إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كما تظنون إنما قال لابنه { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } وحدثنا عمر بن تغلب النمري حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { إن الشرك لظلم عظيم }.رواه البخاري وفي لفظ قالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح { إن الشرك لظلم عظيم } إنما هو الشرك ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعا قال { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال بشرك قال وروي عن أبي بكر الصديق وعمر وأبي بن كعب وسلمان وحذيفة وابن عباس وابن عمر وعمرو بن شرحبيل وأبي عبد الرحمن السلمي ومجاهد وعكرمة والنخعي والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد نحو ذلك وقال ابن مردوية حدثنا الشافعي حدثنا محمد بن شداد المسمعي حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي أنت منهم.وقال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا أبو جناب عن زاذان عن جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأن هذا الراكب إياكم يريد فانتهى إلينا الرجل فسلم فرددنا عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أين أقبلت؟ قال من أهلي وولدي وعشيرتي قال فأين تريد؟ قال أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقد أصبته قال يا رسول الله علمني ما الإيمان قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال قد أقررت. قال ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه فقالا: يا رسول الله قبض الرجل قال فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أما رأيتما إعراضي عن الرجل فإنى رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة فعلمت أنه مات جائعا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من الذين قال الله عز وجل فيهم { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } الآية ثم قال دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى القبر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر فقال ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا.ثم رواه أحمد عن أسود بن عامر عن عبد الحميد بن جعفر الفراء عن ثابت عن زاذان عن جرير بن عبد الله فذكر نحوه وقال فيه هذا ممن عمل قليلا وأجر كثيرا; وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا مهران بن أبي عمر حدثنا علي بن عبد الله عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره إذ عرض له أعرابي فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك وآخذ من قولك وما بلغتك حتى مالي طعام إلا من خضر الأرض فاعرض علي فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جردان فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ماله طعام إلا من خضر الأرض أسمعتم بالذي عمل قليلا وأجر كثيرا؟ هذا منهم أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم. وفي لفظ قال هذا عمل قليلا وأجر كثيرا وروى ابن مردوية من حديث محمد بن يعلى الكوفي وكان نزل الري حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي داود عن عبد الله بن سخبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعطي فشكر ومنع فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر وسكت قال: فقالوا يا رسول الله ماله؟ قال { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } وقوله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } أي وجهنا حجته عليهم قال مجاهد وغيره يعني بذلك قوله { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن } الآية. وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
الأية
83
 
ثم قال بعد ذلك كله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء } قرئ بالإضافة وبلا إضافة كما في سورة يوسف وكلاهما قريب في المعنى وقوله { إن ربك حكيم عليم } أي حكيم في أقواله وأفعاله عليم أي بمن يهديه ومن يضله وإن قامت عليه الحجج والبراهين كما قال { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } ولهذا قال ههنا { إن ربك حكيم عليم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
الأية
84
 
يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن وأيس هو وامرأته سارة من الولد فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط فبشروهما بإسحاق فتعجبت المرأة من ذلك وقالت { يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } فبشروهما مع وجوده بنبوته وبأن له نسلا وعقبا كما قال تعالى { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة. وقال { فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما فتقر أعينكما به كما قرت بوالده فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه كما قال تعالى { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا } وقال ههنا { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا } وقوله { ونوحا هدينا من قبل } أي من قبله هديناه كما هديناه ووهبنا له ذرية صالحة وكل منهما له خصوصية عظيمة أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين صحبوه في السفينة جعل الله ذريته هم الباقين فالناس كلهم من ذريته وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيا إلا من ذريته كما قال تعالى { وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } الآية. وقال تعالى { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } وقال تعالى { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } وقوله في هذه الآية الكريمة { ومن ذريته } أي وهدينا من ذريته { داود وسليمان } الآية وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه وهو اختيار ابن جرير. وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن لكن يشكل عليه لوط فإنه ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه هاران بن آزر اللهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبا كما في قوله { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون } فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا وكما قال في قوله { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له. قال ابن أبي حاتم حدثنا سهل بن يحيى العسكري حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا علي بن عابس عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجده في كتاب الله - وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال أليس تقرأ سورة الأنعام { ومن ذريته داود وسليمان } حتى بلغ { ويحيى وعيسى } قال بلى. قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال صدقت. فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه واحتجوا بقول الشاعر العربي: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيه أيضا لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للحسن بن علي إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فسماه ابنا فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ
الأية
85
 
وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له. قال ابن أبي حاتم حدثنا سهل بن يحيى العسكري حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا علي بن عابس عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجده في كتاب الله - وقد فرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال أليس تقرأ سورة الأنعام { ومن ذريته داود وسليمان } حتى بلغ { ويحيى وعيسى } قال بلى. قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال صدقت. فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه واحتجوا بقول الشاعر العربي: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيه أيضا لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للحسن بن علي إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فسماه ابنا فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ
الأية
86
 
وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه وهو اختيار ابن جرير. وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن لكن يشكل عليه لوط فإنه ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه هاران بن آزر اللهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبا كما في قوله { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون } فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا وكما قال في قوله { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
87
 
وقوله { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } ذكر أصولهم وفروعهم وذوي طبقتهم وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم ولهذا قال { واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الأية
88
 
ثم قال تعالى { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده } أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته كقوله تعالى { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } الآية وهذا شرط والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } وكقوله { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } وكقوله { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ
الأية
89
 
وقوله تعالى { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } أي أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ولطفا منه بالخليقة { فإن يكفر بها } أي بالنبوة ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة الكتاب والحكم والنبوة وقوله { هؤلاء } يعني أهل مكة قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } أي إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين وكتابيين فقد وكلنا بها قوما آخرين أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة { ليسوا بها بكافرين } أي لا يجحدون منها شيئا ولا يردون منها حرفا واحدا يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ
الأية
90
 
ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم { أولئك } يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه { الذين هدى الله } أي هم أهل الهدى لا غيرهم { فبهداهم اقتده } أي اقتد واتبع وإذا كان هذا أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني سليمان الأحول أن مجاهدا أخبره أنه سأل ابن عباس أفي { ص } سجدة فقال نعم ثم تلا { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } إلى قوله { فبهداهم اقتده } ثم قال هو منهم زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهيل بن يوسف عن العوام عن مجاهد قلت لابن عباس فقال نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم وقوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجرا أي أجرة ولا أريد منكم شيئا { إن هو إلا ذكرى للعالمين } أي يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد ومن الكفر إلى الإيمان.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
الأية
91
 
يقول تعالى وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم: قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير نزلت في قريش واختاره ابن جرير وقيل نزلت في طائفة من اليهود. وقيل في فنحاص رجل منهم. وقيل في مالك بن الصيف { قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } والأول أصح لأن الآية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر كما قال { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } وكقوله تعالى { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } وقال ههنا { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } قال الله تعالى { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } أي قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة { من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس أي ليستضاء بها في كشف المشكلات ويهتدى بها من ظلم الشبهات وقوله { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } أي تجعلون جملتها قراطيس أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم وتحرفون منها ما تحرفون وتبدلون وتتأولون وتقولون هذا من عند الله أي في كتابه المنزل وما هو من عند الله ولهذا قال { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } وقوله تعالى { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } أي ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب وقال مجاهد هذه للمسلمين وقوله تعالى { قل الله } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي قل الله أنزله وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى { قل الله } أي لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة كلمة { الله } وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرا بكلمة مفردة من غير تركيب والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها وقوله { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
الأية
92
 
وقوله { وهذا كتاب } يعني القرآن { أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى } يعني مكة { ومن حولها } من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم كما قال في الآية الأخرى { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } وقال { لأنذركم به ومن بلغ } وقال { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } وقال تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } وقال { وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد } وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي } وذكر منهن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ولهذا قال { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } أي كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن { وهم على صلاتهم يحافظون } أي يقومون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
الأية
93
 
يقول تعالى { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء أو ولدا أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله ولهذا قال تعالى { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } قال عكرمة وقتادة نزلت في مسيلمة الكذاب { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } أي ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول كقوله تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا } الآية قال الله تعالى { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } أي في سكراته وغمراته وكرباته{ والملائكة باسطو أيديهم } أي بالضرب كقوله { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } الآية. وقوله { يبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } الآية وقال الضحاك وأبو صالح باسطو أيديهم أي بالعذاب كقوله { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } ولهذا قال { والملائكة باسطو أيديهم } أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم ولهذا يقولون لهم { أخرجوا أنفسكم } وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم فتفرق روحه في جسده وتعصي وتأبى الخروح فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم { أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق } الآية. أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على الله وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند قوله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } وقد ذكر ابن مردوية ههنا حديثا مطولا جدا من طريق غريب عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا فالله أعلم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
الأية
94
 
وقوله { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } أى يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال { وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي كما بدأناكم أعدناكم وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه فهذا يوم البعث وقوله { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس وقال الحسن البصري يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول الله عز وجل أين ما جمعت؟ فقول يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول له يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا وتلا هذه الآية { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } الآية رواه ابن أبي حاتم وقوله { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب وانزاح الضلال وضل عنهم ما كانوا يفترون ويناديهم الرب جل جلاله على رءوس الخلائق. { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } وقيل لهم { أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصروكم أو ينتصرون } ولهذا قال ههنا { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتهم أنهم فيكم شركاء } أي في العبادة لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم ثم قال تعالى { لقد تقطع بينكم } قرئ بالرفع أي شملكم وبالنصب أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل { وضل عنكم } أي ذهب عنكم { ما كنتم تزعمون } من رجاء الأصنام والأنداد كقوله تعالى { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } وقال تعالى { فإذا نفخ الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } وقال تعالى { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار. ومالكم من ناصرين } وقال { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } الآية. وقال { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا } إلى قوله { وضل عنهم ما كانوا يفترون } والآيات في هذا كثيرة جدا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
الأية
95
 
يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى ولهذا فسر قوله { فالق الحب والنوى } بقوله { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت كقوله { وآية لهم الأرض الميتة احييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } إلى قوله { ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } وقوله { ومخرج الميت من الحي } معطوف على { فالق الحب والنوى } ثم فسره ثم عطف عليه قوله { ومخرج الميت من الحي } وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى فمن قائل يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه ومن قائل يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها. ثم قال تعالى { ذلكم الله } أي فاعل هذا هو الله وحده لا شريك له { فأنى تؤفكون } أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون معه غيره.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
الأية
96
 
وقوله { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا } أي خالق الضياء والظلام كما قال في أول السورة { وجعل الظلمات والنور } أي فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح فيضيء الوجود ويستنير الأفق ويضمحل الظلام ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه ويجيئ النهار بضيائه وإشراقه كقوله { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا } فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله { وجعل الليل سكنا } أي ساجيا مظلما لتسكن فيه الأشياء كما قال { والضحى والليل إذا سجى } وقال { والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى } وقال { والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها } وقال صهيب الرومي رضي الله عنه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه وإذا ذكر النار طار نومه. رواه ابن أبي حاتم. وقوله { والشمس والقمر حسبانا } أي يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب بل لكل منهما منازل يسلكها فى الصيف والشتاء فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا كما قال { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل } الآية. وكما قال لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون وقال { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } وقوله { ذلك تقدير العزيز العليم } أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف العليم بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم كما ذكر في هذه الآية وكما في قوله { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة حم السجدة قال { وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الأية
97
 
وقوله تعالى { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } قال بعض السلف من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه. أن الله جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر وقوله { قد فصلنا الآيات } أي قد بيناها ووضحناها { لقوم يعلمون } أي يعقلون ويعرفون الحق ويتجنبون الباطل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
الأية
98
 
يقول تعالى { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } يعني آدم عليه السلام قال { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } وقوله { فمستقر ومستودع } اختلفوا في معنى ذلك فعن ابن مسعود وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي وقيس بن أبي حازم ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وعطاء الخراساني وغيرهم { فمستقر } أي في الأرحام قالوا أو أكثرهم { ومستودع } أي في الأصلاب وعن ابن مسعود وطائفة عكسه وعن ابن مسعود أيضا وطائفة فمستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت وقال سعيد بن جبير فمستقر في الأرحام وعلى ظهر الأرض وحيث يموت وقال الحسن البصري المستقر الذي قد مات فاستقر به عمله وعن ابن مسعود ومستودع في الدار الآخرة والقول الأول أظهر والله أعلم وقوله تعالى { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } أى يفهمون ويعون كلام الله ومعناه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
الأية
99
 
وقوله تعالى { وهو الذي أنزل من السماء ماء } أي بقدر مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق رحمة من الله بخلقه { فأخرجنا به نبات كل شيء } كقوله { وجعلنا من الماء كل شيء } { فأخرجنا منه خضرا } أي زرعا وشجرا أخضر ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر ولهذا قال تعالى { نخرج منه حبا متراكبا } أي يركب بعضه بعض كالسنابل ونحوها { ومن النخل من طلعها قنوان } أي جمع قنو وهي عذوق الرطب دانية أي قريبة من المتناول كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس { قنوان دانية } يعني بالقنوان الدانية فصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. رواه ابن جرير قال ابن جرير وأهل الحجاز يقولون قنوان وقيس يقول قنوان قال امرؤ القيس: فآتت أعاليه وآدت أصوله ومال بقنوان من البسر أحمرا قال وتميم يقولون قنيان بالياء قال وهي جمع قنو كما أن صنوان جمع صنو وقوله تعالى { وجنات من أعناب } أي ونخرج منه جنات من أعناب وهذا النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز وربما كانا خيار الثمار في الدنيا كما امتن الله بهما على عباده في قوله تعالى { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } وكان ذلك قبل تحريم الخمر وقال { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب } وقوله تعالى { والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه{ قال قتادة وغيره متشابه في الورق والشكل قريب بعضه من بعض ومتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا وقوله تعالى { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } أي نضجه قاله البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي وقتادة وغيرهم أي فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود بعد أن كان حطبا صار عنبا ورطبا وغير ذلك مما خلق سبحانه وتعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح كقوله تعالى { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } الآية. ولهذا قال ههنا { إن في ذلكم } أيها الناس { لآيات } أي دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته { لقوم يؤمنون } أي يصدقون به ويتبعون رسله.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ
الأية
100
 
هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره وأشركوا به فى عبادته أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة تعالى الله عن شركهم وكفرهم فإن قيل فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك كقوله { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } وكقوله تعالى { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } الآية. وقال إبراهيم لأبيه { يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا } وكقوله { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } وتقول الملائكة يوم القيامة { سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ولهذا قال تعالى { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم } أي وقد خلقهم فهو الخالق وحده لا شريك له فكيف يعبد معه غيره كقول إبراهيم { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } ومعنى الآية. أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده