Prev

11. Surah Hd سورة هود

Next


تفسير ابن كثير - هود - Hud -
 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
الأية
1
 
سورة هود: قال الحافظ أبو يعلى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عكرمة قال: قال أبو بكر سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم ما شيبك ؟ قال { شيبتني هود والواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت } وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر يا رسول الله قد شبت قال { شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت }. وفي رواية { هود وأخواتها }. وقال الطبراني حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا حجاج بن الحسن حدثنا سعيد بن سلام حدثنا عمر بن محمد عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { شيبتني هود وأخواتها: الواقعة والحاقة وإذا الشمس كورت } وفي رواية { هود وأخواتها } وقد روى من حديث ابن مسعود نحوه فقال الحافظ أبن القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شبيب حدثنا أحمد بن طارق الرابشي حدثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن أبا بكر قال يا رسول الله ما شيبك ؟ قال { هود والواقعة }. عمرو بن ثابت متروك وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان. ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة { الم } السجدة و { هل أتى على الإنسان } وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص. فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا وأما قوله { أحكمت آياته ثم فصلت } أي هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها فهو كامل صورة ومعنى ; هذا معنى ما روى عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير ومعنى قوله { من لدن حكيم خبير } أي من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه خبير بعواقب الأمور.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
الأية
2
 
{ ألا تعبدوا إلا الله } أي نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له كقوله تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { إنني لكم منه نذير وبشير } أي إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه وبشير بالثواب إن أطعتموه كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم صعد الصفا فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا فقال { يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ألستم مصدقي ؟ } فقالوا ما جربنا عليك كذبا قال { فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ
الأية
3
 
وقوله { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله } أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله عز وجل فيما تستقبلونه وأن تستمروا على ذلك { يمتعكم متاعا حسنا } أي في الدنيا { إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله } أي في الدار الآخرة قاله قتادة كقوله { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } الآية. وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لسعد { وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك } وقال ابن جرير حدثني المسيب بن شريك عن أبي بكر عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } قال من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ثم يقول هلك من غلب آحاده على أعشاره وقوله { وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى وكذب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
4
 
{ إلى الله مرجعكم } أي معادكم يوم القيامة { وهو على كل شيء قدير } أي وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه وإعادة الخلائق يوم القيامة وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام ترغيب.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
الأية
5
 
قال ابن عباس كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم فأنزل الله هذه الآية روى البخاري من طريق ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عباس قرأ ألا إنهم تثنوني صدورهم الآية فقلت يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال الرجل كان يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي فنزلت { ألا إنهم تثنوني صدورهم } وفي لفظ آخر له قال ابن عباس أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم ثم قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال قرأ ابن عباس { ألا إنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم } قال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس { يستغشون } يغطون رؤوسهم وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية يعني به الشك في الله وعمل السيئات وكذا روى عن مجاهد والحسن وغيرهم أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل { يعلم ما يسرون } من القول { وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } أي يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: فلا تكتمن الله ما في قلوبكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينقم فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة وقال عبدالله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلي الله عليه وسلم ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك وعود الضمير إلى الله أولى لقوله { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون } وقرأ ابن عباس ألا إنهم تثنوني صدورهم يرفع الصدور على الفاعلية وهو قريب المعنى.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
الأية
6
 
أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها بحريها وبريها وأنه يعلم مستقرها ومستودعها أي يعلم أبن منتهى سيرها في الأرض وأين تأوى إليه من وكرها وهو مستودعها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس { ويعلم مستقرها } أي حيث تأوى { ومستودعها } حيث تموت وعن مجاهد { مستقرها } في الرحم. { ومستودعها } في الصلب كالتي في الأنعام وكذا روى عن ابن عباس والضحاك وجماعة وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين ههنا كما ذكره عند تلك الآية فالله أعلم وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك كقوله { وما من دابه في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون } وقوله { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
الأية
7
 
يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن عرشه كان على الماء قيل ذلك كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { اقبلوا البشرى يا بني تميم } قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال { اقبلوا البشري يا أهل اليمن } قالوا قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا ألأمر كيف كان؟ قال { كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء }. قال: فأتاني آت فقال يا عمران انحلت ناقتك من عقالها قال فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي; وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة فمنها قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال { كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية - غيره- وفي رواية - معه- وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض } وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء } وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال { قال الله عز وجل أنفق أنفق عليك }. وقال { يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار } وقال { أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع }. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال { كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق العرش بعد ذلك }. وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال الترمذي هذا حديث حسن وقال مجاهد { وكان عرشه على الماء } قبل أن يخلق شيئا وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة وابن جرير وغير واحد وقال قتادة في قوله { وكان عرشه على الماء } ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض وقال الربيع بن أنس { وكان عرشه على الماء } فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور. وقال ابن عباس إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه وقال إسماعيل بن أبي خالد سمعت سعدا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى { هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والإكرام والعزة والسلطان والملك والقدرة والحلم والعلم والرحمة والنعمة الفعال لما يريد ; وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله { وكان عرشه علي الماء } على أي شيء كان الماء؟ قال على متن الريح وقوله تعالى { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولم يخلق ذلك عبثا كقوله { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } وقال تعالى { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } وقال تعالى { ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الآية ; وقوله { ليبلوكم } أي ليختبركم { أيكم أحسن عملا } ولم يقل أكثر عملا بل أحسن عملا ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل على شريعة رسول الله فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل. وقوله { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت } الآية. يقول تعالى ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعملون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض كما قال تعالى { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى { وهو الذي يبدا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } وقال تعالى { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } وقولهم { إن هذا إلا سحر مبين } أي يقولون كفرا وعنادا ما نصدقك على وقوع البعث وما يذكر ذلك إلا من سحرته فهو يتبعك على ما تقول.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
الأية
8
 
وقوله { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } الآية. يقول تعالى ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور وأوعدناهم إلى مدة مضروبة ليقولن تكذيبا واستعجالا: ما يحبسه أي يؤخر هذا العذاب عنا فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد. والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة فيراد بها الأمد كقوله في هذه الآية { إلى أمة معدودة } وقوله في يوسف { وقال الذي نجا منهما واذكر بعد أمة } وتستعمل في الإمام المقتدى به كقوله { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين } وتستعمل في الملة والدين كقوله أخبارا عن المشركين إنهم قالوا { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } وتستعمل في الجماعة كقوله { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون } وقوله { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقال تعالى { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } والمراد من الأمة ههنا الذين يبعث فيهم الرسول مؤمنهم وكافرهم كما في صحيح مسلم { والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار } وأما أمة الاتباع فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } وفي الصحيح { فأقول أمتي أمتي } وتستعمل الأمة في الفرقة والطائقة كقوله تعالى { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } وكقوله { من أهل الكتاب أمة قائمة } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ
الأية
9
 
يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال كأنه لم ير خيرا ولم يرج بعد ذلك فرجا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
الأية
10
 
وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة { ليقولن ذهب السيئات عني } أي يقول ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء { إنه لفرح فخور } أي فرح بما في يده بطر فخور على غيره.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
الأية
11
 
قال الله تعالى { إلا الذين صبروا } أي على الشدائد والمكاره { وعملوا الصالحات } أي في الرخاء والعافية { أولئك لهم مغفرة } أي بما يصيبهم من الضراء { وأجر كبير } بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في الحديث { والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه } وفي الصحيحين { والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وليس ذلك لأحد غير المؤمن } ولهذا قال الله تعالى { والعصر إن الأنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وقال تعالى { إن الإنسان خلق هلوعا } الآيات.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
الأية
12
 
يقول تعالى مسليا لرسوله الله صلي الله عليه وسلم عما كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } . فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره ولا يصدنه ذلك ولا يثنينه عن دعائهم إلى الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } الآية وقال ههنا { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا } أي لقولهم ذلك فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك فإنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الأية
13
 
ثم بين تعالى إعجاز القرآن وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله ولا بسورة من مثله لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات. وذاته لا يشبهها شيء تعالى وتقدس وتنزه لا إله إلا هو ولا رب سواه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
الأية
14
 
ثم قال تعالى فإن { لم يستجيبوا لكم } أي فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك وأن هذا الكلام منزل من عند الله متضمن علمه وأمره ونهيه { وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ
الأية
15
 
قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا يقول من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا وهو في الآخرة من الخاسرين. وهكذا روى عن مجاهد والضحاك وغير واحد وقال أنس بن مالك والحسن:نزلت في اليهود والنصارى وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء وقال قتادة من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الأية
16
 
وقال تعالى { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللأخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا }. وقال تعالى { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
الأية
17
 
يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم علي فطرة الله تعالى التي فطر عليها عبادة من الاعتراف له بأنه لا إلا إلا هو كما قال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر عليها } الآية وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { كل مولود يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ } الحديث وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال { يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا { وفي المسند والسنن { كل مولود يولد علي هذه الملة حتي يعرب عنه لسانه } الحديث فالمؤمن باق علي هذه الفطرة وقوله { ويتلوه شاهد منه } أي وجاءه شاهد من الله وهو ما أوحاه إلي الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين لهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبوا العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى { ويتلوه شاهد منه } أنه جبريل عليه السلام وعن علي رضي الله عنه والحسن وقتادة هو محمد صلي الله عليه وسلم وكلاهما قريب في المعني لأن كلا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلغ رسالة الله تعالى فجبريل إلي محمد ومحمد إلي الأمة وقيل هو علّي وهو ضعيف لا يثبت له قائل ولأول هو الحق وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة وما يشهد من حيث الجملة والتفاصيل تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها لهذا قال تعالى { أفمن كان علي بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } وهو القرآن بلغه جبريل إلي النبي صلي الله عليه وسلم وبلغه النبي محمد صلي الله عليه وسلم إلي أمته ثم قال تعالى { ومن قبله كتاب موسي } أي ومن قبل القرآن كتاب موسي وهو التوراة { إماما ورحمة } أي أنزل الله تعالى إلي تلك الأمة إماما لهم وقدوة يقتدون بها ورحمة من الله بهم فمن آمن بها حق الإيمان قادة ذلك إلى الإيمان بالقرآن ولهذا قال تعالى { أولئك يؤمنون به } ثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } أي ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم ومن سائر طوائف بني آدم علي اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن كما قال تعالى { لأنذركم به ومن بلغ } وقال تعالى { قل يا أيها الناس إني رسول إليكم جميعا { وقال تعالى { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال { والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار } وقال أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم علي وجهه إلا وجدت مصداقه أو قال تصديقه في القرآن فبلغني أن النبي صلي الله عليه وسلم قال { لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار } فجعلت أقول أين مصداقه في كتاب الله؟ وقال وقلما سمعت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقا في القرآن حتي وجدت هذه الآية { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } قال من الملل كلها وقوله { فلا تك في مريه منه إنه الحق من ربك } الآية أي القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه قال تعالى { ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العاليمن } وقال تعالى { ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه } وقوله { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } كقوله تعالي { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } وقال تعالى { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } وقال تعالى { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
الأية
18
 
يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة علي رءوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان كما قال الإمام أحمد حدثنا بهز وعفان قالا أخبرنا همام حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر إذا عرض له رجل قال كيف سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول في النجوي يوم القيامة ؟ قال سمعته يقول { إن الله عز وجل يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته وأما الكفار والمنافقون فيقول { الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } الآية. أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث قتادة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
الأية
19
 
وقوله { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم الجنة { ويبغونها عوجا } أي ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة { وهم بالآخرة هم كافرون } أي جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ
الأية
20
 
{ أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء } أي بل كانوا تحت قهره وغلبته وفي قبضته وسلطانه وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة { ولكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار وفي الصحيحين { إن الله ليملي للظالم حتي إذا أخذه لم يفلته } ولهذا قال تعالى { يضاعف لهم العذاب } الآية. أي يضاعف عليهم العذاب وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم بل كانوا صما عن سماع الحق عميا عن اتباعه كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار كقوله { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } وقال تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } الآية ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه وعلى كل نهي ارتكبوه ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
الأية
21
 
أي خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا نارا حامية فهم معذبون فيما لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين كما قال تعالى { كلما خبت زدناهم سعيرا } { وضل عنهم } أي ذهب عنهم { ما كانوا يفترون } من دون الله من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئا بل ضرتهم كل الضرر كما قال تعالى { إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } وقال تعالى { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } وقال الخليل لقومه { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكن من ناصرين } وقوله { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
الأية
22
 
ولهذا قال { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } يخبر تعالى عن مآلهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظل من يحموم وعن الحور العين بطعام من غسلين وعن القصور العالية بالهاوية وعن قرب الرحمن ورؤيتة بغضب الديان وعقوبته فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
الأية
23
 
لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات فآمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولا وفعلا من الإتيان بالطاعات وترك المنكرات وبهذا ورثوا الجنات المشتملة على الغرف العاليات والسرر المصفوفات والقطوف الدانيات والفرش المرتفعات والحسان الخيرات والفواكه المتنوعات والمآكل المشتهيات والمشارب المستلذات والنظر إلى خالق الأرض والسموات وهم في ذلك خالدون لا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون ولا ينامون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون إن هو إلا رشح مسك يعرقون ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
الأية
24
 
فقال { مثل الفريقين } أي الذين وصفهم أولا بالشقاء والمؤمنين بالسعادة فأولئك كالأعمى والأصم وهؤلاء كالبصير والسميع فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } الآية وأما المؤمن ففطن ذكي لبيب بصير بالحق يميز بينه وبين الباطل فيتبع الخير ويترك الشر سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة فلا يروج عليه باطل فهل يستوي هذا وهذا؟ { أفلا تذكرون } أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء كما قال في الآية الأخري { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } وكقوله { وما يستوي الأعمي والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
الأية
25
 
يخبر تعالى عن نوح عليه السلام وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه { إنى لكم نذير مبين } أي ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
الأية
26
 
ولهذا قال { أن لا تعبدوا إلا الله } وقوله { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليما موجعا شاقا في الدار الآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
الأية
27
 
فقال { الملأ الذين كفروا من قومه } والملأ هم السادة والكبراء من الكافرين منهم { ما نراك إلا بشرا مثلنا } أي لست بملك ولكنك بشر فكيف أوحي إليك من دوننا ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترّو منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ولهذا قالوا { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } أي في أول بادئ { وما نرى لكم علينا من فضل } يقولون ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق ولا رزق ولا حال لما دخلتم في دينكم هذا { بل نظنكم كاذبين } أي فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الدار الآخرة إذ صرتم إليها هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن اتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس. والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته كما قال تعالى { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلي الله عليه وسلم قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال بل ضعفاؤهم. فقال هرقل هم أتباع الرسل وقولهم { بادي الرأي } ليس بمذمة ولا عيب لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء بل لا يفكر ههنا إلا غبي أو عيي والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال { ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم } أي ما تردد ولا تروى لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا فبادر إليه وسارع. وقوله { وما نرى لكم علينا من فضل } هم لا يرون ذلك لأنهم عمي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون بل هم في ريبهم يترددون في ظلمات الجهل يعمهون وهم الأفاكون الكاذبون الأقلون الأرذلون وهم في الآخرة هم الأخسرون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ
الأية
28
 
يقول تعالى مخبرا عما رد به نوح على قومه في ذلك { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم { فعميت عليكم } أي خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها { أنلزمكموها } أي نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
الأية
29
 
يقول لقومه لا أسألكم على نصحي لكم ما لا أجرة آخذها منكم إنما أبتغي الأجر من الله عز وجل { وما أنا بطارد الذين آمنوا } كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاما ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
الأية
30
 
كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلي الله عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلسا خاصا فأنزل الله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } الآية. وقال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
الأية
31
 
ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمينيخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك ولا يسألهم على ذلك أجرا بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع فمن استجاب له فقد نجا ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه وليس هو بملك من الملائكة بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات ولا أقول عن هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم الله أعلم بما في أنفسهم فإن كانوا مؤمنين باطنا كما هو الظاهر من حالهم فلهم جزاء الحسنى ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا لكان ظالما قائلا ما لا علم له به .

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
الأية
32
 
يقول تعالى مخبرا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه والبلاء موكل بالمنطق. { قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } أي حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك { فأتنا بما تعدنا } أي من النقمة والعذاب ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به { إن كنت من الصادقين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
الأية
33
 
أي إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
الأية
34
 
{ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } أي أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي { إن كان الله يريد أن يغويكم } أي إغواءكم ودماركم { هو ربكم وإليه ترجعون } أي هو مالك أزمة الأمور المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور له الخلق وله الأمر وهو المبدئ المعيد مالك الدنيا والآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
الأية
35
 
هذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها مقرر لها يقول تعالى لمحمد صلي الله عليه وسلم أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون افترى هذا وافتعله من عنده { قل إن افتريته فعلي إجرامي } أي فإثم ذلك علي { وأنا بريء مما تجرمون } أي ليس ذلك مفتعلا ولا مفترى لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
الأية
36
 
يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبرا عنه أنه قال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } فعند ذلك أوحى الله إليه { أنه لا يؤمن من قومك إلا من قد آمن } فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
الأية
37
 
{ واصنع الفلك } يعني السفينة { بأعيننا } أي بمرأى منا { ووحينا } أي تعليمنا لك ما تصنعه { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } فقال بعض السلف أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه فكان ذلك في مائة سنة ونجرها في مائة سنة أخرى وقيل في أربعين سنة والله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار وأن يجعل لها جؤجؤا أزورا يشق الماء وقال قتادة كان طولها ثلثمائة ذراع في عرض خمسين وعن الحسن طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلثمائة وعنه مع ابن عباس طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة وقيل طولها ألفا ذراع وعرضها مائة ذراع فالله أعلم قالوا كلهم وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للإنس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثرا غريبا من حديث علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن عبدالله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها قال فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه فقال أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا كعب حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه قال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى عليه السلام أهكذا هلكت ؟ قال لا. ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال حدثنا عن سفينة نوح ؟ قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحوش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر روث الدواب أوحي الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر ; فقال له عيسى عليه السلام كيف علم نوح أن البلاد قد غرفت ؟ قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخصرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ
الأية
38
 
وقوله { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } أي يهزءون به ومكذبون بما يتوعدهم به من الغرق { قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم } الآية. وعيد شديد وتهديد أكيد.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ
الأية
39
 
{ من يأتيه عذاب يخزيه } أي يهينه في الدنيا { ويحل عليه عذاب مقيم } أي دائم مستمر أبدا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
الأية
40
 
هذه موعدة من الله تعالى لنوح عليه السلام إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتان الذي لا يقلع ولا يفتر بل هو كما قال تعالى { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر } وأما قوله { وفار التنور } فعن ابن عباس التنور وجه الأرض أي صارت الأرض عيونا تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه التنور فلق الصبح وتنوير الفجر وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر وقال مجاهد والشعبي كان هذا التنور بالكوفة وعن ابن عباس عين بالهند وعن قتادة عين بالجزيرة يقال لها عين الوردة وهذه أقوال غريبة فحينئذ أمر الله نوحا عليه السلام أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح قيل وغيرها من النباتات اثنين ذكرا وأنثي فقيل كان أول من أدخل من الطيور الدرة وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه فجعل يقول له نوح عليه السلام: مالك ويحك ادخل فينهض ولا يقدر فقال ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة ; وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحمى. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدالله بن صالح كاتب الليث حدثني الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال { لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد ؟ فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الأرض ثم شكوا الفأرة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها }. وقوله { وأهلك إلا من سبق عليه القول } أي واحمل فيها أهلك وهم أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله وقوله { ومن آمن } أي من قومك { وما آمن معه إلا قليل } أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كان نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام وقيل بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة وهذا فيه نظر بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها والله أعلم وأحكم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
41
 
يقول تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام انه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة { اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها } أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسّوها وقرأ أبو رجاء العطاردي { بسم الله مجريها ومرسيها } وقال الله تعالى { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابة كما قال تعالى { والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره الآية وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه كما سيأتي في سورة الزخرف إن شاء الله وبه الثقة وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا إبراهيم بن هشام البغوي حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن موسى الجرثي قالا حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال { أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا بسم الله الملك { وما قدروا الله حق قدره } الآية. { بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } وقوله { إن ربي لغفور رحيم } مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه غفور رحيم كقوله { إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } وقال { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين رحمته وانتقامه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ
الأية
42
 
وقوله { وهي تجري بهم في موج كالجبال } أي السفينة سائرة بهم علي وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رؤوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا وقيل بثمانين ميلا وهذه السفينة جارية على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه كما قال تعالى { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية } وقال تعالى { وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر } وقوله { ونادى نوح ابنه } الآية هذا هو الابن الرابع واسمه يام وكان كافرا دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
الأية
43
 
{ قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } وقيل إنه اتخذ له مركبا من زجاج وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحته والذي نص عليه القرآن أنه قال { سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق فقال لها أبوه نوح عليه السلام { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } أي ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله وقيل إن عاصما بمعنى معصوم كما يقال طاعم وكاس بمعني مطعوم ومكسو { وحال بينهما الموج فكان من المغرقين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الأية
44
 
