Prev

4. Surah An-Nis' سورة النساء

Next


تفسير القرطبي - النساء - An-Nisa -
 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
الأية
1
 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي سورة النساء : وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } [ النساء : 58 ] على ما يأتي بيانه . قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة . وقد قال بعض الناس : إن قوله تعالى : { يا أيها الناس { حيث وقع إنما هو مكي ; وقاله علقمة وغيره , فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا , وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني . وقال النحاس : هذه السورة مكية . قلت : والصحيح الأول , فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ; تعني قد بنى بها . ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة . ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها . وأما من قال : إن قوله .{ يا أيها الناس } مكي حيث وقع فليس بصحيح ; فإن البقرة مدنية وفيها قوله , { يا أيها الناس { في موضعين , وقد تقدم . والله أعلم قد مضى في { البقرة { اشتقاق { الناس { ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث , فلا معنى للإعادة . وفي الآية تنبيه على الصانع . خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ تأنيث لفظ النفس . ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر . ويجوز في الكلام { من نفس واحد { وهذا على مراعاة المعنى ; إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام ; قاله مجاهد وقتادة . وهي قراءة ابن أبي عبلة { واحد { بغير هاء . وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا يعني حواء وقد مضى معنى الزوج في { البقرة { زَوْجَهَا معناه فرق ونشر في الأرض ; ومنه { وزرابي مبثوثة } [ الغاشية : 16 ] وقد تقدم في { البقرة } . وَبَثَّ يعني آدم وحواء . قال مجاهد : خلقت حواء من قصيرى آدم . وفي الحديث : ( خلقت المرأة من ضلع عوجاء )  , وقد مضى في البقرة . مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا حصر ذريتهما في نوعين ; فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع , لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما , على ما تقدم ذكره في { البقرة { من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها . وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين . و { الذي { في موضع نصب على النعت ." والأرحام { معطوف . أي اتقوا الله أن تعصوه , واتقوا الأرحام أن تقطعوها . وقرأ أهل المدينة { تساءلون { بإدغام التاء في السين . وأهل الكوفة بحذف التاء , لاجتماع تاءين , وتخفيف السين ; لأن المعنى يعرف ; وهو كقوله : { ولا تعاونوا على الإثم } [ المائدة : 2 ] و { تنزل { وشبهه . وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة } الأرحام { بالخفض . وقد تكلم النحويون في ذلك . فأما البصريون فقال رؤساؤهم : هو لحن لا تحل القراءة به . وأما الكوفيون فقالوا : هو قبيح ; ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه ; قال النحاس : فيما علمت . وقال سيبويه : لم يعطف على المضمر المخفوض ; لأنه بمنزلة التنوين , والتنوين لا يعطف عليه . وقال جماعة : هو معطوف على المكني ; فإنهم كانوا يتساءلون بها , يقول الرجل : سألتك بالله والرحم ; هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد , وهو الصحيح في المسألة , على ما يأتي . وضعفه أقوام منهم الزجاج , وقالوا : يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض ; كقوله { فخسفنا به وبداره الأرض } [ القصص : 81 ] ويقبح { مررت به وزيد } . قال الزجاج عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان . يحل كل واحد منهما محل صاحبه ; فكما لا يجوز { مررت بزيد وك { كذلك لا يجوز { مررت بك وزيد } . وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر ; كما قال : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب عطف { الأيام { على الكاف في { بك { بغير الباء للضرورة . وكذلك قول الآخر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مهوى نفانف عطف { الكعب { على الضمير في { بينها { ضرورة . وقال أبو علي : ذلك ضعيف في القياس . وفي كتاب التذكرة المهدية عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال : لو صليت خلف إمام يقرأ { ما أنتم بمصرخي } [ إبراهيم : 22 ] و { اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام { لأخذت نعلي ومضيت . قال الزجاج : قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحلفوا بآبائكم )  فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم . ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم , وأنه خاص لله تعالى . قال النحاس : وقول بعضهم { والأرحام { قسم خطأ من المعنى والإعراب ; لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب . وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة , فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم ; ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم , إلى : والأرحام )  ; ثم قال : ( تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره .. .) وذكر الحديث . فمعنى هذا على النصب ; لأنه حضهم على صلة أرحامهم . وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت )  . فهذا يرد قول من قال : المعنى أسألك بالله وبالرحم . وقد قال أبو إسحاق : معنى { تساءلون به { يعني تطلبون حقوقكم به . ولا معنى للخفض أيضا مع هذا . قلت : هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة } والأرحام { بالخفض , واختاره ابن عطية . ورده الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري , واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ; لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة , وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم , واستقبح ما قرأ به , وهذا مقام محذور , ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ; فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم , ولا يشك أحد في فصاحته . وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ; لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء : ( وأبيك لو طعنت في خاصرته )  . ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله , وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه . قال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرحم , أي اتقوا الله وحق الرحم ; كما تقول : افعل كذا وحق أبيك . وقد جاء في التنزيل : " والنجم , والطور , والتين , لعمرك { وهذا تكلف وقلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون { والأرحام { من هذا القبيل , فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه . والله أعلم . ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء , فلا يبعد أن يكون قسما . والعرب تقسم بالرحم . ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها كما حذفها في قوله : مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها فجر وإن لم يتقدم باء . قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك : والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه . ومنه قوله : آبك أيه بي أو مصدر من حمر الجلة جأب حشور ومنه : فاذهب فما بك والأيام من عجب وقول الآخر : وما بينها والكعب غوط نفانف ومنه : فحسبك والضحاك سيف مهند وقول الآخر : وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا وقول الآخر : ما إن بها والأمور من تلف ما حم من أمر غيبه وقعا وقول الآخر : أمر على الكتيبة لست أدري أحتفي كان فيها أم سواها ف { سواها { مجرور الموضع بفي . وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى : { وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين } [ الحجر : 20 ] فعطف على الكاف والميم . وقرأ عبد الله بن يزيد { والأرحام { بالرفع على الابتداء , والخبر مقدر , تقديره : والأرحام أهل أن توصل . ويحتمل أن يكون إغراء ; لأن من العرب من يرفع المغرى . وأنشد الفراء : إن قوما منهم عمير وأشبا ه عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا قا ل أخو النجدة السلاح السلاح وقد قيل : إن { والأرحام { بالنصب عطف على موضع به ; لأن موضعه نصب , ومنه قوله : فلسنا بالجبال ولا الحديدا وكانوا يقولون : أنشدك بالله والرحم . والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا . اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة . وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته أأصل أمي ( نعم صلي أمك )  فأمرها بصلتها وهي كافرة . فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر , حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى , ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم ; وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر )  . وهو قول أكثر أهل العلم . روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود , ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة . وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري , وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق . ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال : الأول - أنه مخصوص بالآباء والأجداد . الثاني - الجناحان يعني الإخوة . الثالث - كقول أبي حنيفة . وقال الشافعي : لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته , ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته . والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي . وأحسن طرقه رواية النسائي له ; رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه )  . وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه ; غير أن النسائي قال في آخره : هذا حديث منكر . وقال غيره : تفرد به ضمرة . وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين . وضمرة عدل ثقة , وانفراد الثقة بالحديث لا يضره . والله أعلم . واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة . فقال أكثر أهل العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث . وقال شريك القاضي بعتقهم . وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه ; واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه )  . قالوا : فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك , ولصاحب الملك التصرف . وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع ; فإن الله تعالى يقول : { وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 ] فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب , وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه ; فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث ( فيشتريه فيعتقه )  , أو لأجل الإحسان عملا بالآية . ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه . وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك , فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة , ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث , ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب , والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة ; فإنه يقول : أنا ابن أبيه . وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه . والله أعلم . قوله تعالى : { والأرحام { الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره . وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة , ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ; ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام . فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند . وهم يرون ذلك نسخا , سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة , وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات . والله أعلم . وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ أي حفيظا ; عن ابن عباس ومجاهد . ابن زيد : عليما . وقيل : { رقيبا } حافظا ; قيل : بمعنى فاعل . فالرقيب من صفات الله تعالى , والرقيب : الحافظ والمنتظر ; تقول رقبت أرقب رقبة ورقبانا إذا انتظرت . والمرقب : المكان العالي المشرف , يقف عليه الرقيب . والرقيب : السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء . ويقال : إن الرقيب ضرب من الحيات , فهو لفظ مشترك . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
الأية
2
 
وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما ; كقوله : " وألقي السحرة ساجدين } [ الأعراف : 120 ] ولا سحر مع السجود , فكذلك لا يتم مع البلوغ . وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : { يتيم أبي طالب { استصحابا لما كان .{ وآتوا { أي أعطوا . والإيتاء الإعطاء . ولفلان أتو , أي عطاء . أبو زيد : أتوت الرجل آتوه إتاوة , وهي الرشوة . واليتيم من لم يبلغ الحلم , وقد تقدم في { البقرة } مستوفى . وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء . نزلت - في قول مقاتل والكلبي - في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم , فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه ; فنزلت , فقال العم : نعوذ بالله من الحوب الكبير ! ورد المال . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره )  يعني جنته . فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله , فقال عليه السلام : ( ثبت الأجر وبقي الوزر )  . فقيل : كيف يا رسول الله ؟ فقال : ( ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده )  لأنه كان مشركا . وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين : أحدهما - إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية ; إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير . الثاني - الإيتاء بالتمكن وإسلام المال إليه , وذلك عند الابتلاء والإرشاد , وتكون تسميته مجازا , المعنى : الذي كان يتيما , وهو استصحاب الاسم ; كقوله تعالى : { وألقي السحرة ساجدين } [ الأعراف : 120 ] أي الذين كانوا سحرة . وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : { يتيم أبي طالب } . فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا . وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله كله على كل حال , لأنه يصير جدا . قلت : لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد وذكره في قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } [ النساء : 6 ] . قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن : لما لم يقيد الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما , فأقول : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد , وجب دفع المال إليه , وإن كان دون ذلك لم يجب , عملا بالآيتين . وقال أبو حنيفة : لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتيم ؟ ! وهل ذلك إلا في غاية البعد ؟ . قال ابن العربي : وهذا باطل لا وجه له ; لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا تثبت قياسا وإنما تؤخذ من جهة النص , وليس في هذه المسألة . وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى . وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة , ولا الدرهم الطيب بالزيف . وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى , فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم ; ويقولون : اسم باسم ورأس برأس ; فنهاهم الله عن ذلك . هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية . وقيل : المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم . وقال مجاهد وأبو صالح وباذان : لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله . وقال ابن زيد : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث . عطاء : لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غر صغير . وهذان القولان خارجان عن ظاهر الآية ; فإنه يقال : تبدل الشيء بالشيء أي أخذه مكانه . ومنه البدل . وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ قال مجاهد : وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق ; فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك , ثم نسخ بقوله } وإن تخالطوهم فإخوانكم } [ البقرة : 220 ] . وقال ابن فورك عن الحسن : تأول الناس في هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم , فخفف عنهم في آية البقرة . وقالت طائفة من المتأخرين : إن { إلى { بمعنى مع , كقوله تعالى : { من أنصاري إلى الله } [ الصف : 14 ] . وأنشد القتبي : يسدون أبواب القباب بضمر إلى عنن مستوثقات الأواصر وليس بجيد . وقال الحذاق : { إلى { على بابها وهي تتضمن الإضافة , أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل . فنهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع . إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا { إنه { أي الأكل { كان حوبا كبيرا { أي إثما كبيرا ; عن ابن عباس والحسن وغيرهما . يقال : حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم . وأصله الزجر للإبل ; فسمي الإثم حوبا ; لأنه يزجر عنه وبه . ويقال في الدعاء : اللهم اغفر حوبتي ; أي إثمي . والحوبة أيضا الحاجة . ومنه في الدعاء : إليك أرفع حوبتي ; أي حاجتي . والحوب الوحشة ; ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب : ( إن طلاق أم أيوب لحوب )  . وفيه ثلاث لغات { حوبا { بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز . وقرأ الحسن { حوبا { بفتح الحاء . وقال الأخفش : وهي لغة تميم . مقاتل : لغه الحبش . والحوب المصدر , وكذلك الحيابة . والحوب الاسم . وقرأ أبي بن كعب { حابا { على المصدر مثل القال . ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد . والحوأب ( بهمزة بعد الواو )  . المكان الواسع . والحوأب ماء أيضا . ويقال : ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة ; ومنه قولهم : بات بحيبة سوء . وأصل الياء الواو . وتحوب فلان أي تعبد وألقى الحوب عن نفسه . والتحوب أيضا التحزن . وهو أيضا الصياح الشديد ; كالزجر , وفلان يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل : فذوقوا كما ذقنا غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا
الأية
3
 
