Prev

6. Surah Al-An'm سورة الأنعام

Next


تفسير القرطبي - الأنعام - Al-An`am -
 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بِسْم ِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
الأية
1
 
الْحَمْدُ لِلَّهِ سورة الأنعام وهي مكية في قول الأكثرين قال ابن عباس وقتادة : هي مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة , قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره " [ الأنعام : 91 ] نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين والأخرى قوله : { وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات } [ الأنعام : 141 ] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وقال ابن جريج : نزلت في معاذ بن جبل وقال الماوردي وقال الثعلبي سورة { الأنعام { مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة { وما قدروا الله حق قدره { إلى آخر ثلاث آيات و { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } [ الأنعام : 151 ] إلى آخر ثلاث آيات قال ابن عطية : وهي الآيات المحكمات وذكر ابن العربي : أن قوله تعالى : { قل لا أجد { نزل بمكة يوم عرفة وسيأتي القول في جميع ذلك إن شاء الله وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الست الآيات وشيعها سبعون ألف ملك مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } [ الأنعام : 59 ] نزلوا بها ليلا لهم زجل بالتسبيح والتحميد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم وأسند أبو جعفر النحاس قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو حاتم روح بن الفرج مولى الحضارمة قال حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العمري حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص عن نافع أبي سهل بن مالك عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح )  والأرض لهم ترتج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبحان ربي العظيم )  ثلاث مرات وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : الأنعام من نجائب القرآن . وفيه عن كعب قال : فاتحة } التوراة { فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة { هود } . وقاله وهب بن منبه أيضا وذكر المهدوي قال المفسرون إن { التوراة { افتتحت بقوله : { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } [ الأنعام : 1 ] الآية وختمت بقوله { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } [ الإسراء : 111 ] إلى آخر الآية وذكر الثعلبي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قرأ ثلاث آيات من أول سورة { الأنعام { إلى قوله : " ويعلم ما تكسبون } [ الأنعام : 3 ] وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد , فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : { امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك } . وفي البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة { الأنعام } { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم { إلى قوله : { وما كانوا مهتدين } [ الأنعام : 140 ] . تنبيه : قال العلماء : هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين لأن فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات وسنزيد ذلك بيانا إن شاء الله بحول الله تعالى وعونه . { الحمد لله } بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه وإثبات الألوهية أي أن الحمد كله له فلا شريك له فإن قيل : فقد افتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل ; والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد ; فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا ; وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر : وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي فالحمد نقيض الذم , تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود ; والتحميد أبلغ من الحمد . والحمد أعم من الشكر , والمحمد : الذي كثرت خصاله المحمودة . قال الشاعر : إلى الماجد القرم الجواد المحمد وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الشاعر : فشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد والمحمدة : خلاف المذمة . وأحمد الرجل : صار أمره إلى الحمد . وأحمدته : وجدته محمودا , تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته ; أي صادفته محمودا موافقا , وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه . ورجل حمدة - مثل همزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها . وحمدة النار - بالتحريك - : صوت التهابها . ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء , وليس بمرضي . وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب { الحقائق { له عن جعفر الصادق وابن عطاء . قال ابن عطاء : معناه الشكر لله ; إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه . واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك : الحمد لله شكرا . قال ابن عطية : وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه ; لأن قولك شكرا , إنما خصصت به الحمد ; لأنه على نعمة من النعم . وقال بعض العلماء : إن الشكر أعم من الحمد ; لأنه باللسان وبالجوارح والقلب ; والحمد إنما يكون باللسان خاصة . وقيل : الحمد أعم ; لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح , وهو أعم من الشكر ; لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد . وروي عن ابن عباس أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر , وإن آدم عليه السلام قال حين عطس : الحمد لله . وقال الله لنوح عليه السلام : { فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين } [ المؤمنون : 28 ] وقال إبراهيم عليه السلام : { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } [ إبراهيم : 3 ] . وقال في قصة داود وسليمان : { وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } [ النمل : 15 ] . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } [ الإسراء : 111 ] . وقال أهل الجنة : { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } [ فاطر : 34 ] .{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] . فهي كلمة كل شاكر . قلت : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان , والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان . وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر ; لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر ; والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا ; فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر . ويذكر الحمد بمعنى الرضا ; يقال : بلوته فحمدته , أي رضيته . ومنه قول تعالى : { مقاما محمودا } [ الإسراء : 79 ] . وقال عليه السلام : ( أحمد إليكم غسل الإحليل )  أي أرضاه لكم . ويذكر عن جعفر الصادق في قوله { الحمد لله } : من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد ; لأن الحمد حاء وميم ودال ; فالحاء من الوحدانية , والميم من الملك , والدال من الديمومية ; فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه , وهذا هو حقيقة الحمد لله . وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير { الحمد لله } قال : هو على ثلاثة أوجه : أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك . والثاني أن ترضى بما أعطاك . والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه ; فهذه شرائط الحمد . أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه , وافتتح كتابه بحمده , ولم يأذن في ذلك لغيره ; بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [ النجم : 32 ] . وقال عليه السلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب )  رواه المقداد . الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أخبر عن قدرته وعلمه وإرادته فقال : الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع والخلق يكون بمعنى الاختراع ويكون بمعنى التقدير , وقد تقدم وكلاهما مراد هنا وذلك دليل على حدوثهما فرفع السماء بغير عمد وجعلها مستوية من غير أود وجعل فيها الشمس والقمر آيتين وزينها بالنجوم وأودعها السحاب والغيوم علامتين وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات وبث فيها من كل دابة آيات جعل فيها الجبال أوتادا وسبلا فجاجا وأجرى فيها الأنهار والبحار وفجر فيها العيون من الأحجار دلالات على وحدانيته , وعظيم قدرته وأنه هو الله الواحد القهار وبين بخلقه السموات والأرض أنه خالق كل شيء . خرج مسلم قال : حدثني سريج بن يونس وهارون بن عبد الله قالا حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : ( خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل )  . قلت : أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة ; قال البيهقي : وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ . وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن أيوب بن خالد وإبراهيم غير محتج به وذكر محمد بن يحيى قال : سألت علي بن المديني عن حديث أبى هريرة ( خلق الله التربة يوم السبت )  . فقال علي : هذا حديث مدني رواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي قال علي : وشبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى فقال لي : شبك بيدي أيوب بن خالد وقال لي شبك بيدي عبد الله بن رافع وقال لي : شبك بيدي أبو هريرة وقال لي : شبك بيدي أبو القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( خلق الله الأرض يوم السبت )  فذكر الحديث بنحوه . قال علي بن المديني : وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم بن أبي يحيى قال البيهقي : وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف . وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه إياه )  قال فقال عبد الله بن سلام : إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السموات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم خرجه البيهقي قلت : وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت . وكذلك تقدم في البقرة عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم فيها الاختلاف أيما خلق أولا الأرض أو السماء مستوفى والحمد لله . وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغنى عنه وما لا يستغنى عن الحوادث فهو حادث . والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه { الواحد { وسمي العرض عرضا لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال والجسم هو المجتمع وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران مجتمعان وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها وقد استعملها العلماء واصطلحوا عليها وبنوا عليها كلامهم وقتلوا بها خصومهم كما تقدم في البقرة واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال السدي وقتادة وجمهور المفسرين : المراد سواد الليل وضياء النهار وقال الحسن الكفر والإيمان قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر قلت : اللفظ يعمه وفي التنزيل : " أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات } [ الأنعام : 122 ] . والأرض هنا اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها وكذلك } والنور { ومثله { ثم يخرجكم طفلا } [ غافر : 67 ] وقال الشاعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا وقد تقدم وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قاله ابن عطية . قلت : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجمع والمفرد معطوفا على المفرد فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة والله أعلم وقيل : جمع { الظلمات { ووحد { النور { لأن الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى وحكى الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال : { جعل { هنا زائدة والعرب تزيد { جعل { في الكلام كقول الشاعر : وقد جعلت أرى الاثنين أربعة والواحد اثنين لما هدني الكبر قال النحاس : جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد . وقد تقدم هذا المعنى ومحامل جعل في { البقرة { مستوفى . ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ابتداء وخبر والمعنى : ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده قال ابن عطية : ف { ثم { دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى : أن خلقه السموات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
الأية
2
 
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ الآية خبر وفي معناه قولان : أحدهما : وهو الأشهر وعليه من الخلق الأكثر أن المراد آدم عليه السلام والخلق نسله والفرع يضاف إلى أصله فلذلك قال : { خلقكم { بالجمع فأخرجه مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده ; هذا قول الحسن وقتادة وابن أبي نجيح والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم الثاني : أن تكون النطفة خلقها الله من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الإنسان منها ذكره النحاس قلت : وبالجملة فلما ذكر جل وعز خلق العالم الكبير ذكر بعده خلق العالم الصغير وهو الإنسان وجعل فيه ما في العالم الكبير على ما بيناه في { البقرة { في آية التوحيد والله أعلم والحمد لله وقد روى أبو نعيم الحافظ في كتابه عن مرة عن ابن مسعود أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة فيضعها على كفه ثم يقول : يا رب مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال مخلقة قال : يا رب ما الرزق ما الأثر ما الأجل ؟ فيقول : انظر في أم الكتاب فينظر في اللوح المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره وأجله وعمله ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته فذلك قوله تعالى : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم " [ طه : 55 ] . وخرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته } . قلت : وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقا من طين وماء مهين كما أخبر جل وعز في سورة { المؤمنون { فتنتظم الآيات والأحاديث ويرتفع الإشكال والتعارض والله أعلم وأما الإخبار عن خلق آدم عليه السلام فقد تقدم في [ البقرة ] ذكره واشتقاقه ونزيد هنا طرفا من ذلك ونعته وسنه ووفاته ذكر ابن سعد في { الطبقات { عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الناس ولد آدم وآدم من التراب )  وعن سعيد بن جبير قال : خلق الله آدم عليه السلام من أرض يقال لها دجناء قال الحسن : وخلق جؤجؤه من ضرية قال الجوهري : ضرية قرية لبني كلاب على طريق البصرة وهي إلى مكة أقرب وعن ابن مسعود قال : إن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها ومالحها فخلق منه آدم عليه السلام فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة وإن كان ابن كافر وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى النار وإن كان ابن تقي فمن ثم قال إبليس { أأسجد لمن خلقت طينا } [ الإسراء : 61 ] لأنه جاء بالطينة فسمي آدم ; لأنه خلق من أديم الأرض وعن عبد الله بن سلام قال خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة وعن ابن عباس قال لما خلق الله آدم كان رأسه يمس السماء قال فوطده إلى الأرض حتى صار ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا وعن أبي بن كعب قال : كان آدم عليه السلام طوالا جعدا كأنه نخلة سحوق وعن ابن عباس في حديث فيه طول وحج آدم عليه السلام من الهند إلى مكة أربعين حجة على رجليه وكان آدم حين أهبط تمسح رأسه السماء فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ ولم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا وتوفي على ذروة الجبل الذي أنزل عليه فقال شيث لجبريل عليهما السلام : { صل على آدم { فقال له جبريل عليه السلام : تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأما خمس فهي الصلاة وخمس وعشرون تفضيلا لآدم . وقيل : كبر عليه أربعا فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليها حافظا لا يقربه أحد من بني قابيل وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث وكان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة . ويقال : هل في الآية دليل على أن الجواهر من جنس واحد ؟ الجواب نعم لأنه إذا جاز أن ينقلب الطين إنسانا حيا قادرا عليما جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحواله الجواهر لتسوية العقل بين ذلك في الحكم وقد صح انقلاب الجماد إلى الحيوان بدلالة هذه الآية . ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قوله تعالى : { ثم قضى أجلا { مفعول .{ وأجل مسمى عنده { ابتداء وخبر قال الضحاك : { أجلا { في الموت { وأجل مسمى عنده { أجل القيامة فالمعنى على هذا : حكم أجلا وأعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت ولم يعلمكم بأجل القيامة . وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وخصيف وقتادة وهذا لفظ الحسن : قضى أجل الدنيا من يوم خلقك إلى أن تموت } وأجل مسمى عنده { يعني الآخرة . وقيل : { قضى أجلا { ما أعلمناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ( وأجل مسمى )  من الآخرة وقيل : { قضى أجلا { مما نعرفه من أوقات الأهلة والزرع وما أشبههما { وأجل مسمى { أجل الموت لا يعلم الإنسان متى يموت وقال ابن عباس ومجاهد : معنى الآية { قضى أجلا { بقضاء الدنيا , { وأجل مسمى عنده } لابتداء الآخرة . وقيل : الأول قبض الأرواح في النوم والثاني قبض الروح عند الموت عن ابن عباس أيضا . ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ابتداء وخبر أي تشكون في أنه إله واحد وقيل : تمارون في ذلك أي تجادلون جدال الشاكين والتماري المجادلة على مذهب الشك ومنه قوله تعالى : { أفتمارونه على ما يرى } [ النجم : 12 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
الأية
3
 
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يقال ما عامل الإعراب في الظرف من { في السموات وفي الأرض { ؟ ففيه أجوبة : أحدها : أي وهو الله المعظم أو المعبود في السموات وفي الأرض ; كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حكمه ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض ; كما تقول : هو في حاجات الناس وفي الصلاة ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى : وهو الله في السموات وهو الله في الأرض . وقيل : المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء ; قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه وقال محمد بن جرير : وهو الله في السموات ويعلم سركم وجهركم في الأرض فيعلم مقدم في الوجهين والأول أسلم وأبعد من الإشكال وقيله غير هذا والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة . وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ أي من خير وشر والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر ولهذا لا يقال لفعل الله كسب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
الأية
4
 
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ أي علامة كانشقاق القمر ونحوها . و { من { لاستغراق الجنس ; تقول : ما في الدار من أحد . مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ { من { الثانية للتبعيض . إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ خبر { كانوا } . والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السموات والأرض وما بينهما وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء قادر لا يعجزه شيء عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم ; ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
الأية
5
 
فَقَدْ كَذَّبُوا يعني مشركي مكة . بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ يعني القرآن , وقيل : بمحمد صلى الله عليه وسلم . فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أي يحل بهم العقاب ; وأراد بالأنباء وهي الأخبار العذاب ; كقولك اصبر وسوف يأتيك الخبر أي العذاب ; والمراد ما نالهم يوم بدر ونحوه . وقيل : يوم القيامة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ
الأية
6
 
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ { كم { في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله { ألم يروا { لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله , وإنما يعمل فيه ما بعده من أجل أن له صدر الكلام . والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس . والجمع القرون ; قال الشاعر : إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب فالقرن كله عالم في عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ; وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الناس قرني يعني أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )  هذا أصح ما قيل فيه . وقيل : المعنى من أهل قرن فحذف كقوله : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] . فالقرن على هذا مدة من الزمان ; قيل : ستون عاما وقيل سبعون , وقيل : ثمانون ; وقيل : مائة ; وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ; واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر : { تعيش قرنا { فعاش مائة سنة ; ذكره النحاس . وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان . مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ خروج من الغيبة إلى الخطاب ; عكسه { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ; بهم بريح طيبة } [ يونس : 22 ] . وقال أهل البصرة أخبر عنهم بقوله { ألم يروا { وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ; ثم خاطبهم معهم ; والعرب تقول : قلت لعبد الله ما أكرمه : وقلت لعبد الله ما أكرمك ; ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم . ويجوز مكنه ومكن له ; فجاء باللغتين جميعا ; أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا . وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا يريد المطر الكثير ; عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ; ومنه قوله الشاعر : إذا سقط السماء بأرض قوم و { مدرارا { بناء دال على التكثير ; كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ; ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ; يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة . وانتصب { مدرارا { على الحال وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أي من تحت أشجارهم ومنازلهم ; ومنه قول فرعون : { وهذه الأنهار تجري من تحتي } [ الزخرف : 51 ] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم . وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ أي أوجدنا ; فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
الأية
7
 
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ الآية المعنى : ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما مكتوبا { في قرطاس { وعن ابن عباس : كتابا معلقا بين السماء والأرض وهذا يبين لك أن التنزيل على وجهين ; أحدهما : على معنى نزل عليك الكتاب بمعنى نزول الملك به . والآخر : ولو نزلنا كتابا في قرطاس يمسكه الله بين السماء والأرض ; وقال : { نزلنا { على المبالغة بطول مكث الكتاب بين السماء والأرض والكتاب مصدر بمعنى الكتابة فبين أن الكتابة في قرطاس ; لأنه غير معقول كتابة إلا في قرطاس أي في صحيفة والقرطاس الصحيفة ; ويقال : قرطاس بالضم ; وقرطس فلان إذا رمى فأصاب الصحيفة الملزقة بالهدف . فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي فعاينوا ذلك ومسوه باليد كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم ليرتفع كل ارتياب ويزول عنهم كل إشكال , لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم , وقالوا : سحر مبين إنما سكرت أبصارنا وسحرنا ; وهذه الآية جواب لقولهم : { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } [ الإسراء : 93 ] فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذبوا به . قال الكلبي : نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } [ الإسراء : 90 ] الآية .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ
الأية
8
 
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ اقترحوا هذا أيضا و { لولا { بمعنى هلا . وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عباس : لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته . مجاهد وعكرمة : لقامت الساعة . قال الحسن وقتادة : لأهلكوا بعذاب الاستئصال ; لأن الله أجرى سنته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن أهلكه الله في الحال . ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ أي لا يمهلون ولا يؤخرون .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ
الأية
9
 
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة ; لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ; فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته , ولما أنسوا به , ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه , ويمنعهم عن سؤاله , فلا تعم المصلحة ; ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم . وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين , وأتى جبريل النبي عليهما الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي أي لو أنزل ملك لرأوه في صورة رجل كما جرت عادة الأنبياء , ولو نزل على عادته لم يروه ; فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم فكانوا يقولون : هذا ساحر مثلك . وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وقال الزجاج : المعنى أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم ; فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون . واللبس الخلط ; يقال : لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته ; وأصله التستر بالثوب ونحوه وقال : { لبسنا { بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق , وقال { ما يلبسون { فأضاف إليهم على جهة الاكتساب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
الأية
10
 
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ثم قال مؤنسا لنبيه عليه الصلاة والسلام ومعزيا : { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق { أي نزل بأممهم من العذاب ما أهلكوا به جزاء استهزائهم بأنبيائهم . حاق بالشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل ; قال الله تعالى : { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } [ فاطر : 43 ] . و { ما { في قوله : " ما كانوا { بمعنى الذي وقيل : بمعنى المصدر أي حاق بهم عاقبة استهزائهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
الأية
11
 
أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين المستسخرين المكذبين : سافروا في الأرض فانظروا واستخبروا لتعرفوا ما حل بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب وهذا السفر مندوب إليه إذا كان على سبيل الاعتبار بآثار من خلا من الأمم وأهل الديار , والعاقبة آخر الأمر . والمكذبون هنا من كذب الحق وأهله لا من كذب بالباطل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلْ لِلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الأية
12
 
قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ هذا أيضا احتجاج عليهم ; المعنى قل لهم يا محمد : { لمن ما في السموات والأرض { فإن قالوا لمن هو ؟ فقل هو { لله { المعنى : إذا ثبت أن له ما في السموات والأرض وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم , فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ويبعثهم بعد الموت . كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ المعنى : إذا ثبت أن له ما في السموات والأرض وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم , فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ويبعثهم بعد الموت ولكنه { كتب على نفسه الرحمة { أي وعد بها فضلا منه وكرما فلذلك أمهل وذكر النفس هنا عبارة عن وجوده وتأكيد وعده , وارتفاع الوسائط دونه ; ومعنى الكلام الاستعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه , وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة , ويقبل منهم الإنابة والتوبة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي )  أي لما أظهر قضاءه وأبرزه لمن شاء أظهر كتابا في اللوح المحفوظ أو فيما شاءه مقتضاه خبر حق ووعد صدق { إن رحمتي تغلب غضبي { أي تسبقه وتزيد عليه . لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ اللام لام القسم , والنون نون التأكيد . وقال الفراء وغيره : يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله : { الرحمة { ويكون ما بعده مستأنفا على جهة التبيين ; فيكون معنى { ليجمعنكم { ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم . وقيل : المعنى ليجمعنكم أي في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه . وقيل : ( إلى )  بمعنى في , أي ليجمعنكم في يوم القيامة . وقيل : يجوز أن يكون موضع { ليجمعنكم { نصبا على البدل من الرحمة ; فتكون اللام بمعنى ( أن )  المعنى : كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم , أي أن يجمعكم ; وكذلك قال كثير من النحويين في قوله تعالى : { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه " [ يوسف : 35 ] أي أن يسجنوه . وقيل : موضعه نصب ب ( كتب )  ; كما تكون ( أن )  في قوله عز وجل { كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } [ الأنعام : 54 ] وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال إلى يوم القيامة ; عن الزجاج . لَا رَيْبَ فِيهِ لا شك فيه . الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ابتداء وخبر , قاله الزجاج , وهو أجود ما قيل فيه ; تقول : الذي يكرمني فله درهم , فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء . وقال الأخفش : إن شئت كان ( الذين )  في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ( ليجمعنكم )  أي ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم ; وأنكره المبرد وزعم أنه خطأ ; لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب , لا يقال : مررت بك زيد ولا مررت بي زيد لأن هذا لا يشكل فيبين . قال القتبي : يجوز أن يكون ( الذين )  جزاء على البدل من ( المكذبين )  الذين تقدم ذكرهم . أو على النعت لهم . وقيل : ( الذين )  نداء مفرد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
الأية
13
 
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي ثبت , وهذا احتجاج عليهم أيضا . وقيل : نزلت الآية لأنهم قالوا : علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة , فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا ; فقال الله تعالى : أخبرهم أن جميع الأشياء لله , فهو قادر على أن يغنيني . و ( سكن )  معناه هدأ واستقر ; والمراد ما سكن وما تحرك , فحذف لعلم السامع . وقيل : خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة . وقيل المعنى ما خلق , فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها , فإنه يجري عليه الليل والنهار ; وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق , وهذا أحسن ما قيل ; لأنه يجمع شتات الأقوال . وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأية
14
 
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا مفعولان ; لما دعوه إلى عبادة الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالى { قل { يا محمد : { أغير الله أتخذ وليا { أي ربا ومعبودا وناصرا دون الله . فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بالخفض على النعت لاسم الله ; وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدإ . وقال الزجاج : ويجوز النصب على المدح . أبو علي الفارسي : ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه قال : أترك فاطر السموات والأرض ؟ لأن قوله : { أغير الله أتخذ وليا { يدل على ترك الولاية له , وحسن إضماره لقوة هذه الدلالة . وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ كذا قراءة العامة , أي يرزق ولا يرزق ; دليله على قوله تعالى : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } [ الذاريات : 57 ] وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش : وهو يطعم ولا يطعم , وهي قراءة حسنة ; أي أنه يرزق عباده , وهو سبحانه غير محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الغذاء . وقرئ بضم الياء وكسر العين في الفعلين , أي إن الله يطعم عباده ويرزقهم والولي لا يطعم نفسه ولا من يتخذه . وقرئ بفتح الياء والعين في الأول أي الولي ( ولا يطعم )  بضم الياء وكسر العين . وخص الإطعام بالذكر دون غيره من ضروب الإنعام ; لأن الحاجة إليه أمس لجميع الأنام . قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي استسلم لأمر الله تعالى . وقيل : أول من أخلص أي من قومي وأمتي ; عن الحسن وغيره . وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي وقيل لي : { ولا تكونن من المشركين } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
الأية
15
 
أي بعبادة غيره أن يعذبني , والخوف توقع المكروه . قال ابن عباس : { أخاف { هنا بمعنى أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
الأية
16
 
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ أي العذاب { يومئذ { يوم القيامة { فقد رحمه { أي فاز ونجا ورحم . وقرأ الكوفيون { من يصرف { بفتح الياء وكسر الراء , وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد ; لقوله : { قل لمن ما في السموات والأرض قل لله } ولقوله : { فقد رحمه { ولم يقل رحم على المجهول , ولقراءة أبي { من يصرفه الله عنه { واختار سيبويه القراءة الأولى - قراءة أهل المدينة وأبي عمرو - قال سيبويه : وكلما قل الإضمار في الكلام كان أولى ; فأما قراءة من قرأ { من يصرف { بفتح الياء فتقديره : من يصرف الله عنه العذاب , وإذا قرئ ( من يصرف عنه )  فتقديره : من يصرف عنه العذاب . وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي النجاة البينة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الأية
17
 
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ المس والكشف من صفات الأجسام , وهو هنا مجاز وتوسع ; والمعنى : إن تنزل بك يا محمد شدة من فقر أو مرض فلا رافع وصارف له إلا هو , وإن يصبك بعافية ورخاء ونعمة وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الخير والضر روى ابن عباس قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : ( يا غلام - أو يا بني - ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن )  ؟ فقلت : بلى ; فقال : ( احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه واعمل لله بالشكر واليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا )  أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب ( الفصل والوصل )  وهو حديث صحيح ; وقد خرجه الترمذي , وهذا أتم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
الأية
18
 
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ القهر الغلبة , والقاهر الغالب , وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل ; قال الشاعر : تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب . ومعنى ( فوق عباده )  فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم ; أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان ; كما تقول : السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة . وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة , وهو منع غيره عن بلوغ المراد . وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأعمال عباده , أي من اتصف بهذه الصفات يجب ألا يشرك به .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
الأية
19
 
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية ; عن الحسن وغيره . ولفظ ( شيء )  هنا واقع موقع اسم الله تعالى ; المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية , وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ; فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة . وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ أي والقرآن شاهد بنبوتي . لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يا أهل مكة . وَمَنْ بَلَغَ أي ومن بلغه القرآن . فحذف ( الهاء ) لطول الكلام . وقيل : ومن بلغ الحلم . ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد . وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما , كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما ; فقال : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } [ المائدة : 67 ] . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) . وفي الخبر أيضا ; من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه . وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له . وقال القرظي : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه . وقرأ أبو نهيك : ( وأوحي إلي هذا القرآن )  مسمى الفاعل ; وهو معنى قراءة الجماعة . أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى استفهام توبيخ وتقريع . وقرئ ( أئنكم )  بهمزتين على الأصل . وإن خففت الثانية قلت : ( أينكم )  . وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع ( آئنكم )  ; وهذه لغة معروفة , تجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما ; قال الشاعر : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آأنت أم أم سالم ومن قرأ } إنكم { على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم . وقال : { آلهة أخرى { ولم يقل : ( أخر )  ; قال الفراء : لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث ; ومنه قوله : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [ الأعراف : 181 ] , وقوله : { فما بال القرون الأولى " [ طه : 51 ] ولو قال : الأول والآخر صح أيضا . قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه ونظيره { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } [ الأنعام : 150 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الأية
20
 
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ يريد اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا وقد تقدم معناه في البقرة و ( الذين )  في موضع رفع بالابتداء .{ يعرفونه { في موضع الخبر ; أي يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ; عن الحسن وقتادة , وهو قول الزجاج . وقيل : يعود على الكتاب , أي يعرفونه على ما يدل عليه , أي على الصفة التي هو بها من دلالته على صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وآله . الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ { الذين خسروا أنفسهم { في موضع النعت ; ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره { فهم لا يؤمنون } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
الأية
21
 
وَمَنْ أَظْلَمُ ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرَى أي اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ يريد القرآن والمعجزات . إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ قيل : معناه في الدنيا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
الأية
22
 
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثم استأنف فقال { ويوم نحشرهم جميعا { على معنى واذكر { يوم نحشرهم { وقيل : معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم ; فلا يوقف على هذا التقدير على قوله : ( الظالمون )  لأنه متصل . وقيل : هو متعلق بما بعده وهو ( انظر )  أي انظر كيف كذبوا يوم نحشرهم ; أي كيف يكذبون يوم نحشرهم ؟ . ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ سؤال إفضاح لا إفصاح . الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي في أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم , وأنها تقربكم منه زلفى ; وهذا توبيخ لهم . قال ابن عباس : كل زعم في القرآن فهو كذب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
الأية
23
 
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال , ورأوا الحقائق , وارتفعت الدواعي . إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين . قال ابن عباس : يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم , ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره , فإذا رأى المشركون ذلك ; قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين ; فقال الله تعالى : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم , فيختم على أفواههم , فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون , فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا ; فذلك قوله : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } [ النساء : 42 ] . وقال أبو إسحاق الزجاج : تأويل هذه الآية لطيف جدا , أخبر الله عز وجل بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم , ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك , ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه , فيقال : ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه . وقال الحسن : هذا خاص بالمنافقين جروا على عادتهم في الدنيا , ومعنى ( فتنتهم )  عاقبة فتنتهم أي كفرهم . وقال قتادة : معناه معذرتهم . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال : ( فيلقى العبد فيقول أي قل ألم أكرمك وأسودك ( وأزوجك )  وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي رب : فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا , فيقول إني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثاني فيقول له ويقول هو مثل ذلك بعينه , ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع قال : فيقال هاهنا إذا ثم يقال له الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه )  .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
الأية
24
 
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كذب المشركين قولهم : إن عبادة الأصنام تقربنا إلى الله زلفى , بل ظنوا ذلك وظنهم الخطأ لا يعذرهم ولا يزيل اسم الكذب عنهم , وكذب المنافقين باعتذارهم بالباطل , وجحدهم نفاقهم . وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ أي فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم . وقيل : ( وضل عنهم ما كانوا يفترون )  أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئا ; عن الحسن . وقيل : المعنى عزب عنهم افتراؤهم لدهشهم , وذهول عقولهم . والنظر في قوله : ( انظر )  يراد به نظر الاعتبار ; ثم قيل : " كذبوا { بمعنى يكذبون , فعبر عن المستقبل بالماضي ; وجاز أن يكذبوا في الآخرة لأنه موضع دهش وحيرة وذهول عقل . وقيل : لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة ; لأنها دار جزاء على ما كان في الدنيا - وعلى ذلك أكثر أهل النظر - وإنما ذلك في الدنيا ; فمعنى { والله ربنا ما كنا مشركين { على هذا : ما كنا مشركين عند أنفسنا ; وعلى جواز أن يكذبوا في الآخرة يعارضه قوله : ( ولا يكتمون الله حديثا )  ; ولا معارضة ولا تناقض ; لا يكتمون الله حديثا في بعض المواطن إذا شهدت عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم , ويكذبون على أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة الجوارح على ما تقدم . والله أعلم . وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : { والله ربنا ما كنا مشركين { قال : اعتذروا وحلفوا ; وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة : وروي عن مجاهد أنه قال : لما رأوا أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله والناس يخرجون من النار قالوا : { والله ربنا ما كنا مشركين { وقيل : { والله ربنا ما كنا مشركين { أي علمنا أن الأحجار لا تضر ولا تنفع , وهذا وإن كان صحيحا من القول فقد صدقوا ولم يكتموا , ولكن لا يعذرون بهذا ; فإن المعاند كافر غير معذور . ثم قيل في قوله : { ثم لم تكن فتنتهم { خمس قراءات : قرأ حمزة والكسائي { يكن { بالياء { فتنتهم { بالنصب خبر { يكن } { إلا أن قالوا { اسمها أي إلا قولهم ; فهذه قراءة بينة . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو { تكن } بالتاء { فتنتهم { بالنصب ( إلا أن قالوا )  أي إلا مقالتهم . وقرأ أبي وابن مسعود وما كان - بدل قوله ( ثم لم تكن )  - فتنتهم إلا أن قالوا )  . وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص , والأعمش من رواية المفضل , والحسن وقتادة وغيرهم ( ثم لم تكن { بالتاء { فتنتهم { بالرفع اسم { تكن { والخبر { إلا أن قالوا { فهذه أربع قراءات . الخامسة : ( ثم لم يكن { بالياء ( فتنتهم )  ; رفع ويذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون , ومثله { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى } [ البقرة : 275 ] .{ والله { الواو واو القسم } ربنا { نعت لله عز وجل , أو بدل . ومن نصب فعلى النداء أي يا ربنا وهي قراءة حسنة ; لأن فيها معنى الاستكانة والتضرع , إلا أنه فصل بين القسم وجوابه بالمنادى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
الأية
25
 
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ أفرد على اللفظ يعني المشركين كفار مكة . وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم . وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون , ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون , ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم . والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان , والأعنة والعنان . كننت الشيء في كنه إذا صنته فيه . وأكننت الشيء أخفيته . والكنانة معروفة . والكنة ( بفتح الكاف والنون )  امرأة أبيك ; ويقال : امرأة الابن أو الأخ ; لأنها في كنه . أَنْ يَفْقَهُوهُ أي يفهموه وهو في موضع نصب ; المعنى كراهية أن يفهموه , أو لئلا يفهموه . وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا عطف عليه أي ثقلا ; يقال منه : وقرت أذنه ( بفتح الواو )  توقر وقرا أي صمت , وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين . وقد وقر الله أذنه يقرها وقرا ; يقال : اللهم قر أذنه . وحكى أبو زيد عن العرب : أذن موقورة على ما لم يسم فاعله ; فعلى هذا وقرت ( بضم الواو )  . وقرأ طلحة بن مصرف ( وقرا )  بكسر الواو ; أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير , وهو مقدار ما يطيق أن يحمل , والوقر الحمل ; يقال منه : نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير . ورجل ذو قرة إذا كان وقورا بفتح الواو ; ويقال منه : وقر الرجل ( بضم القاف )  وقارا , ووقر ( بفتح القاف )  أيضا . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا أخبر الله تعالى بعنادهم لأنهم لما رأوا القمر منشقا قالوا : سحر ; فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات بغير حجة . حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ مجادلتهم قولهم : تأكلون ما قتلتم , ولا تأكلون ما قتل الله ; عن ابن عباس . يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ { يقول الذين كفروا { يعني قريشا ; قال ابن عباس : قالوا للنضر بن الحارث : ما يقول محمد ؟ قال : أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية , وكان النضر صاحب قصص وأسفار , فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار فكان يحدثهم . وواحد الأساطير أسطار كأبيات وأباييت ; عن الزجاج . قال الأخفش : واحدها أسطورة كأحدوثة وأحاديث . أبو عبيدة : واحدها إسطارة . النحاس : واحدها أسطور مثل عثكول . ويقال : هو جمع أسطار , وأسطار جمع سطر ; يقال : سطر وسطر . والسطر الشيء الممتد المؤلف كسطر الكتاب . القشيري : واحدها أسطير . وقيل : هو جمع لا واحد له كمذاكير وعباديد وأبابيل أي ما سطره الأولون في الكتب . قال الجوهري وغيره : الأساطير الأباطيل والترهات . قلت : أنشدني بعض أشياخي : تطاول ليلي واعترتني وساوسي لآت أتى بالترهات الأباطيل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
الأية
26
 
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ النهي الزجر , والنأي البعد , وهو عام في جميع الكفار أي ينهون عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم , وينأون عنه ; عن ابن عباس والحسن . وقيل : هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن إذاية محمد صلى الله عليه وسلم , ويتباعد عن الإيمان به ; عن ابن عباس أيضا . وروى أهل السير قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي , فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل - لعنه الله - : من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته . فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم ; فانفتل النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته , ثم أتى أبا طالب عمه فقال : ( يا عم ألا ترى إلى ما فعل بي )  فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عبد الله بن الزبعرى ; فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم ; فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون ; فقال أبو طالب : والله لئن قام رجل جللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم , فقال : يا بني من الفاعل بك هذا ؟ فقال : ( عبد الله بن الزبعرى )  ; فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول ; فنزلت هذه الآية ( وهم ينهون عنه وينأون عنه )  فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عم نزلت فيك آية )  قال : وما هي ؟ قال : ( تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي )  فقال أبو طالب : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك يقينا فقالوا : يا رسول الله هل تنفع أبا طالب نصرته ؟ قال : ( نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا )  . وأنزل الله على رسوله { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } [ الأحقاف : 35 ] . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه : ( قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة )  قال : لولا تعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك ; فأنزل الله تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] كذا الرواية المشهورة ( الجزع )  بالجيم والزاي ومعناه الخوف . وقال أبو عبيد : ( الخرع )  بالخاء المنقوطة والراء المهملة . قال يعني الضعف والخور , وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه )  . وأما عبد الله بن الزبعرى فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه , واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل عذره ; وكان شاعرا مجيدا ; فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم , وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى في كفره ; منها قوله : منع الرقاد بلابل وهموم والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني أن أحمد لامني فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها عيرانة سرح اليدين غشوم إني لمعتذر إليك من الذي أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودني أمر الغواة وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبي محمد قلبي ومخطئ هذه محروم مضت العداوة فانقضت أسبابها وأتت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والداي كلاهما زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من سمة المليك علامة نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه شرفا وبرهان الإله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق حقا وأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى مستقبل في الصالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم فرع تمكن في الذرى وأروم وقيل : المعنى ( ينهون عنه )  أي هؤلاء الذين يستمعون ينهون عن القرآن ( وينأون عنه )  . عن قتادة ; فالهاء على القولين الأولين في ( عنه )  للنبي صلى الله عليه وسلم , وعلى قول قتادة للقرآن . وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( إن )  نافية أي وما يهلكون إلا أنفسهم بإصرارهم على الكفر , وحملهم أوزار الذين يصدونهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الأية
27
 
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ أي إذ وقفوا غدا و ( إذ )  قد تستعمل في موضع ( إذا )  و ( إذا )  في موضع ( إذ )  وما سيكون فكأنه كان ; لأن خبر الله تعالى حق وصدق , فلهذا عبر بالماضي . ومعنى ( إذ وقفوا )  حبسوا يقال : وقفته وقفا فوقف وقوفا . وقرأ ابن السميقع ( إذ وقفوا )  بفتح الواو والقاف من الوقوف .{ على النار } أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم . وقيل : ( على )  بمعنى الباء ; أي وقفوا بقربها وهم يعاينونها . وقال الضحاك : جمعوا , يعني على أبوابها . ويقال : وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم . وفي الخبر : أن الناس كلهم يوقفون على متن جهنم كأنها متن إهالة , ثم ينادي مناد خذي أصحابك ودعي أصحابي . وقيل : ( وقفوا )  دخلوها - أعاذنا الله منها - فعلى بمعنى ( في )  أي وقفوا في النار . وجواب ( لو )  محذوف ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أبلغ في التخويف ; والمعنى : لو تراهم في تلك الحال لرأيت أسوأ حال , أو لرأيت منظرا هائلا , أو لرأيت أمرا عجبا وما كان مثل هذا التقدير . فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفا قراءة أهل المدينة والكسائي ; وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالضم . ابن عامر على رفع ( نكذب )  ونصب ( ونكون )  وكله داخل في معنى التمني ; أي لا تمنوا الرد وألا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين . واختار سيبويه القطع في ( ولا نكذب ) فيكون غير داخل في التمني ; المعنى : ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب ; أي لا نكذب رددنا أو لم نرد ; قال سيبويه : وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني . واستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله : { وإنهم لكاذبون { لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في الخبر . وقال من جعله داخلا في التمني : المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل . وقرأ حمزة وحفص بنصب ( نكذب )  و ( نكون )  جوابا للتمني ; لأنه غير واجب , وهما داخلان في التمني على معنى أنهم تمنوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين . قال أبو إسحاق : معنى ( ولا نكذب )  أي إن رددنا لم نكذب . والنصب في ( نكذب )  و ( نكون )  بإضمار ( أن )  كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعرض ; لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد , فينصب , الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأول ; كأنهم قالوا : يا ليتنا يكون لنا رد وانتفاء من الكذب , وكون من المؤمنين ; فحملا على مصدر ( نرد )  لانقلاب المعنى إلى الرفع , ولم يكن بد من إضمار ( أن )  فيه يتم النصب في الفعلين . وقرأ ابن عامر ( ونكون )  بالنصب على جواب التمني كقولك : ليتك تصير إلينا ونكرمك , أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع , وأدخل الفعلين الأولين في التمني , أو أراد : ونحن لا نكرمك على القطع على ما تقدم ; يحتمل . وقرأ أبي ( ولا نكذب بآيات ربنا أبدا )  . وعنه وابن مسعود ( يا ليتنا نرد فلا نكذب )  بالفاء والنصب , والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو ; عن الزجاج . وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلا بالفاء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
الأية
28
 
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ بل إضراب عن تمنيهم وادعائهم الإيمان لو ردوا واختلفوا في معنى ( بدا لهم )  على أقوال بعد تعيين من المراد ; فقيل : المراد المنافقون لأن اسم الكفر مشتمل عليهم , فعاد الضمير على بعض المذكورين ; قال النحاس : وهذا من الكلام العذب الفصيح . وقيل : المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يفطن بهم ضعفاؤهم , فيظهر يوم القيامة ; ولهذا قال الحسن : ( بدا لهم )  أي بدا لبعضهم ما كان يخفيه عن بعض . وقيل : بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشرك فيقولون : ( والله ربنا ما كنا مشركين )  فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين ( بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل )  . قال أبو روق . وقيل : ( بدا لهم )  ما كانوا يكتمونه من الكفر ; أي بدت أعمالهم السيئة كما قال : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } [ الزمر : 47 ] . قال المبرد : بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه . وقيل : المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة ; لأن بعده { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } . وَلَوْ رُدُّوا قيل : بعد معاينة العذاب . وقيل : قبل معاينته . لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ أي لصاروا ورجعوا إلى ما نهوا عنه من الشرك لعلم الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون , وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ إخبار عنهم , وحكاية عن الحال التي كانوا عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل , وإنكارهم البعث ; كما قال : { وإن ربك ليحكم بينهم } [ النحل : 124 ] فجعله حكاية عن الحال الآتية . وقيل : المعنى وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين . وقرأ يحيى بن وثاب ( ولو ردوا )  بكسر الراء ; لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال على الراء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
الأية
29
 
ابتداء وخبر و ( إن )  نافية . ( وما نحن )  ( نحن )  اسم ( ما )  و { بمبعوثين { خبرها ; وهذا ابتداء إخبار عنهم عما قالوه في الدنيا . قال ابن زيد : هو داخل في قوله : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا { أي لعادوا إلى الكفر , واشتغلوا بلذة الحال . وهذا يحمل على المعاند كما بيناه في حال إبليس , أو على أن الله يلبس عليهم بعد ما عرفوا , وهذا شائع في العقل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
الأية
30
 
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ ( وقفوا )  أي حبسوا ( على ربهم )  أي على ما يكون من أمر الله فيهم . وقيل : ( على )  بمعنى ( عند )  أي عند ملائكته وجزائه ; وحيث لا سلطان فيه لغير الله عز وجل ; تقول : وقفت على فلان أي عنده ; وجواب { لو { محذوف لعظم شأن الوقوف . قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ تقرير وتوبيخ أي أليس هذا البعث كائنا موجودا ؟ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ { قالوا بلى { ويؤكدون اعترافهم بالقسم بقولهم : " وربنا } . وقيل : إن الملائكة تقول لهم بأمر الله أليس هذا البعث وهذا العذاب حقا ؟ فيقولون : ( بلى وربنا )  إنه حق .{ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
الأية
31
 
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء ; دليله قوله عليه السلام : ( من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان )  أي لقي جزاءه ; لأن من غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية , ذهب إلى هذا القفال وغيره ; قال القشيري : وهذا ليس بشيء ; لأن حمل اللقاء في موضع على الجزاء لدليل قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع , فليحمل اللقاء على ظاهره في هذه الآية ; والكفار كانوا ينكرون الصانع , ومنكر الرؤية منكر للوجود ! حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها . ومعنى ( بغتة )  فجأة ; يقال : بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة . وهي نصب على الحال , وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال , كما تقول : قتلته صبرا , وأنشد : فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا على ظهر محبوك ظماء مفاصله ولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه ; لا يقال : جاء فلان سرعة . قَالُوا يَا وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة , ولكنه يدل على كثرة التحسر , ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا بمناديين في الحقيقة , ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء . قال سيبويه : كأنه قال يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك , وكذلك قولك يا حسرتي أي يا حسرتا تعالي فهذا وقتك , وكذلك ما لا يصح نداؤه يجري هذا المجرى , فهذا أبلغ من قولك تعجبت . ومنه قول الشاعر : فيا عجبا من رحلها المتحمل وقيل : هو تنبيه للناس على عظيم ما يحل بهم من الحسرة ; أي يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة , فوقع النداء على غير المنادى حقيقة , كقولك : لا أرينك هاهنا . فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة . حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا أي في الساعة , أي في التقدمة لها ; عن الحسن . و ( فرطنا )  معناه ضيعنا وأصله التقدم ; يقال : فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء , ومنه ( أنا فرطكم على الحوض )  . ومنه الفارط أي المتقدم للماء , ومنه - في الدعاء للصبي - اللهم اجعله فرطا لأبويه ; فقولهم : ( فرطنا )  أي قدمنا العجز . وقيل : ( فرطنا )  أي جعلنا غيرنا الفارط السابق لنا إلى طاعة الله وتخلفنا . ( فيها )  أي في الدنيا بترك العمل للساعة . وقال الطبري : ( الهاء )  راجعة إلى الصفقة , وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر , والآخرة بالدنيا , { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها { أي في الصفقة , وترك ذكرها لدلالة الكلام عليها ; لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع ; دليله قوله : { فما ربحت تجارتهم } [ البقرة : 16 ] . وقال السدي : على ما ضيعنا أي من عمل الجنة . وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : ( يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون : ( يا حسرتنا )  . فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أي ذنوبهم جمع وزر أَوْزَارَهُمْ عَلَى مجاز وتوسع وتشبيه بمن يحمل ثقلا ; يقال منه : وزر يزر , ووزر يوزر فهو وازر وموزور ; وأصله من الوزر وهو الجبل . ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في جنازة ( ارجعن موزورات غير مأجورات )  قال أبو عبيد : والعامة تقول : ( مأزورات )  كأنه لا وجه له عنده ; لأنه من الوزر . قال أبو عبيد : ويقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع احمل وزرك أي ثقلك . ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية : والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها . ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا أي ما أسوأ الشيء الذي يحملونه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الأية
32
 
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي لقصر مدتها كما قال : ألا إنما الدنيا كأحلام نائم وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وقال آخر : فاعمل على مهل فإنك ميت واكدح لنفسك أيها الإنسان فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى وكأن ما هو كائن قد كانا وقيل : المعنى متاع الحياة الدنيا لعب ولهو ; أي الذي يشتهوه في الدنيا لا عاقبة له , فهو بمنزلة اللعب واللهو . ونظر سليمان بن عبد الله في المرآة فقال : أنا الملك الشاب ; فقالت له جارية له : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما بدا لنا منك عيب كان في الناس غير أنك فاني وقيل : معنى ( لعب ولهو )  باطل وغرور , كما قال : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )  [ آل عمران : 185 ] فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم : { إن هي إلا حياتنا الدنيا { واللعب معروف , والتلعابة الكثير اللعب , والملعب مكان اللعب ; يقال : لعب يلعب . واللهو أيضا معروف , وكل ما شغلك فقد ألهاك , ولهوت من اللهو , وقيل : أصله الصرف عن الشيء ; من قولهم : لهيت عنه ; قال المهدوي : وفيه بعد ; لأن الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم : لهيان , ولام الأول واو . ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة , فإن حقيقة اللعب ما لا ينتفع به واللهو ما يلتهى به , وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما ; وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي : الدنيا دار صدق لمن صدقها , ودار نجاة لمن فهم عنها , ودار غنى لمن تزود منها . وقال محمود الوراق : لا تتبع الدنيا وأيامها ذما وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الآخرة وروى أبو عمر بن عبد البر عن أبي سعيد الخدري , قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أو أدى إلى ذكر الله والعالم والمتعلم شريكان في الأجر وسائر الناس همج لا خير فيه )  وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال : حديث حسن غريب . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها )  . وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء )  . وقال الشاعر : تسمع من الأيام إن كنت حازما فإنك منها بين ناه وآمر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فات من شيء فليس بضائر ولن تعدل الدنيا جناح بعوضة ولا وزن زف من جناح لطائر فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن ولا رضي الدنيا جزاء لكافر وقال ابن عباس : هذه حياة الكافر لأنه يزجيها في غرور وباطل , فأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة , فلا تكون لهوا ولعبا . وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ أي الجنة لبقائها ; وسميت آخرة لتأخرها عنا , والدنيا لدنوها منا . وقرأ ابن عامر ( ولدار الآخرة )  بلام واحدة ; والإضافة على تقدير حذف المضاف وإقامة الصفة مقامه , التقدير : ولدار الحياة الآخرة . وعلى قراءة الجمهور ( وللدار الآخرة )  اللام لام الابتداء , ورفع الدار بالابتداء , وجعل الآخرة نعتا لها والخبر ( خير للذين )  يقويه { تلك الدار الآخرة } [ القصص : 83 ] " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } [ العنكبوت : 64 ] . فأتت الآخرة صفة للدار فيهما لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي الشرك . أَفَلَا تَعْقِلُونَ قرئ بالياء والتاء ; أي أفلا يعقلون أن الأمر هكذا فيزهدوا في الدنيا . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
الأية
33
 
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ كسرت ( إن )  لدخول اللام . قال أبو ميسرة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا : يا محمد والله ما نكذبك وإنك عندنا لصادق , ولكن نكذب ما جئت به ; فنزلت هذه الآية { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون { ثم آنسه بقوله : " ولقد كذبت رسل من قبلك { الآية . وقرئ { يكذبونك { مخففا ومشددا ; وقيل : هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته ; واختار أبو عبيد قراءة التخفيف , وهي قراءة علي رضي الله عنه ; وروي عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به ; فأنزل الله عز وجل { فإنهم لا يكذبونك { قال النحاس : وقد خولف أبو عبيد في هذا . وروي : لا نكذبك . فأنزل الله عز وجل : { لا يكذبونك } . ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس { فإنهم لا يكذبونك { مخففا فقال له ابن عباس : { فإنهم لا يكذبونك { لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الأمين . ومعنى { يكذبونك } عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب , ويردون عليك ما قلت . ومعنى { لا يكذبونك { أي لا يجدونك تأتي بالكذب ; كما تقول : أكذبته وجدته كذابا ; وأبخلته وجدته بخيلا , أي لا يجدونك كذابا إن تدبروا ما جئت به . ويجوز أن يكون المعنى : لا يثبتون عليك أنك كاذب ; لأنه يقال : أكذبته إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب . وعلى التشديد : لا يكذبونك بحجة ولا برهان ; ودل على هذا { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون { قال النحاس : والقول في هذا مذهب أبي عبيد , واحتجاجه لازم ; لأن عليا كرم الله وجهه هو الذي روى الحديث , وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف ; وحكى الكسائي عن العرب : أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه , وكذبته إذا أخبرته أنه كاذب ; وكذلك قال الزجاج : كذبته إذا قلت له كذبت , وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
الأية
34
 
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا أي فاصبر كما صبروا . وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا أي عوننا , أي فسيأتيك ما وعدت به . وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ مبين لذلك النصر ; أي ما وعد الله عز وجل به فلا يقدر أحد أن يدفعه ; لا ناقض لحكمه , ولا خلف لوعده ; و { لكل أجل كتاب } [ الرعد : 38 ] , { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا } [ غافر : 51 ] { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون } [ الصافات : 171 - 172 - 173 ] , { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } [ المجادلة : 21 ] . وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ فاعل ( جاءك )  مضمر ; المعنى : جاءك من نبإ المرسلين نبأ .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
الأية
35
 
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ أي عظم عليك إعراضهم وتوليهم عن الإيمان . فَإِنِ اسْتَطَعْتَ قدرت أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أي سر با تخلص منه إلى مكان آخر , ومنه النافقاء لجحر اليربوع , وقد تقدم في { البقرة { بيانه ومنه المنافق . وقد تقدم أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ معطوف عليه , أي سببا إلى السماء ; وهذا تمثيل ; لأن السلم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع , وهو مذكر , ولا يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث العلم . قال قتادة : السلم الدرج . الزجاج : وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد . فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل ; فأضمر الجواب لعلم السامع . أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يشتد حزنه عليهم إذا كانوا لا يؤمنون ; كما أنه لا يستطيع هداهم . وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى أي لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه ; بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردا على القدرية . وقيل المعنى : أي لأراهم آية تضطرهم إلى الإيمان , ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن . فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ أي من الذين أشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد , وإلى ما لا يحل ; أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين . وقيل : الخطاب له والمراد الأمة ; فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
الأية
36
 
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق , وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون فينتفعون به ويعملون ; قال معناه الحسن ومجاهد , وتم الكلام . وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وهم الكفار ; عن الحسن ومجاهد ; أي هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة . وقيل : الموتى كل من مات .{ يبعثهم الله { أي للحساب ; وعلى الأول بعثهم هدايتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم . وعن الحسن : هو بعثهم من شركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد - يعني عند حضور الموت - في حال الإلجاء في الدنيا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الأية
37
 
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قال الحسن : ( لولا )  هاهنا بمعنى هلا ; وقال الشاعر : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنع وكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين ; وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله , لما فيه من الوصف وعلم الغيوب . قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده ; وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم أقواما يؤمنون به ولم يرد استئصالهم . وقيل : ( ولكن أكثرهم لا يعلمون )  أن الله قادر على إنزالها . الزجاج : طلبوا أن يجمعهم على الهدى أي جمع إلجاء .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
الأية
38
 
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ تقدم معنى الدابة والقول فيه في { البقرة } وأصله الصفة ; من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو . وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ بخفض { طائر { عطفا على اللفظ . وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق ( ولا طائر )  بالرفع عطفا على الموضع , و ( من )  زائدة , التقدير : وما من دابة .{ بجناحيه { تأكيدا وإزالة للإبهام ; فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر ; تقول للرجل : طر في حاجتي ; أي أسرع ; فذكر ( بجناحيه )  ليتمحض القول في الطير , وهو في غيره مجاز . وقيل : إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران , ولو كان غير معتدل لكان يميل ; فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و { ما يمسكهن إلا الله } [ النحل : 79 ] . والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء , وأصله الميل إلى ناحية من النواحي ; ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت . وطائر الإنسان عمله ; وفي التنزيل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } [ الإسراء : 13 ] . إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم , وتكفل بأرزاقهم , وعدل عليهم , فلا ينبغي أن تظلموهم , ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به . و ( دابة )  تقع على جميع ما دب ; وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه . وقيل : هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة ; والمعنى : وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى , ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار . وقال أبو هريرة : هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول الله لها : كوني ترابا . وهذا اختيار الزجاج فإنه قال : ( إلا أمم أمثالكم )  في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص , وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا . وقال سفيان بن عيينة : أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه ; فمنهم من يعدو كالأسد , ومنهم من يشره كالخنزير , ومنهم من يعوي كالكلب , ومنهم من يزهو كالطاوس ; فهذا معنى المماثلة . واستحسن الخطابي هذا وقال : فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك . وقال مجاهد في قوله عز وجل : { إلا أمم أمثالكم { قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون . وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة , وأنها تحشر وتنعم في الجنة , وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم ; والصحيح { إلا أمم أمثالكم { في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته , كما أن رزقكم على الله . وقول سفيان أيضا حسن ; فإنه تشبيه واقع في الوجود . مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث . وقيل : أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ; إما دلالة مبينة مشروحة , وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام , أو من الإجماع , أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب ; قال الله تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } [ النحل : 89 ] وقال : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } [ النحل : 44 ] وقال : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] فأجمل في هذه الآية وآية ( النحل )  ما لم ينص عليه مما لم يذكره , فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره , إما تفصيلا وإما تأصيلا ; وقال : { اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة : 3 ] . ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ أي للجزاء , كما سبق في خبر أبي هريرة , وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء )  . ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة ; وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم ; وروي عن ابن عباس ; قال ابن عباس في رواية : حشر الدواب والطير موتها ; وقال الضحاك ; والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح ; وفي التنزيل { وإذا الوحوش حشرت } [ التكوير : 5 ] وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عنه : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة , البهائم والدواب والطير وكل شيء ; فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : ( كوني ترابا )  فذلك قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا } [ النبأ : 40 ] . وقال عطاء : فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن : الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم , فلا جنة نرجو ولا نار نخاف ; فيقول الله تعالى لهن : ( كن ترابا )  فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا . وقالت جماعة : هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج ; وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه , وأنه لا محيص له عنه ; وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال : حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء , وللحجر لما ركب على الحجر , وللعود لما خدش العود ; قالوا : فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل , لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها , ولم يصر إليه أحد من العقلاء , ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء ; قالوا : ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا . قلت : الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة , وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به ; وروي عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أبا ذر هل تدري فيما انتطحتا ؟ )  قلت : لا . قال : ( لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما )  وهذا نص , وقد زدناه بيانا في كتاب ( التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة )  . والله أعلم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
الأية
39
 
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ ابتداء وخبر , أي عدموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم ; فكل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون . وقد تقدم في البقرة فِي الظُّلُمَاتِ أي ظلمات الكفر . وقال أبو علي : يجوز أن يكون المعنى ( صم وبكم )  في الآخرة ; فيكون حقيقة دون مجاز اللغة . مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله . وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله . وفيه إبطال لمذهب القدرية . والمشيئة راجعة إلى الذين كذبوا , فمنهم من يضله ومنهم من يهديه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الأية
40
 
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ { قل أرأيتكم { وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين , يلقي حركة الأولى على ما قبلها , ويأتي بالثانية بين بين . وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة ويعوض منها ألفا . قال النحاس : وهذا عند أهل العربية غلط عليه ; لأن الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان . قال مكي : وقد روي عن ورش أنه أبدل من الهمزة ألفا ; لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية , والمد لا يتمكن إلا مع البدل , والبدل فرع من الأصول , والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف ; وعليه كل من خفف الثانية غير ورش ; وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن لأن الأول حرف مد ولين , فالمد الذي يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني . وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ( أرأيتكم )  بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على أصلها , والأصل الهمز ; لأن همزة الاستفهام دخلت على ( رأيت )  فالهمزة عين الفعل , والياء ساكنة لاتصال المضمر المرفوع بها . وقرأ عيسى بن عمر والكسائي ( أريتكم )  بحذف الهمزة الثانية . قال النحاس : وهذا بعيد في العربية , وإنما يجوز في الشعر ; والعرب تقول : أرأيتك زيدا ما شأنه . ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب , لا حظ لهما في الإعراب ; وهو اختبار الزجاج . ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع الرؤية عليهما , والمعنى أرأيتم أنفسكم ; فإذا كانت للخطاب - زائدة للتأكيد - كان ( إن )  من قوله { إن أتاكم { في موضع نصب على المفعول لرأيت , وإذا كان اسما في موضع نصب ف ( إن )  في موضع المفعول الثاني ; فالأول من رؤية العين لتعديها لمفعول واحد , وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين . أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ المعنى : أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها . أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ والآية في محاجة المشركين ممن اعترف أن له صانعا ; أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله , وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية ؟ ! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
الأية
41
 
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ { بل { إضراب عن الأول وإيجاب للثاني .{ إياه { نصب . ب } تدعون { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ أي يكشف الضر الذي تدعون إلى كشفه إن شاء كشفه . وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ قيل : عند نزول العذاب . وقال الحسن : أي تعرضون عنه إعراض الناسي , وذلك لليأس من النجاة من قبله إذ لا ضرر فيه ولا نفع . وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى وتتركون . قال النحاس : مثل قوله : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي } [ طه : 115 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
الأية
42
 