يخبر تعالى أنه لما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها وأمر السماء أن تقلع عن المطر { وغيض الماء } أي شرع في النقص { وقضي الأمر } أي فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار { واستوت } السفينة بمن فيها { على الجودي } قال مجاهد وهو جبل بالجزيرة تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت وتواضع هو لله عز وجل فلم يغرق وأرست عليه سفينة نوح عليه السلام وقال قتادة استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها; قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح عليه السلام على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادا. وقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل وقال بعضهم هو الطور وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا محمد بن عبيد عن توبة بن سالم قال رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك فسألته إنك لكثير الصلاة ههنا يوم الجمعة قال بلغني أن سفينة نوح أرست من ههنا. وقال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وأنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما وإن الله وجه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين فعرف نوح عليه السلام أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم. وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي وقال قتادة وغيره ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائه وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودي شهرا وكان خروجهم من السفينة في عاشوراء من المحرم وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير وأنهم صاموا يومهم ذلك والله أعلم. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو جعفر حدثنا عبدالصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبدالله عن شبل عن أبي هريرة قال: مر النبي صلي الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال { ما هذا الصوم ؟ } قالوا هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل: فقال النبي صلي الله عليه وسلم { أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم }. فصام وقال لأصحابه { من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه } وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شاهد في الصحيح وقوله { وقيل بعدا للقوم الظالمين } أي هلاكا وخسارا لهم وبعدا من رحمة الله فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث يعقوب بن موسى الزمعي عن قائد مولى عبيدالله بن أبي رافع بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أن النبي صلي الله عليه وسلم قال { لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي } قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يعني وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجري ؟ قال سوف تعلمون فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي }. وهذا حديث غريب من هذا الوجه وقد روى عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ
الأية
45
 
هذا سؤال استعلام وكشف من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق { قال رب إن ابني من أهلي } أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين ؟.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ
الأية
46
 
{ قال يا نوح إنه ليس من أهلك } أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك ولهذا قال وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم } فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوح عليه السلام وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جريج واحتج بعضهم بقوله { إنه عمل غير صالح } وبقوله { فخانتاهما } فممن قاله الحسن البصري احتج بهاتين الآيتين وبعضهم يقول ابن امرأته وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده فالله أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف ما زنت امرأة نبي قط قال: وقوله { إنه ليس من أهلك } أي الذين وعدتك نجاتهم وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله علي الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي صلي الله عليه وسلم وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ولهذا قال تعالى { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم - إلى قوله - إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة وغيره عن عكرمة عن أبن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية قال عكرمة في بعض الحروف إنه عمل عملا غير صالح والخيانة تكون على غير باب وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بذلك فقال الإمام أحمد. حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ { إنه عمل غير صالح } وسمعته يقول { يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } ولا يبالي { إنه هو الغفور الرحيم } وقال أحمد أيضا حدثنا وكيع حدثنا هارون النحوي عن ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قرأها { إنه عمل غير صالح } أعاده أحمد أيضا في مسنده أم سلمة هي أم المؤمنين والظاهر والله أعلم أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك أيضا وقال عبدالرزاق أيضا أنا الثوري عن ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قبة قال سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله { فخانتاهما } قال أما إنه لم يكن بالزنا ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون وكانت هذه تدل على الأضياف ثم قرأ { إنه عمل غير صالح } قال ابن عيينة وأخبرني عمار الذهبي أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح إن الله لا يكذب. قال تعالى { ونادى نوح ابنه } قال: وقال بعض العلماء ما فجرت امرأة نبي قط. وكذا روى عن مجاهد أيضا وعكرما والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر بن جرير وهو الصواب الذي لا شك فيه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الأية
47
 
{ قال يا نوح إنه ليس من أهلك } أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك ولهذا قال وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم } فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوح عليه السلام وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جريج واحتج بعضهم بقوله { إنه عمل غير صالح } وبقوله { فخانتاهما } فممن قاله الحسن البصري احتج بهاتين الآيتين وبعضهم يقول ابن امرأته وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده فالله أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف ما زنت امرأة نبي قط قال: وقوله { إنه ليس من أهلك } أي الذين وعدتك نجاتهم وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله علي الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي صلي الله عليه وسلم وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ولهذا قال تعالى { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم - إلى قوله - إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة وغيره عن عكرمة عن أبن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية قال عكرمة في بعض الحروف إنه عمل عملا غير صالح والخيانة تكون على غير باب وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بذلك فقال الإمام أحمد. حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ { إنه عمل غير صالح } وسمعته يقول { يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } ولا يبالي { إنه هو الغفور الرحيم } وقال أحمد أيضا حدثنا وكيع حدثنا هارون النحوي عن ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قرأها { إنه عمل غير صالح } أعاده أحمد أيضا في مسنده أم سلمة هي أم المؤمنين والظاهر والله أعلم أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك أيضا وقال عبدالرزاق أيضا أنا الثوري عن ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قبة قال سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله { فخانتاهما } قال أما إنه لم يكن بالزنا ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون وكانت هذه تدل على الأضياف ثم قرأ { إنه عمل غير صالح } قال ابن عيينة وأخبرني عمار الذهبي أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح إن الله لا يكذب. قال تعالى { ونادى نوح ابنه } قال: وقال بعض العلماء ما فجرت امرأة نبي قط. وكذا روى عن مجاهد أيضا وعكرما والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر بن جرير وهو الصواب الذي لا شك فيه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
الأية
48
 
يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة كما قال محمد بن كعب دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة وقال محمد بن إسحاق لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء يقول الله تعالى { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } الآية. فجعل الماء ينقص ويغيض ويدير وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه في أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع فعلم نوح أن الأرض فد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه { قيل يا نوح اهبط بسلام منا } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
الأية
49
 
يقول تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم هذه القصة وأشباهها { من أنباء الغيب } يعني من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها نوحيها إليك أي نعلمك بها وحيا منا إليك { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتى يقول من يكذبك إنك تعلمتها منه بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتبعاك في الدنيا والآخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا } الآية. وقال تعالى { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون{ الآية. وقال تعالى { فاصبر إن العاقية للمتقين }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
الأية
50
 
يقول تعالى { و } لقد أرسلنا { إلى عاد أخاهم هودا } آمرا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
51
 
وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره أفلا تعقلون من يدعوكم إلي ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الأية
52
 
ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه ولهذا قال { يرسل السماء عليكم مدرارا } وفي الحديث { من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
الأية
53
 
يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم { ما جئتنا ببينة } أي بحجة وبرهان على ما تدعيه { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } أي بمجرد قولك اتركوهم نتركهم { وما نحن لك بمؤمنين } بمصدقين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
الأية
54
 
{ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } يقولون ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها { قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه } يقول إني بريء من جميع الأنداد والأصنام.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مِنْ دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ
الأية
55
 
{ فكيدوني جميعا } أي أنتم وآلهتكم إن كانت حقا { ثم لا تنظرون } أي طرفة عين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
56
 
وقوله { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } أي تحت قهره وسلطانه وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه فإنه على صراط مستقيم قال الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبدالكلاعي أنه قال في قوله تعالى { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } قال فيأخذ بنواصي عباده فيلقن المؤمن حتى يكون له أشفق من الوالد لولده ويقول { ما غرك بربك الكريم } وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ولا توالي ولا تعادي وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه فلا إله إلا هو ولا رب سواه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
الأية
57
 
يقول لهم هود فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها { ويستخلف ربي قوما غيركم } يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم { إن ربي على كل شيء حفيظ } أي شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ
الأية
58
 
{ ولما جاء أمرنا } وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم ونجى هودا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
الأية
59
 
{ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم } كفروا بها وعصوا رسل الله وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به ; فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } تركوا اتباع رسولهم الرشيد واتبعوا أمر كل جبار عنيد.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ
الأية
60
 