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ { وإن خفتم { شرط , وجوابه { فانكحوا } . أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن { فانكحوا ما طاب لكم { أي غيرهن . وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع { قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره , فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن . وذكر الحديث . وقال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه , ويبيع من نفسه من غير محاباة . وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها . وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك . فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ ; وقد مضى في { البقرة { القول في هذا . وقال الضحاك والحسن وغيرهما : إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام ; من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء , فقصرتهن الآية على أربع . وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما : المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ; لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و { خفتم { من الأضداد ; فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع , وقد يكون مظنونا ; فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف . فقال أبو عبيدة : { خفتم { بمعنى أيقنتم . وقال آخرون : { خفتم { ظننتم . قال ابن عطية : وهذا الذي اختاره الحذاق , وأنه على بابه من الظن لا من اليقين . التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها . و { تقسطوا { معناه تعدلوا . يقال : أقسط الرجل إذا عدل . وقسط إذا جار وظلم صاحبه . قال الله تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } [ الجن : 15 ] يعني الجائرون . وقال عليه السلام : ( المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة )  يعني العادلين . وقرأ ابن وثاب والنخعي { تقسطوا { بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة { لا { كأنه قال : وإن خفتم أن تجوروا . قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء { إن قيل : كيف جاءت { ما { للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ; فعنه أجوبة خمسة : الأول - أن { من { و } ما { قد يتعاقبان ; قال الله تعالى : " والسماء وما بناها } [ الشمس : 5 ] أي ومن بناها . وقال { فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع } [ النور : 45 ] . فما هاهنا لمن يعقل وهن النساء ; لقوله بعد ذلك { من النساء { مبينا لمبهم . وقرأ ابن أبي عبلة } من طاب { على ذكر من يعقل . الثاني : قال البصريون : { ما { تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال : ما عندك ؟ فيقال : ظريف وكريم . فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء ; أي الحلال , وما حرمه الله فليس بطيب . وفي التنزيل { وما رب العالمين { فأجابه موسى على وفق ما سأل ; وسيأتي . الثالث : حكى بعض الناس أن { ما { في هذه الآية ظرفية , أي ما دمتم تستحسنون النكاح قال ابن عطية : وفي هذا المنزع ضعف . جواب رابع : قال الفراء { ما { هاهنا مصدر . وقال النحاس : وهذا بعيد جدا ; لا يصح فانكحوا الطيبة . قال الجوهري : طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا . قال علقمة : كأن تطيابها في الأنف مشموم جواب خامس : وهو أن المراد بما هنا العقد ; أي فانكحوا نكاحا طيبا . وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة . وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا : سبحان ما سبح له الرعد . أي سبحان من سبح له الرعد . ومثله قولهم : سبحان ما سخركن لنا . أي من سخركن . واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى { ليس له مفهوم ; إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة : اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف . فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك , وأن حكمها أعم من ذلك . تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ . وقال : إنما تكون يتيمة قبل البلوغ , وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة ; بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهي عن حطها عن صداق مثلها ; لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا . وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر ; لقوله تعالى : " ويستفتونك في النساء } [ النساء : 127 ] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور , واسم الرجل لا يتناول الصغير ; فكذلك اسم النساء , والمرأة لا يتناول الصغيرة . وقد قال : { في يتامى النساء } [ النساء : 127 ] والمراد به هناك اليتامى هنا ; كما قالت عائشة رضي الله عنها . فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها , ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها , فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها . كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون , فدخل المغيرة بن شعبة على أمها , فأرغبها في المال وخطبها إليها , فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة : يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها , زوجتها من قد علمت فضله وقرابته . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها )  فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة . قال الدارقطني : لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع , وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه . ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله بن عمر : أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال : فذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي تكره ذلك . فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها . وقال : ( ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها )  . فتزوجها بعد عبد الله المغيرة بن شعبة . فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي , بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح . وقد مضى في { البقرة { ذكره ; فلا معنى لقولهم : إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله ( إلا بإذنها )  فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى والله أعلم . وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل , والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره ; لقولها : ( بأدنى من سنة صداقها )  . فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم . وقد قال مالك : للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها . أي صدقات وأكفاء . وسئل مالك عن رجل زوج ابنته من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال : إني لأرى لها في ذلك متكلما . فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الأم عليه . وروي { لا أرى { بزيادة الألف والأول أصح . وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها ; لأن الآية إنما خرجت في اليتامى . هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها . فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها , ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة . وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور , وقاله من التابعين الحسن وربيعة , وهو قول الليث . وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان , أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه ; أو مثله في القعدد ; وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا . واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل )  . فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب ; فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين . وفي المسألة قول ثالث , وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه . روي هذا عن المغيرة بن شعبة , وبه قال أحمد , ذكره ابن المنذر . قوله تعالى : { ما طاب لكم من النساء { معناه ما حل لكم ; عن الحسن وابن جبير وغيرهما . واكتفى بذكر من يجوز نكاحه ; لأن المحرمات من النساء كثير . وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة { طاب } { بالإمالة { وفي مصحف أبي { طيب { بالياء ; فهذا دليل الإمالة .{ من النساء { دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم . وواحد النساء نسوة , ولا واحد لنسوة من لفظه , ولكن يقال امرأة . مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وموضعها من الإعراب نصب على البدل من { ما { وهي نكرة لا تنصرف ; لأنها معدولة وصفة ; كذا قال أبو علي . وقال الطبري : هي معارف ; لأنها لا يدخلها الألف واللام , وهي بمنزلة عمر في التعريف ; قاله الكوفي . وخطأ الزجاج هذا القول . وقيل : لم ينصرف ; لأنه معدول عن لفظه ومعناه , فأحاد معدول عن واحد واحد , ومثنى معدولة عن اثنين اثنين , وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة , ورباع عن أربعة أربعة . وفي كل واحد منها لغتان : فعال ومفعل ; يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع , وكذلك إلى معشر وعشار . وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة : أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر . وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية . وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب { ثلاث وربع { بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا ; كما قال : أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغله قال الثعلبي : ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت : فلم يستثيروك حتى رمي ت فوق الرجال خصالا عشارا يعني طعنت عشرة . وقال ابن الدهان : وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه . وقال أبو عمرو بن الحاجب : ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع . وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال ؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت . وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك . وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة ; تقول : جاءني اثنان وثلاثة , ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع , مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار . وهي في موضع الحال هنا وفي الآية , وتكون صفة ; ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله تعالى : { أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع } [ فاطر : 1 ] فهي صفة للأجنحة وهي نكرة . وقال ساعدة بن جؤية : ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد وأنشد الفراء : قتلنا به من بين مثنى وموحد بأربعة منكم وآخر خامس فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد , وكذلك بيت الفراء ; أي قتلنا به ناسا , فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة . وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة . وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة ; لأنه قد زال عنه العدل . اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع , كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة , وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة , وزعم أن الواو جامعة ; وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا , وجمع بينهن في عصمته . والذي صار إلى هذه الجهالة , وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ; فجعلوا مثنى مثل اثنين , وكذلك ثلاث ورباع . وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها , فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة ; تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع ; فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع . وهذا كله جهل باللسان والسنة , ومخالفة لإجماع الأمة , إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع . وأخرج مالك في موطئه , والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة : ( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن )  . في كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اختر منهن أربعا )  . وقال مقاتل : إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر ; فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا . كذا قال : { قيس بن الحارث } , والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود . وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : أن ذلك كان حارث بن قيس , وهو المعروف عند الفقهاء . وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته ; على ما يأتي بيانه في { الأحزاب } . وأما قولهم : إن الواو جامعة ; فقد قيل ذلك , لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة . وكذلك تستقبح ممن يقول : أعط فلانا أربعة ستة ثمانية , ولا يقول ثمانية عشر . وإنما الواو في هذا الموضع بدل ; أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى , ورباع بدلا من ثلاث ; ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث , ولا لصاحب الثلاث رباع . وأما قولهم : إن مثنى تقتضي اثنين , وثلاث ثلاثة , ورباع أربعة , فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه , وجهالة منهم . وكذلك جهل الآخرين , بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين , وثلاث ثلاثة ثلاثة , ورباع أربعة أربعة , ولم يعلموا أن اثنين اثنين , وثلاثا ثلاثا , وأربعا أربعا , حصر للعدد . ومثنى وثلاث ورباع بخلافها . ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل ; وذلك أنها إذا قالت : جاءت الخيل مثنى , إنما تعني بذلك اثنين اثنين ; أي جاءت مزدوجة . قال الجوهري : وكذلك معدول العدد . وقال غيره : إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار , فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا , أو اثنين اثنين , أو ثلاثة ثلاثة , أو عشرة عشرة , وليس هذا المعنى في الأصل ; لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة , أو قوم عشرة عشرة , فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة . فإذا قلت جاءوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم . وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين . وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب , فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم . وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهي : فقال مالك والشافعي : عليه الحد إن كان عالما . وبه قال أبو ثور . وقال الزهري : يرجم إذا كان عالما , وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد , ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا . وقالت طائفة : لا حد عليه في شيء من ذلك . هذا قول النعمان . وقال يعقوب ومحمد : يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك من النكاح . وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة في عقدة أو تزوج متعة أو تزوج بغير شهود , أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها . وقال أبو ثور : إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود . وفيه قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه : جلد مائة ولا ينفى . فهذه فتيا علمائنا في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها . ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال : أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ; فقالت : يا أمير المؤمنين , إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه , وهو يعمل بطاعة الله عز وجل . فقال لها : نعم الزوج زوجك : فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب . فقال له كعب الأسدي : يا أمير المؤمنين , هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه . فقال عمر : كما فهمت كلامها فاقض بينهما . فقال كعب : علي بزوجها , فأتي به فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك . قال : أفي طعام أم شراب ؟ قال لا . فقالت المرأة : يا أيها القاضي الحكيم رشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي تعبده فاقض القضا كعب ولا تردده نهاره وليله ما يرقده فلست في أمر النساء أحمده فقال زوجها : زهدني في فرشها وفي الحجل أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب : إن لها عليك حقا يا رجل نصيبها في أربع لمن عقل فأعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال : إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع , فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك . فقال عمر : والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما ؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة . وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تستعدي زوجها , فقالت : ليس لي ما للنساء ; زوجي يصوم الدهر . قال : ( لك يوم وله يوم , للعبادة يوم وللمرأة يوم )  . فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا قال الضحاك وغيره : في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين فَوَاحِدَةً فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة . وذلك دليل على وجوب ذلك , والله أعلم . وقرئت بالرفع , أي فواحدة فيها كفاية أو كافية . وقال الكسائي : فواحدة تقنع . وقرئت بالنصب بإضمار فعل , أي فانكحوا واحدة . أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يريد الإماء . وهو عطف على { فواحدة { أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه . وفي هذا دليل على ألا حق لملك اليمين في الوطء ولا القسم ; لأن المعنى { فإن خفتم ألا تعدلوا { في القسم { فواحدة أو ما ملكت أيمانكم { فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة , فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم . إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق . وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح , واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها . ألا ترى أنها المنفقة ؟ كما قال عليه السلام : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )  وهي المعاهدة المبايعة , وبها سميت الألية يمينا , وهي المتلقية لرايات المجد ; كما قال : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا ; عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . يقال : عال الرجل يعول إذا جار ومال . ومنه قولهم : عال السهم عن الهدف مال عنه . قال ابن عمر : إنه لعائل الكيل والوزن ; قال الشاعر : قالوا اتبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين أي جاروا . وقال أبو طالب : بميزان صدق لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل يريد غير مائل . وقال آخر : ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي أي جار ومال . وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة . ومنه قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة } [ التوبة : 38 ] . ومنه قول الشاعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وهو عائل وقوم عيلة , والعيلة والعالة الفاقة , وعالني الشيء يعولني إذا غلبني وثقل علي , وعال الأمر اشتد وتفاقم . وقال الشافعي : { ألا تعولوا } [ النساء : 3 ] ألا تكثر عيالكم . قال الثعلبي : وما قال هذا غيره , وإنما يقال : أعال يعيل إذا كثر عياله . وزعم ابن العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها , يقال : عال مال , الثاني زاد , الثالث جار , الرابع افتقر , الخامس أثقل , حكاه ابن دريد . قالت الخنساء : ويكفي العشيرة ما عالها السادس عال قام بمئونة العيال ; ومنه قوله عليه السلام : ( وابدأ بمن تعول )  . السابع عال غلب ; ومنه عيل صبره . أي غلب . ويقال : أعال الرجل كثر عياله . وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح . قلت : أما قول الثعلبي { ما قاله غيره { فقد أسنده الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم , وهو قول جابر بن زيد ; فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي إليه . وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح . وقد ذكرنا : عال الأمر اشتد وتفاقم , حكاه الجوهري . وقال الهروي في غريبيه : { وقال أبو بكر : يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها أي ضرب فيها . وقال الأحمر : يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك } . وأما عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي . قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة : العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله . وقال أبو حاتم : كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا , ولعله لغة . قال الثعلبي المفسر : قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب : سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال : هي لغة حمير ; وأنشد : وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشى وعالا يعني وإن كثرت ماشيته وعياله . وقال أبو عمرو بن العلاء : لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحنا . وقرأ طلحة بن مصرف { ألا تعيلوا { وهي حجة الشافعي رضي الله عنه . قال ابن عطية : وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال : إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال , فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال . وهذا القدح غير صحيح ; لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع , وإنما العيال القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة . وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول : عال الرجل إذا كثر عياله . تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا , لأن الله تعالى قال : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } يعني ما حل { مثنى وثلاث ورباع { ولم يخص عبدا من حر . وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئه , وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب . وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ; قال وهو قول الليث . قال أبو عمر : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد : لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ; وبه قال أحمد وإسحاق . وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ; ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة . وهو قول الشعبي وعطاء وابن سيرين والحكم وإبراهيم وحماد . والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه وحده . وكل من قال حده نصف حد الحر , وطلاقه تطليقتان , وإيلاؤه شهران , ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال : تناقض في قوله { ينكح أربعا { والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا
الأية
4
 
وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ الصدقات جمع , الواحدة صدقة . قال الأخفش : وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات , وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت . قال المازني : يقال صداق المرأة بالكسر , ولا يقال بالفتح . وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس . والخطاب في هذه الآية للأزواج ; قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج . أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم . وقيل : الخطاب للأولياء ; قاله أبو صالح . وكان الولي يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا , فنهوا عن ذلك وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهن . قال في رواية الكلبي : أن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معه في العشرة لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا , وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير ; فنزل : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } . وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه : زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى , فأمروا أن يضربوا المهور . والأول أظهر ; فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد ; لأنه قال : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى { إلى قوله : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } . وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأول فيها هو الآخر . هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة , وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض أهل العلم من أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق ; وليس بشيء ; لقوله تعالى { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة { فعم . وقال : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف } [ النساء : 25 ] . وأجمع العلماء أيضا أنه لا حد لكثيره , واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله : { وآتيتم إحداهن قنطارا } [ النساء : 20 ] . وقرأ الجمهور } صدقاتهن { بفتح الصاد وضم الدال . وقرأ قتادة { صدقاتهن { بضم الصاد وسكون الدال . وقرأ النخعي وابن وثاب بضمهما والتوحيد { صدقتهن { نِحْلَةً النحلة والنحلة , بكسر النون وضمها لغتان . وأصلها من العطاء ; نحلت فلانا شيئا أعطيته . فالصداق عطية من الله تعالى للمرأة . وقيل : { نحلة { أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع . وقال قتادة : معنى { نحلة { فريضة واجبة . ابن جريج وابن زيد : فريضة مسماة . قال أبو عبيد : ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة . وقال الزجاج : { نحلة { تدينا . والنحلة الديانة والملة . يقال . هذا نحلته أي دينه . وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية , حتى قال بعض النساء في زوجها : لا يأخذ الحلوان من بناتنا تقول : لا يفعل ما يفعله غيره . فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء . و { نحلة { منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها تقديره انحلوهن نحلة . وقيل : هي نصب وقيل على التفسير . وقيل : هي مصدر على غير الصدر في موضع الحال . فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ مخاطبة للأزواج , ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة ; وبه قال جمهور الفقهاء . ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن الملك لها . وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء ; لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا , فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة . والقول الأول أصح ; لأنه لم يتقدم للأولياء ذكر , والضمير في { منه { عائد على الصداق . وكذلك قال عكرمة وغيره . وسبب الآية فيما ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت { فإن طبن لكم } . واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها , ولا رجوع لها فيه . إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه , واحتج بقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا { وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا . قال ابن العربي : وهذا باطل ; لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها ; إذ ليس المراد صورة الأكل , وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال , وهذا بين . فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها , وحطت عنه لذلك شيئا من صداقها , ثم تزوج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن القاسم ; لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه . كما اشترط أهل بريرة أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها , فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط . كذلك ههنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة . قال ابن عبد الحكم : إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع عليه بشيء , وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها ; لأنه شرط على نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه , فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام : ( المؤمنون عند شروطهم )  . وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا ; لأنه ليس بمال ; إذ لا يمكن للمرأة هبته ولا الزوج أكله . وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد والشافعي . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب : يكون صداقا ولا مهر لها غير العتق ; على حديث صفية - رواه الأئمة - أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها . وروي عن أنس أنه فعله , وهو راوي حديث صفية . وأجاب الأولون بأن قالوا : لا حجة في حديث صفية ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا في النكاح بأن يتزوج بغير صداق , وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا صداق . فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا ; والله أعلم . نَفْسًا قيل : هو منصوب على البيان . ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان , وأجاز ذلك المازني وأبو العباس المبرد إذا كان العامل فعلا . وأنشد : وما كان نفسا بالفراق تطيب وفي التنزيل { خشعا أبصارهم يخرجون } [ القمر : 7 ] فعلى هذا يجوز { شحما تفقأت . ووجها حسنت } . وقال أصحاب سيبويه : إن { نفسا { منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا , وليست منصوبة على التمييز ; وإذا كان هذا فلا حجة فيه . وقال الزجاج . الرواية : وما كان نفسي .. . واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرف كعشرين درهما . فَكُلُوهُ ليس المقصود صورة الأكل , وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان , وهو المعني بقوله في الآية التي بعدها { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء : 10 ] . وليس المراد نفس الأكل ; إلا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل . ونظيره قوله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } [ الجمعة : 9 ] يعلم أن صورة البيع غير مقصودة , وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره ; ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى . هَنِيئًا مَرِيئًا منصوب على الحال من الهاء في { كلوه { وقيل : نعت لمصدر محذوف , أي أكلا هنيئا بطيب الأنفس . هنأه الطعام والشراب يهنؤه , وما كان هنيئا ; ولقد هنؤ , والمصدر الهنء . وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيء . وهنيء اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف . وهنئ يهنأ فهو هنئ على فعل كزمن . وهنأني الطعام ومرأني على الإتباع ; فإذا لم يذكر { هنأني { قلت : أمرأني الطعام بالألف , أي انهضم . قال أبو علي : وهذا كما جاء في الحديث ( ارجعن مأزورات غير مأجورات )  . فقلبوا الواو من { موزورات { ألفا إتباعا للفظ مأجورات . وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي : يقال هنيء وهنأني ومرأني وأمرأني ولا يقال مرئني ; حكاه الهروي . وحكى القشيري أنه يقال : هنئني ومرئني بالكسر يهنأني ويمرأني , وهو قليل . وقيل : { هنيئا { لا إثم فيه , و { مريئا { لا داء فيه . قال كثير : هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت ودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له : كل من الهنيء المريء . وقيل : الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء , والمريء المحمود العاقبة , التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي . يقول : لا تخافون في الدنيا به مطالبة , ولا في الآخرة تبعة . يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه { فقال : ( إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان , ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة )  وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته درهما من صداقها ثم ليشتر به عسلا فليشربه بماء السماء ; فيجمع الله عز وجل له الهنيء والمريء والماء المبارك )  . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
الأية
5
 
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم { وإيصال الصدقات إلى الزوجات , بين أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه . فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام . وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة . واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة ; فقال عوام أهل العلم : الوصية لها جائزة . واحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة . وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قال : لا تكون المرأة وصيا ; فإن فعل حولت إلى رجل من قومه . واختلفوا في الوصية إلى العبد ; فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب . وأجازه مالك والأوزاعي وابن عبد الحكم . وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده . وقد مضى القول في هذا في { البقرة { مستوفى . { السفهاء { قد مضى في { البقرة { معنى السفه لغة . واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء , من هم ؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم . قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية . وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال : هم الأولاد الصغار , لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء . وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : هم النساء . قال النحاس وغيره : وهذا القول لا يصح ; إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات ; لأنه الأكثر في جمع فعيلة . ويقال : لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة . وروي عن عمر أنه قال : من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا ; فذلك قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم { يعني الجهال بالأحكام . ويقال : لا تدفع إلى الكفار ; ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع , أو يدفع إليه مضاربة . وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : ( السفهاء هنا كل من يستحق الحجر )  . وهذا جامع . وقال ابن خويز منداد : وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال : حال يحجر عليه لصغره , وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره , وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله . فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر عليه لسرعة زوال ما به . والحجر يكون مرة في حق الإنسان ومرة في حق غيره ; فأما المحجور عليه في حق نفسه من ذكرنا . والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في الثلثين , والمفلس وذات الزوج لحق الزوج , والبكر في حق نفسها . فأما الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما . وأما الكبير فلأنه لا يحسن النظر لنفسه في ماله , ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه , فأشبه الصبي ; وفيه خلاف يأتي . ولا فرق بين أن يتلف ماله في المعاصي أو القرب والمباحات . واختلف أصحابنا إذا أتلف ماله في القرب ; فمنهم من حجر عليه , ومنهم من لم يحجر عليه . والعبد لا خلاف فيه . والمديان ينزع ما بيده لغرمائه ; لإجماع الصحابة , وفعل عمر ذلك بأسيفع جهينة ; ذكره مالك في الموطأ . والبكر ما دامت في الخدر محجور عليها ; لأنها لا تحسن النظر لنفسها . حتى إذا تزوجت ودخل إليها الناس , وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع . وأما ذات الزوج فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثها )  . قلت : وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره , فلا يدفع إليه المال ; لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها . وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالربا وغيره . والله أعلم . واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على هذا , وهي للسفهاء ; فقيل : أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم اتساعا ; كقوله تعالى : { فسلموا على أنفسكم } [ النور : 61 ] وقوله { فاقتلوا أنفسكم } [ البقرة : 54 ] . وقيل : أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم ; فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد , ومن ملك إلى ملك , أي هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم , وبها قوام أمركم . وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة : ( أن المراد أموال المخاطبين حقيقة )  . قال ابن عباس : ( لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم ; بل كن أنت الذي تنفق عليهم )  . فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان ; صغار ولد الرجل وامرأته . وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء . ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه ; لأمر الله عز وجل بذلك في قوله : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم { وقال { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } [ البقرة : 282 ] . فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف . وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير , ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ ; لأن السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه , والقلم مرفوع عن غير البالغ , فالذم والحرج منفيان عنه ; قاله الخطابي . واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه ; فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم : إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده . وهو قول الشافعي وأبي يوسف . وقال ابن القاسم : أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام . وقال أصبغ : إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة , وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الإمام . واحتج سحنون لقول مالك بأن قال : لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد . وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا ليس له مال غيره فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك . واختلفوا في الحجر على الكبير ; فقال مالك وجمهور الفقهاء : يحجر عليه . وقال أبو حنيفة : لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله ; فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة , فإذا بلغها سلم إليه بكل حال , سواء كان مفسدا أو غير مفسد ; لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة , ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا وأبا , وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا . وقيل عنه : إن في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق , وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا . وهذا كله ضعيف في النظر والأثر . وقد روى الدارقطني : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم - هو أبو يوسف القاضي - أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال : إني اشتريت بيع كذا وكذا , وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي فيه . فقال الزبير : أنا شريكك في البيع . فأتى علي عثمان فقال : إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه . فقال الزبير : فأنا شريكه في البيع . فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ؟ قال يعقوب : أنا آخذ بالحجر وأراه , وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه , وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بيعه . قال يعقوب بن إبراهيم : وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر . فقول عثمان : كيف أحجر على رجل , دليل على جواز الحجر على الكبير ; فإن عبد الله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة , وهو أول مولود ولد في الإسلام بها , وقدم مع أبيه على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر فسمع منه وحفظ عنه . وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة . وهذا يرد على أبي حنيفة قوله . وستأتي حجته إن شاء الله تعالى . الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا أي لمعاشكم وصلاح دينكم . وفي { التي { ثلاث لغات : التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها . وفي تثنيتها أيضا ثلاث لغات : اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد النون . وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى . والقيام والقوام : ما يقيمك بمعنى . يقال : فلان قيام أهله وقوام بيته , وهو الذي يقيم شأنه , أي يصلحه . ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء . وقراءة أهل المدينة { قيما { بغير ألف . قال الكسائي والفراء : قيما وقواما بمعنى قياما , وانتصب عندهما على المصدر . أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما . وقال الأخفش : المعنى قائمة بأموركم . يذهب إلى أنها جمع . وقال البصريون : قيما جمع قيمة ; كديمة وديم , أي جعلها الله قيمة للأشياء . وخطأ أبو علي هذا القول وقال : هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم , ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم : جياد في جمع جواد ونحوه . وقوما وقواما وقياما معناها ثباتا في صلاح الحال ودواما في ذلك . وقرأ الحسن والنخعي { اللاتي { جعل على جمع التي , وقراءة العامة { التي { على لفظ الجماعة . قال الفراء : الأكثر في كلام العرب { النساء اللواتي , والأموال التي { وكذلك غير الأموال ; ذكره النحاس : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ قيل : معناه اجعلوا لهم فيها أو افرضوا لهم فيها . وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر . فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على زوجها . وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة : إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني )  ؟ فقالوا : يا أبا هريرة , سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا , هذا من كيس أبي هريرة ! . قال المهلب : النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ; وهذا الحديث حجة في ذلك . قال ابن المنذر : واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب ; فقالت طائفة : على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا , وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن . فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها . وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها . ولا نفقة لولد الولد على الجد ; هذا قول مالك . وقالت طائفة : ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض . ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى , وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال , وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم ; هذا قول الشافعي . وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد ; على ظاهر قوله عليه السلام لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف )  . وفي حديث أبي هريرة ( يقول الابن أطعمني إلى من تدعني ؟ )  يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف . ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك ; لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب لها , بدليل قوله تعالى : { حتى إذا بلغوا النكاح } [ النساء : 6 ] الآية . فجعل بلوغ النكاح حدا في ذلك . وفي قوله : ( تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني )  يرد على من قال : لا يفرق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر ; وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم . هذا قول عطاء والزهري . وإليه ذهب الكوفيون متمسكين بقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } [ البقرة : 280 ] . قالوا : فوجب أن ينظر إلى أن يوسر . وقوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] الآية . قالوا : فندب تعالى إلى إنكاح الفقير ; فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب منعه إلى النكاح . ولا حجة لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها . والحديث نص في موضع الخلاف . وقيل : الخطاب لولي اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره ; على ما تقدم من الخلاف في إضافة المال . فالوصي ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله ; فإن كان صغيرا وماله كثير اتخذ له ظئرا وحواضن ووسع عليه في النفقة . وإن كان كبيرا قدر له ناعم اللباس وشهي الطعام والخدم . وإن كان دون ذلك فبحسبه . وإن كان دون ذلك فخشن الطعام واللباس قدر الحاجة . فإن كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام القيام به من بيت المال ; فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص . وأمه أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به . ولا ترجع عليه ولا على أحد . وقد مضى في البقرة عند قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن } [ البقرة : 233 ] . وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا أراد تليين الخطاب والوعد الجميل . واختلف في القول المعروف ; فقيل : معناه ادعوا لهم : بارك الله فيكم , وحاطكم وصنع لكم , وأنا ناظر لك , وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك . وقيل : معناه وعدوهم وعدا حسنا ; أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم . ويقول الأب لابنه : مالي إليك مصيره , وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ۚ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا
الأية
6
 