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم , وفيه إضمار ; أي أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر ; تقديره : فكذبوا فَأَخَذْنَاهُمْ وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها ; وذلك أن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم , فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم . بِالْبَأْسَاءِ بالمصائب في الأموال وَالضَّرَّاءِ في الأبدان ; هذا قول الأكثر , وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ; ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء } لا يسأل عما يفعل } [ الأنبياء : 23 ] . قال ابن عطية : استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال , والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية . قلت : هذه جهالة ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلا لها ; هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده يمتحنهم بها , ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها ; فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة , ونفوز بها من أهوال يوم القيامة ; وفي التنزيل : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } [ المؤمنون : 51 ] وقال : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [ البقرة : 267 ] .{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [ البقرة : 172 ] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين ; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها ; وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا , على ما تقدم بيانه في { المائدة { وسيأتي في { الأعراف { من حكم اللباس وغيره ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والأنعام التي سخرها وأباح لنا أكلها وشربها ألبانها والدفء بأصوافها - إلى غير ذلك مما امتن به - كبير فائدة , فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء , وقد تقدم في آخر { البقرة { بيان فضل المال ومنفعته والرد على من أبى من جمعه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة الضعف على الأبدان , ونهى عن إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال . لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي يدعون ويذلون , مأخوذ من الضراعة وهي الذلة ; يقال : ضرع فهو ضارع .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الأية
43
 
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ( لولا )  تحضيض , وهي التي تلى الفعل بمعنى هلا ; وهذا عتاب على ترك الدعاء , وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب . ويجوز أن يكونوا تضرعوا تضرع من لم يخلص , أو تضرعوا حين لابسهم العذاب , والتضرع على هذه الوجوه غير نافع . والدعاء مأمور به حال الرخاء والشدة ; قال الله تعالى : { ادعوني أستجب لكم } [ غافر : 60 ] وقال : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } [ غافر : 60 ] أي دعائي { سيدخلون جهنم داخرين } [ غافر : 60 ] وهذا وعيد شديد . وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي صلبت وغلظت , وهي عبارة عن الكفر والإصرار على المعصية , نسأل الله العافية . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي أغواهم بالمعاصي وحملهم عليها .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ
الأية
44
 
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يقال : لم ذموا على النسيان وليس من فعلهم ؟ فالجواب : أن ( نسوا )  بمعنى تركوا ما ذكروا به , عن ابن عباس وابن جريج , وهو قول أبي علي ; وذلك لأن التارك للشيء إعراضا عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي , كما يقال : تركه . في النسي . جواب آخر : وهو أنهم تعرضوا للنسيان فجاز الذم لذلك ; كما جاز الذم على التعرض لسخط الله عز وجل وعقابه . فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ أي من النعم والخيرات , أي كثرنا لهم ذلك . والتقدير عند أهل العربية : فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم . حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك العطاء لا يبيد , وأنه دال على رضاء الله عز وجل عنهم أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً أي استأصلناهم وسطونا بهم . و ( بغتة )  معناه فجأة , وهي الأخذ على غرة ومن غير تقدم أمارة ; فإذا أخذ الإنسان وهو غار غافل فقد أخذ بغتة , وأنكى شيء ما يفجأ من البغت . وقد قيل : إن التذكير الذي سلف - فأعرضوا عنه - قام مقام الإمارة . والله أعلم . و ( بغتة )  مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدم ; فكان ذلك استدراجا من الله تعالى كما قال : { وأملي لهم إن كيدي متين } [ الأعراف : 183 ] نعوذ بالله من سخطه ومكره . قال بعض العلماء : رحم الله عبدا تدبر هذه الآية { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة } . وقال محمد بن النضر الحارثي : أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة . وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم )  ثم تلا { فلما نسوا ما ذكروا به { الآية كلها . وقال الحسن : والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله , وعجز رأيه . وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها إلا كان قد نقص عمله , وعجز رأيه . وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته )  . فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال ; قال العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا أي تحير لهول ما رأى , ومن ذلك اشتق اسم إبليس ; أبلس الرجل سكت , وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة ; ضبعت الناقة تضبع ضبعة وضبعا إذا أرادت الفحل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الأية
45
 
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الدابر الآخر ; يقال : دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجيء . وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ( من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا )  أي في آخر الوقت ; والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم فلم تبق لهم باقية . قال قطرب : يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا . قال أمية بن أبي الصلت : فأهلكوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قيل : على إهلاكهم وقيل : تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه . وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم ; لما يعقب من قطع الدابر , إلى العذاب الدائم , مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
الأية
46
 
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ أي أذهب وانتزع . ووحد { سمعكم { لأنه مصدر يدل على الجمع . وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ أي طبع . وقد تقدم في البقرة وجواب ( إن )  محذوف تقديره : فمن يأتيكم به , وموضعه نصب ; لأنها في موضع الحال , كقولك : اضربه إن خرج أي خارجا . ثم قيل : المراد المعاني القائمة بهذه الجوارح , وقد يذهب الله الجوارح والأعراض جميعا فلا يبقي شيئا , قال الله تعالى : { من قبل أن نطمس وجوها } [ النساء : 47 ] والآية احتجاج على الكفار . مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ { من { رفع بالابتداء وخبرها { إله { و } غيره } صفة له , وكذلك { يأتيكم { موضعه رفع بأنه صفة { إله { ومخرجها مخرج الاستفهام , والجملة التي هي منها في موضع مفعولي رأيتم . ومعنى { أرأيتم { علمتم ; ووحد الضمير في ( به )  - وقد تقدم الذكر بالجمع - لأن المعنى أي بالمأخوذ , فالهاء راجعة إلى المذكور . وقيل : على السمع بالتصريح ; مثل قوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } [ التوبة : 62 ] . ودخلت الأبصار والقلوب بدلالة التضمين . وقيل : { من إله غير الله يأتيكم } . بأحد هذه المذكورات . وقيل : على الهدى الذي تضمنه المعنى . انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وقرأ عبد الرحمن الأعرج ( به انظر )  بضم الهاء على الأصل ; لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول : جئت معه . قال النقاش : في هذه الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا وفي غير آية , وقد مضى هذا في أول { البقرة { مستوفى . وتصريف الآيات الإتيان بها من جهات ; من إعذار وإنذار وترغيب وترهيب ونحو ذلك . ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أي يعرضون . عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ; يقال : صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا فهو صادف . وصادفته مصادفة أي لقيته عن إعراض عن جهته ; قال ابن الرقاع : إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه وهن عن كل سوء يتقى صدف والصدف في البعير أن يميل خفه من اليد أو الرجل إلى الجانب الوحشي ; فهم يصدفون أي مائلون معرضون عن الحجج والدلالات .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ
الأية
47
 
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً قال الحسن : { بغتة { ليلا { أو جهرة { نهارا . وقيل : بغتة فجأة . وقال الكسائي : يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجأة . هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ نظيره { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } [ الأحقاف : 35 ] أي هل يهلك إلا أنتم لشرككم والظلم هنا بمعنى الشرك , كما قال لقمان لابنه : { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الأية
48
 
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي بالترغيب والترهيب . قال الحسن : مبشرين بسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة ; يدل على ذلك قوله تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } [ الأعراف : 96 ] . ومعنى ( منذرين )  مخوفين عقاب الله ; فالمعنى : إنما أرسلنا المرسلين لهذا لا لما يقترح عليهم من الآيات , وإنما يأتون من الآيات بما تظهر معه براهينهم وصدقهم . فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون , ولا يلحقهم رعب ولا فزع . وقيل : قد يلحقهم أهوال يوم القيامة , ولكن مآلهم الأمن . " وأصلح { أي وأصلح منكم ما بيني وبينه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
الأية
49
 
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أي بالقرآن والمعجزات . وقيل : بمحمد عليه الصلاة والسلام . يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ أي يصيبهم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ أي يكفرون .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ
الأية
50
 
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ هذا جواب لقولهم : { لولا نزل عليه آية من ربه } [ الأنعام : 37 ] , فالمعنى ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات , ولا أعلم الغيب فأخبركم به . والخزانة ما يخزن فيه الشيء ; ومنه الحديث ( فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته )  . وخزائن الله مقدوراته ; أي لا أملك أن أفعل كل ما أريد مما تقترحون وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أيضا وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل , أي لست بملك فأشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر . واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء . وقد مضى في { البقرة { القول فيه فتأمله هناك . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ظاهره أنه لا يقطع أمرا إلا إذا كان فيه وحي . والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد , والقياس على المنصوص , والقياس أحد أدلة الشرع . وسيأتي بيان هذا في { الأعراف { وجواز اجتهاد الأنبياء في ( الأنبياء )  إن شاء الله تعالى . قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أي الكافر والمؤمن ; عن مجاهد وغيره . وقيل : الجاهل والعالم . أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ أنهما لا يستويان .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
الأية
51
 
وَأَنْذِرْ بِهِ أي بالقرآن . والإنذار الإعلام وقد تقدم في البقرة وقيل : { به { أي بالله . وقيل : باليوم الآخر . الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ وخص { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم { لأن الحجة عليهم أوجب , فهم خائفون من عذابه , لا أنهم يترددون في الحشر ; فالمعنى { يخافون { يتوقعون عذاب الحشر . وقيل : { يخافون { يعلمون , فإن كان مسلما أنذر ليترك المعاصي , وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق . وقال الحسن : المراد المؤمنون . قال الزجاج : كل من أقر بالبعث من مؤمن وكافر . وقيل : الآية في المشركين أي أنذرهم بيوم القيامة . والأول أظهر . لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ أي من غير الله وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ هذا رد على اليهود والنصارى في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا : { نحن أبناء الله وأحباؤه } [ المائدة : 18 ] والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله , فأعلم الله أن الشفاعة لا تكون للكفار . ومن قال الآية في المؤمنين قال : شفاعة الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن ; وفي التنزيل : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] .{ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } [ سبأ : 23 ] .{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [ البقرة : 255 ] . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي في المستقبل وهو الثبات على الإيمان .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
الأية
52
 
قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم { الآية . قال المشركون : ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان وصهيبا وبلالا وخبابا - فاطردهم عنك ; وطلبوا أن يكتب لهم بذلك , فهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك , ودعا عليا ليكتب ; فقام الفقراء وجلسوا ناحية ; فأنزل الله الآية . ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح : فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ; وسيأتي ذكره . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعا في إسلامهم , وإسلام قومهم , ورأى أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا , ولا ينقص لهم قدرا , فمال إليه فأنزل الله الآية , فنهاه عما هم به من الطرد لا أنه أوقع الطرد . روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر , فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ; قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما , فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع , فحدث نفسه , فأنزل الله عز وجل { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } . قيل : المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة ; قاله ابن عباس ومجاهد والحسن . وقيل : الذكر وقراءة القرآن . ويحتمل أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ; ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق . ويختموه بالدعاء طلبا للمغفرة .{ يريدون وجهه { أي طاعته , والإخلاص فيها , أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله , ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره . وقيل : يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } [ الرحمن : 27 ] وهو كقوله : { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } [ الرعد : 22 ] . وخص الغداة والعشي بالذكر ; لأن الشغل غالب فيهما على الناس , ومن كان في وقت الشغل مقبلا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله في قوله : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم } [ الكهف : 28 ] , فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام , وقد أخرج هذا المعنى مبينا مكملا ابن ماجه في سننه عن خباب في قول الله عز وجل : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي { إلى قوله : { فتكون من الظالمين { قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب , قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين ; فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم ; فأتوه فخلوا به وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا , فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد , فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك , فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ; قال : ( نعم )  قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا ; قال : فدعا بصحيفة ودعا عليا - رضي الله عنه - ليكتب ونحن قعود في ناحية ; فنزل جبريل عليه السلام فقال : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين { ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ; فقال : { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } [ الأنعام : 53 ] ثم قال : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } [ الأنعام : 54 ] قال : فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته ; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ; فأنزل الله عز وجل } واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } [ الكهف : 28 ] ولا تجالس الأشراف { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } [ الكهف : 28 ] يعني عيينة والأقرع , { واتبع هواه وكان أمره فرطا " [ الكهف : 28 ] , أي هلاكا . قال : أمر عيينة والأقرع ; ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا . قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم ; رواه عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا عمرو بن محمد العنقزي حدثنا أسباط عن السدي عن أبي سعيد الأزدي وكان قارئ الأزد عن أبي الكنود عن خباب ; وأخرجه أيضا عن سعد قال : نزلت هذه الآية فينا ستة , في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال ; قال : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم , قال : فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل ; فأنزل الله عز وجل : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي { الآية . وقرئ ( بالغدوة )  وسيأتي بيانه في ( الكهف )  إن شاء الله . قوله تعالى : { ما عليك من حسابهم من شيء { أي من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم , أي جزاؤهم ورزقهم على الله , وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره . ( من )  الأولى للتبعيض , والثانية زائدة للتوكيد . وكذا { وما من حسابك عليهم من شيء { المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل ; فإن فعلت كنت ظالما . وحاشاه من وقوع ذلك منه , وإنما هذا بيان للأحكام , ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل السلام ; وهذا مثل قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله .{ فتطردهم { جواب النفي .{ فتكون من الظالمين { نصب بالفاء في جواب النهي ; المعنى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين , وما من حسابك , عليهم من شيء فتطردهم , على التقديم والتأخير . والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه . وقد تقدم في البقرة مستوفى وقد حصل من قوة الآية والحديث النهي عن أن يعظم أحد لجاهه ولثوبه , وعن أن يحتقر أحد لخموله ولرثاثة ثوبيه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
الأية
53
 
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي كما فتنا من قبلك كذلك فتنا هؤلاء . والفتنة الاختبار ; أي عاملناهم معاملة المختبرين . لِيَقُولُوا نصب بلام كي , يعني الأشراف والأغنياء . أَهَؤُلَاءِ يعني الضعفاء والفقراء . مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا قال النحاس : وهذا من المشكل ; لأنه يقال : كيف فتنوا ليقولوا هذه الآية ؟ لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم . وفي هذا جوابان : أحدهما : أن المعنى اختبر الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم واحدة عند النبي صلى الله عليه وسلم , ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا { والجواب الآخر : أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار , وصار مثل قوله : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } [ القصص : 8 ] . أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ فيمن عليهم بالإيمان دون الرؤساء الذين علم الله منهم الكفر , وهذا استفهام تقرير , وهو جواب لقولهم : " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا { وقيل : المعنى أليس الله بأعلم من يشكر الإسلام إذا هديته إليه .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الأية
54
 