فلهذا أتبعوا في هذه الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد { ألا إن عادا كفروا ربهم } الآية قال السدي ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ
الأية
61
 
يقول تعالى { و } لقد أرسلنا { إلى ثمود } وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم أخاهم صالحا فأمرهم بعبادة الله وحده ولهذا قال { هو أنشأكم من الأرض } أي ابتدأ خلقكم منها خلق منها أباكم آدم { واستعمركم فيها } أي جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها { فاستغفروه } لسالف ذنوبكم { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلونه { إن ربي قريب مجيب } كما قال تعالى { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
الأية
62
 
يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } وما كان عليه أسلافنا { وإننا لفي شك مما تدعوك إليه مريب } أي شك كثير.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
الأية
63
 
{ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان { وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته } وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني { غير تخسير } أي خسارة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ
الأية
64
 
قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس علي تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا علي القوم الذين عذبوا وقال { إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم } وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر { لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم } وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس { الصلاة جامعة } قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول { ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم { فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟ قال { أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا { لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال { لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله } فقالوا من هو يا رسول الله قال: أبو رغال فلما خرج من الحرم أصاب ما أصاب قومه } وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم. قوله تعالى { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر بن جلهس وكان جندع بن عمرو بن عم له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله. وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذيابا وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملؤن ما شاء من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } وقال تعالى { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } وقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وقال { فعقروا الناقة } فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم عثمان كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدقة بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقي فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرجت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال يا رب أين أمي ويقال أنه رغا ثلات مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم. فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } الآية. وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } الآية. فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
الأية
65
 
قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس علي تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا علي القوم الذين عذبوا وقال { إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم } وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر { لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم } وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس { الصلاة جامعة } قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول { ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم { فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟ قال { أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا { لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال { لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله } فقالوا من هو يا رسول الله قال: أبو رغال فلما خرج من الحرم أصاب ما أصاب قومه } وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم. قوله تعالى { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر بن جلهس وكان جندع بن عمرو بن عم له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله. وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذيابا وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملؤن ما شاء من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } وقال تعالى { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } وقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وقال { فعقروا الناقة } فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم عثمان كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدقة بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقي فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرجت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال يا رب أين أمي ويقال أنه رغا ثلات مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم. فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } الآية. وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } الآية. فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
الأية
66
 
قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس علي تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا علي القوم الذين عذبوا وقال { إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم } وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر { لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم } وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس { الصلاة جامعة } قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول { ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم { فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟ قال { أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا { لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال { لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله } فقالوا من هو يا رسول الله قال: أبو رغال فلما خرج من الحرم أصاب ما أصاب قومه } وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم. قوله تعالى { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر بن جلهس وكان جندع بن عمرو بن عم له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله. وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذيابا وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملؤن ما شاء من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } وقال تعالى { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } وقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وقال { فعقروا الناقة } فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم عثمان كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدقة بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقي فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرجت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال يا رب أين أمي ويقال أنه رغا ثلات مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم. فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } الآية. وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } الآية. فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
الأية
67
 
قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس علي تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا علي القوم الذين عذبوا وقال { إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم } وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر { لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم } وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس { الصلاة جامعة } قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول { ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم { فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟ قال { أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا { لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال { لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله } فقالوا من هو يا رسول الله قال: أبو رغال فلما خرج من الحرم أصاب ما أصاب قومه } وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم. قوله تعالى { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر بن جلهس وكان جندع بن عمرو بن عم له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله. وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذيابا وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملؤن ما شاء من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } وقال تعالى { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } وقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وقال { فعقروا الناقة } فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم عثمان كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدقة بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقي فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرجت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال يا رب أين أمي ويقال أنه رغا ثلات مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم. فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } الآية. وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } الآية. فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ
الأية
68
 
قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس علي تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا علي القوم الذين عذبوا وقال { إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم } وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر { لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم } وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس { الصلاة جامعة } قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول { ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم { فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟ قال { أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا { لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال { لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله } فقالوا من هو يا رسول الله قال: أبو رغال فلما خرج من الحرم أصاب ما أصاب قومه } وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم. قوله تعالى { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر بن جلهس وكان جندع بن عمرو بن عم له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله. وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذيابا وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملؤن ما شاء من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } وقال تعالى { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } وقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وقال { فعقروا الناقة } فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم عثمان كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدقة بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقي فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرجت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال يا رب أين أمي ويقال أنه رغا ثلات مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم. فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } الآية. وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } الآية. فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
الأية
69
 
يقول تعالى { ولقد جاءت رسلنا } وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى قيل تبشره بإسحاق وقيل بهلاك قوم لوط ويشهد للأول قوله تعالى { ولما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط } { قالوا سلاما قال سلام } أي عليكم قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } أي ذهب سريعا فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر حنيذ: مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد كما قال في الآية الأخرى { فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون } وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ
الأية
70
 
وقوله { فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم } تنكرهم { وأوجس منهم خيفة } وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم { وأوجس منهم خيفة } قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه فلما رآهم أجلهم { فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين } فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول - وامرأته قائمة وهو جالس - في قراءة ابن مسعود { فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون } قالوا يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن لهذا ثمنا قالوا وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم } يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة فلما نظرت سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا! وقال ابن حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا نصر بن علي حدثنا نوح بن قيس عن عثمان بن محيصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل قال نوح بن قيس فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة { قالوا لا تخف } أي قالوا لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم فضحكت سارة استبشارا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم وعنادهم فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس وقال قتادة ضحكت وعجبت أن قوما يأتيهم العذاب وهم في غفلة وقوله { ومن وراء إسحاق يعقوب } قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت أي حاضت وقول محمد بن قيس إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ضعفا ووجدا وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك والله أعلم. وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ
الأية
71
 
{ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } أي بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق كما قال في آية البقرة { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون } ومن ههنا استدل من استدل بهذه الأية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيوله له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه فتعين أن يكون هو إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد { قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا } الآية حكى قولها في هذه الآية كما حكي فعلها في الآية الأخرى.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
الأية
72
 
فإنها { قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز } وفي الذاريات } فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم } كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
الأية
73
 
قالوا { أتعجبن من أمر الله } أي قالت الملائكة لها لا تعجبي من أمر الله فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزا عقيما وبعلك شيخا كبيرا فإن الله على ما يشاء قدير { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } أي هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ممجد في صفاته وذاته ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله ؟ قال { قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ
الأية
74
 
يخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه لما ذهب عنه الروع وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول كما قال سعيد بن جبير في الآية: قال لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له { إنا مهلكوا أهل هذه القرية } قال لهم أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا لا قال ثلاثون؟ قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا لا. قال أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا لا فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك { إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته } الآية فسكت عنهم واطمأنت نفسه وقال قتادة وغيره قريبا من هذا زاد ابن إسحاق أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا لا قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب قالوا { نحن أعلم بمن فيها } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
الأية
75
 
وقوله { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } مدح لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة وقد تقدم تفسيرها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
الأية
76
 
وقوله تعالى { يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك } الآية أي أنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ
الأية
77
 
يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهبم بهلاكهم وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة فانطلقوا من عنده فأتوا لوطا عليه السلام وهو علي ما قيل في أرض له وقيل في منزله ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شبان حسان الوجوه ابتلاء من الله وله الحكمة والحجة البالغة فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم وخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء { وقال هذا يوم عصيب } قال ابن عباس وغير واحد: شديد بلاؤه وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه أنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشي قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات قال قتادة: وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك. وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار ولقوا بنت لوط تستقي فقالوا يا جارية هل من منزل؟ فقالت مكانكم حتى آتيكم وفرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك وكان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا خل عنا فلنضيف الرجال فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاءوا يهرعون إليه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
الأية
78
 
وقوله { يهرعون إليه } أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك وقوله { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } أي لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم علي ذلك الحال وقوله { قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد فأرشدهم إلي ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة كما قال لهم في الآية الأخرى { أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } وقوله في الأية الأخرى { قالوا أو لم ننهك عن العالمين } أي ألم ننهك عن ضيافة الرجال { قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } وقال في هذه الآية الكريمة { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } قال مجاهد: لم يكن بناته لكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته. وكذا روي عن قتادة وغير واحد وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء ولم يعرض عليهم سفاحا وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته وهو أب لهم ويقال في بعض القراءات { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } وهو أب لهم وكذا روي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم وقوله { فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي } أي اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم { أليس منكم رجل رشيد } أي فيه خير يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
الأية
79
 
قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق } أي إنك لتعلم أن نساءك لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن { وإنك لتعلم ما نريد } أي ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم ذلك فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك ؟ قال السدي { وإنك لتعلم ما نريد } إنما نريد الرجال.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ
الأية
80
 
يقول تعالى مخبرا نبيه لوط عليه السلام إن لوطا توعدهم بقوله { لو أن لي بكم قوة } الآية أي لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي ولهذا ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال { رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعنى الله عز وجل- فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه { فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إليهم وأنهم لا وصول لهم إليه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
الأية
81
 
قالوا { يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل وأن يتبع أدبارهم أي يكون ساقة لأهله { ولا يلتفت منكم أحد } أي إذا سمعت ما نزل بهم ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة ولكن استمروا ذاهبين { إلا امرأتك } قال الأكثرون هو استثناء من المثبت وهو قوله { فأسر بأهلك تقديره { إلا امرأتك } وكذلك قرأها ابن مسعود ونصب هؤلاء امرأتك لأنه مثبت فوجب نصبه عندهم وقال آخرون من القراء والنحاة هو استثناء من قوله { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } فجوزوا الرفع والنصب وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة التفتت وقالت: واقوماه فجاءها حجر من السماء فقتلها ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرا له لأنه قال لهم أهلكوهم الساعة فقالوا { إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب }. هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه وهم لا يقبلون منه بل يتوعدونه ويتهددونه فعند ذلك خرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق كما قال تعالى { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر } الآية وقال معمر عن قتادة عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم عليه السلام يأتي قوم لوط فيقول أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته فلم يطيعوه حتى إذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له فدعاهم إلى الضيافة فقالوا إنا ضيوفك الليلة وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلات شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر فمشى معهم ساعة ثم التفت إليهم فقال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم أشر خلق الله؟ فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال احفظوها هذه واحدة ثم مشى معهم ساعة فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم إن قومي أشر خلق الله فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوها هاتان اثنتان فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال: إن قومي أشر خلق الله؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم فقال جبريل للملائكة احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب فلما دخلوا ذهبت عجوزه عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها فأتاها الفساق يهرعون سراعا قالوا ما عندك؟ قالت ضيف لوط قوما ما رأيت قط أحسن وجوها منهم ولا أطيب ريحا منهم فهرعوا يسارعون إلى الباب فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلا وهو داخل وهم خارج يناشدهم الله ويقول { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } فقام الملك فلز بالباب - يقول فشده - واستأذن جبريل في عقوبتهم فأذن الله له فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء فنشر جناحه - ولجبريل جناحان - وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك حبك مثل المرجان وهو اللؤلؤ كأنه الثلج ورجلاه إلي الخضرة فقال يا لوط { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم فتنحى لوط عن الباب فخرج إليهم فنشر جناحه فضرب به وجوههم ضربه شدخ أعينهم فصاروا عميا لا يعرفون الطريق ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال { فأسر بأهلك بقطع من الليل } وروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ
الأية
82
 
يقول تعالى { فلما جاء أمرنا } وكان ذلك عند طلوع الشمس { جعلنا عاليها } وهي سدوم { سافلها } كقوله { فغشاها ما غشى } أي أمطرنا عليها حجارة من سجيل وهي بالفارسية حجارة من طين قاله ابن عباس وغيره وقال بعضهم: أي من سنك وهو الحجر وكل وهو الطين وقد قال في الآية الأخرى حجارة من طين أي مستحجرة قوية شديدة وقال بعضهم مشوية وقال البخاري سجيل: الشديد الكبير سجيل وسجين اللام والنون أختان وقال تميم بن مقبل: ورحله يضربون البيض صاحبة ضربا تواصت به الأبطال سجينا وقوله { منضود } قال بعضهم: منضودة في السماء أي معدة لذلك وقال آخرون { منضود } أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
الأية
83
 
وقوله { مسومة } أي معلمة مختومة عليها أسماء أصحابها كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه وقال قتادة وعكرمة { مسومة } مطوقة بها نضح من حمرة وذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن قال: ولما قلبها كان أول ما سقط منها شرقاتها. وقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى بها إلى جو السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم ثم دمر بعضها على بعض ثم أتبع شذاذ القوم صخرا قال: وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى في كل قرية مائة ألف وفي رواية ثلاث قرى الكبرى منها سدوم قال وبلغنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم ويقول سدوم يوم هالك. وفي رواية عن قتادة وغيره: بلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها فضمها في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب وكانوا أربعة آلاف ألف ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة ودمدم بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ثم أتبعها حجارة من سجيل. وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات: سدوم وهي العظمى وصعبة وصعود وغمرة ودوحاء احتملها جبريل بجناحه ثم صعد بها حتى أن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله بالحجارة يقول الله تعالى { جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات. وقال السدي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم فذلك قوله { والمؤتفكة أهوى } ومن لم يمت حتى سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة ومن كان منهم شاذا في الأرض يتبعهم في القرى فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله عز وجل { وأمطرنا عليهم } أي في القرى حجارة من سجيل هكذا قال السدي وقوله { وما هي من الظالمين ببعيد } أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه وقد ورد في الحديث المروى في السنن عن ابن عباس مرفوعا { من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به } وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن عملا بهذا الحديث وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
الأية
84
 
يقول تعالى ولقد أرسلنا إلى مدين وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبا من معان. بلادا تعرف بهم يقال لها مدين فأرسل الله إليهم شعيبا وكان من أشرفهم نسبا ولهذا قال { أخاهم شعيبا } يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان { إني أراكم بخير } أي في معيشتكم ورزقكم وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي في الدار الآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
الأية
85
 
ينهاهم أولا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون الطريق.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
الأية
86
 