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات , وأصل الرحم من الرحمة , لأنها مما يتراحم به . واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله ; فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة . وهذه الآية تعظيم لله تعالى , وفي ضمنها الرد على نصارى نجران , وأن عيسى من المصورين , وذلك مما لا ينكره عاقل . وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة { الحج { و } المؤمنون } . وكذلك شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود , على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالى وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة . وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد وفي مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سنجر - حديث ( إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة )  . وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة , وهو صريح في قوله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } [ الحجرات : 13 ] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أه2ل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان . قال : ( ينفعك إن حدثتك )  ؟ . قال : أسمع بأذني , قال : جئتك أسألك عن الولد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله .. .) الحديث . وسيأتي بيانه آخر } الشورى { إن شاء الله تعالى . كَيْفَ يَشَاءُ يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة , إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة . وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث , فقال لهم : إني مشغول عنكم بأربعة أشياء , فلا أتفرغ لرواية الحديث . فقيل له : وما ذاك الشغل ؟ قال : أحدها إني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال : ( هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي )  فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت والثاني حيث صورت في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام : ( يا رب شقي هو أم سعيد )  فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول : ( يا رب مع الكفر أم مع الإيمان )  فلا أدري كيف يخرج الجواب والرابع حيث يقول : { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } [ يس : 59 ] فلا أدري في أي الفريقين أكون . لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أي لا خالق ولا مصور سواه وذلك دليل على وحدانيته , فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور . الْعَزِيزُ الذي لا يغالب . الْحَكِيمُ ذو الحكمة أو المحكم , وهذا أخص بما ذكر من التصوير .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَفْرُوضًا
الأية
7
 
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا فيه خمس مسائل : الأولى : لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث . ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري , توفي وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ; فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ; فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا , وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا , ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل , وطاعن بالرمح , وضارب بالسيف , وحاز الغنيمة . فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما , فقالا : يا رسول الله , ولدها لا يركب فرسا , ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا . فقال عليه السلام : ( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن )  . فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم , وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم ; فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار , لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم , فعكسوا الحكم , وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم , وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم . الثانية : قال علماؤنا : في هذه الآية فوائد ثلاث : إحداها : بيان علة الميراث وهي القرابة . الثانية : عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد . الثالثة : إجمال النصيب المفروض . وذلك مبين في آية المواريث ; فكان في هذه الآية توطئة للحكم , وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي . الثالثة : ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله - بئر حاء - وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( اجعلها في فقراء أقاربك )  فجعلها لحسان وأبي . قال أنس : ( وكانا أقرب إليه مني )  . قال أبو داود : بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال : أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار . وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام . وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار . قال الأنصاري : بين أبي طلحة وأبي ستة آباء . قال : وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبي بن كعب وأبا طلحة . قال أبو عمر : في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا القعدد ونحوه , وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة . الرابعة : قوله تعالى : { مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا { أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو ; فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا ; فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا . فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم } [ النساء : 11 ] إلى قوله تعالى : { الفوز العظيم } [ النساء : 13 ] فأرسل إليهما ( أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس , ولبناته الثلثين , ولكما بقية المال )  . الخامسة : استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله , كالحمام والبيت وبيدر الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها . فقال مالك : يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به ; لقوله تعالى : { مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } . وهو قول ابن كنانة , وبه قال الشافعي , ونحوه قول أبي حنيفة . قال أبو حنيفة : في الدار الصغيرة بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه قسمت له . وقال ابن أبي ليلى : إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم . وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم ; وهو قول أبي ثور . قال ابن المنذر : وهو أصح القولين . ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي . قال ابن القاسم : وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات , وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم , أن يباع ولا شفعة فيه ; لقوله عليه السلام : ( الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة )  . فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود , وعلق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه . هذا دليل الحديث . قلت : ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم )  . قال أبو عبيد : هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم . يقول : فلا يقسم ; وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك . والتعضية التفريق , يقال : عضيت الشيء إذا فرقته . ومنه قوله تعالى : " الذين جعلوا القرآن عضين } [ الحجر : 91 ] . وقال تعالى : { غير مضار } [ النساء : 12 ] فنفى المضارة . وكذلك قال عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار )  . وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة , وإنما اقتضت الآية وجوب الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا , ردا على الجاهلية فقال : { للرجال نصيب } { وللنساء نصيب } [ النساء : 32 ] وهذا ظاهر جدا . فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر ; وذلك بأن يقول الوارث : قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه ; فيقول له شريكه : أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن ; لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال , وتغيير الهيئة , وتنقيص القيمة ; فيقع الترجيح . والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل . والله الموفق . قال الفراء : { نصيبا مفروضا { هو كقولك : قسما واجبا , وحقا لازما ; فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب . الزجاج : انتصب على الحال . أي لهؤلاء أنصباء في حال الفرض . الأخفش : أي جعل الله لهم نصيبا . والمفروض : المقدر الواجب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
الأية
8
 
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة , وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا , إن كان المال كثيرا ; والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ . ( وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم ; درهم يسبق مائة ألف )  . فالآية على هذا القول محكمة ; قاله ابن عباس . وامتثل ذلك جماعة من التابعين : عروة بن الزبير وغيره , وأمر به أبو موسى الأشعري وروي عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] ) وقال سعيد بن المسيب : نسخها آية الميراث والوصية . وممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعكرمة والضحاك . والأول أصح ; فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم , واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم . قال ابن جبير : ضيع الناس هذه الآية . قال الحسن : ولكن الناس شحوا . وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين { قال : ( هي محكمة وليست بمنسوخة )  . وفي رواية قال : ( إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت , لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها ; هما واليان : وال يرث وذلك الذي يرزق , ووال لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروف , ويقول : لا أملك لك أن أعطيك )  . قال ابن عباس : ( أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم , ويتاماهم ومساكينهم من الوصية , فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث )  . قال النحاس : فهذا أحسن ما قيل في الآية , أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير , والشكر لله عز وجل . وقالت طائفة : هذا الرضخ واجب على جهة الفرض , تعطي الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم , كالماعون والثوب الخلق وما خف . حكى هذا القول ابن عطية والقشيري . والصحيح أن هذا على الندب ; لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث , لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول . وذلك مناقض للحكمة , وسبب للتنازع والتقاطع . وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية , لا الورثة . وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد . ( فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألا يحرمه )  . وهذا والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة , ولم تنزل آية الميراث . والصحيح الأول وعليه المعول . فإذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله ; فقالت طائفة : يعطى ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى . وقيل : لا يعطى بل يقول لمن حضر القسمة : ليس لي شيء من هذا المال إنما هو لليتيم , فإذا بلغ عرفته حقكم . فهذا هو القول المعروف . وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء ; فإن أوصى يصرف له ما أوصى . ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعاما يأكلونه ; وفعلا ذلك , ذبحا شاة من التركة , وقال عبيدة : لولا هذه الآية لكان هذا من مالي . وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال : ثلاث محكمات تركهن الناس : هذه الآية , وآية الاستئذان { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } [ النور : 58 ] , وقوله : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } [ الحجرات : 13 ] . فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ الضمير عائد على معنى القسمة ; إذ هي بمعنى المال والميراث ; لقوله تعالى : { ثم استخرجها من وعاء أخيه } [ يوسف : 76 ] أي السقاية ; لأن الصواع مذكر . ومنه قوله عليه السلام : ( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب )  فأعاد مذكرا على معنى الدعاء . وكذلك قوله لسويد بن طارق الجعفي حين سأله عن الخمر ( إنه ليس بدواء ولكنه داء )  فأعاد الضمير على معنى الشراب . ومثله كثير . يقال : قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه , والاسم القسمة مؤنثة ; والقسم مصدر قسمت الشيء فانقسم , والموضع مقسم مثل مجلس , وتقسمهم الدهر فتقسموا , أي فرقهم فتفرقوا . والتقسيم التفريق . والله أعلم . وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا قال سعيد بن جبير : يقال لهم خذوا بورك لكم . وقيل : قولوا مع الرزق وددت أن لو كان أكثر من هذا . وقيل : لا حاجة مع الرزق إلى عذر , نعم إن لم يصرف إليهم شيء فلا أقل من قول جميل ونوع اعتذار .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
الأية
9
 
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ قوله تعالى : { وليخش { حذفت الألف من { ليخش } للجزم بالأمر , ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر . وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم ; وأنشد الجميع : محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالا أراد لتفد , ومفعول { يخش { محذوف لدلالة الكلام عليه . و { خافوا { جواب { لو } . التقدير لو تركوا لخافوا . ويجوز حذف اللام في جواب { لو " . وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها ; فقالت طائفة : ( هذا وعظ للأوصياء , أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم )  ; قاله ابن عباس . ولهذا قال الله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } [ النساء : 10 ] . وقالت طائفة : المراد جميع الناس , أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس ; وإن لم يكونوا في حجورهم . وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده . ومن هذا ما حكاه الشيباني قال : كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك , فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي , فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان . فقلت له : يا أبا بشر , ودي ألا يكون لي ولد . فقال لي : ما عليك ! ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت , أحب أو كره , ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ; ثم تلا الآية . وفي رواية : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه , وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك ؟ فقلت : بلى ! فتلا هذه الآية { وليخش الذين لو تركوا { إلى آخرها . قلت : ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته )  . وقول ثالث قاله جمع من المفسرين : هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته : إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك , وأوص بمالك في سبيل الله , وتصدق وأعتق . حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته ; فنهوا عن ذلك . فكأن الآية تقول لهم : ( كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم , فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله )  ; قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ( إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك , ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك )  ; فذلك قوله تعالى : { فليتقوا الله " . وقال مقسم وحضرمي : نزلت في عكس هذا , وهو أن يقول للمحتضر من يحضره : أمسك على ورثتك , وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك , وينهاه عن الوصية , فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له ; فقيل لهم : كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم , فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى , واتقوا الله في ضررهم . وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث ; روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب . قال ابن عطية : وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس , بل الناس صنفان ; يصلح لأحدهما القول الواحد , ولآخر القول الثاني . وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية , ويحمل على أن يقدم لنفسه . وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط ; فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين , فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه . قلت : وهذا التفصيل صحيح ; لقوله عليه السلام لسعد : ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس )  . فإن لم يكن للإنسان ولد , أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه ; فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح , فيكون وزره عليه . وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا السديد : العدل والصواب من القول ; أي مروا المريض بأن يخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة , ثم يوصي لقرابته بقدر ما لا يضر بورثته الصغار . وقيل : المعنى قولوا للميت قولا عدلا , وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله , ولا يأمره بذلك , ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن . هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )  ولم يقل مروهم ; لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد . وقيل : المراد اليتيم ; أن لا ينهروه ولا يستخفوا به .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
الأية
10
 
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد , ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ; فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية , قال مقاتل بن حيان ; ولهذا قال الجمهور : إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم . وقال ابن زيد : نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار . وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلا ; لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء . وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم , والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق . وسمى المأكول نارا بما يئول إليه ; كقوله تعالى : { إني أراني أعصر خمرا } [ يوسف : 36 ] أي عنبا . وقيل : نارا أي حراما ; لأن الحرام يوجب النار , فسماه الله تعالى باسمه . وروى أبو سعيد الخدري قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : ( رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما )  . فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر . وقال صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا السبع الموبقات )  وذكر فيها ( وأكل مال اليتيم )  . وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله ; من أصلاه الله حر النار إصلاء . قال الله تعالى : { سأصليه سقر } [ المدثر : 26 ] . وقرأ أبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى . دليله قوله تعالى : { ثم الجحيم صلوه } [ الحاقة : 31 ] . ومنه قولهم : صليته مرة بعد أخرى . وتصليت : استدفأت بالنار . قال : وقد تصليت حر حربهم كما تصلى المقرور من قرس وقرأ الباقون بفتح الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاء . قال الله تعالى : { لا يصلاها إلا الأشقى } [ الليل : 15 ] . والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها ; ومنه قول الحارث بن عباد : لم أكن من جناتها علم الله إني لحرها اليوم صال والسعير : الجمر المشتعل . وهذه آية من آيات الوعيد , ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب . والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت ; بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون , فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة , لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره , ساقط بالمشيئة عن بعضهم ; لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] . وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى . روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل )  . فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
الأية
11
 
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الدأب العادة والشأن . ودأب الرجل في عمله يدأب دأبا ودءوبا إذا جد واجتهد , وأدأبته أنا . وأدأب بعيره إذا جهده في السير . والدائبان الليل والنهار . قال أبو حاتم : وسمعت يعقوب يذكر { كدأب { بفتح الهمزة , وقال لي وأنا غليم : على أي شيء يجوز { كدأب { ؟ فقلت له : أظنه من دئب يدأب دأبا . فقبل ذلك مني وتعجب من جودة تقديري على صغري ; ولا أدري أيقال أم لا . قال النحاس : { وهذا القول خطأ , لا يقال البتة دئب ; وإنما يقال : دأب يدأب دءوبا ودأبا ; هكذا حكى النحويون , منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر ; كما قال امرؤ القيس : كدأبك من أم الحويرث قبلها وجازتها أم الرباب بمأسل فأما الدأب فإنه يجوز ; كما يقال : شعر وشعر ونهر ونهر ; لأن فيه حرفا من { حروف الحلق } . واختلفوا في الكاف ; فقيل : هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون , أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى . وزعم الفراء أن المعنى : كفرت العرب ككفر آل فرعون . قال النحاس : لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا , لأن كفروا داخلة في الصلة . وقيل : هي متعلقة ب { أخذهم الله } , أي أخذهم أخذا كما أخذ آل فرعون . وقيل : هي متعلقة بقوله { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم .. ." [ آل عمران : 10 ] أي لم تغن عنهم كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون . وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد وقال : شغلتنا أموالنا وأهلونا . ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود , ويكون التشبيه في نفس الاحتراق . ويؤيد هذا المعنى } .. . وحاق بآل فرعون سوء العذاب .{ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [ المؤمن : 46 ] . والقول الأول أرجح , واختاره غير واحد من العلماء . قال ابن عرفة : { كدأب آل فرعون { أي كعادة آل فرعون . يقول : اعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبي صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء ; وقال معناه الأزهري . فأما قوله في سورة ( الأنفال )  { كدأب آل فرعون { فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق والهلاك . كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ يحتمل أن يريد الآيات المتلوة , ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
الأية
12
 