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ السلام والسلامة بمعنى واحد . ومعنى { سلام عليكم { سلمكم الله في دينكم وأنفسكم ; نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم , فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال : ( الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام )  فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إنه كان من جهة الله تعالى , أي أبلغهم منا السلام ; وعلى الوجهين ففيه دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى . وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ونفر فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ; قال : فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ ! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك )  فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا : لا ; يغفر الله لك يا أخي ; فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في معنى الآية . ويستفاد من هذا احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم ; فإن في ذلك غضب الله , أي حلول عقابه بمن آذى أحدا من أوليائه . وقال ابن عباس : نزلت الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم . وقال الفضيل بن عياض : جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم ; فنزلت الآية . وروي عن أنس بن مالك مثله سواء . كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب ذلك بخبره الصدق , ووعده الحق , فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه . وقيل : كتب ذلك في اللوح المحفوظ . أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ أي خطيئة من غير قصد ; قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الأمر , فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل ; وقد مضى هذا المعنى في { النساء } وقيل : من آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل . ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قرأ بفتح { أن { من { فأنه { ابن عامر وعاصم , وكذلك { أنه من عمل { ووافقهما نافع في { أنه من عمل } . وقرأ الباقون بالكسر فيهما ; فمن كسر فعلى الاستئناف , والجملة مفسرة للرحمة ; و ( إن )  إذا دخلت على الجمل كسرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكسرت لذلك . ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة , بدل الشيء من الشيء وهو هو فأعمل فيها ( كتب )  كأنه قال : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل ; وأما ( فأنه غفور )  بالفتح ففيه وجهان ; أحدهما : أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر , كأنه قال : فله أنه غفور رحيم ; لأن ما بعد الفاء مبتدأ , أي فله غفران الله . الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ تكون ( أن )  وما عملت فيه خبره ; تقديره : فأمره غفران الله له , وهذا اختيار سيبويه , ولم يجز الأول , وأجازه أبو حاتم . وقيل : إن ( كتب )  عمل فيها ; أي كتب ربكم أنه غفور رحيم . وروي عن علي بن صالح وابن هرمز كسر الأولى على الاستئناف , وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدم . ومن فتح الأولى - وهو نافع - جعلها بدلا من الرحمة , واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء , وهي قراءة بينة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
الأية
55
 
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني ; والمعنى : وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين , ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل . وقال القتبي : { نفصل الآيات { نأتي بها شيئا بعد شيء , ولا ننزلها جملة متصلة . وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يقال : هذه اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي تتعلق به ؟ فقال الكوفيون : هو مقدر ; أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين ; قال النحاس : وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه , والتقدير : وكذلك نفصل الآيات فصلناها . وقيل : إن دخول الواو للعطف على المعنى ; أي ليظهر الحق وليستبين , قرئ بالياء والتاء . ( سبيل )  برفع اللام ونصبها , وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم , أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين . فإن قيل : فقد كان النبي عليه السلام يستبينها ؟ فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب لأمته ; فالمعنى : ولتستبينوا سبيل المجرمين . فإن قيل : فلم لم يذكر سبيل المؤمنين ؟ ففي هذا جوابان ; أحدهما : أن يكون مثل قوله : { سرابيل تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] فالمعنى ; وتقيكم البرد ثم حذف ; وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف . والجواب الآخر : أن يقال : استبان الشيء واستبنته ; وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان سبيل المؤمنين . والسبيل يذكر ويؤنث ; فتميم تذكره , وأهل الحجاز تؤنثه ; وفي التنزيل { وإن يروا سبيل الرشد } [ الأعراف : 146 ] مذكر { لم تصدون عن سبيل الله } [ آل عمران : 99 ] مؤنث ; وكذلك قرئ ( ولتستبين )  بالياء والتاء ; فالتاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
الأية
56
 
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قيل : " تدعون { بمعنى تعبدون . وقيل : تدعونهم في مهمات أموركم على جهة العبادة ; أراد بذلك الأصنام . قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ فيما طلبتموه من عبادة هذه الأشياء , ومن طرد من أردتم طرده . قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا أي قد ضللت إن اتبعت أهواءكم . وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي على طريق رشد وهدى . وقرئ { ضللت { بفتح اللام وكسرها وهما لغتان . قال أبو عمرو بن العلاء : ضللت بكسر اللام لغة تميم , وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف , والأولى هي الأصح والأفصح ; لأنها لغة أهل الحجاز , وهي قراءة الجمهور . وقال الجوهري : والضلال والضلالة ضد الرشاد , وقد ضللت أضل , قال الله تعالى : { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي } [ سبأ : 50 ] فهذه لغة نجد , وهي الفصيحة , وأهل العالية يقولون : ضللت بالكسر أضل .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ۚ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ
الأية
57
 
قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي دلالة ويقين وحجة وبرهان , لا على هوى ; ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره . وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بالبينة لأنها في معنى البيان , كما قال : { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه } [ النساء : 8 ] على ما بيناه هناك . وقيل يعود على الرب , أي كذبتم بربي لأنه جرى ذكره . وقيل : بالعذاب . وقيل : بالقرآن . وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مصعب بن عبد الله بن الزبير لنفسه , وكان شاعرا محسنا رضي الله عنه : أأقعد بعدما رجفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني أجادل كل معترض خصيم وأجعل دينه غرضا لديني فأترك ما علمت لرأي غيري وليس الرأي كالعلم اليقين وما أنا والخصومة وهي شيء يصرف في الشمال وفي اليمين وقد سنت لنا سنن قوام يلحن بكل فج أو وجين وكان الحق ليس به خفاء أغر كغرة الفلق المبين وما عوض لنا منهاج جهم بمنهاج ابن آمنة الأمين فأما ما علمت فقد كفاني وأما ما جهلت فجنبوني مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي العذاب ; فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } [ الإسراء : 92 ] { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } [ الأنفال : 32 ] . وقيل : ما عندي من الآيات التي تقترحونها . إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما الحكم إلا لله في تأخير العذاب وتعجيله . وقيل : الحكم الفاصل بين الحق والباطل لله . يَقُصُّ الْحَقَّ أي يقص القصص الحق ; وبه استدل من منع المجاز في القرآن , وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم ومجاهد والأعرج وابن عباس ; قال ابن عباس : قال الله عز وجل : " نحن نقص عليك أحسن القصص } [ يوسف : 3 ] . والباقون { يقض الحق { بالضاد المعجمة , وكذلك قرأ علي - رضي الله عنه - وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب , وهو مكتوب في المصحف بغير ياء , ولا ينبغي الوقف عليه , وهو من القضاء ; ودل على ذلك أن بعده وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ والفصل لا يكون إلا قضاء دون قصص , ويقوي ذلك قوله قبله : { إن الحكم إلا لله { ويقوي ذلك أيضا قراءة ابن مسعود ( إن الحكم إلا لله يقضي بالحق )  فدخول الباء يؤكد معنى القضاء . قال النحاس : هذا لا يلزم ; لأن معنى { يقضي { يأتي ويصنع فالمعنى : يأتي الحق , ويجوز أن يكون المعنى : يقضي القضاء الحق . قال مكي : وقراءة الصاد أحب إلي ; لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك , ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود . قال النحاس : وهذا الاحتجاج لا يلزم ; لأن مثل هذه الباء تحذف كثيرا .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
الأية
58
 
{ قل لو أن عندي ما تستعجلون به { أي من العذاب لأنزلته بكم حتى ينقضي الأمر إلى آخره . والاستعجال : تعجيل طلب الشيء قبل وقته .{ والله أعلم بالظالمين { أي بالمشركين وبوقت عقوبتهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
الأية
59
 
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ جاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف ملك . وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله )  . وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ; والله تعالى يقول : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } [ النمل : 65 ] . ومفاتح جمع مفتح , هذه اللغة الفصيحة . و يقال : مفتاح ويجمع مفاتيح . وهي قراءة ابن السميقع { مفاتيح } . والمفتح عبارة عن كل ما يحل غلقا , محسوسا كان كالقفل على البيت أو معقول كالنظر وروى ابن ماجه في سننه وأبو حاتم البستي في صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه )  . وهو في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان ; ولذلك قال بعضهم : هو مأخوذ من قول الناس افتح علي كذا ; أي أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به . فالله تعالى عنده علم الغيب , وبيده الطرق الموصلة إليه , لا يملكها إلا هو , فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه , ومن شاء حجبه عنها حجبه . ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله ; بدليل قوله تعالى : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } [ آل عمران : 179 ] وقال : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } [ الجن : 26 - 27 ] . الآية وقيل : المراد بالمفاتح خزائن الرزق ; عن السدي والحسن . مقاتل والضحاك : خزائن الأرض . وهذا مجاز , عبر عنها بما يتوصل إليها به . وقيل : غير هذا مما يتضمنه معنى الحديث أي عنده الآجال ووقت انقضائها . وقيل : عواقب الأعمار وخواتم الأعمال ; إلى غير هذا من الأقوال . والأول المختار . والله أعلم . قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه إلا من اصطفى من عباده . فمن قال : إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو كافر , أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا . وكذلك من قال : إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر ; فإن لم يجزم وقال : إن النوء ينزل الله به الماء عادة , وأنه سبب الماء عادة , وأنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر ; إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به , فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر , وجهلا بلطيف حكمته ; لأنه ينزل متى شاء , مرة بنوء كذا , ومرة دون النوء ; قال الله تعالى : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب )  على ما يأتي بيانه في { الواقعة { إن شاء الله . قال ابن العربي : وكذلك قول الطبيب : إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر , وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى , وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى ; وادعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر ولم يفسق . وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر . أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضا . فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا : يؤدب ولا يسجن . أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا : إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله عنه من قوله : { والقمر قدرناه منازل } [ يس : 39 ] . وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة , إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره ; فيشوشون عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به . قلت : ومن هذا الباب أيضا ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى عرافا فسأل عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )  . والعراف هو الحازر والمنجم الذي يدعي علم الغيب . وهي من العرافة وصاحبها عراف , وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها . وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم , وأسباب معتادة في ذلك . وهذا الفن هو العيافة ( بالياء )  . وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة ; قاله القاضي عياض . والكهانة : ادعاء علم الغيب . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب ( الكافي )  : من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء , وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء , وعلى الزمر واللعب والباطل كله . قال علماؤنا : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين , والكهان لا سيما بالديار المصرية ; فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين , بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال , واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل , ومن أديانهم على الفساد والضلال . وكل ذلك من الكبائر ; لقوله عليه السلام : ( لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )  . فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على أقوالهم . روى مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال : ( إنهم ليسوا بشيء )  فقالوا : يا رسول الله , إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة )  . قال الحميدي : ليس ليحيى بن عروة عن أبيه عن عائشة في الصحيح غير هذا وأخرجه البخاري أيضا من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم )  . وسيأتي هذا المعنى في { سبأ { إن شاء الله تعالى . وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر , أي يعلم ما يهلك في البر والبحر . ويقال : يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى , وما في البحر من الدواب ورزق ما فيها { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها { روى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار ولا حبة في ظلمات الأرض إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم رزق فلان بن فلان )  وذلك قوله في محكم كتابه وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها السقط من أولاد بني آدم , والحبة يراد بها الذي ليس بسقط , والرطب يراد به الحي , واليابس يراد به الميت . قال ابن عطية : وهذا قول جار على طريقة الرموز , ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه . وقيل : المعنى { وما تسقط من ورقة { أي من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء , ولا حبة إلا يعلم متى تنبت وكم تنبت ومن يأكلها , { وظلمات الأرض { بطونها وهذا أصح ; فإنه موافق للحديث وهو مقتضى الآية . والله الموفق للهداية . وقيل : { في ظلمات الأرض { يعني الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة .{ ولا رطب ولا يابس { بالخفض عطفا على اللفظ . وقرأ ابن السميقع والحسن وغيرهما بالرفع فيهما عطفا على موضع { من ورقة } ; ف } - من { على هذا للتوكيد إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ أي في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك , لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه , تعالى عن ذلك . وقيل : كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر , أي اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب , فكيف بما فيه ثواب وعقاب .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الأية
60
 
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أي ينيمكم فيقبض نفوسكم التي بها تميزون , وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت . والتوفي استيفاء الشيء . وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره , والذي ينام كأنه استوفى حركاته في اليقظة . والوفاة الموت . وأوفيتك المال , وتوفيته , واستوفيته إذا أخذته أجمع . وقال الشاعر : إن بني الأدرد ليسوا من أحد ولا توفاهم قريش في العدد ويقال : إن الروح إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياة ; ولهذا تكون فيه الحركة والتنفس , فإذا انقضى عمره خرج روحه وتنقطع حياته , وصار ميتا لا يتحرك ولا يتنفس . وقال بعضهم . لا تخرج منه الروح , ولكن يخرج منه الذهن . ويقال : هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى . وهذا أصح الأقاويل , والله أعلم . وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ كسبتم . ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ { ثم يبعثكم فيه { أي في النهار ; ويعني اليقظة . { ليقضى أجل مسمى } أي ليستوفي كل إنسان أجلا ضرب له . وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرف { ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى { أي عنده .{ وجرحتم { كسبتم وقد تقدم في المائدة وفي الآية تقديم وتأخير , والتقدير وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه ; فقدم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار . وقال ابن جريج { ثم يبعثكم فيه { أي في المنام . ومعنى الآية : إن إمهاله تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شيء عددا وعلمه وأثبته , ولكن ليقضي أجلا مسمى من رزق وحياة , ثم يرجعون إليه فيجازيهم . وقد دل على الحشر والنشر بالبعث ; لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ
الأية
61
 
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ يعني فوقية المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة . على ما تقدم بيانه أول السورة وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي من الملائكة . والإرسال حقيقته إطلاق الشيء بما حمل من الرسالة ; فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا به , كما قال : { وإن عليكم لحافظين } [ الانفطار : 10 ] أي ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات . والحفظة جمع حافظ , مثل الكتبة والكاتب . ويقال : إنهما ملكان بالليل وملكان بالنهار , يكتب أحدهما الخير والآخر الشر , إذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين يديه والآخر وراءه , وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ; لقوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } [ ق : 17 ] . ويقال : لكل إنسان خمسة من الملائكة : اثنان بالليل , واثنان بالنهار , والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا . والله أعلم . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ومن الناس من يعيش شقيا جاهل القلب غافل اليقظه فإذا كان ذا وفاء ورأي حذر الموت واتقى الحفظه إنما الناس راحل ومقيم فالذي بان للمقيم عظه حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يريد أسبابه . كما تقدم في البقرة تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا على تأنيث الجماعة ; كما قال : { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات } [ المائدة : 32 ] و { كذبت رسل " [ فاطر : 4 ] . وقرأ حمزة { توفاه رسلنا { على تذكير الجمع . وقرأ الأعمش { تتوفاه رسلنا { بزيادة تاء والتذكير . والمراد أعوان ملك الموت ; قاله ابن عباس وغيره . ويروى أنهم يسلون الروح من الجسد حتى إذا كان عند قبضها قبضها ملك الموت . وقال الكلبي : يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرا . ويقال : معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب ; فإذا قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء , إذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها , ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين , وروح المؤمن إلى عليين . والتوفي تارة يضاف إلى ملك الموت ; كما قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } [ السجدة : 11 ] وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك ; كما في هذه الآية وغيرها . وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة ; كما قال : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } [ الزمر : 42 ] { قل الله يحييكم ثم يميتكم } [ الجاثية : 26 ] { الذي خلق الموت والحياة } [ الملك : 2 ] فكل مأمور من الملائكة فإنما يفعل ما أمر به . وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ أي لا يضيعون ولا يقصرون , أي يطيعون أمر الله . وأصله من التقدم , كما تقدم . فمعنى فرط قدم العجز . وقال أبو عبيدة : لا يتوانون . وقرأ عبيد بن عمير { لا يفرطون { بالتخفيف , أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ
الأية
62
 