وقوله { بقية الله خير لكم } قال ابن عباس: رزق الله خير لكم وقال الحسن رزق الله خير من بخسكم الناس وقال الربيع بن أنس وصية الله خير لكم وقال مجاهد طاعة الله وقال قتادة حظكم من الله خير لكم وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة وقال أبو جعفر بن جرير { بقية الله خير لكم } أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس قال وقد روي هذا عن ابن عباس قلت ويشبه قوله تعالى { قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث } الآية وقوله { وما أنا عليكم بحفيظ } أي برقيب ولا حفيظ أي افعلوا ذلك لله عز وجل لا تفعلوه ليراكم الناس بل لله عز وجل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
الأية
87
 
يقولون له على سبيل التهكم قبحهم الله { أصلاتك } قال الأعمش أي قراءتك { تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا } أي الأوثان والأصنام أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء فنترك التطفيف عن قولك وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد قال الحسن في قوله { أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } أي والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم وقال الثوري في قوله { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } يعنون الزكاة { إنك لأنت الحليم الرشيد } قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وأسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء قبحهم الله ولعنهم عن رحمته وقد فعل.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
الأية
88
 
يقول لهم أرأيتم يا قوم إن كنت { علي بينة من ربي } أي علي بصيرة فيما أدعوا إليه { ورزقني منه رزقا حسنا } قيل أرد النبوة وقيل أرد الرزق الحلال ويحتمل الأمرين وقال الثوري { وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه } أي لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فافعله خفيه عنكم كما قال قتادة في قوله { وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه } يقول لم أكن أنهاكم عن أمر وارتكبه { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } أي فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إصلاحكم جهدي وطاقتي { وما توفيقي } أي في إصابة الحق فيما أريده { إلا بالله عليه توكلت } في جميع أموري { وإليه أنيب } أي أرجع قاله مجاهد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن أخاه مالكا قال: يا معاوية إن محمدا أخذا جيراني فانطلق إليه فإنه قد كلمك وعرفك فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا فأعرض عنه فقام مغضبا فقال: أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر وتخالف إلي غيره وجعلت أجره وهو يتكلم فقال رسول الله { ما تقول؟ } فقال إنك والله لئن فعلت ذلك إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلي غيره قال فقال { أو قد قالوها: - أي قائلهم - ولئن فعلت ما ذاك إلا علي وما عليهم من ذلك من شيء أرسلوا له جيرانه } وقال أيضا: حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخذ النبي صلي الله عليه وسلم ناسا من قومي في تهمة فحبسهم فجاء رجل من قومي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يخطب فقال يا محمد علام تحبس جيراني؟ فصمت رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: أن ناسا ليقولون إنك تنهي عن الشيء وتستخلي به فقال النبي صلي الله عليه وسلم { ما تقول } قال: فجعلت أعرض بينهما كلاما مخافة أن يسمعها فيدعو علي قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدا فلم يزل رسول الله صلي الله عليه وسلم حتي فهمها فقال { قد قالوها أو قائلها منهم والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم خلوا عن جيرانه } من هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان عنه صلي الله عليه وسلم إنه قال { إذا سمعتهم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعارهم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه } إسناده صحيح وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث { إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم أفتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسالك من فضللك } ومعناه والله أعلم مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه { وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه } وقال قتادة عن عروة عن الحسن العرني عن يحيى بن البزار عن مسروق قال: جاءت أمرأة إلي ابن مسعود فقالت تنهي عن الواصلة؟ قال نعم قالت: فعله بعض نسائك فقال: ما حفظت وصية العبد الصالح إذا { وما أريد أن أخالفكم إلي ما نهاكم عنه } وقال عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن أبي سليمان الضبي قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبدالعزيز فيها الأمر والنهي فيكتب في آخرها وما كنت من ذلك إلا كما قال العبد الصالح { وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ
الأية
89
 
يقول لهم { ويا قوم لا يجر منكم شقاقي } أي لا تحملنكم عدواتي وبغضي علي الإصرار علي ما أنتم عليه من الكفر والفساد فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ومن النقمة والعذاب وقال قتادة { ويا قوم لا يجر منكم شقاقي } يقول ويحملنكم فراقي وقال السدي: عدواتي علي أن تمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب وما أصابهم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا ابن عوف الحمصي حدثنا أبو المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج حدثنا ابن أبي عيينة حدثني عبدالملك بن أبي سليمان عن أبن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إذ أشرف علينا من داره فقال { يا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح } يا قوم لا تقتلوني إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه وقوله { وما قوم لوط منكم ببعيد } قيل المراد في الزمان قال قتادة: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس وقيل في المكان ويحتمل الأمران.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
الأية
90
 
{ واستغفروا } ربكم من سالف الذنوب { ثم توبوا إليه } فما تستقبلونه من الأعمال السيئة وقوله { إن ربي رحيم ودود } أي لمن تاب.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
الأية
91
 
يقولون { يا شعيب ما نفقة } ما نفهم { كثيرا } من قولك { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال سعيد بن جبير والثوري: وكان ضرير البصر. وقال الثوري: كان يقال له خطيب الأنبياء. قال السدي { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال أنت واحد وقال أبو روق يعنون ذليلا لأن عشيرتك ليسوا علي دينك { ولولا رهطك لرجمناك } أي قومك لولا معزتهم علينا لرجمناك قيل بالحجارة وقيل لسببناك { وما أنت علينا بعزيز } أي ليس عندنا لك معزة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
الأية
92
 
{ قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله } يقول أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب تبارك وتعالى أن تنالوا نبيه بمساءة وقد أتخذتم كتاب الله { وراءكم ظهريا } أي نبذتموه خلفكم ولا تطيعونه ولا تعظمونه { وإن ربي بما تعلمون محيط } أي هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
الأية
93
 
لما يئس نبي الله شعيب من استجابتهم له قال يا قوم { أعملوا علي مكانتكم } أي طريقتكم وهذا تهديد شديد { إني عامل } علي طريقتي { سوف تعملون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب } أي مني ومنكم { وارتقبوا } أي أنتظروا { إني معكم رقيب }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
الأية
94
 
قال الله تعالى { ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصحبوا في ديارهم جاثمين } وقوله جاثمين أي هامدين لا حراك بهم وذكر هنها أنه أتتم صحية وفي الأعراف رجفة وفي الشعراء عذاب يوم الظلة وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلهم وأنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ففي الأعراف لما قالوا { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معكم من قريتنا } ناسب أن يذكر هناك الرجفة فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إخراج نبيهم منها وههنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم عل نبيهم ذكر الصحية التي استلبثتهم وأخمدتهم وفي الشعراء لما قالو { فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين } قال { فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم } وهذا من الأسرار الدقيقة ولله الحمد والمنة كثيرا دائما.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
الأية
95
 
وقوله { كأن لم يغنوا فيها } أي يعيشوا في دارهم قبل ذلك { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار وشبيها بهم في الكفر وقطع الطرق وكانوا عربا مثلهم.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ
الأية
96
 
يقول تعالى مخبرا عن إرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
الأية
97
 
إلى فرعون ملك القبط وملائه { فاتبعوا أمر فرعون } أي منهجه ومسلكه وطريقته في الغي { وما أمر فرعون برشيد } أي ليس فيه رشد ولا هدى وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد وكما أنهم اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم فأوردهم إياها وشربوا من حياض رداها وله في ذلك الحظ الأوفر من العذاب الأكبر كما قال تعالى { فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا } وقال تعالى { فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
الأية
98
 
وقال تعالى { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود } وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفورين في العذاب يوم القيامة كما قال تعالى { لكل ضعف ولكن لا تعلمون } وقال تعالى إخبارا عن الكفرة أنهم يقولون في النار { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب } الآية وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أبو الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ
الأية
99
 