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ الخطاب للرجال . والولد هنا بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا , ذكرانا وإناثا واحدا فما زاد بإجماع . وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد , وله مع وجوده الربع . وترث المرأة من زوجها الربع مع فقد الولد , والثمن مع وجوده . وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد , وفي الثمن إن كان له ولد واحد , وأنهن شركاء في ذلك ; لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين حكم الجميع , كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن . وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ الكلالة مصدر ; من تكلله النسب أي أحاط به . وبه سمي الإكليل , وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا احتل بها . ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس . ( فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة )  . هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم . وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال : ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد . وهكذا قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد وابن الأنباري . فالأب والابن طرفان للرجل ; فإذا ذهبا تكلله النسب . ومنه قيل : روضة مكللة إذا حفت بالنور . وأنشدوا : مسكنه روضة مكللة عم بها الأيهقان والذرق يعني نبتين . وقال امرؤ القيس : أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل فسموا القرابة كلالة ; لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم , وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه . كما قال أعرابي : مالي كثير ويرثني كلالة متراخ نسبهم . وقال الفرزدق : ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم وقال آخر : وإن أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب وقيل : إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء ; فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء . قال الأعشى : فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وجى حتى تلاقي محمدا وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال : الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة . قال أبو عمر : ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له , ولم يذكره في شرط الكلالة غيره . وروي عن عمر بن الخطاب أن ( الكلالة من لا ولد له خاصة )  ; وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه . وقال ابن زيد : الكلالة الحي والميت جميعا . وعن عطاء : الكلالة المال . قال ابن العربي : وهذا قول طريف لا وجه له . قلت : له وجه يتبين بالإعراب آنفا . وروي عن ابن الأعرابي أن الكلالة بنو العم الأباعد . وعن السدي أن الكلالة الميت . وعنه مثل قول الجمهور . وهذه الأقوال تتبين وجوهها بالإعراب ; فقرأ بعض الكوفيين { يورث كلالة { بكسر الراء وتشديدها . وقرأ الحسن وأيوب { يورث { بكسر الراء وتخفيفها , على اختلاف عنهما . وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال . كذلك حكى أصحاب المعاني ; فالأول من ورث , والثاني من أورث . و { كلالة { مفعوله و { كان { بمعنى وقع . ومن قرأ { يورث { بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال , والتقدير : يورث وراثة كلالة فتكون نعتا لمصدر محذوف . ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان ; فالتقدير : ذا ورثة . ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع , و { يورث { نعت لرجل , و { رجل { رفع بكان , و { كلالة { نصب على التفسير أو الحال ; على أن الكلالة هو الميت , التقدير : وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت . ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين : آخر السورة وهنا , ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الإخوة . فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عنى بها الإخوة للأم ; لقوله تعالى : { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } . وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ { وله أخ أو أخت من أمه } . ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو الأب ليس ميراثهم كهذا ; فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه أو لأبيه ; لقوله عز وجل { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 176 ] . ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا ; فدلت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعا كلالة . وقال الشعبي : ( الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة )  . كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن عباس , وهو القول الأول الذي بدأنا به . قال الطبري : والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده , لصحة خبر جابر : فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة , أفأوصي بمالي كله ؟ قال : ( لا )  . قال أهل اللغة : يقال رجل كلالة وامرأة كلالة . ولا يثنى ولا يجمع ; لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة . وأعاد ضمير مفرد في قوله : { وله أخ { ولم يقل لهما . ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا ; تقول : من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما وإليهم ; قال الله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة } [ البقرة : 45 ] . وقال تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } [ النساء : 135 ] ويجوز أولى بهم ; عن الفراء وغيره . ويقال في امرأة : مرأة , وهو الأصل . وأخ أصله أخو , يدل عليه أخوان ; فحذف منه وغير على غير قياس . قال الفراء ضم أول أخت , لأن المحذوف منها واو , وكسر أول بنت ; لأن المحذوف منها ياء . وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا . فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا . وإذا كانوا يأخذون بالأم فلا يفضل الذكر على الأنثى . وهذا إجماع من العلماء , وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم . فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها لأمها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ من الأم السدس . فإن تركت أخوين وأختين - والمسألة بحالها - فللزوج النصف وللأم السدس وللأخوين والأختين الثلث , وقد تمت الفريضة . وعلى هذا عامة الصحابة ; لأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس . وأما ابن عباس فإنه لم ير العول ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة , وهو لا يرى ذلك . والعول مذكور في غير هذا الموضع , ليس هذا موضعه . فإن تركت زوجها وإخوة لأم وأخا لأب وأم ; فللزوج النصف , ولإخوتها لأمها الثلث , وما بقي فلأخيها لأمها وأبيها . وهكذا من له فرض مسمى أعطيه , والباقي للعصبة إن فضل . فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية , وتسمى أيضا المشتركة . قال قوم : ( للإخوة للأم الثلث , وللزوج النصف , وللأم السدس )  , وسقط الأخ والأخت من الأب والأم , والأخ والأخت من الأب . روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم , وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر ; لأن الزوج والأم والأخوين للأم أصحاب فرائض مسماة ولم يبق للعصبة شيء . وقال قوم : ( الأم واحدة , وهب أن أباهم كان حمارا ! وأشركوا بينهم في الثلث )  ; ولهذا سميت المشتركة والحمارية . روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا وزيد بن ثابت ومسروق وشريح , وبه قال مالك والشافعي وإسحاق . ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلا . فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية , والله الموفق للهداية . وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة , وكانوا يورثون الرجال دون النساء ; فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب } [ النساء : 32 ] كما تقدم . وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالفة , قال الله عز وجل : { والذين عقدت أيمانكم } [ النساء : 33 ] على ما يأتي بيانه . ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة ; قال الله تعالى : { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } [ الأنفال : 72 ] وسيأتي . وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم , إن شاء الله تعالى . وسيأتي في سورة } النور { ميراث ابن الملاعنة وولد الزنا والمكاتب بحول الله تعالى . والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم حياته أن ميراثه ثابت ; لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم . وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد العدو : لا يرث . وقد تقدم ميراث المرتد في سورة { البقرة { والحمد لله . مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ { غير مضار { نصب على الحال والعامل { يوصى } . أي يوصي بها غير مضار , أي غير مدخل الضرر على الورثة . أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة ; ولا يقر بدين . فالإضرار راجع إلى الوصية والدين ; أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث , فإن زاد فإنه يرد , إلا أن يجيزه الورثة ; لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى . وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا . وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز . وقد تقدم هذا في { البقرة } . وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها ; كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف ; فإن ذلك لا يجوز عندنا . وروي عن الحسن أنه قرأ { غير مضار وصية من الله { على الإضافة . قال النحاس : وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن ; لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر . والقراءة حسنة على حذف , والمعنى : غير مضار ذي وصية , أي غير مضار بها ورثته في ميراثهم . وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة . فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين ; فقالت طائفة : يبدأ بدين الصحة ; هذا قول النخعي والكوفيين . قالوا : فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون . وقالت طائفة : هما سواء إذا كان لغير وارث . هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد , وذكر أبو عبيد إنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن . قد مضى في } البقرة { الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها . وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب ( وهو مطعون فيه )  عن أبي هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار )  . قال : وقرأ علي أبو هريرة من هاهنا { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار { حتى بلغ { ذلك الفوز العظيم } . وقال ابن عباس : ( الإضرار في الوصية من الكبائر )  ; ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم , إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارة في ثلثه ; لأن ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء . وفي المذهب قوله : أن ذلك مضارة ترد . وبالله التوفيق . قوله تعالى : { وصية { نصب على المصدر في موضع الحال والعامل { يوصيكم { ويصح أن يعمل فيها { مضار { والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا , قال ابن عطية ; وذكر أن الحسن بن أبي الحسن قرأ { غير مضار وصية { بالإضافة ; كما تقول : شجاع حرب . وبضة المتجرد ; في قول طرفة بن العبد . والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يعني عليم بأهل الميراث حليم على أهل الجهل منكم . وقرأ بعض المتقدمين { والله عليم حكيم } [ النساء : 26 ] يعني حكيم بقسمة الميراث والوصية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الأية
13
 
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ و { تلك { بمعنى هذه , أي هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث فيقر بها ويعمل بها كما أمره الله تعالى يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا والجنات : البساتين , وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها , ومنه : المجن والجنين والجنة .{ من تحتها { أي من تحت أشجارها , ولم يجر لها ذكر , لأن الجنات دالة عليها .{ الأنهار { أي ماء الأنهار , فنسب الجري إلى الأنهار توسعا , وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا , كما قال تعالى : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] أي أهلها . وقال الشاعر : نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس أراد : أهل المجلس ; فحذف . والنهر : مأخوذ من أنهرت , أي وسعت , ومنه قول قيس بن الخطيم : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها أي وسعتها , يصف طعنة . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه )  . معناه : ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر . وجمع النهر : نهر وأنهار . ونهر نهر : كثير الماء ; قال أبو ذؤيب : أقامت به فابتنت خيمة على قصب وفرات نهر وروي : إن أنهار الجنة ليست في أخاديد , إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها . والوقف على { الأنهار { حسن وليس بتام وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الكبير .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ
الأية
14
 
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي يخالف أمره يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه , وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما . كما تقول : خلد الله ملكه . وقال زهير : ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع . وقرأ نافع وابن عامر { ندخله { بالنون في الموضعين , على معنى الإضافة إلى نفسه سبحانه . الباقون بالياء كلاهما ; لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى أي يدخله الله .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
الأية
15
 
وَاللَّاتِي لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن , وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال , ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة , لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف . قوله تعالى : { واللاتي } { اللاتي { جمع التي , وهو اسم مبهم للمؤنث , وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير , ولا يتم إلا بصلته ; وفيه ثلاث لغات كما تقدم . ويجمع أيضا { اللات { بحذف الياء وإبقاء الكسرة ; و { اللائي { بالهمزة وإثبات الياء , و { اللاء { بكسر الهمزة وحذف الياء , و { اللا { بحذف الهمزة . فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي , وفي اللاء : اللوائي . وقد روي عنهم { اللوات } بحذف الياء وإبقاء الكسرة ; قاله ابن الشجري . قال الجوهري : أنشد أبو عبيد : من اللواتي والتي واللاتي زعمن أن قد كبرت لدات واللوا بإسقاط التاء . وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد ; قال الراجز : بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها نفس تودت وبعض الشعراء أدخل على { التي { حرف النداء , وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله وحده ; فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها . وقال : من اجلك يالتي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني ويقال : وقع في اللتيا والتي ; وهما اسمان من أسماء الداهية . يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ الفاحشة في هذا الموضع الزنا , والفاحشة الفعلة القبيحة , وهي مصدر كالعاقبة والعافية . وقرأ ابن مسعود { بالفاحشة { بباء الجر . مِنْ نِسَائِكُمْ إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات ; كما قال { واستشهدوا شهيدين من رجالكم " [ البقرة : 282 ] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم . فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي من المسلمين , فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد . وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن ; قال الله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } [ النور : 4 ] وقال هنا : { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } . وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال : النبي صلى الله عليه وسلم ( ائتوني بأعلم رجلين منكم )  فأتوه بابني صوريا فنشدهما : ( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ )  قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما . قال : ( فما يمنعكما أن ترجموهما )  ; قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ; فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود , فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ; فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما . وقال قوم : إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ; إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما ; وهذا ضعيف ; فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا . ولا بد أن يكون الشهود ذكورا ; لقوله : { منكم { ولا خلاف فيه بين الأمة . وأن يكونوا عدولا ; لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة , وهذا أعظم , وهو بذلك أولى . وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل , على ما هو مذكور في أصول الفقه . ولا يكونون ذمة , وإن كان الحكم على ذمية , وسيأتي ذلك في { المائدة { وتعلق أبو حنيفة بقوله : " أربعة منكم { في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن . وسيأتي بيانه في } النور { إن شاء الله تعالى . فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا هذه أول عقوبات الزناة ; وكان هذا في ابتداء الإسلام ; قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده , ثم نسخ ذلك بآية { النور { وبالرجم في الثيب . وقالت فرقة : بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك , ولكن التلاوة أخرت وقدمت ; ذكره ابن فورك , وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة , فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن ; قاله ابن العربي . واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو توعدا بالحد على قولين : أحدهما : أنه توعد بالحد , والثاني : ( أنه حد )  ; قال ابن عباس والحسن . زاد ابن زيد : وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه . وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد ; غير أن ذلك الحكم كان ممدودا إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى , على اختلاف التأويلين في أيهما قبل ; وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )  . وهذا نحو قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : 187 ] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه . هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين , فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما , والجمع ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم , وقد قال بعض العلماء : إن الأذى والتعيير باق مع الجلد ; لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد . وأما الحبس فمنسوخ بإجماع , وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا
الأية
16
 
الَّذِينَ يَقُولُونَ { الذين { بدل من قوله { للذين اتقوا { وإن شئت كان رفعا أي هم الذين , أو نصبا على المدح . رَبَّنَا أي يا ربنا . إِنَّنَا آمَنَّا أي صدقنا . فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا دعاء بالمغفرة . وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أصل { قنا } وقنا حذفت الواو كما حذفت في يقي ويشي , لأنها بين ياء وكسرة , مثل يعد ; هذا قول البصريين . وقال الكوفيون : حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي . قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ; لأن العرب تقول : ورم يرم ; فيحذفون الواو . والمراد بالآية الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة . ويحتمل أن يكون دعاء مؤكدا لطلب دخول الجنة ; لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين ; كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم أنا إنما أقول في دعائي : اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار , ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حولها ندندن )  خرجه أبو داود في سننه وابن ماجه أيضا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
الأية
17
 