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ أي ردهم الله بالبعث للحساب . مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أي خالقهم ورازقهم وباعثهم ومالكهم .{ الحق { بالخفض قراءة الجمهور , على النعت والصفة لاسم الله تعالى . وقرأ الحسن { الحق { بالنصب على إضمار أعني , أو على المصدر , أي حقا . أَلَا لَهُ الْحُكْمُ أي اعلموا وقولوا له الحكم وحده يوم القيامة , أي القضاء والفصل . وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ أي لا يحتاج إلى فكرة وروية ولا عقد يد . وقد تقدم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
الأية
63
 
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً أي شدائدهما ; يقال : يوم مظلم أي شديد . قال النحاس : والعرب تقول : يوم مظلم إذا كان شديدا , فإن عظمت ذلك قالت : يوم ذو كواكب ; وأنشد سيبويه : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا وجمع { الظلمات { على أنه يعني ظلمة البر وظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة الغيم , أي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك دعوتموه لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ أي من هذه الشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي من الطائعين . فوبخهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد , وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله : { ثم أنتم تشركون } . وقرأ الأعمش { وخيفة { من الخوف , وقرأ أبو بكر عن عاصم { خفية { بكسر الخاء , والباقون بضمها , لغتان . وزاد الفراء خفوة وخفوة . قال : ونظيره حبية وحبية وحبوة وحبوة . وقراءة الأعمش بعيدة ; لأن معنى { تضرعا { أن تظهروا التذلل و { خفية { أن تبطنوا مثل ذلك . وقرأ الكوفيون { لئن أنجانا { واتساق المعنى بالتاء ; كما قرأ أهل المدينة وأهل الشام .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
الأية
64
 
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ وقرأ الكوفيون { ينجيكم } بالتشديد , الباقون بالتخفيف . قيل : معناهما واحد مثل نجا وأنجيته ونجيته . وقيل : التشديد للتكثير . والكرب : الغم يأخذ بالنفس ; يقال منه : رجل مكروب . قال عنترة : ومكروب كشفت الكرب عنه بطعنة فيصل لما دعاني والكربة مشتقة من ذلك . ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ تقريع وتوبيخ ; مثل قوله في أول السورة { ثم أنتم تمترون } . لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص , وهم قد جعلوا بدلا منه وهو الإشراك ; فحسن أن يقرعوا ويوبخوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
الأية
65
 
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا أي القادر على إنجائكم من الكرب , قادر على تعذيبكم . مِنْ فَوْقِكُمْ الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح ; كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح ; عن مجاهد وابن جبير وغيرهما . أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ الخسف والرجفة ; كما فعل بقارون وأصحاب مدين . وقيل : { من فوقكم { يعني الأمراء الظلمة , { ومن تحت أرجلكم { يعني السفلة وعبيد السوء ; عن ابن عباس ومجاهد أيضا . أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وروي عن أبي عبد الله المدني { أو يلبسكم { بضم الياء , أي يجللكم العذاب ويعمكم به , وهذا من اللبس بضم الأول , وقراءة الفتح من اللبس . وهو موضع مشكل والأعراب يبينه . أي يلبس عليكم أمركم , فحذف أحد المفعولين وحرف الجر ; كما قال : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } [ المطففين : 3 ] وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء ; عن ابن عباس . وقيل : معنى { يلبسكم شيعا { يقوي عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبسكم .{ شيعا { معناه فرقا . وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا ; وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم على طلب الدنيا . وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ أي بالحرب والقتل في الفتنة ; عن مجاهد . والآية عامة في المسلمين والكفار . وقيل هي في الكفار خاصة . وقال الحسن : هي في أهل الصلاة . قلت : وهو الصحيح ; فإنه المشاهد في الوجود , فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا , مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض . نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن . وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم . روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بإقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا )  . وروى النسائي عن خباب بن الأرت , وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر , فلما سلم رسول الله من صلاته جاءه خباب فقال : يا رسول الله , بأبي أنت وأمي ! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت الله عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها )  . وقد أتينا على هذه الأخبار في كتاب ( التذكرة )  والحمد لله . وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك )  ؟ فقال له جبريل : ( إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك )  فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى وأحسن الصلاة , ثم دعا فنزل جبريل وقال : ( يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم )  . فقال : ( يا جبريل ما بقاء أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض )  ؟ فنزل جبريل بهذه الآية : { الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } [ العنكبوت : 1 - 2 ] الآية . وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجه الله { فلما نزلت { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض { قال : ( هاتان أهون )  . وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة . اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي . اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي )  . قال وكيع : يعني الخسف . انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ أي نبين لهم الحجج والدلالات . لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ يريد بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
الأية
66
 
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أي بالقرآن . وقرأ ابن أبي عبلة { وكذبت } . بالتاء . وَهُوَ الْحَقُّ أي القصص الحق . قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ قال الحسن : لست بحافظ أعمالكم حتى أجازيكم عليها , إنما أنا منذر وقد بلغت ; نظيره { وما أنا عليكم بحفيظ " [ هود : 86 ] أي أحفظ عليكم أعمالكم . ثم قيل : هذا منسوخ بآية القتال . وقيل : ليس بمنسوخ , إذ لم يكن في وسعه إيمانهم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
الأية
67
 
لكل خبر حقيقة , أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر . وقيل : أي لكل عمل جزاء . قال الحسن : هذا وعيد من الله تعالى للكفار ; لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث . الزجاج : يجوز أن يكون وعيدا بما ينزل بهم في الدنيا . قال السدي : استقر يوم بدر ما كان يعدهم به من العذاب . وذكر الثعلبي أنه رأى في بعض التفاسير أن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع على السن .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الأية
68
 
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ قوله تعالى { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم { فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا { بالتكذيب والرد والاستهزاء { فأعرض عنهم { والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه . وهو صحيح ; فإن العلة سماع الخوض في آيات الله , وذلك يشملهم وإياه . وقيل : المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده ; لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم , ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك ; فأمر أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء . والخوض أصله في الماء , ثم استعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل , تشبيها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول . وقيل : هو مأخوذ من الخلط . وكل شيء خضته فقد خلطته ; ومنه خاض الماء بالعسل خلطه فأدب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ; لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزئون بالقرآن ; فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر . ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه . وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا { قال : هم الذين يستهزئون بكتاب الله , نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام . وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : هم الذين يقولون في القرآن غير الحق . الثانية في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية . وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه أنه قال : لا تجالسوا أهل الخصومات , فإنهم الذين يخوضون في آيات الله . قال ابن العربي : وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل . قال ابن خويز منداد : من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر , مؤمنا كان أو كافرا . قال : وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع , ومجالس الكفار وأهل البدع , وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم . وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي : اسمع مني كلمة , فأعرض عنه وقال : ولا نصف كلمة . ومثله عن أيوب السختياني . وقال الفضيل بن عياض : من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه , ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها , ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة , وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له . وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام )  . فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم . وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : { وإما ينسينك } " إما { شرط , فيلزمها النون الثقيلة في الأغلب وقد لا تلزم ; كما قال : إما يصبك عدو في مناوأة يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر وقرأ ابن عباس وابن عامر { ينسينك { بتشديد السين على التكثير ; يقال : نسى وأنسى بمعنى واحد لغتان ; قال الشاعر : قالت سليمى أتسري اليوم أم تقل وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل وقال امرؤ القيس : تنسيني إذا قمت سربالي المعنى : يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهي { فلا تقعد بعد الذكرى { أي إذا ذكرت فلا تقعد { مع القوم الظالمين { يعني المشركين . والذكرى اسم للتذكير . قيل : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ; ذهبوا إلى تبرئته عليه السلام من النسيان . وقيل : هو خاص به , والنسيان جائز عليه . قال ابن العربي : وإن عذرنا أصحابنا في قولهم إن قوله تعالى : { لإن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] خطاب للأمة باسم النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه , فلا عذر لهم في هذا لجواز النسيان عليه . قال عليه السلام ; ( نسي آدم فنسيت ذريته )  خرجه الترمذي وصححه . وقال مخبرا عن نفسه : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني )  . خرجه في الصحيح , فأضاف النسيان إليه . وقال وقد سمع قراءة رجل : ( لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها )  . واختلفوا بعد جواز النسيان عليه ; هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا ؟ فذهب إلى الأول فيما ذكره القاضي عياض عامة العلماء والأئمة النظار ; كما هو ظاهر القرآن والأحاديث , لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه . ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور , وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء , أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم عمره وينقطع تبليغه , وإليه نحا أبو المعالي . ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية ; كما منعوه اتفاقا في الأقوال البلاغية , واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك ; وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق . وشذت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب فقالوا : لا يجوز النسيان عليه , وإنما ينسى قصدا ويتعمد صورة النسيان ليسن . ونحا إلى هذا عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه ( الأوسط )  وهو منحى غير سديد , وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
الأية
69
 
قال ابن عباس : لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله : { فأعرض عنهم } قال المسلمون : لا يمكننا دخول المسجد والطواف ; فنزلت هذه الآية .{ ولكن ذكرى { أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكروهم .{ لعلهم يتقون { الله في ترك ما هم فيه . ثم قيل : نسخ هذا بقوله : { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [ النساء : 140 ] . وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية . وأشار بقوله : { وقد نزل عليكم في الكتاب } [ النساء : 140 ] إلى قوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } [ الأنعام : 70 ] . قال القشيري : والأظهر أن الآية ليست منسوخة . والمعنى : ما عليكم شيء من حساب المشركين , فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله . و } ذكرى { في موضع نصب على المصدر , ويجوز أن تكون في موضع رفع ; أي ولكن الذي يفعلونه ذكرى , أي ولكن عليهم ذكرى . وقال الكسائي : المعنى ولكن هذه ذكرى .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
الأية
70
 
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا قال القشيري : والأظهر أن الآية ليست منسوخة . والمعنى : ما عليكم شيء من حساب المشركين , فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله . و { ذكرى { في موضع نصب على المصدر , ويجوز أن تكون في موضع رفع ; أي ولكن الذي يفعلونه ذكرى , أي ولكن عليهم ذكرى . وقال الكسائي : المعنى ولكن هذه ذكرى . أي لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت إن كنت مأمورا بوعظهم . قال قتادة : هذا منسوخ , نسخه { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] . ومعنى { لعبا ولهوا { أي استهزاء بالدين الذي دعوتهم إليه . وقيل : استهزءوا بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به . والاستهزاء ليس مسوغا في دين . وقيل : { لعبا ولهوا } باطلا وفرحا , وقد تقدم هذا . وجاء اللعب مقدما في أربعة مواضع , وقد نظمت . إذا أتى لعب ولهو وكم من موضع هو في القرآن فحرف في الحديد وفي القتال وفي الأنعام منها موضعان وقيل : المراد بالدين هنا العيد . قال الكلبي : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى , وكل قوم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم اتخذوه صلاة وذكرا وحضورا بالصدقة , مثل الجمعة والفطر والنحر . وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أي لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا . وَذَكِّرْ بِهِ أي بالقرآن أو بالحساب . أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ أي ترتهن وتسلم للهلكة ; عن مجاهد وقتادة والحسن وعكرمة والسدي . والإبسال : تسليم المرء للهلاك ; هذا هو المعروف في اللغة . أبسلت ولدي أرهنته ; قال عوف بن الأحوص بن جعفر : وإبسالي بني بغير جرم بعوناه ولا بدم مراق { بعوناه { بالعين المهملة معناه جنيناه . والبعو الجناية . وكان حمل عن غني لبني قشير دم ابني السجيفة فقالوا : لا نرضى بك ; فرهنهم بنيه طلبا للصلح . وأنشد النابغة الجعدي : ونحن رهنا بالأفاقة عامرا بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا الدرداء : كتيبة كانت لهم . لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ أي ليس للكافرين من ولي يمنع من عذابهم ولا شفيع . ويجوز الرفع على الموضع . وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ العدل الفدية , وقد تقدم في [ البقرة ] . والحميم الماء الحار ; وفي التنزيل { يصب من فوق رءوسهم الحميم } [ الحج : 19 ] الآية .{ يطوفون بينها وبين حميم آن } [ الرحمن : 44 ] . والآية منسوخة بآية القتال . وقيل : ليست بمنسوخة ; لأن قول : { وذر الذين اتخذوا دينهم { تهديد ; كقول : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } [ الحجر : 3 ] . ومعناه لا تحزن عليهم ; فإنما عليك التبليغ والتذكير بإبسال النفوس . فمن أبسل فقد أسلم وارتهن . وقيل : أصله التحريم , من قولهم : هذا بسل عليك أي حرام ; فكأنهم حرموا الجنة وحرمت عليهم الجنة . قال الشاعر : أجارتكم بسل علينا محرم وجارتنا حل لكم وحليلها والإبسال : التحريم .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
الأية
71
 
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا أي ما لا ينفعنا إن دعوناه . وَلَا يَضُرُّنَا إن تركناه ; يريد الأصنام . وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى . وواحد الأعقاب عقب وهو مؤنث , وتصغيره عقيبة . يقال : رجع فلان على عقبيه , إذا أدبر . قال أبو عبيدة : يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه . وقال المبرد : معناه تعقب بالشر بعد الخير . وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان تاليا للشيء واجبا أن يتبعه ; ومنه { والعاقبة للمتقين } [ الأعراف : 128 ] . ومنه عقب الرجل . ومنه العقوبة , لأنها تالية للذنب , وعنه تكون . كَالَّذِي الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف . اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ أي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه . يقال : هوى يهوي إلى الشيء أسرع إليه . وقال الزجاج : هو من هوى يهوى , من هوى النفس ; أي زين له الشيطان هواه . وقراءة الجماعة { استهوته { أي هوت به , على تأنيث الجماعة . وقرأ حمزة { استهواه الشياطين { على تذكير الجمع . وروي عن ابن مسعود { استهواه الشيطان } , وروي عن الحسن , وهو كذلك في حرف أبي . ومعنى { ائتنا } تابعنا . وفي قراءة عبد الله أيضا { يدعونه إلى الهدى بينا } . وعن الحسن أيضا } استهوته الشياطون } .{ حيران { نصب على الحال , ولم ينصرف لأن أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى . والحيران هو الذي لا يهتدي لجهة أمره . وقد حار يحار حيرا وحيرة وحيرورة , أي تردد . وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا , والجمع حوران . والحائر الموضع الذي يتحير فيه الماء . قال الشاعر : تخطو على برديتين غذاهما غدق بساحة حائر يعبوب قال ابن عباس : أي مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح وقد ألقته في مضلة ومهلكة ; فهو حائر في تلك المهامه . وقال في رواية أبي صالح : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق , كان يدعو أباه إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام والمسلمون ; لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى فيأبى . قال أبو عمر : أمه أم رومان بنت الحارث بن غنم الكنانية ; فهو شقيق عائشة . وشهد عبد الرحمن بن أبي بكر بدرا وأحدا مع قومه وهو كافر , ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ( متعني بنفسك )  . ثم أسلم وحسن إسلامه , وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية . هذا قول أهل السير . قالوا : كان اسمه عبد الكعبة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الرحمن , وكان أسن ولد أبي بكر . ويقال : إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ولاء : أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبد الرحمن . والله أعلم . وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ اللام لام كي , أي أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة ; لأن حروف الإضافة يعطف بعضها على بعض . قال الفراء : المعنى أمرنا بأن نسلم ; لأن العرب تقول : أمرتك لتذهب , وبأن تذهب بمعنى . قال النحاس : سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول هي لام الخفض , واللامات كلها ثلاث : لام خفض ولام أمر ولام توكيد , لا يخرج شيء عنها . والإسلام الإخلاص .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
الأية
72
 