وقوله { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة } الآية أي أتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة في الدنيا { ويوم القيامة بئس الرفد المرفود } قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة فتلك لعنتان وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { بئس الرفد المرفود } قال لعنة الدنيا والآخرة وكذا قال الضحاك وقتادة وهو كقوله { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين } وقال تعالى { النار يعرضون عليها غذوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ
الأية
100
 
لما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وكيف أهلك الكافرين ونجي المؤمنين قال { ذلك من أنباء القرى } أي أخبارهم { نقصه عليك منها قائم } أي عامر { وحصيد } أي هالك.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ
الأية
101
 
{ وما ظلمناهم } أي إذ أهلكناهم { ولكن ظلموا أنفسهم } بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم { فما أغنت عنهم آلهتهم } أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها { من دون الله من شيء } ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم { وما زادوهم غير تتبيب } قال مجاهد وقتادة وغيرهما أي غير تخسير وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة فلهذا خسروا في الدنيا والآخرة.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
الأية
102
 
يقول تعالى وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بأشباههم { إن أخذه أليم شديد } وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته } ثم قرأ رسول الله صلي الله عليه وسلم { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } الآية.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
الأية
103
 
يقول تعالى إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين { لآية } أي عظة واعتبارا على صدق موعودنا في الآخرة { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا وفي الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } وقال تعالى { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } الآية وقوله { ذلك يوم مجموع له الناس } أي أولهم وآخرهم كقوله{ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } { وذلك يوم مشهود } أي عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ
الأية
104
 
وقوله { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة ولهذا قال { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
الأية
105
 
{ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } أي يوم يأتي يوم القيامة لا يتكلم أحد إلا بإذن الله كقوله { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } وقال { وخشعت الأصوات للرحمن } الآية. وفي الصحيحين من حديث الشفاعة { ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم } وقوله { فمنهم شقي وسعيد } أي فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد كما قال { فريق في الجنة وفريق في السعير } وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: ثنا موسى بن حسان ثنا عبدالملك بن عمرو ثنا سليمان أبو سفيان ثنا عبدالله بن دينار عن ابن عمر عن عمر قال: لما نزلت { فمنهم شقي وسعيد } سألت النبي صلي الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله علام نعمل؟ علي شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال { على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام ولكن كل ميسر لما خلق له } ثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال:.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
الأية
106
 
يقول تعالى { لهم فيها زفير وشهيق } قال ابن عباس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر أي تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق لما هم فيه من العذاب عياذا بالله من ذلك.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ
الأية
107
 
{ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض } قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت هذا دائم دوام السموات والأرض وكذلك يقولون هو باق ما اختلف الليل والنهار وما سمر أبناء سمير وما لألأت العير بأذنابها. يعنون بذلك كله أبدا فخاطبهم جل ثناؤه وبما يتعارفونه بينهم فقال { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض } قلت: ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض الجنس لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض كما قال تعالى { يوم تبدل الأرض غير والأرض والسموات } ولهذا قال الحسن البصري في قوله { ما دامت السموات والأرض } قال: يقول سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قوله { ما دامت السموات والأرض } قال: لكل جنة سماء وأرض وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء. وقوله { إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد } كقوله { النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابة زاد المسير وغيره من علماء التفسير ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين حتي يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط وقال يوما من الدهر لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ولا يبقي بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبدالله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين وعن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي ولكن سنده ضعيف والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه; وقال السدي هي منسوخة بقوله { خالدين فيها أبدا }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
الأية
108
 
يقول تعالى { وأما الذين سعدوا } وهم أتباع الرسل { ففي الجنة } أي فمأواهم الجنة { خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا { ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } معنى الاسثتناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرا واجبا بذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى فله المنة عليهم دائما ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. وقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها وعقب ذلك بقوله { عطاء غير مجذوذ } أي مقطوع قاله مجاهد وابن عباس وأبو العالية وغير واحد لئلا يتوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاع أو لبس أو شيء بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئة وأنه بعدله وحكمته عذبهم ولهذا قال { إن ربك فعال لما يريد } كما قال { لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون } وهنا طيب القلوب وثبت المقصود { بقوله عطاء غير مجذوذ } وقد جاء في الصحيحين { يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت } وفي الصحيح أيضا { فيقال يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلَاءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
الأية
109
 
يقول تعالى { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء المشركون } إنه باطل وجهل وضلال فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل أي ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء فيعذبهم عذابا لا يعذبه احدا وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } قال ما وعدوا من خير أو شر. وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
الأية
110
 
ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به ; فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة فلا يغيظنك تكذيبهم لك ولا يهمنك ذلك { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم } قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } فإنه قد قال في الآية الأخرى { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون } ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم ويجزيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
الأية
111
 
فقال { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير } أي عليم بأعمالهم جميعا جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها وفي هذه الآية قراءات كثيرة يرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه كما في قوله تعالى { وإن كل لما جميع لدينا محضرون }.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
الأية
112
 
يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان وهو البغي إنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد فلا يغفل عن شيء ولا يخفي عليه شيء.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ
الأية
113
 
وقوله { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تداهنوا وقال العوفي عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك. وقال أبو العالية لا ترضوا بأعمالهم وقال ابن جرير عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم { فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } أي ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم ولا ناصر يخلصكم من عذابه.

 
Tafseer Ibn Katheer  تفسير ابن كثير
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
الأية
114
 
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { وأقم الصلاة طرفي النهار } قال يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وقال الحسن في رواية وقتادة والضحاك وغيرهم هي الصبح والعصر وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار والظهر والعصر مرة أخرى { وزلفا من الليل } قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء وقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه { وزلفا من الليل } يعني المغرب والعشاء. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { هما زلفا الليل المغرب والعشاء } وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك إنها صلاة المغرب والعشاء وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان. صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قام عليه وعلي الأمة ثم نسخ في حق الأمة وثبت وجوبه عليه ثم نسخ عنه أيضا في قول والله أعلم. وقوله { إن الحسنات يذهبن السيئات } يقول إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه وإذا حدثني عنه أحد استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول { ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له } وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ وقال { من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه } وروى الإمام أحمد وأبو جعفر بن جرير من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء أظنة سيكون فيه قدر مد فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال { من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما بينه وبين صلاة الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات { وفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال { أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئا؟ { قالوا: لا يا رسول الله قال { كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا } وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهو ابن سعيد قالا حدثنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثنه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقول { الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر } وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عباس عن ضمضم بن زرعة عن { شريح بن عبيد أن أبا رهم السمعي كان يحدث أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقول { إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة } وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم { جعلت الصلوات كفارات لما بينهن فإن الله قال { إن الحسنات يذهبن السيئات }. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } فقال الرجلا: يا رسول الله ألي هذا؟ قال { لجميع أمتي كلهم } هكذا رواه في كتاب الصلاة وأخرجه في التفسير عن مسدد عن يزيد بن زريع بنحوه ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن أبي عثمان النهدي واسمه عبدالرحمن بن مل به. ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طرق عن سماك بن حرب أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت فلم يقل رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئا فذهب الرجل. فقال عمر لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه فأتبعه رسول الله بصره ثم قال { ردوه علي } فردوه عليه فقرأ عليه { أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } فقال معاذ: وفي رواية عمر: يا رسو