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قيل : هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا . وقيل : لمن جهل فقط , والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر . واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ; لقوله تعالى : { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون } .[ النور : 31 ] . وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب . ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة . وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها , وإن شاء لم يقبلها . وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف ; لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه , والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم , والمكلف لهم ; فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه , تعالى عن ذلك , غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى : " وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات } [ الشورى : 25 ] . وقول : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [ التوبة : 104 ] وقوله : { وإني لغفار لمن تاب " [ طه : 82 ] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء . والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا ; فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب . قال أبو المعالي وغيره : وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن , لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة . قال ابن عطية : وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى . فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي : يغلب على الظن قبول توبته . وقال غيره : يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز . قال ابن عطية : وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه , وبه أقول , والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } [ الشورى : 25 ] وقوله تعالى : { وإني لغفار } [ طه : 82 ] . وإذا تقرر هذا فاعلم أن في قوله { على الله { حذفا وليس على ظاهره , وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده . وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( أتدري ما حق العباد على الله )  ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : ( أن يدخلهم الجنة )  . فهذا كله معناه : على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق . دليله قوله تعالى : { كتب على نفسه الرحمة } [ الأنعام : 12 ] أي وعد بها . وقيل : { على { هاهنا معناها { عند } والمعنى واحد , التقدير : عند الله , أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها ; وهي أربعة : الندم بالقلب , وترك المعصية في الحال , والعزم على ألا يعود إلى مثلها , وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره ; فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة . وقد قيل من شروطها : الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار , وقد تقدم في { آل عمران { كثير من معاني التوبة وأحكامها . ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا ; ولهذا قال علماؤنا : إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود . وقيل : { على { بمعنى } من { أي إنما التوبة من الله للذين ; قاله أبو بكر بن عبدوس , والله أعلم . وسيأتي في { التحريم { الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها . لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ السوء في هذه الآية , و { الأنعام } .{ أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } [ الأنعام : 54 ] يعم الكفر والمعاصي ; فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . قال قتادة : أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة , عمدا كانت أو جهلا ; وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي . وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا : الجهالة هنا العمد . وقال عكرمة : أمور الدنيا كلها جهالة ; يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله . وهذا القول جار مع قوله تعالى : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } [ محمد : 36 ] . وقال الزجاج : يعني قوله } بجهالة { اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية . وقيل : { بجهالة { أي لا يعلمون كنه العقوبة ; ذكره ابن فورك . قال ابن عطية : وضعف قوله هذا ورد عليه . ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا قال ابن عباس والسدي : معناه قبل المرض والموت . وروي عن الضحاك أنه قال : كل ما كان قبل الموت فهو قريب . وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم : قبل المعاينة للملائكة والسوق , وأن يغلب المرء على نفسه . ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال : قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ذخر وغنم للمنيب المحسن قال علماؤنا رحمهم الله : وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت ; لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل . وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )  . قال : هذا حديث حسن غريب . ومعنى ما لم يغرغر : ما لم تبلغ روحه حلقومه ; فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به . قاله الهروي وقيل : المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار . والمبادر في الصحة أفضل , وألحق لأمله من العمل الصالح . والبعد كل البعد الموت ; كما قال : وأين مكان البعد إلا مكانيا وروى صالح المري عن الحسن قال : من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به . وقال الحسن أيضا : إن إبليس لما هبط قال : بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده . قال الله تعالى : ( فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه )  .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
الأية
18
 
نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس ; كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ; لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع , لأنها حال زوال التكليف . وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين . وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة , وإليهم الإشارة بقوله تعالى : { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما { وهو الخلود . وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه ; وهذا على أن السيئات ما دون الكفر ; أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت , ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة . وقد قيل : إن السيئات هنا الكفر , فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت , ولا للذين يموتون وهم كفار . وقال أبو العالية : نزل أول الآية في المؤمنين { إنما التوبة على الله } . والثانية في المنافقين .{ وليست التوبة للذين يعملون السيئات { يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم .{ حتى إذا حضر أحدهم الموت { يعني الشرق والنزع ومعاينة ملك الموت ." قال إني تبت الآن { فليس لهذا توبة . ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى : { ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما { أي وجيعا دائما . وقد تقدم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا
الأية
19
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات . والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن ; والخطاب للأولياء . و { أن { في موضع رفع ب { يحل } ; أي لا يحل لكم وراثة النساء . و { كرها { مصدر ف ي موضع الحال . واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها ; فروى البخاري عن ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن { قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته , إن شاء بعضهم تزوجها , وإن شاءوا زوجوها , وإن شاءوا لم يزوجوها , فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك . وأخرجه أبو داود بمعناه . وقال الزهري وأبو مجلز : كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ; فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت , وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ; وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها , فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } . فيكون المعنى : لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن . وقيل : كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها , وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها ; قاله السدي . وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها . فنزلت هذه الآية . وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها ; فذلك قوله تعالى : { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } . والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم , وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .{ وكرها { بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي , الباقون بالفتح , وهما لغتان . وقال القتبي : الكره ( بالفتح ) بمعنى الإكراه , والكره ( بالضم )  المشقة . يقال : لتفعل ذلك طوعا أو كرها , يعني طائعا أو مكرها . والخطاب للأولياء . وقيل : لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها , أو يفتدين ببعض مهورهن , وهذا أصح . واختاره ابن عطية قال : ودليل ذلك قوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة )  وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة , وإنما ذلك للزوج , على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا . كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في { البقرة } . وقال عطاء الخراساني : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها , فنسخ ذلك بالحدود . وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها . إلا الأب في بناته ; فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض , قولا واحدا , وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك : أنه كسائر الأولياء , يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه . والقول الآخر - لا يعرض له : يجوز أن يكون { تعضلوهن { جزما على النهي , فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى , ويجوز أن يكون نصبا عطفا على { أن ترثوا { فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل . وقرأ ابن مسعود { ولا أن تعضلوهن { فهذه القراءة تقوي احتمال النصب , وأن العضل مما لا يجوز بالنص . آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ اختلف الناس في معنى الفاحشة ; فقال الحسن : هو الزنا , وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة , وترد إلى زوجها ما أخذت منه . وقال أبو قلابة ; إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه . وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن . وقال ابن سيرين وأبو قلابة : لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا , قال الله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } . وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة : الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز , قالوا : فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها ; وهذا هو مذهب مالك . قال ابن عطية : إلا أني لا أحفظ له نصا في الفاحشة في الآية . وقال قوم : الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا ; وهذا في معنى النشوز . ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع ; إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى : { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } . وقال مالك وجماعة من أهل العلم : للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك . قال ابن عطية : والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى , وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال . قال أبو عمر : قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء ; لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى ; ومنه قيل للبذيء : فاحش ومتفحش , وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان له لعانها , وإن شاء طلقها ; وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك , ولا أعلم أحدا قال : له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة . والله أعلم . وقال الله عز وجل : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [ البقرة : 229 ] يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [ البقرة : 229 ] وقال الله عز وجل : " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } [ النساء : 4 ] فهذه الآيات أصل هذا الباب . وقول رابع { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة { إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت , فيكون هذا قبل النسخ , وهذا في معنى قول عطاء , وهو ضعيف . { مبينة { بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو , والباقون بفتح الياء . وقرأ ابن عباس { مبينة { بكسر الباء وسكون الياء , من أبان الشيء , يقال : أبان الأمر بنفسه , وأبنته وبين وبينته , وهذه القراءات كلها لغات فصيحة . مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة . والخطاب للجميع , إذ لكل أحد عشرة , زوجا كان أو وليا ; ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج , وهو مثل قوله تعالى : { فإمساك بمعروف } [ البقرة : 229 ] . وذلك توفية حقها من المهر والنفقة , وألا يعبس في وجهها بغير ذنب , وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها . والعشرة : المخالطة والممازجة . ومنه قول طرفة : فلئن شطت نواها مرة لعلى عهد حبيب معتشر جعل الحبيب . جمعا كالخليط والغريق . وعاشره معاشرة , وتعاشر القوم واعتشروا . فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال , فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش . وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء . وقال بعضهم : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له . وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي : أتيت محمد ابن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية , فقلت : ما هذا ؟ قال : إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب , وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن . وقال ابن عباس رضي الله عنه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي . وهذا داخل فيما ذكرناه . قال ابن عطية : وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاستمتع بها وفيها عوج )  أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها ; فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق , وهو سبب الخلع . واستدل علماؤنا بقوله تعالى : { وعاشروهن بالمعروف { على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها , كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد , وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزمه إلا خادم واحد - وذلك يكفيها خدمة نفسها , وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها ; وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد ; لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس واحد . قال علماؤنا : وهذا غلط ; لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد ; لأنها تحتاج من غسل ثيابها لإصلاح مضجعها وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد , وهذا بين . والله أعلم . بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا { فإن كرهتموهن { أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز ; فهذا يندب فيه إلى الاحتمال , فعسى أن يئول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين . و { أن { رفع ب { عسى { وأن والفعل مصدر . قلت : ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر )  أو قال ( غيره )  . المعنى : أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها . أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب . وقال مكحول : سمعت ابن عمر يقول : إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له , فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له . وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية , عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة . وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها ; فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها , فكان يقول : أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني , فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها . قال علماؤنا : في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعى إذا امتلأ )  .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
الأية
20
 
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة , وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج , وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالا . واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة ; فقال مالك رضي الله عنه : للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو . وقال جماعة من العلماء : لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك . وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فيها دليل على جواز المغالاة في المهور ; لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح . وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ; ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية . فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر , يعطينا الله وتحرمنا ! أليس الله سبحانه وتعالى يقول : { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا { ؟ فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر . وفي رواية فأطرق عمر ثم قال : كل الناس أفقه منك يا عمر ! . وفي أخرى : امرأة أصابت ورجل أخطأ . وترك الإنكار . أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال : خطب عمر الناس , فذكره إلى قوله : اثنتي عشرة أوقية , ولم يذكر : فقامت إليه امرأة . إلى آخره . وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء , وزاد بعد قوله : أوقية . وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه , ويقول : قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة ; وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة . قال الجوهري : وعلق القربة لغة في عرق القربة . قال غيره : ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به . يقول كلفت إليك حتى عصام القربة . وعرق القربة ماؤها ; يقول : جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة , وهو ماؤها في السفر . ويقال : بل عرق القربة أن يقول : نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة , وهو سيلانها . وقيل : إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ; ففسر به اللفظان : العرق والعلق . وقال الأصمعي : عرق القربة كلمة معناها الشدة . قال : ولا أدري ما أصلها . قال الأصمعي : وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول : سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة , يعنون الشدة . وأنشدني لابن الأحمر : ش ليست بمشتمة تعد وعفوها و عرق السقاء على القعود اللاغب ش قال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها , وقد أبلغت إليه كعرق القربة , فقال : كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر ; ثم قال : على القعود اللاغب , وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم . وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه ; زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ; فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر . وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام . وقال قوم : لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور ; لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة ; كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد . وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة )  . ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة . وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره , فسأله عنه فقال : مائتين ; فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل )  . فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور ; وهذا لا يلزم , وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور , وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال , وهذا مكروه باتفاق . وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم . وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ( أترضى أن أزوجك فلانة )  ؟ قال : نعم . وقال للمرأة : ( أترضين أن أزوجك فلانا )  ؟ قالت : نعم . فزوج أحدهما من صاحبه ; فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا , وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر ; فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا , وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر ; فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف . وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ; لقوله تعالى : { وآتيتم إحداهن قنطارا { واختلفوا في أقله , وسيأتي عند قوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم } [ النساء : 24 ] . ومضى القول في تحديد القنطار في { آل عمران } . وقرأ ابن محيصن { وآتيتم احداهن { بوصل ألف } إحداهن { وهي لغة ; ومنه قول الشاعر : وتسمع من تحت العجاج لها ازملا وقول الآخر : إن لم أقاتل فألبسوني برقعا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا قال بكر بن عبد الله المزني : لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا ; لقول الله تعالى : { فلا تأخذوا } , وجعلها ناسخة لآية { البقرة } . وقال ابن زيد وغيره : هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } [ البقرة : 229 ] . والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض . قال الطبري : هي محكمة , ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء ; فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها . أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا { بهتانا { مصدر في موضع الحال { وإثما { معطوف عليه { مبينا { من نعته .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
الأية
21
 