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وإقامة الصلاة الإتيان بها والدوام عليها . ويجوز أن يكون { وأن أقيموا الصلاة { عطفا على المعنى , أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة ; لأن معنى ائتنا أن ائتنا . وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ابتداء وخبر .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
الأية
73
 
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أي فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام . بِالْحَقِّ أي بكلمة الحق . يعني قوله { كن } . وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ أي واذكر يوم يقول كن . أو اتقوا يوم يقول كن . أو قدر يوم يقول كن . وقيل : هو عطف على الهاء في قوله : { واتقوه { قال الفراء : { كن فيكون { يقال : إنه للصور خاصة ; أي ويوم يقول للصور كن فيكون . وقيل : المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم وعلى هذين التأويلين يكون قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ ابتداء وخبرا . وقيل : إن قوله تعالى : { قوله { رفع بيكون ; أي فيكون ما يأمر به .{ الحق } من نعته . ويكون التمام على هذا { فيكون قوله الحق } . وقرأ ابن عامر { فيكون } بالنصب , وهو إشارة إلى سرعة الحساب والبعث . وقد تقدم في [ البقرة ] القول فيه مستوفى . يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي وله الملك يوم ينفخ في الصور . أو وله الحق يوم ينفخ في الصور . وقيل : هو بدل من { يوم يقول } . والصور قرن من نور ينفخ فيه , النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء . وليس جمع صورة كما زعم بعضهم ; أي ينفخ في صور الموتى على ما نبينه . روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ( . . . ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا - قال - وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله - قال - فيصعق ويصعق الناس ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون )  وذكر الحديث . وكذا في التنزيل { ثم نفخ فيه أخرى } [ الزمر : 68 ] ولم يقل فيها ; فعلم أنه ليس جمع الصورة . والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام . قال أبو الهيثم : من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط , وطلب لها تأويلات . قال ابن فارس : الصور الذي في الحديث كالقرن ينفخ فيه , والصور جمع صورة . وقال الجوهري : الصور القرن . قال الراجز : لقد نطحناهم غداة الجمعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين ومنه قوله : { ويوم ينفخ في الصور } . قال الكلبي : لا أدري ما هو الصور . ويقال : هو جمع صورة مثل بسرة وبسر ; أي ينفخ في صور الموتى والأرواح . وقرأ الحسن { يوم ينفخ في الصور } . والصور ( بكسر الصاد )  لغة في الصور جمع صورة والجمع صوار , وصيار ( بالياء )  لغة فيه . وقال عمرو بن عبيد : قرأ عياض { يوم ينفخ في الصور { فهذا يعني به الخلق . والله أعلم . قلت : وممن قال إن المراد بالصور في هذه الآية جمع صورة أبو عبيدة . وهذا وإن كان محتملا فهو مردود بما ذكرناه من الكتاب والسنة . وأيضا لا ينفخ في الصور للبعث مرتين ; بل ينفخ فيه مرة واحدة ; فإسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور الذي هو القرن والله عز وجل يحيي الصور . وفي التنزيل } فنفخنا فيه من روحنا } [ التحريم : 12 ] . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ برفع { عالم { صفة ل { الذي } ; أي وهو الذي خلق السموات والأرض عالم الغيب . ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدإ . وقد روي عن بعضهم أنه قرأ } ينفخ { فيجوز أن يكون الفاعل { عالم الغيب } ; لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله عز وجل كان منسوبا إلى الله تعالى . ويجوز أن يكون ارتفع { عالم { حملا على المعنى ; كما أنشد سيبويه : ليبك يزيد ضارع لخصومة وقرأ الحسن والأعمش { عالم { بالخفض على البدل من الهاء التي في { له } .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
الأية
74
 
تكلم العلماء في هذا ; فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجويني الشافعي الأشعري في النكت من التفسير له : وليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارح . والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر . وقيل : آزر عندهم ذم في لغتهم ; كأنه قال : وإذ قال لأبيه يا مخطئ { أتتخذ أصناما آلهة { وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع . وقيل : آزر اسم صنم . وإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل ; كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها , أتتخذ أصناما آلهة . قلت : ما ادعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق ; فقد قال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك : إن آزر أبو إبراهيم عليه السلام وهو تارخ , مثل إسرائيل ويعقوب ; قلت فيكون له اسمان كما تقدم . وقال مقاتل : آزر لقب , وتارخ اسم : وحكاه الثعلبي عن ابن إسحاق القشيري . ويجوز أن يكون على العكس . قال الحسن : كان اسم أبيه آزر . وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب , ومعناه في كلامهم : المعوج . وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : بلغني أنها أعوج , وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه . وقال الضحاك : معنى آزر الشيخ الهم بالفارسية . وقال الفراء : هي صفة ذم بلغتهم ; كأنه قال يا مخطئ ; فيمن رفعه . أو كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ ; فيمن خفض . ولا ينصرف لأنه على أفعل ; قاله النحاس . وقال الجوهري : آزر اسم أعجمي , وهو مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه ; فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام وقيل : هو مشتق من القوة , والأزر القوة ; عن ابن فارس . وقال مجاهد ويمان : آزر اسم صنم . وهو في هذا التأويل في موضع نصب , التقدير : أتتخذ آزر إلها , أتتخذ أصناما . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير , التقدير : أتتخذ آزر أصناما . قلت : فعلى هذا آزر اسم جنس . والله أعلم . وقال الثعلبي في كتاب العرائس : إن اسم أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارح , فلما صار مع النمروذ قيما على خزانة آلهته سماه آزر . وقال مجاهد : إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم . وهو إبراهيم بن تارح بن ناخور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام . و { آزر { فيه قراءات : { أإزرا { بهمزتين , الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ; عن ابن عباس . وعنه { أأزرا { بهمزتين مفتوحتين . وقرئ بالرفع , وروي ذلك عن ابن عباس . وعلى القراءتين الأوليين عنه { تتخذ { بغير همزة . قال المهدوي : أإزرا ؟ فقيل : إنه اسم صنم ; فهو منصوب على تقدير أتتخذ إزرا , وكذلك أأزرا . ويجوز أن يجعل أإزرا على أنه مشتق من الأزر وهو الظهر فيكون مفعولا من أجله ; كأنه قال : أللقوة تتخذ أصناما . ويجوز أن يكون إزر بمعنى وزر , أبدلت الواو همزة . قال القشيري : ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم ورده على أبيه في عبادة الأصنام . وأولى الناس باتباع إبراهيم العرب ; فإنهم ذريته . أي واذكر إذ قال إبراهيم . أو { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت } [ الأنعام : 70 ] وذكر إذ قال إبراهيم . وقرئ { آزر { أي يا آزر , على النداء المفرد , وهي قراءة أبي ويعقوب وغيرهما . وهو يقوي قول من يقول : إن آزر اسم أب إبراهيم .{ أتتخذ أصناما آلهة { مفعولان لتتخذ وهو استفهام فيه معنى الإنكار .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
الأية
75
 
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي ملك , وزيدت الواو والتاء للمبالغة في الصفة . ومثله الرغبوت والرهبوت والجبروت . وقرأ أبو السمال العدوي { ملكوت { بإسكان اللام . ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفتها , ولعلها لغة . و { نري { بمعنى أرينا ; فهو بمعنى المضي . فقيل : أراد به ما في السموات من عبادة الملائكة والعجائب وما في الأرض من عصيان بني آدم ; فكان يدعو على من يراه يعصي فيهلكه الله , فأوحى الله إليه يا إبراهيم أمسك عن عبادي , أما علمت أن من أسمائي الصبور . روى معناه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : كشف الله له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين . وروى ابن جريج عن القاسم عن إبراهيم النخعي قال : فرجت له السموات السبع فنظر إليهن حتى انتهى إلى العرش , وفرجت له الأرضون فنظر إليهن , ورأى مكانه في الجنة ; فذلك قوله : { وآتيناه أجره في الدنيا " [ العنكبوت : 27 ] عن السدي . وقال الضحاك : أراه من ملكوت السماء ما قصه من الكواكب , ومن ملكوت الأرض البحار والجبال والأشجار , ونحو ذلك مما استدل به . وقال بنحوه ابن عباس . وقال : جعل حين ولد في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها , وكان نمروذ اللعين رأى رؤيا فعبرت له أنه يذهب ملكه على يدي مولود يولد ; فأمر بعزل الرجال عن النساء . وقيل : أمر بقتل كل مولود ذكر . وكان آزر من المقربين عند الملك نمروذ فأرسله يوما في بعض حوائجه فواقع امرأته فحملت بإبراهيم . وقيل : بل واقعها في بيت الأصنام فحملت وخرت الأصنام على وجوهها حينئذ ; فحملها إلى بعض الشعاب حتى ولدت إبراهيم , وحفر لإبراهيم سربا في الأرض ووضع على بابه صخرة لئلا تفترسه السباع ; وكانت أمه تختلف إليه فترضعه , وكانت تجده يمص أصابعه , من أحدها عسل ومن الآخر ماء ومن الآخر لبن , وشب فكان على سنة مثل ابن ثلاث سنين . فلما أخرجه من السرب توهمه الناس أنه ولد منذ سنين ; فقال لأمه : من ربي ؟ فقالت أنا . فقال : ومن ربك ؟ قالت أبوك . قال : ومن ربه ؟ قالت نمروذ . قال : ومن ربه ؟ فلطمته , وعلمت أنه الذي يذهب ملكهم على يديه . والقصص في هذا تام في قصص الأنبياء للكسائي , وهو كتاب مما يقتدى به . وقال بعضهم : كان مولده بحران ولكن أبوه نقله إلى أرض بابل . وقال عامة السلف من أهل العلم : ولد إبراهيم في زمن النمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن سام بن نوح . وقد مضى ذكره في { البقرة } . وكان بين الطوفان وبين مولد إبراهيم ألف ومائتا سنة وثلاث وستون سنة ; وذلك بعد خلق آدم بثلاث آلاف سنة وثلاثمائة سنة وثلاثين سنة . وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك ; أي الملكوت .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
الأية
76
 
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أي ستره بظلمته , ومنه الجنة والجنة والجنة والجنين والمجن والجن كله بمعنى الستر . وجنان الليل ادلهمامه وستره . قال الشاعر : ولولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب ويقال : جنون الليل أيضا . ويقال : جنه الليل وأجنه الليل لغتان . رَأَى كَوْكَبًا هذه قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه . فقيل : رأى ذلك من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب . وقيل : لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس فرأى الإبل والخيل والغنم فقال : لا بد لها من رب . ورأى المشتري أو الزهرة ثم القمر ثم الشمس , وكان هذا في آخر الشهر . قال محمد بن إسحاق : وكان ابن خمس عشرة سنة . وقيل : ابن سبع سنين . وقيل : لما حاج نمروذا كان ابن سبع عشرة سنة . قَالَ هَذَا رَبِّي اختلف في معناه على أقوال ; فقيل : كان هذا منه في مهلة النظر وحال الطفولية وقبل قيام الحجة ; وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان . فاستدل قائلو هذه المقالة بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي { فعبده حتى غاب عنه , وكذلك الشمس والقمر ; فلما تم نظره قال : { إني بريء مما تشركون } [ الأنعام : 78 ] . واستدل بالأفول ; لأنه أظهر الآيات على الحدوث . وقال قوم : هذا لا يصح ; وقالوا : غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف , ومن كل معبود سواه بريء . قالوا : وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل , وأراه ملكوته ليكون من الموقنين , ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة , بل عرف الرب أول النظر . قال الزجاج : هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله ; وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] وقال جل وعز : { إذ جاء ربه بقلب سليم } [ الصافات : 84 ] أي لم يشرك به قط . قال : والجواب عندي أنه قال { هذا ربي { على قولكم ; لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ; ونظير هذا قوله تعالى : { أين شركائي } [ النحل : 27 ] وهو جل وعلا واحد لا شريك له . والمعنى : أين شركائي على قولكم . وقيل : لما خرج إبراهيم من السرب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربه ; فظن أنه ضوءه قال : { هذا ربي { أي بأنه يتراءى لي نوره . فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ علم أنه ليس بربه .{ فلما رأى القمر بازغا } [ الأنعام : 77 ] ونظر إلى ضوئه { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } [ الأنعام : 77 ] . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } [ الأنعام : 78 ] وليس هذا شركا . إنما نسب ذلك الضوء إلى ربه فلما رآه زائلا دله العلم على أنه غير مستحق لذلك ; فنفاه بقلبه وعلم أنه مربوب وليس برب . وقيل : إنما قال { هذا ربي { لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم ; فلما أفل النجم قرر الحجة وقال : ما تغير لا يجوز أن يكون ربا . وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها . وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال في قول الله عز وجل : { نور على نور } [ النور : 35 ] قال : كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدل عليه بقلبه , فإذا عرفه ازداد نورا على نور ; وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل بقلبه واستدل عليه بدلائله , فعلم أن له ربا وخالقا . فلما عرفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال : { أتحاجوني في الله وقد هدان } [ الأنعام : 80 ] . وقيل : هو على معنى الاستفهام والتوبيخ , منكرا لفعلهم . والمعنى : أهذا ربي , أومثل هذا يكون ربا ؟ فحذف الهمزة . وفي التنزيل } أفإن مت فهم الخالدون } [ الأنبياء : 34 ] أي أفهم الخالدون . وقال الهذلي : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم آخر : لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان وقيل : المعنى هذا ربي على زعمكم ; كما قال تعالى : { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } [ القصص : 74 ] . وقال : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] أي عند نفسك . وقيل : المعنى أي وأنتم تقولون هذا ربي ; فأضمر القول , وإضماره في القرآن كثير . وقيل : المعنى في هذا ربي ; أي هذا دليل على ربي .

 
Tafseer Al-Qurtoubiy  تفسير القرطبي
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
الأية
77
 
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا أي طالعا . يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع , والبزغ الشق ; كأنه يشق بنوره الظلمة ; ومنه بزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها . قَالَ هَذَا رَبِّي اختلف في معناه على أقوال ; فقيل : كان هذا منه في مهلة النظر وحال الطفولية وقبل قيام الحجة ; وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان . فاستدل قائلو هذه المقالة بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي { فعبده حتى غاب عنه , وكذلك الشمس والقمر ; فلما تم نظره قال : { إني بريء مما تشركون } [ الأنعام : 78 ] . واستدل بالأفول ; لأنه أظهر الآيات على الحدوث . وقال قوم : هذا لا يصح ; وقالوا : غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف , ومن كل معبود سواه بريء . قالوا : وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل , وأراه ملكوته ليكون من الموقنين , ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة , بل عرف الرب أول النظر . قال الزجاج : هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله ; وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] وقال جل وعز : { إذ جاء ربه بقلب سليم } [ الصافات : 84 ] أي لم يشرك به قط . قال : والجواب عندي أنه قال { هذا ربي { على قولكم ; لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ; ونظير هذا قوله تعالى : { أين شرك