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فيه ست مسائل [ الأولى ] قوله تعالى : { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين { قال أبو العباس المبرد : كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم , فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم ; ففيهم نزلت هذه الآية . وكذلك قال معقل بن أبي مسكين : كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم , فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط , أي بالعدل , فيقتلون . وقد روي عن ابن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس , بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر , بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية )  وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ) . ذكره المهدوي وغيره . وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : كانت بنو إسرائيل تقتل اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم من آخر النهار . فإن قال قائل : الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا . فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته ; وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم ; قال الله عز وجل : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك } [ الأنفال : 30 ] .[ الثانية ] دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة , وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة . قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه )  . وعن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : من خير الناس يا رسول الله ؟ قال : ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه )  . وفي التنزيل : " المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف } [ التوبة : 67 ] ثم قال : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [ التوبة : 71 ] . فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين ; فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه . ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد , وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه , والتعزيز إلى رأيه , والحبس والإطلاق له , والنفي والتغريب ; فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك , ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة . قال الله تعالى : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } [ الحج : 41 ] .[ الثالثة ] وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة , خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يغيره إلا عدل . وهذا ساقط ; فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس . فإن تشبثوا بقوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [ البقرة : 44 ] وقوله : { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [ الصف : 3 ] ونحوه , قيل لهم : إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر . ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه , ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى , كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر } [ البقرة : 44 ] .[ الرابعة ] أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه , وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره ; فإن لم يقدر فبلسانه , فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك . وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك . قال : والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة . قال الحسن : إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم ; فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال : اتقني اتقني فما لك وله . وقال ابن مسعود : بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره . وروى ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه )  . قالوا : يا رسول الله وما إذلاله نفسه ؟ قال : ( يتعرض من البلاء لما لا يقوم له )  . قلت : وخرجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم , وكلاهما قد تكلم فيه . وروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات } اللهم إن هذا منكر { فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه , وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر , وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده . قال : والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي . قلت : هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع . وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل . وقال تعالى : { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } [ لقمان : 17 ] . وهذا إشارة إلى الإذاية .[ الخامسة ] روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )  . قال العلماء : الأمر بالمعروف باليد على الأمراء , وباللسان على العلماء , وبالقلب على الضعفاء , يعني عوام الناس . فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله , وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل , فإن زال بدون القتل لم يجز القتل ; وهذا تلقي من قول الله تعالى : { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [ الحجرات : 9 ] . وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه . ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به ; حتى لقد قال العلماء : لو فرضنا قودا . وقيل : كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء : إمام عادل لا يظلم , وعالم على سبيل الهدى , ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن , ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى .[ السادسة ] روى أنس بن مالك قال : قيل يا رسول الله , متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : ( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم )  . قلنا : يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : ( الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم )  . قال زيد : تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( والعلم في رذالتكم )  إذا كان العلم في الفساق . خرجه ابن ماجه . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في { المائدة { وغيرها إن شاء الله تعالى وتقدم معنى { فبشرهم } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا
الأية
22
 
وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ يقال : كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } [ النساء : 19 ] حتى نزلت هذه الآية : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم { فصار حراما في الأحوال كلها ; لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج , فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه ; على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . { ما نكح { قيل : المراد بها النساء . وقيل : العقد , أي نكاح آباؤكم الفاسد المخالف لدين الله ; إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه . وهو اختيار الطبري . ف { من { متعلقة ب { تنكحوا { و } ما نكح { مصدر . قال : ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع { ما } { من } . فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد . والأول أصح , وتكون { ما { بمعنى { الذي { و } من } . والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى ; ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء . وقد كان في العرب قبائل قد أعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه , وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة , وكانت في قريش مباحة مع التراضي . ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط , وكان لها من أمية أبو العيص وغيره ; فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما . ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد , وكان أمية قتل عنها . ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة , وكانت تحت أبيه زبان بن سيار . ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن . والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه . وقال الأشعث بن سوار : توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني أعدك ولدا , ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ; فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية . وقد كان في العرب من تزوج ابنته , وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة ; ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب . فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة . إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ أي تقدم ومضى . والسلف ; من تقدم من آبائك وذوي قرابتك . وهذا استثناء منقطع , أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه . وقيل : { إلا { بمعنى بعد , أي بعد ما سلف ; كما قال تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } [ الدخان : 56 ] أي بعد الموتة الأولى . وقيل : { إلا ما قد سلف } أي ولا ما سلف ; كقوله تعالى : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } [ النساء : 92 ] يعني ولا خطأ . وقيل : في الآية تقديم وتأخير , معناه : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف . وقيل : في الآية إضمار لقوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء { فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف . إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا عقب بالذم البالغ المتتابع , وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية . قال أبو العباس : سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال : هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ; ويقال لهذا الرجل : الضيزن . وقال ابن عرفة : كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد : المقتي . وأصل المقت البغض ; من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت . فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه : مقيت ; فسمى تعالى هذا النكاح { مقتا { إذ هو ذا مقت يلحق فاعله . وقيل : المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء , إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن . وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى ; قال ابن زيد : وعليه فيكون الاستثناء متصلا , ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
الأية
23
 
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم { أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم ; فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم , كما ذكر تحريم حليلة الأب . فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع وصهر , وألحقت السنة المتواترة سابعة ; وذلك الجمع بين المرأة وعمتها , ونص عليه الإجماع . وثبتت الرواية عن ابن عباس قال : حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع , وتلا هذه الآية . وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك , وقال : السابعة قوله تعالى : { والمحصنات } . فالسبع المحرمات من النسب : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات , وبنات الأخ وبنات الأخت . والسبع المحرمات بالصهر والرضاع : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة , وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين , والسابعة { ولا تنكحوا ما نكح آبائكم } . قال الطحاوي : وكل هذا من المحكم المتفق عليه , وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن ; فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة , ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم ; وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار . وقالت طائفة من السلف : الأم والربيبة سواء , لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى . قالوا : ومعنى قول : { وأمهات نسائكم { أي اللاتي دخلتم بهن .{ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } . وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا ; رواه خلاس عن علي بن أبي طالب . وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت , وهو قول ابن الزبير ومجاهد . قال مجاهد : الدخول مراد في النازلتين ; وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا , وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا : لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها . وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح ; والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي . وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة , ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث , والصحيح عنه مثل قول الجماعة . قال ابن جريج : قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أوتحل له أمها ؟ قال : لا , هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل . فقلت له : أكان ابن عباس يقرأ : { وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن { ؟ قال : لا لا . وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : { وأمهات نسائكم { قال : هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة ; وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت , وفيه : { فقال زيد لا , الأم مبهمة ليس فيها شرط وإنما الشرط في الربائب } . قال ابن المنذر : وهذا هو الصحيح ; لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى : { وأمهات نسائكم } . ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا ; فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات , على أن تكون { الظريفات { نعتا لنسائك ونساء زيد ; فكذلك الآية لا يجوز أن يكون { اللاتي { من نعتهما جميعا ; لأن الخبرين مختلفان , ولكنه يجوز على معنى أعني . وأنشد الخليل وسيبويه : إن بها أكتل أو رزاما خويربين ينقفان الهاما خويربين يعني لصين , بمعنى أعني . وينقفان : يكسران ; نقفت رأسه كسرته . وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت )  أخرجه في الصحيحين وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان , والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا , وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون ; لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به . قوله تعالى : { أمهاتكم { تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه ; ولهذا يسميه أهل العلم المبهم , أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته ; وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات . والأمهات جمع أمهة ; يقال : أم وأمهة بمعنى واحد , وجاء القرآن بهما . وقد تقدم في الفاتحة بيانه . وقيل : إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين , فسقطت وعادت في الجمع . قال الشاعر : أمهتي خندف والدوس أبي وقيل : أصل الأم أمة , وأنشدوا : تقبلتها عن أمة لك طالما تثوب إليها في النوائب أجمعا ويكون جمعها أمات . قال الراعي : كانت نجائب منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلا فالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة ; فيدخل في ذلك الأم دنية , وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون . والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة , وإن شئت قلت : كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات ; فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن . والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما والبنات جمع بنت , والأصل بنية , والمستعمل ابنة وبنت . قال الفراء : كسرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء , وضمت الألف من أخت لتدل على حذف الواو , فإن أصل أخت أخوة , والجمع أخوات . والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما . وإن شئت قلت : كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك . وقد تكون العمة من جهة الأم , وهي أخت أب أمك . والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما . وإن شئت قلت : كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك . وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك . وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة ; وكذلك بنت الأخت . فهذه السبع المحرمات من النسب . وقرأ نافع - في رواية أبي بكر بن أبي أويس - بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة . وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي في التحريم مثل من ذكرنا ; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )  . وقرأ عبد الله } وأمهاتكم اللائي { بغير تاء ; كقوله تعالى : { واللائي يئسن من المحيض } [ الطلاق : 4 ] قال الشاعر : من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا } أرضعنكم { فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه , وبنتها لأنها أخته , وأختها لأنها خالته , وأمها لأنها جدته , وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته , وأخته لأنها عمته , وأمه لأنها جدته , وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته . قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبي : سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرضاعة ؟ قال : نعم . قال أبو نعيم : وسئل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها زوجها . ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما ; قال : يفرق بينهما , وما أخذت من شيء له فهو لها , وما بقي عليه فلا شيء عليه . ثم قال مالك : إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك ; فقالوا : يا رسول الله , إنها امرأة ضعيفة ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أليس يقال إن فلانا تزوج أخته )  ؟ التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين ; كما تقدم في { البقرة } . ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مصة واحدة . واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين : أحدهما خمس رضعات ; لحديث عائشة قالت : كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن , ثم نسخن بخمس معلومات , وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن . موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس , فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس . ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس ; لأنه لا ينسخ بهما . وفي حديث سهلة ( أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن )  . الشرط الثاني : أن يكون في الحولين , فإن كان خارجا عنهما لم يحرم ; لقوله تعالى : { حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } [ البقرة : 233 ] . وليس بعد التمام والكمال شيء . واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر . ومالك الشهر ونحوه . وقال زفر : ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين . وقال الأوزاعي : إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع . وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم ; وهو قول عائشة رضي الله عنها ; وروي عن أبي موسى الأشعري , وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك , وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال : قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها , فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه ; فسأل أبا موسى فقال : بانت منك , وائت ابن مسعود فأخبره , ففعل ; فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال : أرضيعا ترى هذا الأشمط ! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم . فقال الأشعري : لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم . فقوله : { لا تسألوني { يدل على أنه رجع عن ذلك . واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل : ( أرضعيه )  خرجه الموطأ وغيره . وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات ; تمسكا بأنه كان فيما أنزل : عشر رضعات . وكأنهم لم يبلغهم الناسخ . وقال داود : لا يحرم إلا بثلاث رضعات ; واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان )  . خرجه مسلم . وهو مروي عن عائشة وابن الزبير , وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد , وهو تمسك بدليل الخطاب , وهو مختلف فيه . وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا ; متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع . وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر ; بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر . وقال الليث بن سعد : وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم . قال أبو عمر . لم يقف الليث على الخلاف في ذلك . قلت : وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحرم المصة ولا المصتان )  أخرجه مسلم في صحيحه . وهو يفسر معنى قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم { أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر ; غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع ; لقوله : { عشر رضعات معلومات . وخمس رضعات معلومات } . فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف . ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم . والله أعلم . وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت ; لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم , ومرة يرويه عن عائشة , ومرة يرويه عن أبيه ; ومثل هذا الاضطراب يسقطه . وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات . وروي عنها أنها أمرت أختها { أم كلثوم { أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات . وروي عن حفصة مثله , وروي عنها ثلاث , وروي عنها خمس ; كما قال الشافعي رضي الله عنه , وحكي عن إسحاق . قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم { استدل به من نفى لبن الفحل , وهو سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن , وقالوا : لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل . وقال الجمهور : قوله تعالى : " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم { يدل على أن الفحل أب ; لأن اللبن منسوب إليه فإنه در بسبب ولده . وهذا ضعيف ; فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا , واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل , وما كان من الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه , وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافا إلى الرجل بوجه ما ; ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن , وإنما اللبن لها , فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )  يقتضي التحريم من الرضاع , ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها . نعم , الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها : أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها , وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب . قالت : فأبيت أن آذن له ; فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال : ( ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك )  . وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها ; وهذا أيضا خبر واحد . ويحتمل أن يكون { أفلح { مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال : ( ليلج عليك فإنه عمك )  . وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله , ولكن العمل عليه , والاحتياط في التحريم أولى , مع أن قوله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلكم { يقوي قول المخالف . وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وهي الأخت لأب وأم , وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ; سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك . والأخت من الأب دون الأم , وهي التي أرضعتها زوجة أبيك . والأخت من الأم دون الأب , وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر . وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالى : { وأمهات نسائكم { والصهر أربع : أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن . فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح على ابنتها على ما تقدم ومعنى قول : { وأمهات نسائكم { أي اللاتي دخلتم بهن .{ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } . وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا ; رواه خلاس عن علي بن أبي طالب . وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت , وهو قول ابن الزبير ومجاهد . قال مجاهد : الدخول مراد في النازلتين ; وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا , وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا : لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها . وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح ; والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي . وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة , ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث , والصحيح عنه مثل قول الجماعة . قال ابن جريج : قلت لعطاء : الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أوتحل له أمها ؟ قال : لا , هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل . فقلت له : أكان ابن عباس يقرأ : { وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن { ؟ قال : لا لا . وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : { وأمهات نسائكم { قال : هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة ; وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ثابت , وفيه : { فقال زيد لا , الأم مبهمة ليس فيها شرط وإنما الشرط في الربائب } . قال ابن المنذر : وهذا هو الصحيح ; لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى : { وأمهات نسائكم } . ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا ; فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات , على أن تكون } الظريفات { نعتا لنسائك ونساء زيد ; فكذلك الآية لا يجوز أن يكون { اللاتي { من نعتهما جميعا ; لأن الخبرين مختلفان , ولكنه يجوز على معنى أعني . وأنشد الخليل وسيبويه : ش إن بها أكتل أو رزاما و خويربين ينقفان الهاما ش خويربين يعني لصين , بمعنى أعني . وينقفان : يكسران ; نقفت رأسه كسرته . وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت )  أخرجه في الصحيحين وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان , والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا , وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون ; لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به . وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ هذا مستقل بنفسه . ولا يرجع قوله : { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن { إلى الفريق الأول , بل هو راجع إلى الربائب , إذ هو أقرب مذكور كما تقدم . والربيبة : بنت امرأة الرجل من غيره ; سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة , فعيلة بمعنى مفعولة . واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم , وإن لم تكن الربيبة في حجره . وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها ; فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها ; واحتجوا بالآية فقالوا : حرم الله تعالى الربيبة بشرطين : أحدهما : أن تكون في حجر المتزوج بأمها . والثاني : الدخول بالأم ; فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم . واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة )  فشرط الحجر . ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك . قال ابن المنذر والطحاوي : أما الحديث عن علي فلا يثبت ; لأن راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي , وإبراهيم هذا لا يعرف , وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف . قال أبو عبيد : ويدفعه قوله : ( فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن )  فعم . ولم يقل : اللائي في حجري , ولكنه سوى بينهن في التحريم . قال الطحاوي : وإضافتهن إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الربائب ; لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك . فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يعني بالأمهات . فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم . وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها . واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به تحريم الربائب ; فروي عن ابن عباس أنه قال : الدخول الجماع ; وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما . واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والابن , وهو أحد قولي الشافعي . واختلفوا في النظر ; فقال مالك : إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها وابنتها . وقال الكوفيون : إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة . وقال الثوري : يحرم إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لمسها ; ولم يذكر الشهوة . وقال ابن أبي ليلى : لا تحرم بالنظر حتى يلمس ; وهو قول الشافعي . والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع استمتاع فجرى مجرى النكاح ; إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ . وقد يحتمل أن يقال : إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع ; فإن النظر اجتماع ولقاء , وفيه بين المحبين استمتاع ; وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا : أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بنا تدان نعم , وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني فكيف بالنظر والمجالسة والمحادثة واللذة . وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الحلائل جمع حليلة , وهي الزوجة . سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل ; . فهي فعيلة بمعنى فاعلة . وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال ; فهي حليلة بمعنى محللة . وقيل : لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه . أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء , وما عقد عليه الأبناء على الآباء , كان مع العقد وطء أو لم يكن ; لقوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء { وقوله تعالى : { وحلائل أبتائكم الذين من أصلابكم } ; فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح ; لأن النكاح الفاسد لا يخلو : إما أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه . فإن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه . وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلق بالصحيح ; لاحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ . والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم . والله أعلم . قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده . وأجمع العلماء وهي المسألة : على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه ; فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه , لا أعلمهم يختلفون فيه ; فوجب تحريم ذلك تسليما لهم . ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم . قال ابن المنذر : ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه . وقال يعقوب ومحمد : إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة حرمت على أبيه وابنه , وتحرم عليه أمها وابنتها . وقال مالك : إذا وطئ الأمة أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها , أو قبلها أو باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل لابنه . وقال الشافعي : إنما تحرم باللمس ولا تحرم بالنظر دون اللمس ; وهو قول الأوزاعي : واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا ; فقال أكثر أهل العلم : لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك ; وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها , وحسبه أن يقام عليه الحد , ثم يدخل بامرأته . ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك . وقالت طائفة : تحرم عليه . روي هذا القول عن عمران بن حصين ; وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي , وروي عن مالك ; وأن الزنى يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال , وهو قول أهل العراق . والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز : أن الزنى لا حكم له ; لأن الله سبحانه وتعالى قال : { وأمهات نسائكم { وليست التي زنى بها من أمهات نسائه , ولا ابنتها من ربائبه . وهو قول الشافعي وأبي ثور . لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحوق الولد ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز . وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال : ( لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح )  . ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله : ( يا غلام من أبوك )  قال : فلان الراعي . فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال ; فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده ; وهي رواية ابن القاسم في المدونة . ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها , وهو المشهور . قال عليه السلام : ( لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها )  ولم يفصل بين الحلال والحرام . وقال عليه السلام : ( لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها )  . قال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة . وقال عبد الملك الماجشون : إنها تحل ; وهو الصحيح لقوله تعالى : { وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا } [ الفرقان : 54 ] يعني بالنكاح الصحيح , على ما يأتي في { الفرقان { بيانه . ووجه التمسك من الحديث على تلك المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني , وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك ; وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته ; فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ; فثبتت البنوة وأحكامها . فإن قيل : فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك , وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة ؟ فالجواب : إن ذلك موجب ما ذكرناه . وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه , وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل , والله أعلم . واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط ; فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : لا يحرم النكاح باللواط . وقال الثوري : إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه ; وهو قول أحمد بن حنبل . قال : إذا تلوط بابن امرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته . وقال الأوزاعي : إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها ; لأنها بنت من قد دخل به . وهو قول أحمد بن حنبل . الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب . ولما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد بن حارثة قال المشركون : تزوج امرأة ابنه ! وكان عليه السلام تبناه ; على ما يأتي بيانه في { الأحزاب } . وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب - بالإجماع المستند إلى قوله عليه السلام : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )  . وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ موضع { أن { رفع على العطف على { حرمت عليكم أمهاتكم } . والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك يمين . وأجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية , وقوله عليه السلام : ( لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن )  . واختلفوا في الأختين بملك اليمين ; فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطء , وإن كان يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع ; وكذلك المرأة وابنتها صفقة واحدة . واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطئها ; فقال الأوزاعي : إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها . وقال الشافعي : ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت . قال أبو عمر : من جعل عقد النكاح كالشراء أجازه , ومن جعله كالوطء لم يجزه . وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أخت الزوجة ; لقول الله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين { يعني الزوجتين بعقد النكاح . فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه يتبين لك الصواب إن شاء الله . والله أعلم . شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء ; كما يجوز الجمع بينهما في الملك . واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين من ملك اليمين : { حرمتهما آية وأحلتهما آية } . ذكره عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين فقال : لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية . فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال معمر : أحسبه قال علي - قال : وما سألت عنه عثمان ؟ فأخبره بما سأله وبما أفتاه ; فقال له : لكني أنهاك , ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا . وذكر الطحاوي والدارقطني عن علي وابن عباس مثل قول عثمان . والآية التي أحلتهما قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } . ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول ; لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه , ولا يجوز عليهم تحريف التأويل . وممن قال ذلك من الصحابة : عمر وعلي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير ; وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله , فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل . وذكر ابن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء , وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك , وجعل مالكا فيمن كرهه . ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك , وكذلك الأم وابنتها . قال ابن عطية : ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء , وتستقرأ الكراهية من قول مالك : إنه إذا وطئ واحدة ثم وطئ الأخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما ; فلم يلزمه حدا . قال أبو عمر : ( أما قول علي لجعلته نكالا ) ولم يقل لحددته حد الزاني ; فلأن من تأول آية أو سنة ولم يطأ عند نفسه حراما فليس بزان بإجماع وإن كان مخطئا , إلا أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله . وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين بملك اليمين : ( أحلتهما آية وحرمتهما آية )  معلوم محفوظ ; فكيف يحد حد الزاني من فعل ما فيه مثل هذا من الشبهة القوية ؟ وبالله التوفيق . واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى ; فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق , أو بأن يزوجها . قال ابن المنذر : وفيه قول ثان لقتادة , وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وألا يقربها , ثم يمسك عنهما حتى يستبرئ الأولى المحرمة , ثم يغشى الثانية . وفيه قول ثالث : وهو إذا كان عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما . هكذا قال الحكم وحماد ; وروي معنى ذلك عن النخعي . ومذهب مالك : إذا كان أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء , والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته . فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك : إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل . فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما , ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى ; ولم يوكل ذلك إلى أمانته ; لأنه متهم فيمن قد وطئ ; ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة . ومذهب الكوفيين في هذا الباب : الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن وطئ إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى ; فإن باع الأولى أو زوجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرى ; وله أن يطأها ما دامت أختها في العدة من طلاق أو وفاة . فأما بعد انقضاء العدة فلا , حتى يملك فرج التي يطأ غيره ; وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه . قالوا : لأن الملك الذي منع وطء الجارية في الابتداء موجود , فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في ملكه . وقول مالك حسن ; لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المال ; وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال . ولم يختلفوا في العتق ; لأنه لا يتصرف فيه بحال ; وأما المكاتبة فقد تعجز فترجع إلى ملكه . فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح . الثالث : في المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح ; إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء . وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح ; كما تقدم عن الشافعي . وفي الباب بعينه قول آخر : أن النكاح لا ينعقد ; وهو معنى قول الأوزاعي . وقال أشهب في كتاب الاستبراء : عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة . وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة . واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها ; فقالت طائفة : ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق ; وروي عن علي وزيد بن ثابت , وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي , وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي . وقالت طائفة : له أن ينكح أختها وأربعا سواها ; وروي عن عطاء , وهي أثبت الروايتين عنه , وروي عن زيد بن ثابت أيضا ; وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد . قال ابن المنذر : ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول . إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا { إلا ما قد سلف } يحتمل أن يكون معناه معنى قوله : { إلا ما قد سلف { في قوله : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } . ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف , وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا , وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين ; على ما قاله مالك والشافعي , من غير إجراء عقود الكفار على موجب الإسلام ومقتضى الشرع ; وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين . وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد . وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال : كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين ; إحداهما نكاح امرأة الأب , والثانية , الجمع بين الأختين ; ألا ترى أنه قال : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } .{ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف { ولم يذكر في سائر المحرمات { إلا ما قد سلف } . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
الأية
24
 
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ قوله تعالى : { والمحصنات { عطف على المحرمات والمذكورات قبل . والتحصن : التمنع ; ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه ; ومنه قوله تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } [ الأنبياء : 80 ] أي لتمنعكم ; ومنه الحصان للفرس ( بكسر الحاء )  لأنه يمنع صاحبه من الهلاك . والحصان ( بفتح الحاء )  : المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك . وحصنت المرأة تحصن فهي حصان ; مثل جبنت فهي جبان . وقال حسان في عائشة رضي الله عنها : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل والمصدر الحصانة ( بفتح الحاء )  والحصن كالعلم . فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج ; يقال : امرأة محصنة أي متزوجة , ومحصنة أي حرة ; ومنه } والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } [ المائدة : 5 ] . ومحصنة أي عفيفة ; قال الله تعالى : { محصنات غير مسافحات } [ النساء : 25 ] وقال : " محصنين غير مسافحين } . ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة , أي ممتنعة من الفسق , والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد . قال الله تعالى : { والذين يرمون المحصنات " [ النور : 4 ] أي الحرائر , وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى ; ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعته : { وهل تزني الحرة { ؟ والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره ; فبناء ( ح ص ن )  معناه المنع كما بينا . ويستعمل الإحصان في الإسلام ; لأنه حافظ ومانع , ولم يرد في الكتاب وورد في السنة ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان قيد لفتك )  . ومنه قول الهذلي : فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وقال الشاعر : قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإسلام ومنه قول سحيم : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ; فقال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري : المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة , أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب , فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج . وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة ; وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك , وقال به أشهب . يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا ; فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين , فأنزل الله عز وجل في ذلك { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } . أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن . وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج ; فأنزل الله تعالى في جوابهم { إلا ما ملكت أيمانكم } . وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور , وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . واختلفوا في استبرائها بماذا يكون ; فقال الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرئون المسبية بحيضة ; وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض )  . ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال إن المسبية مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء , على ما نقل عن الحسن بن صالح قال : عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب . وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة واحدة . والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين . وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقي الرجل أقرا على نكاحهما ; فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه ; لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه , فلا يحال بينه وبينها ; وهو قول أبي حنيفة والثوري , وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك . والصحيح الأول ; لما ذكرناه ; ولأن الله تعالى قال : ( إلا ما ملكت أيمانكم )  فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا , إلا ما خصه الدليل . وفي الآية قول ثان قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة : أن المراد بالآية ذوات الأزواج , أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة بها طلاقها وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها . قال ابن مسعود : فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية ; كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها . قالوا : وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقا لها ; لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين . قلت : وهذا يرده حديث بريرة ; لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج ; وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل على أن بيع الأمة ليس طلاقها ; وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث , وألا طلاق لها إلا الطلاق . وقد احتج بعضهم بعموم قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم { وقياسا على المسبيات . وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده , وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث أبي سعيد , وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى . وفي الآية قول ثالث : روى الثوري عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود في قوله تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم { قال : ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين . وقال علي بن أبي طالب : ذوات الأزواج من المشركين . وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب { والمحصنات من النساء { هن ذوات الأزواج ; ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنى . وقالت طائفة : المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف , أي كل النساء حرام . وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج ; إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك . إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قالوا : معناه بنكاح أو شراء . هذا قول أبي العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء , ورواه عبيدة عن عمر ; فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين , ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى : { إلا ما ملكت أيمانكم { يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء , فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى , وهذا قول حسن . وقد قال ابن عباس : { المحصنات } العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب . قال ابن عطية : وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى ; وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا ؟ فقال سعيد : كان ابن عباس لا يعلمها . وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل : قوله { والمحصنات { إلى قوله { حكيما } . قال ابن عطية : ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول ؟ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر المؤكد , أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم . ومعنى { حرمت عليكم } كتب الله عليكم . وقال الزجاج والكوفيون : هو نصب على الإغراء , أي الزموا كتاب الله , أو عليكم كتاب الله . وفيه نظر على ما ذكره أبو علي ; فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء , فلا يقال : زيدا عليك , أو زيدا دونك ; بل يقال : عليك زيدا ودونك عمرا , وهذا الذي قاله صحيح على أنه يكون منصوبا ب { عليكم { إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى : { مثنى وثلاث ورباع } [ النساء : 3 ] وفي هذا بعد ; والأظهر أن قوله : { كتاب الله عليكم { إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله . وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { وأحل لكم { ردا على { حرمت عليكم } . الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى : { كتاب الله عليكم } . وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر , وليس كذلك ; فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها , قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] . روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها )  . وقال ابن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة , وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ; لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين , والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين ; أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد . والصحيح الأول ; لأن الكتاب والسنة كالشيء الواحد ; فكأنه قال : أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب , وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام . وقول ابن شهاب : { فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة { إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك ; لأن العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه . وفي مصنف أبي داود وغ